|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
حوار مع مقال (في المجتمع المدني) ـــ علي عثمان يمكن القول قبل كل شيء، أن القوى اليسارية والتقدمية عموماً، تتفاوت في إتقانها لغة الحوار مع المخالفين بالرأي، لكنها بصورة عامة لا تتقن هذه اللغة قدر إتقانها لغة الجدال والتمترس. الحوار اعتراف بالآخر، وحقه بالتعبير، ومد الجسور للتواصل معه بغية الوصول إلى أرضية مشتركة تخدم الأهداف التي يبغيها الحوار. أما الجدال فهو تقديم الحجة مقابل الحجة، لإثبات وجهات نظر متخالفة متباينة ولدحض الخاطئ أو ما يُظن إنه كذلك. لقد نشأت القوى اليسارية والتقدمية عموماً في خضم المعارك الفكرية والسياسية وأحياناً العسكرية، مع أعداء شرسين من امبرياليين أو أعداء طبقيين، مما أعطى للجدال والسجال والتمترس ما يبرره. غير أن عدم التفات القوى التقدمية إلى منهجية الحوار ولا سيما فيما بينها، نقل الكثير من المعارك إلى داخلها، وجعلها تقترف بعضها بحق البعض الآخر الكثير من الأخطاء والجرائم في أحيان غير قليلة، مما أدى إلى إضعاف القوى الوطنية والتقدمية وبعثرة صفوفها. في هذا الحوار مع المقال المطوّل أو /البحث/ في المجتمع المدني /للدكتور علي عقلة عرسان، المنشور في المجلة الفصلية (الفكر السياسي)، الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب العدد الخامس عشر. خريف شتاء 2001م-2002م. فهل نستطيع أن نجعل من الجدال حواراً ومن الحوار جدالاً، كمنهج يساعدنا على التعاطي مع هذا البحث أو المقال المطوّل، الذي أورد الكثير من الأفكار والرؤى التي تمس قضايانا الراهنة والمستقبلية، في الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وفي نضالنا الوطني ضد الامبريالية والصهيونية. قبل توصيف الحياة السياسية. يمكن طرح الأسئلة التالية: هل الحياة السياسية تحتاج إلى تفعيل؟ وهل يمكن تفعيلها بنفس الآليات الموجودة دون سواها، أم بإضافة آليات جديدة تضاف إلى القديمة أو لتكون بديلاً عن القديمة؟ وذلك بغية الوصول إلى أوسع مشاركة جماهيرية في الحياة السياسية بالتالي الوصول إلى أفضل تمثيل للشعب على مستوى السلطة السياسية والمشاركة في صنع القرار. سيجاب على الأسئلة السابقة- حسب تصورنا- على النحو التالي: 1-ليست الحياة السياسية بحاجة إلى تفعيل، لأن كل شيء على ما يرام. أو: 2-نعم بحاجة إلى تفعيل ولكن بنفس الآليات دون جديد. أو: 3-نعم لا بد من تفعيل الحياة السياسية بتغيير كل آليات العمل السياسي. 4-نعم يجب تفعيل الحياة السياسية ولكن بتطوير وتحديث الآليات الموجودة كل جواب وله شرعية الوجود. كما أن قوى طبقية، وسياسية واجتماعية لها مصلحة بهذه الدرجة أو تلك بالجواب على هذا السؤال دون ذاك. بناء على توصيف الحياة السياسية يمكن رؤية أي من هذه الأجوبة هو الأصلح والأفضل. وقد جاء هذا التوصيف في /المقال المذكور على النحو التالي ص 10 من المقال: (وجاءت أنظمة حكم اشتراكية أو شيوعية تميزت بالشمولية و... سيطرت أحزاب (تقدمية) على الحكم في كثير من البلدان، وفرضت باسم العدالة والديمقراطية المركزية، أو المركزية الديمقراطية، والتقدمية وثورة الفقراء... وفرضت نظاماً كانت سمته العامة: السيطرة بالقوة من خلال التنظيم على كل من هم خارج التنظيم...) ويتابع المقال: (لم يرسخ هذا التوجه الأخير ممارسة ديمقراطية شاملة، ودقيقة، وسليمة، على الرغم من تمسكه بشعار الديمقراطية والظهور بمظهر المحتكر لها نظرياً على الأقل. فقد كانت الديمقراطية: 1-تغيب أو تغيّب، أو تشوه مفاهيمها وممارستها. 2-كانت تركز أحياناً في أطر التنظيم أو في بعض أطره ومستوياته، وكان هذا يؤدي إلى حرمان بقية أفراد الشعب من الممارسة الديمقراطية. 3-وكانت الجهات المعنية أو المشرفة أو الوصية، سياسياً واجتماعياً، تكون إطاراً معيناً للديمقراطية، وتقدمه للناس، وتحصر مفهومها للديمقراطية فيه... بصرف النظر عن موقف الآخرين ورؤيتهم وآرائهم وحقوقهم) ص 10 من المقال. هكذا قدم المقال توصيفاً للحياة السياسية: وإن بصورة غير مباشرة وبناء على هذا التوصيف أجاب على السؤال المتعلق بآليات العمل السياسي والجماهيري فيما إذا كانت موجودة وصالحة أم لا، هذه الآليات هي مؤسسات المجتمع المدني: (إن الهياكل العامة لمؤسسات المجتمع المدني في دولة مثل سورية قائمة ولكن علاقتها بالحكومة وإشراف الحكومة عليها والعلاقة بينهما، ومكانة تلك المؤسسات في الدولة، واستيعاب مفهوم الدولة الذي يستوعب بدوره تلك المؤسسات، كذلك القوانين التي تحكم تلك العلاقة والممارسات التي قد تتم باسم تلك القوانين من السلطة التنفيذية... قد يكون فيها شيء من التعسف في الممارسة وتعطيل للأهداف التي قامت من أجلها تلك الهيئات والمؤسسات، كما قد يكون هناك بالمقابل شيء من الاستفزاز ذي التوظيف الإعلامي السياسي والإيديولوجي من جانب أفراد في تلك المؤسسات أو في خلفية الحديث عنها... ولكن كل هذا لا ينفي وجود الهيكل العام للمجتمع المدني وإمكانية البناء في فضائه وإدخال التعديل عليه...) ص 15 من المقال. إذاً المقال يرى ضرورة إعادة النظر بصورة نقدية لـ: 1-علاقة هيئات ومؤسسات المجتمع المدني بالحكومة، من حيث إشراف الأخيرة عليها. 2-مكانة تلك المؤسسات في الدولة التي تستوعب بدورها هذه المؤسسات. 3-القوانين التي تحكم العلاقة بين الدولة وهذه المؤسسات. 4-الممارسات التي تتم باسم تلك القوانين. كما يتم توصيف المقال للعلاقة بين الدولة ومؤسسات المجتمع المدني: (وقد يكون فيها (العلاقة) شيء من تعسف الممارسة، وتعطيل للأهداف التي قامت من أجلها تلك الهيئات والمؤسسات) انتهى الاقتباس. إن هذه العناوين الهامة صالحة لأن تشكل أرضية لتعاون جميع القوى الوطنية والتقدمية داخل الجبهة الوطنية التقدمية وخارجها في سبيل تفعيل دور هيئات ومؤسسات المجتمع المدني. غير أن الفعل ورد الفعل والبعد عن روح الحوار الديمقراطي لدى مختلف الأطراف يجعل مثل هذا التعاون صعباً. ولكن ليس مستحيلاً فكل الظروف الداخلية والعربية والعالمية تستدعي أكثر من أي وقت مضى البحث عن أرضية تتعاون عليها كافة القوى الوطنية والتقدمية على مختلف برامجها وأهدافها ومواقعها. فالأوطان مستهدفة في وجودها وكيانها أكثر من جميع العقود السابقة. يتابع المقال، ما يتعارض مع الأرضية السابقة التي كوّنها وذلك حين يلقي على عاتق (المعارضة) إفساد هيئات المجتمع المدني: (... ومن حق المرء أن يفترض أن من يقوم بهذا العمل- عمل دعاة المجتمع المدني (المعارضة)... وأن عليه ألا يفسد مفاهيم المجتمع المدني السليمة، وهيئاته وأهداف تلك الهيئات، وألا يشوش أداءها ويحرفها عن وظائفها وغاياتها ليستظل بها ويسخرها لخدمة أغراضهم... سواء أكانوا في السلطة... ويريدون المحافظة عليها... أم في المعارضة...) في ملاحظة على هذا القول: إن التشويش وحرف هذه الهيئات عن وظائفها هو لا يزال مجرد (فرضية) أو (مشروع) أو (هدف) بالنسبة لدعاة المجتمع المدني. لأنهم لم يصلوا إلى هذه الهيئات بعد. أما بالنسبة لمن هم في السلطة أو بالنسبة للبعض منهم: فالتشويش والحرف عن المهمات ووظائف هيئات المجتمع المدني. وقد استظل بهذه الهيئات وسخرها لخدمته ولن أقول (ارتباطاته) كما يقول المقال. الخ الفقرة... طوال عقود من السنين حتى آلت إلى ما آلت إليه حسب الفقرات السابقة التي تم توصيف الوضع السياسي فيها. قلت لن أقول (ارتباطات) رغم أن التفكير المنطقي يقول بأن من فعل التخريب بهيئات المجتمع المدني تصح عليه عبارة ارتباطات أكثر مما تصح على الذين لم يفعلوا بعد، إذ ما زالوا في طور الكلمات. من هنا يتمنى المرء لو يجري النقاش والحوار بلا تعابير خطرة ومهينة ومذلة مثل كلمة (الارتباطات) أو سواها. التي يستخدمها أيضاً البعض من (دعاة المجتمع المدني). البعض من (دعاة المجتمع المدني) يريدون تنظيف الساحة ليقيموا عليها (مؤسسات المجتمع المدني الجديدة تماماً). إن عقلية التنظيف هذه عقلية غير حوارية أيضاً وهي قائمة على ردود الأفعال الانفعالية أكثر مما هي دعوة عقلانية. ودعوتهم هذه قائمة على رؤية كل القائمين الآن بالعملية السياسية في سوريا بلون واحد هو اللون الأسود. أو الكتلة الصماء المتجانسة. أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية. اتحاد نقابات العمال والفلاحين والشباب والطلبة والنساء والاتحادات المهنية... الخ. واعتبار أن كل ذلك إما سلطة أو أدوات سلطة (أو عكازات) ونواقل تخدم عمل السلطة. لذلك لا يمكن اعتبارها مؤسسات أو هيئات المجتمع المدني. لأنها جهة سلطوية قائمة على الإجبار بأشكال مختلفة وليس على الاختيار الذي هو أهم شرط من شروط العمل والانتساب إلى هيئات المجتمع المدني... واعتبارات أخرى. لذلك حسب رأيهم لا بد من تنظيف الساحة تماماً والقيام بمؤسسات مجتمع مدني على أنقاض ذلك كله...!؟ لن نتحدث عن المغالطات القائمة في صلب هذا الطرح فالسلبيات الموجودة في العملية السياسية أشار إليها المقال الذي نحاوره في الفقرة التي أوردناها وإن بعناوين رئيسية. لكن ما أود قوله: ماذا يعني إنشاء البديل عن الأحزاب والنقابات العمالية.. والفلاحية... الخ. هل هذا الطرح واقعي أولاً، وهل يعني هذا سوى المجابهة وحفر الخنادق في النسيج الاجتماعي السوري. نحو المزيد من الاحتراب والمزيد من التشتت والتذرر. أليس في ذلك خدمة لأرباب العولمة وأسيادها في تفتيت المجتمع وتفجيره أو في أهون السبل، القضاء على أحزاب ومنظمات جماهيرية لها تاريخ وطني عريق وخبرة في تنظيم الحركة الجماهيرية- فيما إذا رفعت الوصاية عنها- إن هذه الأحزاب والنقابات العريقة هي العدو الأول لأسياد العولمة... يواجهونها... بمنظماتهم التقسيمية. كما سوف نرى في صفحات قادمة. نعود إلى الحوار مع فقرات من مقال الدكتور علي عقلة عرسان: ورد في المقال في إشارة إلى (دعاة المجتمع المدني): (فما يقوم به من يخلّون بالقانون يدخل في صيغة من صيغ الخروج على العقد الاجتماعي وعلى الدولة والمجتمع...) انتهى الاقتباس. هذا كلام سليم وصحيح. ولكن كيلا نكيل بمكيالين. ونخالف التفكير المنطقي نسأل السؤال التالي: من الذي استلم مسؤولية طوال عقود من السنين ولم يتجاوز أو يخل بالقانون، والذي هو خروج على العقد الاجتماعي؟ ومن الذي جعل من هذا الإخلال والخروج شبه عادة سائدة متّبعة؟ ورد في الصفحة 8 من المقال: (... كما نجد من يريد أن يخرج على السلطات... مدخلاً يراد تسويقه بذرائع كثيرة، حتى لو كان ذلك على حساب السيادة والبنى الأساسية... وعلى حساب استقلالها وقدرتها على الدفاع عن نفسها وعن نوع الحضور العصري الذي تتطلع إليه... وأضطرارها لمراعاة- أو ضرورة مراعاة- مصالح القوى الكبرى الاستعمارية...) أول الصفحة 8. أين هي الدولة العربية التي لا تأخذ بعين الاعتبار مصالح الدول الغربية والاستعمارية منها بهذا الحد أو ذاك؟ من ثم إن أي إضعاف من أي نوع اقتصادي سياسي- عسكري- اجتماعي ومن أي جهة جاء هذا الإضعاف من أهل السلطة أم من خارجها بشكل مقصود أم بالإهمال، أو بارتكاب الأخطاء. كل ذلك يزيد البلد المعني ضعفاً ويفتح مجالات أمام مراعاة مصالح القوى الاستعمارية. هذا القول يجب ألا يظل عاماً وغائماً خاصة في أذهان وأقوال وكتابات المثقفين وكل القوى الحية في المجتمع. وألا يقال مرة واحدة فقط وفي أثناء الجدال مع (الخصوم) أو في المناسبات فقط. إنما أن يأخذ شكل وعي مطابق ونقدي وتفصيلي وكل حالة على حدة وفي إطار تفعيل العملية السياسية ككل تحت سقف قانوني ودستوري يتسع للجميع. حينئذ نسمي هذا القول أو هذا الوعي بأنه خرج من إطار ردة الفعل إلى إطار الفعل الحقيقي والعميق... حين يقدم المقال تعريف (سعد الدين إبراهيم) للمجتمع المدني مع تنويه أنه لا يوافق على مواقفه. فهذا مؤشر على عقلية حوارية موضوعية لدى الدكتور علي عقله عرسان. ولكن ما المانع أيضاً من أن نرى بعض ما يراه (دعاة المجتمع المدني عندنا في سوريا) واجتهاداًتهم التي وردت على ألسنة الذين أدمنوا العداء للاستعمار والصهيونية وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية وبناءً عليه لم يقوموا باختراقات لمصلحة أمريكا كما فعل (سعد الدين إبراهيم في مصر.) على سبيل المثال وليس الحصر، يقول الدكتور عبد الرزاق عيد- رغم عدم موافقتنا على الكثير من عباراته المحملة بالشحنة الانفعالية. وتأخذ طابع ردود الفعل البعيدة عن العقلية الحوارية- يقول د.عبد الرزاق عيد- (... مفهوم المجتمع المدني لا يحيل إلا إلى مرحلة الاندماج القومي، المتجاوز للتفكك والتكسير الاجتماعي للمجتمع الزراعي الإقطاعي (حيث المجتمع وحدات معزولة- إمارات وعائلات- مذاهب- ملل- نحل... الخ) باتجاه المجتمع المدني الحديث المتمثل بالدولة القومية الحديثة، التي تحفظ توازنها السياسي بالديمقراطية. ووحدة اندماجها (الأموي) بالعلمانية المؤسسة على التعاقد الاجتماعي)... كما يقول الدكتور عيد في السياق ذاته. (المجتمع المدني يتيح للبشر أن يستشعروا كائنيتهم الاجتماعية، التي غادرت مملكة الطبيعة وشريعة الغاب، عبر الدستور وسلطة القوانين والتمثيل الحقيقي، أحزاب.. نقابات.. جمعيات.. برلمان حقيقي...). إذاً لماذا لا نورد أقوال دعاة المجتمع المدني ممن يرون في هذا المجتمع وسيلة وغاية لتحقيق الاندماج الاجتماعي والانصهار الوطني في إطار آلية ديمقراطية وعلمانية تحت سقف قانوني ودستوري للجميع.. أمثال د.عبد الرزاق عيد وسواه.. ممن لا يرون في المجتمع المدني ومؤسساته... أدوات بيد أرباب العولمة ومؤسساتها التخريبية..؟ يقول د.عيد مستشهداً بكلمات الراحل الياس مرقص: (كفانا ممارسة السياسة حرباً) ويتابع في نفس السياق: (يجب أن نستعيد المجتمع المدني وقيمه الديمقراطية لنمارس السياسة كفن للحوار، والاعتراف المتبادل، لاستعادة التراحم، والتوالد، بين قوى وفئات وأفراد هذا المجتمع...) أوردنا بعض ما قاله د.عيد على سبيل المثال فقط وليس الحصر. فهناك الكثيرون ممن يرون الوجه الإيجابي لهيئات ومؤسسات المجتمع المدني... وليس الوجه التفتيتي... يقول المقال، ص 12 منه: (ماذا لو لم تكن هناك دولة قوية، مع وجود تنافس قوي على المصالح والنفوذ بين أفراد ومؤسسات وشركات... الخ. ألا نكون في هذه الحالة في مجتمع مدني داخل مجتمع ودولة...) لكن هذه الفرضية مرفوضة، لأن الدولة قوية، بما يكفي لحماية أمن الوطن تحت سقف قانوني ودستوري. وطالما انتفت هذه الفرضية، فالفرضيات الأخرى القائلة بأن جهات أجنبية يمكن استخدام المجتمع المدني (حصان طرواده) فرضيات مرفوضة، بناء على قوة الدولة هذا من جهة ومن جهة أخرى. ماذا تعني القوة في عصر العولمة؟ هل هي أمنية فقط أم هي أمنية واقتصادية وسياسية وعسكرية وثقافية؟ عناصر متضافرة متجادلة لعل أهمها ليس الأمني رغم أهميته. ومن ثم من قال أن تنشيط هيئات المجتمع المدني بأهدافها الوطنية التي تفعّل دور الجماهير وتنقل المجتمع إلى مرحلة متمدنة بنسيج اجتماعي حديث قائم على احترام التعددية وكرامة الإنسان واحترام القانون... مجتمع يتجاوز روابط ما قبل المدني من عشائرية ومذهبية وطائفية. أليس هذا المجتمع أقوى بكثير من مجتمع ما قبل مدني تقوم قوته على قوة الأمن بالدرجة الأولى؟... لا سيما وأن السعي نحو تنشيط مؤسسات المجتمع المدني يرافقها حالة من الوعي الجماهيري والمؤسساتي والقانوني... في إطار العلنية... إن هذا كله يقوي جهاز المناعة لدى المجتمع وتجعله يفرز سلبياته ولا يراكمها إلى ما لا نهاية أو إلى أن تنتقل إلى نوعية سلبية جديدة... هذا مع العلم أن (حصان طروادة) لا يدخل إلى الوطن إلا من الأبواب التي ينخرها (دود الخل). ماذا يفعل دود الخل في المجتمع؟ إنه يدمر النواة الصلبة في المجتمع. التي هي القلب النابض لجهاز المناعة الاجتماعي. النواة الصلبة هم البشر من نساء ورجال من مختلف الأعمار موجودون في الأحزاب الوطنية والتقدمية، داخل السلطة وخارجها على امتداد الساحة الاجتماعية والذين لديهم الاستعداد الدائم للبذل والعطاء والغيرية على مصالح الشعب والوطن، بدرجات متفاوتة، وصولاً إلى التضحية بالنفس في سبيل الآخر، حريته، كرامته، حقه بالقول والفعل... والآخر في النهاية هو الوطن. متى وكيف تدمر النواة الصلبة، ويفقد جهاز المناعة الاجتماعي مرونته وقدرته؟ مرّ زمن على امتداد عقود من السنين كانت القوى الوطنية والتقدمية في حالة تنافس سلبي. تدور في جزء كبير من حركتها ضمن نطاق النظرة الحزبية الضيقة مما أدى إلى وجود حالتين واسعتين في الزمان والمكان: الحالة الأولى: كان الانتساب إلى بعض الأحزاب التقدمية مرتبطاً بالمصلحة الشخصية الضيقة إلى درجة الأنانية. مما أدى إلى تدمير البنيان الأخلاقي لهذه القوى. خاصة التي تحصل بهذه الدرجة أو تلك على منافع وموائد السلطة. الحالة الثانية: العقاب ينزل بأصحاب المبادئ بغض النظر عن صحة أو عدم صحة أو الإخلاص أو عدمه للقضية الوطنية هذا العقاب تفاوت في شدته ودرجاته. جرى ذلك جنباً إلى جنب أو بالتفاعل والتناقض مع الحالتين المذكورتين أعلاه التصدي لمؤامرات امبريالية مستمرة على المنطقة، ومساعدة لبنان الشقيق في استعادة وحدته والعمل على تحرير أراضيه. ومن ثم يتم بناء مشاريع هامة عديدة على امتداد الساحة الوطنية. لسنا بصدد إعطاء لوحة كاملة شاملة.. إنما نحاول الإجابة على السؤال: كيف تدمر النواة الصلبة... خاصة إذا عرفنا أن التخريب والتدمير أريح بكثير وأسرع من البناء سواء بناء المشاريع أم بناء الإنسان. لذلك شاعت الانتهازية في أرجاء المجتمع وضربت جذورها فيه. الانتهازية تخرب الكثير في النواة الصلبة وتجعل جهاز المناعة أقل قدرة على الدفاع عن الجسد الاجتماعي. ويتجلى ذلك في حالة عدم سيادة القانون. وعدم المساواة أمامه، وانتشار الرشوة والفساد والإفساد لتصبح عادة اجتماعية... كما يسيطر الخوف على الجميع من قول كلمة الصراحة والحقيقة. كما يجري تبذير الثروة على أيدي شرائح اجتماعية تعلن شيئاً وتفعل عكسه. مما شوه المثال والقدوة والقيم في نظر الأجيال وأفقدها جاذبيتها. في هذه الحالات تضعف آلية عمل الجسد الاجتماعي وقدرته على فرز الأخطاء ونفيها وتثبيت الصحيح. هذا بالضبط وسواه الكثير الكثير الذي يفعله (دود الخل) في المجتمع. والذي قلنا بأن (حصان طرواده) لا يدخل إلا من الأبواب التي ينخرها هذا الدود. إن النواة الصلبة في سوريا كانت دوماً هي منبع القيم والمبادئ الوطنية والإنسانية. دافعت عنه ودفعت من وقتها وعرقها ودمائها وحريتها الكثير الكثير بغية الوصول إلى حالة وطنية عامة صلبة وفي وجه جميع التحديات. وإن فعل ذلك كل حزب أو فريق على حدة، فقد حاول الجميع وكل على طريقته كي تسود حالة من الغيرية على مصالح الشعب والوطن والاستعداد الدائم للدفاع عنه. إن هذه النواة هي أثمن ما في الوطن، هي الثروة الأعظم والأهم، حين يداهم الوطن خطر، أو يحتل جزء من أرضه، أو حتى يصاب بالمجاعة. فالوطن بنوياته الصلبة يتحرك ويجدد طاقاته، وعلى النقيض من ذلك حين تلحق الأضرار بهذه النويات وتخف قدرة جهاز المناعة الاجتماعية وذلك حين تشاع الانتهازية وتضرب شروشها في أعماق الروح البشرية. ولن يتسنى لنا الخروج من هذا المستنقع اللزج إلا بالحوار والتخلي عن الدكاكين الحزبية الضيقة، والخروج إلى ساحة الوطن كله. باعتراف الجميع إن الصراع مع العدو صراع حضاري وهذا القول يملي علينا العمل على كافة مكونات الحضارة علم، اقتصاد، سياسة، قوة عسكرية، ثقافة وفن. ولا يجوز تأجيل إصلاح جانب منها وترك الآخر تحت حجة من أي نوع أو حتى بحجة الصراع مع العدو. نعود إلى المقال الذي نحاوره ورد في ص 17 منه: (... لا بد من تصحيح الأخطاء ومعالجة بعض القصور الذي يعتري الأداء سواء أكان ذلك لجهة طغيان دور الحكومة السلطة التنفيذية على دور المجلس (مجلس الشعب) السلطة التشريعية أم لجهة دراسة مدى تمثيل المجلس للناس والشرائح الاجتماعية والقوى السياسية كافة وبشكل يحقق عدالة تامة... الأمر الذي يخدم مصلحة البلد بشكل عام...). إذن وضع المقال إصبعاً على جرح هام وهو طغيان دور الحكومة السلطة التنفيذية على بقية السلطات. هذا الطغيان تعبير عن حالة أساسية هي أهم أسباب الاعوجاجات وهي الحلقة الرئيسية التي إذا أمسك بها رواد الحلول والتجديد لسوف يتوصلون إلى بقية حلقات السلسلة. بعض الباحثين عبروا عن هذه الحالة بشكل آخر أعمق وأكثر دقة، فالباحث الدكتور طيب تيزيني يقول بسيطرة الدولة الأمنية: ولا بد من التحول من الدولة الأمنية إلى أمن الدولة. وقبل البدء أو بالتزامن مع تنشيط وتحريك مؤسسات المجتمع المدني لا بد من ترسيخ دولة المؤسسات والقوانين. كما يمكن التعبير عن الظاهرة ذاتها بالقول: نحن إزاء حالة تسلط على سلطة الدولة الحديثة وهذا مشابه لقول د.تيزيني... الحقيقة إن الرؤية لهذه الحلقة الأساسية رؤية موشورية، وماذا في ذلك. فالحقائق الاجتماعية الهامة الأساسية تنعكس بصور مختلفة باختلاف مواقع الرؤية والمصالح الاجتماعية والسياسية والطبقية. فإذا عدنا إلى تعبير (طغيان السلطة التنفيذية) الذي أورده المقال الذي نحاوره، هذا يعني أن الخلل جزئي وليس عاماً شاملاً. فللسلطة التنفيذية نواظم عمل، وللسلطة التشريعية والقضائية كذلك لها هذه النواظم، غير أن الخلل يأتي من طغيان السلطة التنفيذية أي تجاوز صلاحياتها لتلتهم من صلاحيات السلطات الأخرى.. ما تيسر لها. ولكن المقال لم يظهر لنا إلى أي حد يتم هذا الطغيان والتجاوز. من جهة أخرى، لو كان هذا التعبير هو الأصح لأتبعناه بسؤال آخر: ومن الذي يعيّن السلطة التنفيذية؟ الجواب يأتي في نفس الصفحة حين يقول: (في سياق الحديث عن دور مجلس الشعب... (وكل تلك الهيئات والفئات تنشط بالطريقة التي تراها ملائمة لتساهم في إقامة هذه المؤسسة الرئيسية التي تضع الإطار التشريعي، وترعى الدستور، وتمنح الثقة للحكومة كلياً أو جزئياً وتحاسبها وتسحب الثقة منها جزئياً أو كلياً وتشرّع كل ما يحتاج إليه المجتمع وتحتاج إليه الدولة من قوانين). وهنا يبرز سؤال: متى يحدث ذلك وأين؟ سؤال آخر إذن أين طغيان دور السلطة التنفيذية طالما أن هذه خاضعة للسلطة التشريعية تعزلها وتعينها متى تشاء؟ الحقيقة أن ظاهرة الاستلاب تتم بصورة أشمل وأعم من مسألة طغيان سلطة تنفيذية على سلطة تشريعية، فهذا جزء من عملية كلية، تجعل من السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية والأحزاب والنقابات... تحت هيمنة وتحكم سلطة هي فوق سلطة الدولة الحديثة ومؤسساتها: والمقال ذاته لا ينفي ذلك. إذ ورد في ص 18 من المقال: (... في سورية حكومة تتولى ممارسة السلطات التي يحددها الدستور قد تتجاوز في سلطاتها وممارساتها السلطات الأخرى وقد تعطل جزئياً بعض أحكام الدستور والقوانين وتسيء استخدامها وتفسيرها ولا توجد جهات رسمية في الدولة مخولة بمراقبة ذلك وبوقفه عندما يحدث). إذن أين مجلس الشعب تجاه حكومة مطلقة الصلاحيات دون قيد أو شرط، دون رقيب أو حسيب وفق ما ورد في القول السابق من المقال؟ وهل هي خلاف ما يتم الحديث عنه، باعتباره تسلط على سلطة الدولة الحديثة وقوانينها؟ في هذا الإطار العام يكون سؤال المقال مشروعاً وهو: (حين يكون مجتمع مدني في قلب المجتمع فما هي آلية الضبط والتوازن؟) يعتبر هذا السؤال مشروعاً في ظل التسلط المحكي عنه... بل يبرز حقيقة أعم وأشمل وهو أنه في مجتمع يسود فيه تسلط على سلطة الدولة الحديثة ومؤسساتها، حقاً لا يمكن أن توجد آلية ضبط وتوازن، ليس بين هيئات المجتمع المدني ونشاطاتها من جهة وبين الدولة من جهة ثانية وحسب، إنما يكون الخلل عاماً وشاملاً إذ تصبح مسألة غياب القانون وحضوره أو قيام مؤسسات الدولة بدورها وعدمه، أو فصل السلطات والتوازن فيما بينها وما إلى ذلك يصبح ذلك كله عملية رجراجة وغائمة تحضر وتغيب وفق توازن المصالح وتدخّل مراكز القوى، والنفوذ وليس يكون ذلك دائماً وفق مصالح الدولة العليا. في مثل هذه الأحوال لا بد من التحول إلى دولة المؤسسات والقانون إضافة إلى صدور قانون حديث وحضاري للأحزاب... حينئذ لا خوف من نشاط هيئات ومؤسسات المجتمع المدني، إذ أنها تعمل في هذه الأحوال تحت سقف دولة المؤسسات والقانون، بحيث تحفظ الدولة الحديثة توازنها بالديمقراطية وسلطة القوانين. ورد في المقال في سياق الحديث عن انتخابات السلطة التشريعية (مجلس الشعب) أشار إلى جملة من النواقص المحتملة ولكن المقال لم يشر إلى أهم قضية في مجال الانتخابات، إلى الثغرات والنواقص في مسألة الاختيار، اختيار المواطن لممثليه على أسس ما قبل الحضرية والمدنية على أسس عشائرية أو طائفية.. أو مذهبية.. في أحيان غير قليلة وليس في جميع الأحيان. نقول حين يظل الهامش الديمقراطي ضيقاً إلى يوم الانتخابات لا بد في مثل هذه الأحوال من أن تقع خيارات المواطن لممثليه في دائرة مسيئة ومعكرة للخيارات الديمقراطية. الاختيار يحتاج إلى حرية واسعة في الزمان والمكان بين الدورتين الانتخابيتين، في هذه الحرية يختبر المواطن شتى البرامج لشتى الأحزاب والشخصيات وتوجهاتها، وعبر تجربة الخطأ والصواب يتوصل إلى الخيار الأفضل بالنسبة له، وإذا ترافق ذلك مع نشاط لمؤسسات المجتمع المدني بصورة مستمرة من نقابات وأحزاب... تبعد الفرد عن انتمائه ما قبل الحضري والمدني وتشاركه في صنع القرار مع الناس خارج دائرة العشيرة والمذهب... الخ. وهذا يضع الثقافة السياسية للجماهير في خط صاعد لا سيما إذا اتفقت القوى الوطنية التقدمية داخل الجبهة الوطنية وخارجها على أشكال تفعيل العملية السياسية برمتها، حينئذ فقط نقوي الانتماء الحضري المدني إلى الوطن كبديل عن الانتماءات ما قبل الحضرية والمدنية، وبالتالي تصبح عملية اختيار الممثلين إلى السلطة التشريعية أكثر صحة، وهذا لا يمكن أن يوفره هامش ديمقراطي ضيق حيث يقع الترجرج في سيادة القانون والمؤسسات والمزاجية والمصالح الضيقة، مما يفقد الفرد والشرائح الواسعة من أبناء الشعب من حماية القانون، ويقع التمييز بين المواطنين حسب جميع الأسس غير المتحضرة. وبالتالي تبحث الشرائح الفقيرة والمهمشة والمستضعفة عن (ملاذ قانوني)، و(ملاذ روحي) خارج المرجعيات الوطنية والنقابية ومؤسسات الدولة الحديثة، باتجاه مراكز النفوذ والعشيرة والمرجعيات المذهبية والطائفية وهؤلاء بدورهم كسبب ونتيجة يغذون حالة الانتماءات المتخلفة، وحالات تجاوز القوانين وإرجاع المجتمع عن عتبة تكونه المدني غير المكتمل باتجاه المزيد من التشتت وتمزيق النسيج الاجتماعي ويصبح شعار الوحدة الوطنية والاندماج الاجتماعي والانصهار الوطني أهم من مهمة توحيد الأمة من الخليج إلى المحيط، أو على الأقل يجب أن يتم قبل توحيد الأمة...!! ورد في المقال ص 13 أقوال للباحث محمد عابد الجابري: (لا يمكن قيام مجتمع مدني في ظل جو غير ديمقراطي وبأسلوب غير ديمقراطي ولا يمكن قيام ديمقراطية في مجتمع غير مدني فهما سوية متلازمان مرتبطان ببعضهما إلى حد كبير، كما يعد من المستحيل قيام مجتمع مدني عربي في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة في المجتمعات العربية الآن، تلك الأوضاع التي تتميز بغياب مؤسسات مجتمع مدني عاجزة عن التوسع والانتشار). انتهى قول الجابري. لست أدري لماذا أورد صاحب المقال هذا الاقتباس للجابري أليدعم وجهة نظره يا ترى حول عدم إمكانية قيام مؤسسات مجتمع مدني.؟ ولكن ما فهمته من هذا المقال أن صاحبه لا يمانع من قيام مؤسسات مجتمع مدني بشرط ألا تكون (حصان طرواده). في حين أن هذا الاقتباس للجابري قد يفهمه البعض وكأنه حلقة مغلقة لا يمكن كسرها والخروج منها (لا ديمقراطية بلا مجتمع مدني ولا مجتمع مدني بلا ديمقراطية، والمجتمع المدني لا يمكن أن ينشأ في ظل الأوضاع العربية الراهنة). في الحياة يوجد حتمية ميكانيكية، وحتمية جدلية، في الحتمية الميكانيكية ينتظر الناس على قارعة الطريق إلى أن تنضج كل الظروف والشروط لقيام مجتمع مدني ومؤسساته، وبعدها ينتظرون قيام ديمقراطية على هذا الأساس ولكن في الحقيقة لن تأتي لا الديمقراطية ولا المجتمع المدني بحتمية ميكانيكية... في نفس الوقت لا يمكن إقامة المجتمعات وتكوينها بناء على أوامر إدارية أو رغبات وأمزجة، إذ لا بد من شروط موضوعية ناضجة من أجل ذلك ولكن الشروط المادية الموضوعية الخارجة عن إرادة البشر رغم أنها من صنعهم تتحول من إمكانيات إلى واقع بإرادة البشر وعبر نضالهم لتغيير شروط وجودهم، وهذا بدوره يخلق ظروفاً موضوعية بدرجة أرقى من السابق ويعكف الجهد البشري بدوره على هذه الشروط ويحولها وهكذا دواليك... جيلاً بعد جيل. من هنا يمكن القول إن مدننا الكبرى خاصة حيث تتراصف الأحياء فيها بناء على توضعات متنوعة.. نقول تتراصف ولا نقول تتمازج هذا التراصف بناء على حالات ما قبل الحضرية أو ما قبل المدنية في أماكن غير قليلة. رغم أن السوق واقتصاد السوق يجمع مصالح هؤلاء البشر.. وإن الفرد يعيش في هذه المدن سعياً وراء مصلحته الشخصية التي يعلم أنه لن يحصلها عن طريق العائلة أو العشيرة... وكذلك يوجد مصانع تندمج فيها طبقة عاملة... من أصول مختلفة وتنشأ أحزاب ونقابات وجمعيات تضم في صفوفها مختلف المذاهب والعشائر والطوائف وتناضل سوية، فالرابطة العضوية في هذه الأحزاب تجاوزت العشيرة والمذاهب نحو روابط مدنية. إذن يوجد لدينا في مدننا وقرانا حالة متناقضة، اقتصاد ضعيف لا يصهر كل الجماعات البشرية في بوتقة بعيدة عن أصلها ما قبل الطبيعي ولكنه يضع هذه الجماعات البشرية ضمن إطار إمكانيات قوية وواسعة نحو خلق روابط مدنية حضرية تتجاوز شكلها الطبيعي. ولا ينقص سوى الجهد البشري الجماعي من أجل تكوين أو تنشيط ما لدينا من أحزاب ونقابات وجمعيات تصهر الناس فيها، وتدافع عن مصالحهم. وبهذا نكون قد وصلنا إلى حالة أن هذه النقابات والأحزاب والجمعيات إن هي إلا مدرسة يتعلم الناس فيها الحياة الديمقراطية وهي من جهة ثانية بنية تحتية للديمقراطية والمجتمع المندمج أو المنصهر في المجتمع المتحضر أو المدني، لا سيما إذا اتفقت الأحزاب الوطنية والتقدمية على اختلاف برامجها وكل الفعاليات الاجتماعية ووسائل الثقافة والإعلام.. وبمساعدة الدولة.. إذا اتفقوا حول برنامج بخصوص الاندماج الوطني أو الانصهار الاجتماعي وتكوين مجتمع مدني ومؤسساته. بهذا نكسر الحلقة ونقول مع عبد الرحمن منيف: (الديمقراطية كالسباحة نتعلمها تعلماً). وبهذا نكون قد أجبنا على سؤال من أين نبدأ؟ طالما أن البرجوازية لا تستطيع بقوتها الاقتصادية- كما في أوروبا- خلق مجتمع مندمج. وبالتالي لم تستطع أن تشكل حاملاً اجتماعياً طبقياً لديمقراطية قوية، بينما أصبحت الديمقراطية ضرورة ملحة في مجتمعاتنا العربية بعد أن جربنا عكس الديمقراطية عقوداً من السنين أو قروناً ثم وصلنا إلى ما وصلنا إليه من عجز واغتراب واستلاب يعيشه المواطن العربي في عصر يموج ويمور تحت أقدامه. فالحامل الاجتماعي للديمقراطية لا بد أن يكون مؤلفاً من جميع القوى المتحضرة والقوى الوطنية التقدمية بمشاركة أوسع الجماهير، ولا يمكن أن يترك ذلك للسير العفوي أو للحتمية الميكانيكية. من هنا جاء وعي الماركسيين وغيرهم من القوى التقدمية، بأهمية الديمقراطية ولا يمانعون- وهذا قديم في فكرهم- بل يسعون من أجل ديمقراطية برجوازية، قد يتم تجاوزها وقد لا يتم على المدى المنظور إلى ديمقراطية اشتراكية متحضرة استفادت من الأخطاء. وهذا جواب على تساؤل ورد في المقال ص 14 مفاده: إن الماركسيين يرفضون البرجوازية وحرية ربحها والمجتمع المدني لا يتحقق إلا في أجواء هذه الحرية فكيف ينادون بالمجتمع المدني؟ لذلك لا أرى مبرراً لاتهام بعض الماركسيين من قبل صاحب المقال على أنهم غيروا ايديولوجيتهم من الاشتراكية إلى الديمقراطية، وحسب ما يوحي المقال أنهم غيروا المرجعية أيضاً بناء على ذلك من مرجعية كانت سائدة (الاتحاد السوفيتي) إلى مرجعية أصبحت سائدة في الدول الغربية. بالتالي لا أرى مبرراً لمتابعة الاتهام بالقول (كلام الوزير وزير الكلام) لأن هذا ينطبق على المتحدثين باسم السلطات أكثر من انطباقه على الماركسيين أو على صاحب المقال. من جهة أخرى، إن سقوط المنظومة الاشتراكية، درس كبير ليس للماركسيين وحدهم إنما لجميع القوى الوطنية والتقدمية في العالم. لا بد من تغيير الكثير من المناهج والأفكار وطرق التفكير وماذا في ذلك؟ فالوقائع دوماً تسبق وعي الناس بها، وإلا سيصاب الفكر التقدمي بالعقم والتخلف وهذا ما لا يريده بالتأكيد صاحب المقال. والذي يرى بأن الحلقة الأساسية الآن في المجتمع العربي هي الديمقراطية وليس الاشتراكية من الماركسيين لا يعتبر استبدال ايديولوجيا بأخرى، إن المنهجية الماركسية تدفع أصحابها إلى البحث الدائم عن سبل الخروج من الوضع العربي الراهن وهذا كما اعتقد شأن جميع القوى التقدمية الأخرى، بغض النظر عن الذين أصابهم اليأس أو استبدلوا نظرياتهم وايديولوجياتهم فلسنا هنا في مجال الحديث عنهم. يتابع المقال الاتهام (لأن مفهوم الوطن والمواطن أخذ يرتبط بالسلطة..) ص 15. ألا يصح القول أيضاً بأن التمسك بالمناصب ورؤية الوطن من خلالها فقط.. أليست زاوية من زوايا الرؤية؟ أما حول ظاهرة (الصفيرية) نسبة إلى بطرك الموارنة في لبنان: والتي أوردها المقال متهماً بعض دعاة المجتمع المدني في سوريا على أنهم يشبهون البطرك (صفير) في ارتباطاتهم... أو ما شابه. حول هذه الظاهرة يمكن القول: إن (الصفيرية) حقاً وفعلاً تستنجد أو ترتبط بقوى خارجية، ما كانت في يوم من الأيام إلا معادية للعرب. إن (الصفيرية) ظاهرة قديمة مستجدة، لكنها على ما يبدو أكثر جرأة هذه الأيام وهي: أولاً: تعبير عن قوى طبقية واجتماعية، تستقوي بالغرب وترتبط به اقتصادياً وسياسياً وثقافياً وهي الطبقة البرجوازية الكومبرادورية تاريخياً التي لا ترى في الوطن إلا كبقرة حلوب تأخذ معظم حليبه، وحين يقل الحليب أو يجف الضرع أو ينافسها أحد على رضاعته فإنها تسعى جاهدة إلى وأد البقرة وقذفها من أعالي الجروف الصخرية...! هذه الشرائح إذن ارتباطها بالوطن ارتباطها بالدولارات، تصبح مسعورة حين يقل ربحها فهل هذه السمة من الظاهرة حكراً على (الصفيرية)؟ ثانياً: الصفيرية ترتدي رداء الدين وتتمترس بالطائفية وبكل أشكال الماضي ولو كان الخرافة والأسطورة بغية الحفاظ على مواقعها أو بسط الهيمنة التي تريدها أو اعتادت عليها، وبنفس الوقت تدعي أنها متحضرة (ومودرن) وأنها تقلد الأم فرنسا في كل شيء.. وأنها سبقت حضارياً كل محيطها الشرقي... ونحن نتساءل لماذا هؤلاء يقلدون المظاهر في المجتمع الغربي.. مبتعدين عن الجوهر هل مرجعية الفرنسيين والغرب عموماً هم رجال الدين؟ أم أن هذه المرجعية انتهى زمانها منذ أن بدأ عصر النهضة؟ وهم لا يقلدون الغرب إلا بالتنورة القصيرة- والتاكسي الحديثة... الخ أما أن يصنعوا شيئاً أو يستخدموا العقلانية والعلمانية كأساس لديمقراطية الغرب.. فلا.. فهل هذه الظاهرة حكراً على الصفيرية في لبنان؟ ثالثاً: هل الصفيرية وحدها في لبنان تريد الوصول إلى الوطن بالطائفة أو عبر الطائفة أو المذهب؟ أم أن هناك من هو كذلك في كثير من أقطار العرب بما فيهم سورية...؟ يرى البعض في سوريا وفي لبنان أنه يمكن الوصول إلى الوطن عبر الطائفية والمذهبية وإثارتهما.. أو (تثويرهما).! الانقسامات الطائفية والمذهبية قديمة تمتد إلى مئات وآلاف السنين. إن إنشاء روابط بين المواطنين على أساس هذه الخلافات الطائفية والمذهبية إنما هو ابتعاد عن مشاكل هذا العصر في سبيل تدمير الوطن وتمزيق نسيجه الاجتماعي. وفي الحقيقة أنه يوجد بعض رجال الدين والدنيا من مختلف الطوائف والمذاهب لا يتوانون لحظة عن إثارة هذه الخلافات القديمة ونبشها من قبورها... إن هؤلاء يلحقون الضرر بالمجتمع مثل الضرر الذي يلحقه أعداء الخارج ولربما أكثر من ذلك. النظام الإقطاعي وما قبله نظام اقتصادي واجتماعي مغلق يجتمع فيه السكان على أساس روابط عائلية عشائرية وطائفية ومذهبية.. كما يقوم التمثيل السياسي في السلطة على أساس الأكثرية والأقلية الطائفية والمذهبية فالأكثرية تظل أكثرية إلى الأبد والأقلية تظل كذلك أيضاً، ولكن الأقلية تشعر بالظلم والإحباط وتسعى لنيل المكاسب والمواقع وحين تسير في هذا الطريق ربما يحدث ما يحدث من ويلات وانقسام واحتراب طائفي يهدد الأوطان في وجودها وكيانها... هذه الطائفية السياسية (كما في لبنان) هي انعكاس لوضع اقتصادي واجتماعي ما قبل الحضري أو المدني. ولكن المجتمعات تطورت وخرجت من النظام الإقطاعي، وتكونت السوق الوطنية الشاملة، والمصنع المتعدد الطوائف والمذاهب، وكذلك المدن بتوضعاتها السكانية الحديثة ومدارسها، وجامعاتها ومعاهدها ومؤسساتها الاجتماعية والثقافية ونشأت أحزاب ونقابات وفي ذلك كله خرج الفرد في علاقاته عن إطار الطائفة أو المذهب أو العشيرة... وعلى هذا النسيج الاجتماعي الجديد، ينشأ مفهوم الأقلية والأكثرية على المستوى السياسي والاجتماعي.. لتصبح أكثرية وأقلية متبدلة متغيرة استناداً إلى برنامج حزبي أو اجتماعي، تتحول الأقلية إلى أكثرية بعد حين أو تعود الأكثرية إلى أقلية في ساحة المجتمع المدني المتحضر... وعلى أساس نشاط أحزابه ونقاباته ومؤسساته... ويصبح التدين حالة شخصية لا علاقة لأحد فيها تمارس ضمن أماكن العبادة أو حيث يريد صاحبها، ولا يسمح صاحبها بأن تجيّر معتقداته لتفجير الوطن وتمزيق النسيج الاجتماعي ببعث خلافات من قبورها مضى عليها مئات وآلاف السنين، ولا يسمح بأن يحرفه أحد عن أسئلة هذا العصر ومتطلباته ليلوي عنقه إلى العصور الوسطى... نقول ذلك لنؤكد أن ظاهرة (الصفيرية) أو ما يشبهها هي تدعى الحداثة ادعاء يظهر ذلك من خلال عدائها للعلمانية.. ونشرها لكل خرافات وأساطير الماضي متسلقة على أكتاف الشعب البسيط وخالقة روابط نفعية ضيقة بالوطن تدفع الشباب إلى الهجرة إزاء أي مساس بالمصالح الشخصية أو إضرار بالأرباح، وتحمل الآخرين أوزار هجرة الشباب، وتستنفر القوى خوفاً من تحولها إلى أقلية وهي تعادي فكرة تحول المجتمع اللبناني إلى مجتمع عَلْماني عقلاني كنسيج لديمقراطيته في نفس الوقت. فالمجتمعات الحديثة لا تكون تعبيراتها السياسية على أساس أقلية أو أكثرية طائفية ومذهبية إن الطائفية السياسية هي ألغام موقوتة، ونشاط تقسيمي وعدائي مبطن أو معلن في هدوئه وفي ثورته. إن الشكل الأرقى والمتحضر للتعبيرات السياسية الحديثة هو الأحزاب العلمانية الوطنية التقدمية والنقابات والجمعيات التي تبعد أعضاءها عن الروابط ما قبل المدنية والحضرية. بينما الأحزاب القائمة على أساس الدين أو الجمعيات... لا يمكن اعتبارها من مؤسسات المجتمع المدني والحضري، فهي تشد أعضاءها إلى ما قبل المدني والحضري... بناء على ذلك نقول إنه لا يمكن الوصول إلى الوطن القوي والمنيع عبر الطائفية أو المذهبية لا في إثارتهما ولا في تثويرهما ولا في هدوئهما الكامنين أو تراصفهما. غني عن القول إن ذلك لا يمس الإيمان والقيم الدينية، بالعكس يحميها من التحوير والتزييف والتمييز لأشياء غريبة عن الدين وقد عرف النهضويون منذ أوائل القرن العشرين ذلك حين رفعوا شعار (الدين لله والوطن للجميع). هذا القول يقال أيضاً بخصوص البلدان التي تنتقل إليها عدوى (الصفيرية) بهذا الشكل أو ذاك، كما يقال للأحزاب الوطنية والتقدمية وكيف أن المذهبية والطائفية أخذت تنخرها من الداخل، مما يجعها لا تتخلى عن دورها التاريخي الوطني والاجتماعي وحسب بل أصبح أعضاؤها أو قسم كبير منهم ما زالوا يرتدون الرداء الأحمر وهم يمارسون الطائفية المذهبية. إن الدور التنويري وفق برنامج نهضوي تقوم به جميع الأحزاب الوطنية والتقدمية وكل الشخصيات الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني لا بد منه جنباً إلى جنب مع الثقافة الوطنية الديمقراطية... ونشاطات هيئات ومؤسسات المجتمع المدني عموماً يترافق مع دعم قوي من السلطة ووسائل إعلامها، وفي سبيل الارتقاء بعملية الاندماج الحضري والمدني. بهذا الشكل يمكن رؤية ظاهرة (الصفيرية) بأبعادها وتأثيرها وعدواها، والتي نوه عنها المقال الذي نجري معه الحوار. يتابع المقال حديثه عن مؤسسات المجتمع المدني: ورد في ص 16 من المقال (لدينا في سوريا هياكل مجتمع مدني متماسك تحتاج منا إلى تعزيز وترميم وتفعيل وإضافة، هي هياكل عامة رئيسية تحتاج إلى أن نكسوها المزيد من اللحم ونقيم بينها شبكة الأعصاب المنتظمة لكي تعمل) انتهى الاقتباس. هذا كلام صحيح تماماً، ورغم أنه يطرح أسئلة مثل: من الذي جرد هذه الهياكل من لحمها وأعصابها، وأي جسد يبقى بلا لحم وأعصاب؟ وهل زالت الأسباب والقوى والعوامل التي جردتها من لحمها وأعصابها؟ إن كانت لا تزال هذه الأسباب باقية، فلا بد من إزالتها بغية إكساء هذه الهياكل باللحم والأعصاب وإلا لا جدوى من العمل. يتابع المقال في نفس الصفحة 16 منه: (قد لا نجد في ما كان قبل أربعين سنة، أي قبل قيام ثورة 1963 بنية متكاملة نحييها لتعوض عن شيء غير موجود في حياة اليوم أو عما هو قائم مما يعطل التقدم والتحديث والعصرنة أو شلها). وهنا نسأل متى تأسس اتحاد الكتاب العرب الذي كان اسمه رابطة الكتاب واتحاد العمال والحرفيين والطلاب والأحزاب الرئيسية- حزب البعث- الحزب الشيوعي- الحزب القومي السوري- وأحزاب بداية الخمسينات- حزب الشعب والحزب الوطني ولن أقول الاتحاد القومي نهاية الخمسينات لأنه منظمة سلطوية لا تعتبر من مؤسسات المجتمع المدني. نتساءل هل ولدت هذه المنظمات وترعرعت حتى حدود نهاية الخمسينات وهي مجردة من اللحم والأعصاب؟ ولماذا ورد في نهاية المقال جدول باسم الجمعيات وفي بمعظمها تأسست قبل عام 1963؟ (من أصل 286 جمعية أوردها الجدول المذكور يوجد 180 جمعية تأسست قبل عام 1963). هل هذه الجمعيات أيضاً تأسست وهي منزوعة اللحم والأعصاب؟ رغم اعتراضنا على القول بأن الجمعيات المؤسسة على أساس ديني طائفي تعتبر من مؤسسات المجتمع المدني. يتابع المقال حديثه عن أن في سورية نقابات مهنية.. ومنظمات شعبية كثيرة كبيرة العدد، وإن هذه المنظمات لكل الشعب وليس للحزب القائد أو للحزبيين فقط. أولاً- إن هذا القول لا يكتمل ويظل يدور حول قدر الحساء الساخن فهل يوجد مواطن في سورية لا يدرك حجم التدخلات في هذه المنظمات وفي طرق استخدامها وحجم الأخطاء التي يؤدي إليه هذا التدخل على حركة الجماهير عموماً وعلى العملية السياسية ككل... ثانياً- حقاً إن حجم هذه المنظمات كبير ولكنه لم ينتقل إلى عمل نوعي... فهو، كم، يحتاج إلى تفعيل نوعي وكم يكون ذلك هاماً ومفيداً للعملية السياسية... لو تم ذلك. يتابع المقال في الصفحة التالية: (إذا كان هناك من يريد أن يدخل من مدخل النقابات والمنظمات ومؤسسات المجتمع المدني أو أن يندس فيها ليجعلها ستاراً لعمله السياسي الهادف إلى الوصول إلى السلطة.) ولكن ألا يصح هذا التحذير أيضاً على جهات سلطوية استخدمت هذه المؤسسات كوسيلة للوصول إلى مكاسبها الشخصية وللبقاء في موقعها المعيق والمعرقل لعمل هذه المؤسسات؟ ألا يدفع هذا السلوك الآخرين لفعل الشيء ذاته ومن ثم إمكانية (نشوء أوضاع قد تفسد المناخ الاجتماعي العام كلياً، بما في ذلك مناخ أداء منظمات إنسانية في المجتمع المدني)- كما ورد في المقال- وكأن المناخ العام سليماً معافى في هذه المنظمات ألم يشر المقال ذاته إلى عدم معافاته كما ورد في مكان سابق...؟ في الصفحة التالية يهاجم المقال الماركسيين وهم الذين دعموا على امتداد عقود/ ديكتاتورية البروليتاريا/ والشرعية الثورية كبديل عن الشرعية الدستورية. هذا النقد في مكانه، وإن على الماركسيين أن يطرحوا القضايا بتواضع وبعقلية حوارية- معتدلة- وليس بعقلية من يملك الحقيقة المطلقة كما كان يجري سابقاً. هذا من جهة أما من الجهة الأخرى، ما العمل حين تسود وتفرض ديكتاتورية الطغم الاحتكارية بالبوارج الحربية والدولارات ووسائل الإعلام المضللة على طبقات كادحة ومهمشة داخل بلدانها وعلى شعوب بأكملها؟ ألا يجب التفكير ولو نظرياً بما هو نوع السلطة السياسية التي بوسعها التصدي ولو نسبياً لأنياب وأظافر هذه الطغم الاحتكارية وأساليبها وممثليها؟ وهل يظن أحد سوى أصحاب النوايا الطيبة التي تفرش فيها الطريق إلى جهنم أن الطغم الاحتكارية تكف عن محاولات هيمنتها بواسطة الشرعية الدستورية وأنها تلقي أسلحتها على عتبة صناديق الاقتراع..؟ التاريخ يعلمنا أن هذه الطغم الامبريالية تعطل وتنسف كل الدساتير وأشكال الديمقراطية حين تتعرض مصالحها إلى نقطة معينة من الخطر. وهي تدفع خصومها إلى مصيدة هي مقتل هؤلاء الخصوم-/ أو عقب أخيل/ بالنسبة لهم وذلك حين تفرض على الثوريين وضعاً لا يستطيعون فيه الحفاظ على أوطانهم أو سلطتهم أو... مكاسب شعوبهم بالسبل الديمقراطية، إنما بقوانين الطوارئ وتعطيل الدستور.. والعمل الديمقراطي، هذا هو الفخ التاريخي الذي وقع فيه جميع الثوريين في العالم والذي نصبه لهم خصومهم. فبدلاً من أن يتمترسوا بالجماهير والعيش في صميم حياتها ومشاكلها وهمومها... لتشكل أكبر مصدر لقوتهم. نراهم يبحثون عما أراد لهم خصومهم أن يبحثوا عنه كمتراس لقوتهم إما بقوانين طوارئ أو تعطيل الديمقراطية أو الاستقواء بالبوليس بدلاً من الجماهير. وعلى هذا النحو ظهرت الطغم الاحتكارية وكأنها هي صاحبة الديمقراطية بينما الثوريون هم الديكتاتوريون والإرهابيون... و... هذا هو الفخ التاريخي العريض الذي وقع فيه كل الثوريين. ولكن يجب ألا يغفل عن أنظار أحد من القوى الثورية أن الشرعية الدستورية هي الأساس وهي القاعدة، بينما الشرعية الثورية هي ما يجب أن يكون الاستثناء. فالشرعية الثورية تبدأ حين تعطل القوى المعادية للديمقراطية المسار الديمقراطي. وتنتهي الشرعية الثورية حين يأخذ المسار الديمقراطي طريقه. الأخطاء الكبرى في الثورات وقعت- كما قلنا- حين تم العمل بالشرعية الثورية بصورة دائمة كبديل عن الشرعية الدستورية تحت ذرائع مختلفة كان ذلك أحد أهم أسباب وأد هذه الثورات (يمكن العودة إلى فصل الاستلاب السياسي من كتاب الاستلاب تحطيم العقل لكاتب هذه السطور. ورد في الصفحة ذاتها من المقال الذي نحاوره أن (هناك إطاراً مفتوحاً أمام الجميع يسمح لهم النضال المشروع للوصول إلى السلطة ألا وهي الأحزاب...) ولكن ألا يرى الأستاذ صاحب المقال معي أن هذا الإطار يحتاج إلى قوننة، أي قانون للأحزاب متحضر ومعاصر..؟ ورد في ص 28 من المقال: (والذين يدخلون مدخل المجتمع المدني وتنظيماته ليصلوا عبر ذلك إلى أغراض خاصة تتعلق بالوصول إلى السلطة يخلون عملياً بقواعد اللعبة في مجتمع مدني... حركة إحياء المجتمع المدني يمارسون في سوريا عملياً لوناً من الخلط المقصود للتعمية والتمويه... وهم يستخدمون وسائل غير سياسية مثل الثقافة لعدم وجود قنوات سياسية مشروعة تؤدي للوصول إلى ما ينشدون من أهداف.. وهو موضوع يتصل بتداول السلطة.. ولا يجوز أن يسخر الثقافة والعمل الخير لهذه الغاية). إذاً ما معنى الفقرة التالية في ص 21 (... وإذا كان الهدف هو الوصول إلى السلطة هو هدف مشروع لمن ينشده فإن هناك إطاراً أكثر ملاءمة للعمل وهو الأحزاب وهو إطار موجود في سوريا؟) أليست الأحزاب خارج السلطة من مؤسسات المجتمع المدني؟ من جهة ثانية لماذا لا يحق لحركة إحياء المجتمع المدني استخدام الثقافة بينما يحق لغيرهم لتثبيت مواقعهم على الكراسي استخدامها؟ ورد في ص 34 من المقال: (يبدو أن التبعية المركزية الثقافية الأوربية بشقيها: الرأسمالي والاشتراكي أخذت علينا منافذ تفكيرنا، وسلبت منا منطق محاكمتنا حتى أصبحنا أسرى المصطلح الغربي وتاريخه ومنطقه كما أصبحنا أسرى للمتورم بالتنظير للوهم اليوتوبي المسمى علماً عند بعض الفئات الذي كلف بلداناً وشعوباً دماً ومعاناة استمرت عقوداً قبل أن يتناثر ويتهاوى مثل ريش طائر تهرأ تماماً وهو معلق في الفضاء.) في الفقرة السابقة شقان: الأول: المأخذ الذي يأخذه المقال على من أصبح أسير المصطلح الغربي وثقافته. ونحن نتساءل هل تحل مسألة المثاقفة بهذه الكلمات المحملة بشحنة انفعالية بلا تدقيق وتحديد. من أين جاء مصطلح البرلمان... والدستور والأحزاب بالمعنى الحديث والنقابات والعلمانية والديمقراطية، وما لا يحصى من القوانين الوضعية وأصول التربية الحديثة، والتعليم. والبحر من القيم الثقافية والمدارس الأدبية والأجناس الأدبية قصة رواية مسرح الشعر الحديث... وكافة المجالات العلمية فيزياء وكيمياء، طب، هندسة... الخ. وما ينتج عنها من اختراعات وبضائع تصدم أنوفنا و عيوننا وآذاننا كيفما وأينما وحيثما توجهنا وفعلنا. أم أننا نأخذ البضاعة ونحارب مبادئها العلمية وحاضنها العلماني والثقافي؟ البعض مما ذكرنا يوجد في تراثنا وهذا ما نفخر به، والبعض كان على شكل إرهاصات وبدايات.. لم تتابع سيرها.. إنما سحقها الجهل والخرافة وبعضها الآخر كالشعر تفخر أمتنا بهذا التراث العظيم. لماذا لا ننتج وعياً مطابقاً؟ ما المعيقات؟ ما الظروف والشروط والعوامل التي تعيق تكون بيئة علمية وثقافية لنصبح نحن المنتجين للعلم والثقافة؟ ونؤثر بالآخرين بدل التأثر بهم وهناك أسئلة كثيرة في هذا الميدان... الثاني: بخصوص اليوتوبيا التي يتحدث عنها المقال بلهجة التشفي..!! عندما كان أصحاب هذه اليوتوبيا يشكلون معسكراً اشتراكياً يساند حركات التحرر ومنها حركة التحرر الوطني العربية وشكل جبهة عالمية تلجم الدول الاستعمارية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية طوال 70 عاماً كما بنت سوريا قدرتها الدفاعية ونالت الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي من هذا المعسكر. كما أنتجت هذه (اليوتوبيا) أفكاراً وعلماً في مختلف المجالات حتى في مجال العدالة الاجتماعية التي تجسدت عملياً في الإصلاح الزراعي وفي التأميم وسواها الكثير... القطاع العام الذي هو الداعم الأساسي للفقراء أو الكادحين وهو الآن مستهدف من قبل أسياد العولمة.. يوجهون إليه سلاح (الخصخصة...) هذه اليوتوبيا لها ما لها وعليها ما عليها. ليس عيباً أن يصنع شعب أي شعب يوتوبياه إنما العيب كل العيب أن يقتل الحلم والخيال لدى شعب من الشعوب فلا يفكر إلا بلحظته الراهنة ولا يفعل شيئاً مثقفوه.. حتى ليكاد يضيع في عالم سديمي مغبر يتطاير فيه تطايراً أسوأ من (الريش) الذي وصفه المقال..! إن أصحاب هذه (اليوتوبيا) مصممون على إعادتها ثانية وثالثة مستفيدين من دروس الماضي. لأن العالم كله بحاجة إلى تغيير وتصحيح مسار. فالرأسمالية لا تصلح كبيئة لبني البشر. قبل ذلك وبعده ألا يستند أصحاب هذه (اليوتوبيا) إلى الماركسية التي ظلت حوالي 150 عاماً منذ البيان الشيوعي أساس كل نشاط ثوري أو عنصر مساعد أو محرض لكل المسحوقين في العالم لبناء عالم جديد، أصحاب هذه النظرية يرون أنها لا تزال تملك القوة على متابعة الفتوحات في الثقافة والسياسة والاقتصاد وغيرها... الخ. إن ردة فعل وليس حوار الأستاذ صاحب المقال تجاه بعض الموتورين من دعاة المجتمع المدني جعلته يشيد ويدافع عن جمعيات وبنى اجتماعية كانت موجودة قبل أو أثناء العصر العباسي وكأنه يمكن العودة إليها وإيقاظها من قبور لا نعلم أين هي، بالمقابل يندد بديمقراطية الغرب وقيمها إجمالاً مع العلم أنه كان يمكن أن يقول (ما لها وما عليها) هذه الديمقراطية مما يوحي بأن ديمقراطيتنا نحن العرب التي ورثناها عن الشورى هي أفضل ديمقراطية في العالم..! لا أعتقد أن الأستاذ يريد الوصول إلى هذا الاستنتاج. إن المقال على حق في انتقاده لمن دافعوا عقوداً طويلة عن الشرعية الثورية فلا يحق لهم أن يطرحوا بعنف وشدة الشرعية البرلمانية، إنما كما قلنا يجب أن يطرحوا أفكارهم بتواضع وعقلية حوارية فيها جسور ممدودة إلى الآخرين، أي كما ورد في المقال ص 27 (... بالحوار الموضوعي الذي يرفع المصلحة العامة فوق كل اعتبار ينبغي أن يؤدي إلى حل كل خلاف بالوسائل الديمقراطية والعقلانية). فالأفكار لا تأخذ صحتها من ذاتها... إذ لا بد لها من أن تدخل في معمل النشاط البشري وفي هذا المعمعان يقع الحذف والاصطفاء... إلى أن تخرج هذه الأفكار من الباب الآخر، فلا نكاد نتعرف عليها لكثرة ما تغير في شكلها ومضمونها. ورد في الصفحة 37 من المقال: (إن الثابت والمنطقي والصحيح أنه لا توجد وطنية من أي نوع على حساب الوطن تحت أية ذريعة) هذا كلام صحيح ورائع، لكنه ينطبق على الجميع، على البعض ممن يستغلون الوطن بواسطة كراسيهم، وعلى بعض المعارضة. وبعد أسطر من المقال يحذر الكاتب من (تفعيل الشخصي على حساب العام، ومن تفعيل الآني على حساب الاستراتيجي). وأنا أسأل يا ترى: ألم يشبع بلدنا من تفعيل دور الشخصي على حساب العام؟! أما من جهة (تفعيل الآني على حساب الاستراتيجي) فهذا لا يجوز، كما أنه لا يجوز تفعيل الاستراتيجي على حساب الآني والجزئي والتفصيلي. إن أسوأ شيء بالنسبة لشعب من الشعوب أن تطير قضاياه ومصالحه الجزئية الصغيرة لكنها الهامة لتلصق في أفق استراتيجي أقرب إلى الشعارات منه إلى استراتيجية محددة ترفدها وتكونها ممارسات جزئية تكتيكية هنا وهناك حتى تصل إلى الهدف الاستراتيجي. تكرر كثيراً في المقال (حق يراد به باطل) كما يتكرر في أدبيات القوى التقدمية عموماً، وهنا يمكن القول والسؤال: لماذا نترك حقوق المواطنين حتى تتعفن في الأدراج، أو نسد آذاننا فلا نسمع هذه الحقوق إلى أن يتلقفها لسان الباطل...!! وبعد أن نسكته أو نقطعه- إن شئنا ذلك- نعود إلى الصمت وسد الآذان...؟! جاء في الصفحة 39 من المقال (هل يضمن حاكم أو نظام بلد، يشعر بضعفه حيال الأقوياء، هل يضمن وجود شعب من الملائكة يحميه ويحتمي به من سطوة الأقوياء وشرور الفساد، وعوامل الاختراق، لينفذ برنامجاً تنموياً طموحاً). ألا يمكن القول أن الشعوب العربية هي التي تحتاج إلى حكام مؤتمنين يضمنون حقوق المواطنين، يحتمون به من سطوة الأقوياء وشرور الفساد وعوامل الاختراق، لينفذوا برنامجاً تنموياً طموحاً لم يحدث بعد.. رغم مرور عقود من السنين على الاستقلال؟ فالفساد والإفساد والإخلال بالقوانين ومعظم عوامل إضعاف جهاز المناعة الاجتماعي في مواجهة الاختراقات وكل هذه الممارسات والعادات تنتقل عدواها عادة من الأعلى إلى الأسفل ومن الأقوياء إلى الضعفاء أي أبناء الشعب فالضعيف دوماً يقلد القوي هذا ما نعرفه تاريخياً على الأقل كما عرفه (ابن خلدون). وتضامناً مع ما ورد في المقال (عن البعد الإسلامي للديمقراطية) من الذي قال (لو وقعت دابة في العراق فنحن مسؤولون عنها) قائل هذه العبارة هو الخليفة عمر وكان مركز خلافته بعيداً عن العراق؟! ورد في ص 41 من المقال (في ظل التهديد الأمريكي الصهيوني... يتوجب الانتباه إلى تحرك وتحريك مواضيع وقضايا نائمة وكامنة). الكثير من القضايا الهامة نائمة وكامنة، بينما التهديد الأمريكي الصهيوني قديم مستمر لا يعلم إلا الله متى ينتهي في ظل العولمة وقيادة أمريكا للعالم. فهل نترك قضايانا تحت أي ذريعة من هذا النوع، أم أن الحل يكمن في وجوب تكوين سقف قانوني للجميع واضحاً وصريحاً، حينئذ يصبح واضحاً أين هو المكان المسموح الخوض فيه وأين هو المحظور أما أن تترك الأمور إلى مزاج هذا المسؤول أو ذاك، أو هذه الجماعة أو تلك في أسفل الهرم حينئذ يقع التجاوز، تجاوز المسؤول للقوانين والافتئات على حقوق الناس والمجتمع، أو تتجاوز هذه الجماعة أو تلك على حقوق الدولة وقوانينها، بمعنى آخر ضرورة التحول إلى دولة المؤسسات والقانون. وأخيراً: عين الحقيقة ما ورد في المقال ص 39: (إن الإنسان الحر المتمتع بحقوقه وحريته في إطار من الوعي والمسؤولية والانتماء في مجتمعه هو الأقدر على التحرير وصنع الحالة الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تؤهل الوطن لخوض معركة التحرير وتحقيق نجاحات ملموسة في كل ما يتصل بها من توفير الإمكانات والقوى والقدرات إلى الصمود والتصدي، إلى الإبداع في أساليب التصدي وإنجاز فعل التحرير على الأرض...) حقاً على هذا النحو نخرج من دائرة الانتظار التي يريدها العدو سجناً لنا ويدفعنا إلى تعطيل كل شيء، إنها المعركة الحضارية.. التي يجب أن تخاض بكل عناصر ومكونات الحضارة وليس في جانبها الأمني أو العسكري فقط أو ما شابه ذلك، إنها حركة شاملة لجميع نواحي الحياة. انتهى الحوار مع المقال البحث في 12/11/2002 |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |