مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد السابع عشر السنة الخامسة خريف - شتاء 2002
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

(الكذابون الوضيعون) وراء حرب بوش المميتة على العراق ـــ جيفري ستاينبيرغ (Jeffrey Steinberg)

في السادس عشر من مارس، يوم الأحد، خرج نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني من كهفه ليظهر على شاشة الـ NBC في برنامج "لقاء الصحافة" في مقابلة معه أجراها تيم روسيرت (Tim Russert) استمرت ساعة من الزمن. وخلال هذه الساعة لم يعلن شيئاً إلاَّ أن صدام حسين لا يستطيع أن يفعل شيئاً لتفادي غزو أمريكي عسكري للعراق لا مسوغ له ولا دافع. وكرر تشيني الإشارة إلى الحادي عشر من سبتمبر للعام 2001 بوصفه "حداً تاريخياً فاصلاً" سَوَّغ لأول مرّة شن حرب وقائية أمريكية من طرف واحد. ومع ذلك، تبنى تشيني نفسُه قبل حوالي اثنتي عشرة سنة فكرة الحرب الوقائية. ليس ضد صدام حسين الذي زوَّدته إدارتا ريغن وبوش الأب بأسلحة دمار شامل، بل ضد أية دولة أو مجموعة دول تتحدى التفوق العسكري الكوني الأمريكي في عالم ما بعد السوفييت. كان تشيني يكذب عمداً وبإرادته فيما المسألة المحورية، مسألة الحرب الوقائية. بيد أن تلك كانت رأس الجبل الجليدي.‏

كان بيان تشيني الاستثنائي الذي استغرق ساعة مؤلفاً حصراً من معلومات كاذبة وخاطئة التي لم يصدقها الناس والتي تبين على الفور أنها أكاذيب.‏

لقد أكد تشيني أن صدام حسين كان يسعى جاهداً للحصول على أسلحة نووية عندما أدلى رئيس لجنة مفتشي الأسلحة التابعة للوكالة الدولية، للطاقة الذرية (IAEA)، محمد البرادعي، بشهادة أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قبل أيام بأن الادعاءات تلك مبنية على وثائق مزورة. والواقع أن العدد الصادر في 31 مارس من مجلة نيويوركر (New Yorker) نشر تقريراً مفصلاً حققه سيمور هيرش (Seymoun Hersh) بَيَّن كيف أن محققي وكالة الطاقة الذرية الدولية قد قرروا في غضون ساعات من البحث أن البيان الحكومي النيجري المشترك الذي يؤكد بيع 500 طن من خامة يورانيوم "الكعكة الصفراء" إلى بغداد كان كله أكاذيب مزوّرة تعتمد على عناوين رسائل نيجيرية حكومية قديمة. وكتب هيرش قائلاً إن هذه الادعاءات المزوّرة قد مُرِّرت لإدارة بوش عن طريق جهاز MI6 البريطاني أو ربما صيغ بعد ذلك في جهاز المخابرات البريطاني أو الموساد الإسرائيلي أو من قِبل المعارضين العراقيين المنتمين إلى المؤتمر الوطني العراقي (INC) الذي يتزعمه الدكتور أحمد شلبي.‏

كما كرر تشيني اتهاماً سرعان ما فقد مصداقيته بأن لصدام حسين علاقات قديمة بمنظمة القاعدة الإرهابية، وأن تزويده لابن لادن بأسلحة دمار شامل ـ كيماوية وبيولوجية، وفي النهاية نووية ـ ليست سوى مسألة وقت. وكما يعلم تشيني جيداً أن مدير جهاز المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) جورج تينيت قد قال أمام لجنة المراقبة المخابراتية في مجلس الشيوخ أن صدام حسين سوف يلجأ إلى أسلحة الدمار الشامل أو يرتبط بالقاعدة فقط إذا ما حشر في زاوية حرجة وفي مواجهة هجوم عسكري أمريكي وشيك. لقد فشلت الجهود المتكررة التي بذلها "فريق الحرب" العامل من امثال رئيس المخابرات المركزية الأسبق وأحد أعضاء جماعة الضغط في المؤتمر الوطني العراقي آر. جيمس وولسي (R. James Woolsey) في إظهار أي دليل مثبت يمكن تصديقه على وجود روابط بين صدام والقاعدة، خصوصاً قبل الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، 2001.‏

ربما كانت أكبر كذبة صفع فيها وجوه كل التقييمات الصادرة عن الـ CIA، ووكالة المخابرات الدفاعية (DIA)، وهيئة الأركان المشتركة (JCS) وخبراء الشرق الأوسط في وزارة الخارجية، هي أن الاحتلال العسكري للعراق سيكون "رقصة زنجية". قال تشيني لروسيرت (Russert)، "الآن، أصبحت الأمور سيئة جداً في العراق، كما أظن، فمن وجهة نظر الشعب العراقي، اعتقد أنهم سيحبوننا كمحررين".‏

تحدى روسيرت تنبؤ تشيني الوردي قائلاً: "إذا كان تحليلك غير صحيح، ولم نعامل كمحررين، بل كمحتلين، وبدأ العراقيون يقاوموننا، خصوصاً في بغداد، هل تعتقد أن الشعب الأمريكي مهيأ لمعركة دامية طويلة مكلفة تحدث خسائر بشرية كبيرة في الجيش الأمريكي؟"‏

فأجابه تشيني: "لا أعتقد أن الأمور ستصل إلى هذا الحد، يا ثيم، لأنني أعتقد جازماً أنه سيرحب بنا كمحررين. لقد تحدثت، أنا شخصياً، مع كثيرين من العراقيين في الشهور الأخيرة، والتقيت بهم في البيت الأبيض... وكانت القراءة التي استنتجناها هي أنه لا توجد أية مشكلة سوى أنهم يريدون الخلاص من صدام حسين، وأنهم سوف يرحبون بالأمريكيين كمحررين عندما نأتي لتخليصهم من صدام." ثم أضاف تشيني فيما بعد في المقابلة قائلاً: "إذا ما نظرت إلى العارضة، ستجد أنهم، على ما أعتقد، قد التأموا بقوة مع ممثلين للشعب من شيعة وسنة وأكراد".‏

وقبيل انتهاء أدائه، وسع نائب الرئيس مجال نبوءته في "التحرير الأشبه برقصة زنجية": ليؤكد أن العمل العسكري الأمريكي الوقائي للإطاحة بصدام حسين سوف يسفر عن استقرار منطقة الشرق الأوسط. واستشهد بالدكتور برنارد لويس (Bernard Lewis)، الشبح الذي ينتاب المكتب العربي البريطاني ومؤلف كتاب "مسار الأزمة القوسي"، إخفاق "الورقة الإسلامية" تماماً، بوصفه مرجعية له، فقال: "أعتقد جازماً، كما يعتقد رجال من أمثال برنارد لويس، الذي يعد واحداً من الدارسين العظام لذلك الجزء من العالم، أن رداً أمريكياً قوياً حازماً على الإرهاب وعلى تهديدات الولايات المتحدة سوف يسفر، بصراحة، عن التقدم بعيداً نحو تهدئة الأمور في ذلك الجزء من العالم."‏

وبعد ثمانين ساعة تماماً من ظهور تشيني على شاشة تلفزيون NBC شنت الولايات المتحدة حرباً غير ضرورية ولا دافع لها ضد العراق، ووفق ما أوردته مصادر دبلوماسية عربية رفيعة المستوى مقيمة في واشنطن، أن حكومات منطقة الشرق الأوسط قد أُبلغت من قبل مسؤولين كبار في إدارة بوش، عشية الهجوم على العراق، أن الحرب ستنتهي في غضون سبعة أيام أو عشرة.‏

الكذبة الشتراوسية‏

لم يكن أداء نائب الرئيس الكاذب في برنامج "لقاء الصحافة" مجرد كبرياء شخصي وحماقة. إذ إن تصريحه عن الحرب الوقائية ضد العراق ـ الذي احتفل به الحلفاء المحافظون الجدد مثل ميشيل ليدين (Michael Ledeen)، "الفاشي العالمي" باعترافه هو بصورة أكثر صراحة على أنه بداية صدام حرب حضارات يستهدف عملياً كل دولة قومية عربية في الشرق الأوسط ـ كان ذروة حملة دامت أكثر من اثنتي عشر سنة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط والخليج الفارسي من خلال حرب لها نهاية واستيلاء استعماري على المواد الخام.‏

بل أكثر من ذلك، كانت علاقة بدء فتنة صناعة القرار في واشنطن حيث كان يحاول إثارتها مجموعة صغيرة من المحافظين الجدد ـ الذين هم في غالبيتهم من اتباع الفيلسوف الفاشي المولود في ألمانيا، ليو شتراوس (1899-1973).‏

تنصبُّ سياسة هؤلاء على تحويل الولايات المتحدة من جمهورية دستورية مكرسة للصالح العام وبناء مجتمع مبادئ بين الدول القومية ذات السيادة إلى محاكاة وحشية ما بعد الحداثة للإمبراطورية الرومانية منخرطة بمغامرات إمبريالية خطيرة في الخارج وإلى دولة بوليسية اضطهادية وحشية في الوطن.‏

على الرغم من أن شتراوس يهودي من نشطاء الدوائر الصهيونية الإصلاحية التي يتزعمها فلاديمير جابوتينسكي (Vladimir Jabotinsky) في ألمانيا في عشرينات القرن العشرين. فإنه كان أيضاً تابعاً ومروجاً متحمساً لأفكار شخصيتين فكريتين بارزتين في الحزب النازي كارل شميث الذي كتب الرأي القانوني الذي سَوَّغ انقلاب هتلر الدكتاتوري بعد حريق الرايخستاغ في ما بين شباط وآذار من العام 1933. وكان سميث هو نفسه الذي رتب لشتراوس بعثة زمالة لمؤسسة روكفلر (Rockefeller) في العام 1932 ليدرس في لندن ومن ثم في باريس، وبعد ذلك ليتسلم مناصب تدريس في الولايات المتحدة، أولاً في مدرسة الأبحاث الاجتماعية الجديدة في نيويورك، ومن ثم في جامعة شيكاغو.‏

كان في ألمانيا عشرينات القرن العشرين وثلاثيناته يهود نازيون ولكن لم تتح لهم الفرصة للتقدم حزبياً بسبب معاداة هتلر للسامية؛ من هؤلاء شتراوس، ومجموعة مدرسة فرانكفورت اليساريون النيتشويون [تيودور أدورنو (Theodor Adornu)، وماكس هوركهايمر (Max Horkheimer)، وليو لوفينتال (Leo lowental)، وهيربرت ماركوس (Herbert Marcuse)، وغيرهم]، ففضلوا مغادرة ألمانيا لمتابعة "أفكار فاشية أكثر شمولية" خارج ألمانيا، وخصوصاً في الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى.‏

بالنسبة لليو شتراوس ومريديه، كانت "الكذبة الوضيعة ـ والمعلومات الكاذبة ـ هي مفتاح الوصول إلى السلطة السياسية. وكان هدفهم النهائي هو استلام سلطة سياسية خام. وفيما يتعلق بشتراوس والشتراوسيين، لم يكن هناك مبادئ شاملة، ولا قانون طبيعي، ولا فضيلة، ولا حب، ولا فكرة أن الإنسان هو الصورة الحية لله.‏

أوضح وليام كريستول (William Kristol) الشتراوسي الواشنطني البارز والداعية الرئيسي العام لفريق الحرب في إدارة جورج دبليو. بوش، هذه النقطة بفظاظة في مقابلته مع نينا جي. إيستون (Nina J. Easton) التي ألَّفت سيرة استغرقت كتاباً لحياة كبار زعماء العصيان اليميني الذي حدث في تسعينات القرن العشرين بعنوان "عصبة الخمسة (نيويورك: سيمون وشوستر، 2000)". قال لها كريستول، "من تعاليم شتراوس الرئيسية أن كل السياسات محدودة، وما من سياسة أبداً مبنية على الحقيقة. إذ يكون هناك نزعة فلسفية معينة حيث تكون بعيداً عن هذه النزاعات السياسية... ولا تكون جاداً أو تحمل قضاياك محمل الجد إذا ما ظننت أن هذه هي الحقيقة مئة بالمئة. الحركات السياسية مليئة دائماً بالأنصار الذين يقاتلون من فكرتهم. غير أن هذا أمر مختلف عن الحقيقة".‏

لقد أتم كريستول، من موقعه كرئيس تحرير مجلة ويكلي ستاندارد (Weekly Standard) التي أنشئت في العام 1995 بتمويل من روبرت ماردوخ (Ruoert Murdoch)، فن الخداع السياسي، و "كذبة غوبلز الكبرى".‏

تلقَّى وليام كريستول، ابن الجيلين الأولين من المحافظين الجدد فيما بعد الحرب: إرفينغ كريستون (Irving Kristol) وجيرترود هيميلفارب (Gertrude Himmel Farb)، تدريبه في هارفارد‏

(Harvard) منذ الثامنة عشر من عمره على يد أحد مريدي شتراوس البارزين، هارفي مانسفيلد الابن (Harvy Mansfield, Jr.).‏

من رفاق كريستول في حجرته ممن تخرجوا من جامعة هارفارد وزملائه الشتراوسيين، ألن كييز‏

(Alan Keyes) الموظف، فيما بعد في وزارة الخارجية في إدارة ريغن، والمرشح الفاشل لعضوية مجلس الشيوخ في ماري لاند (Mary Land)، [أدار كريستول حملته الانتخابية في العام 1988 ضد الديمقراطي بول ساربانيس (Paul Sarbanes). ومن زملائه من أبناء صفه فرانسيس فوكومايا (Francis Fukuyama). الذي رَوّج فيما بعد للفكرة النيتشوية القائلة بـ "نهاية التاريخ". وكان فوكوياما قد جاء إلى هارفارد لمتابعة دراسته الجامعية الأولى في كورنيل (Cornell) حيث دربه ألن بلوم (Alen Bloum)، أحد تلاميذ شتراوس المنتمين لدائرة جامعة شيكاغو الداخلية. لقد وصف حياة بلوم، زميل له من شيكاغو، هو شاؤول بيلو (Saul Bellow) في روايته الواقعية "رافيلشتاين (Ravelstein).‏

انقلاب المحافظين الجدد في 11/9‏

ألقت منحة بيلوو (Bellow) إلى بلوم (Bloom) الضوء أيضاً على شخص شتراوسي، يلعب الآن دوراً أكبر من دور الحياة في إدارة بوش داخل الفتنة: إنه بول وولفوويتز(Paul Wlfowitz).‏

كان وولفوويتزواحداً من أوائل مريدي شتراوس ـ بلوم الذين قدموا إلى واشنطن. وفي فترة إتمامه لدراسته الجامعية الأولى في جامعة شيكاغو جرى تقديمه إلى مؤسس مؤسسة راند Rand، ألبرت وهلستتر (Wohlstetter) وإلى بول نيتزي (Paul Nitzi) الخبير البارز في مراقبة السلاح والذي شغل مناصب عليا في معظم حكومات ما بعد الحرب العالمية الثانية. وبحلول سبعينات القرن العشرين كان وولفوتيز يشق طريقه عبر بيروقراطية مراقبة الأسلحة ـ ويقيم علاقات مع شتراوسيين آخرين وأتباع لوهلستتر الذين كانوا قد زرعوا في هيئات لجان متعددة من لجان مجلس الشيوخ. ومن بين المتعاونين مع وولفوويتز في تلك الفترة، كلٌّ من ريتشارد بيرل (Richard Perle) وستيفن براين (Steven Bryen) وإليوت أبرامز (Elliot Abrams) الذي كان يعمل في هيئات مجلس الشيوخ: مثل هيئة هنري "سكوب" جاكسون (دي ـ ووش) [(D. Wash) Henry "Scop"]. وكليفورد كيس‏

(Clifford Case) [R-N. J.]، ودانيال باتريك مونييهان (Daniel Patrick Moynihan) [D-N. Y.] على التتالي ويقول بيرل إنه قُدِّم إلى وولفوويتز أول مرَّة في العام 1969 عندما أرسلهما معاً وهلستتر للقيام بمشروع بحث لصالح السناتور جاكسون (Jackson).‏

ومن بين مريدي شتراوس الذين هم اليوم جزء من التمرد الجديد كل من جون بودهوريتز (John Podhoretz) محرر صفحة التحرير في جردة مردوخ (Mardoch) الصغيرة الصفراء "نيويورك بوست" (New York Post) والمحرر الأسبق لصحيفة "ذا ويكلي ستاندارد" (The weekly Standard) وأحد أبناء الجيل الأول من الإداريين اليمينيين الجدد نورمان بودهورتيز، وميدج ديكتر‏

(Midge Decter)؛ وقاضي المحكمة العليا كلارينس توماس (Clarence Thomas)؛ والمدعي العام جون أشكروفت؛ وأي. لوبس "سكوثر" ليبي رئيس هيئة مستشاري الأمن القومي لنائب الرئيس تشيني، والذي قَدَّمَه أستاذُه في جامعة ييل (Yale University) ومعلمه الخاص بول وولفوويتزإلى عالم ليو شتراوس؛ ومسؤول المعلومات المزورة في البنتاغون أبرام شولسكي (Abram Shulsky)؛ وغاري سميث (Garry Schmitt) المدير التنفيذي لمشروع قرن أمريكي جديد (PNAC) بقيادة كريستول؛ وديفيد بروك، محرر آخر من محرري ذا ويكلي ستاندرد؛ وويرنر دانهوزر (Werner Dannhausen) أحد أتباع شتراوس الذي ترك الأكاديمية ليتسلم وظيفة تحرير مجلة بارجة الأميرال اليمنية الجديدة "كومينتاري (Commentary) بعد تقاعد نورمان بودهوريتز(Norman Podhoretz)؛ وروبرت كاغان (Robert Kagan)، أحد محرري صحيفة ذا ويكلي ستاندارد أيضاً، وابن أحد الشتراوسيين البارزين في جامعة ييل دونالد كاغان (Donald Kagan).‏

وكما تُبين قضية وولفو ويتز، عملت هذه العصبة من مريدي شتراوس، جنباً إلى جنب مع دائرة صغيرة مساوية لهم بين الحلفاء المحافظين الجدد والمسافرين من زملاء ليكودنيك كشبكة سرية في الحكومة وحولها طوال الثلاثين سنة المنصرمة ـ بانتظار لحظة الفرصة المناسبة للقيام بانقلابهم غير الصامت في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) من العام 2001 التي زوّدتهم بلحظة فرصة العمر التي أعَدوا لها إعداداً متقناً.‏

وكما كتب ليندون لا روش (Lyndon La Rouche) في تقرير لا روش في حملته الانتخابية للرئاسة في العام 2004 تحت عنوان "زبيغنيو بريزنيسكي (Zbigniew Brezezinski ) والحادي عشر من سبتمبر"، فإن أحداث الحادي عشر من أيلول ما كادت لتقع بدون موافقة داخلية كبيرة من عناصر مؤسسة الأمن القومي الأمريكية، مع الأخذ بالحسبان الانهيار الكامل للإجراءات الأمنية الأولية وعمق المعرفة الداخلية بهذه المواقع غير المحصنة. يقول لا روش، ما كان لأحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) لتنفذ من قبل القاعدة بدون مثل تلك الموافقة. والواقع أن هذه الهجمات تشكل عملاً معقداً جداً من الأعمال العسكرية الخفية غير النظامية بحيث لا يستطيع جهاز ابن لادن تنفيذه. إن فكرة أن أسامة بن لادن يستطيع أن ينجز، وهو في كهوفه في أفغانستان أكبر عمل عسكري لا نظامي يخطر بالبال ضد الولايات المتحدة، ربما تكون كذبة من كذبات غوبلز الكبرى.‏

اعترف لا روش في تقريره "بريزينسكي والحادي عشر من سبتمبر" بأنه برغم احتواء تفاصيل وصف كيفية تنسيق الهجوم بدقة أسراراً عسكرية خفية يصعب جداً كشفها، يظل السؤال الأكبر "من المستفيد" من الهجوم أسهل منالاً. وللتعامل مع هذا السؤال، على أية حال، لا بد من مراجعة بعض الأحداث الحاكمة، يعود تاريخها على الأقل إلى فترة رئاسة بوش الحادية والأربعين.‏

حرب وقائية إمبريالية‏

في الحادي والعشرين من مايو (أيار) من العام 1991، قدم فريق من الاستراتيجيين المدنيين في مكتب البنتاغون السياسي عرضاً شفوياً إلى ديك تشيني الذي كان حينذاك وزيراً للدفاع، وبناء على طلبه هو، حول البيئة الاستراتيجية والتعقيدات الأمنية القومية على المدى الطويل للولايات المتحدة، في مرحلة ما بعد السوفييت، لقد عرض الجزء الأكبر من التقرير السّنوي مساعد وزير الدفاع للشؤون السياسية بول وولفويتز. وضم الفريق كلاً من: لُويس ليبي، الذي كان نائباً لوولفوتز، وزالماي خليل زاد (Zalmay Kalilzad)، وهو من أتباع ألبرت وُهلستتر في مؤسسة راند (RAND)/ جامعة شيكاغو الذي كان بدوره حينذاك في دكان وولفوويتزفي البنتاغون؛ وإريك إديلمان (Eric Edelman)، موظف ناجح في دائرة الخدمات الخارجية برئاسة وولفو ويتز. يشغل هؤلاء الأربعة اليوم مناصب عليا في حكومة بوش الثالثة والأربعين: وولفو ويتز، نائباً لوزير الدفاع؛ وليبي، رئيساً للأركان ورئيس مساعدي الأمن القومي لنائب الرئيس تشيني؛ وإديلمان، نائباً لليبي، هناك؛ وخليل زاد ضابط ارتباط بين البيت الأبيض والمعارضة العراقية.‏

في ذلك العرض الذي قدم في العام 1991 إلى تشيني، اقترح وولفوويتز أن تتبنى الولايات المتحدة سياسة العمل الوقائي لإحباط أية محاولة لأية دولة أو مجموعة من الدول لتحدي "التفوق" الأمريكي العسكري والاقتصادي في المدى المنظور، مستخدمة كل الوسائل الضرورية. وعندما جعل تشيني مفهوم وولفوويتزجزءاً من كتابه، دليل التخطيط الدفاعي (DPG) في العام 1992 انفتحت أبواب جهنم. سَرَّب ضباط عسكريون كبار أجزاء من هذا الدليل إلى صحيفة نيويورك تايمز؛ لقد رفض الرئيس جورج أتش. دبليو. بوش، ومستشاره للأمن القومي الجنرال برينت سكاوكروفت (Brent Scowcroft)، ووزير الخارجية الثالث، استراتيجية تشيني ـ وولفوويتز الأحادية الجانب.‏

وفي النهاية أعيدت كتابة "دليل التخطيط الدفاعي" ووصف حينئذ بأنه نسخة ملطفة ضعيفة من الخطة. ولكن تشيني وفريقه، قالوا كلمة الفصل عند الفراق، في أعقاب هزيمة بوش في حملة إعادة انتخابه في يناير من العام 1993، إذ نشروا "استراتيجية الدفاع في تسعينات القرن العشرين: استراتيجية الدفاع الإقليمية" التي لم تحيي فكرة الحرب الوقائية من جانب واحد فحسب، بل روجت أيضاً فكرة أن على الولايات المتحدة أن تطور جيلاً جديداً من الأسلحة النووية الصغيرة المناسبة للاستخدام ضد أهداف في العالم الثالث.‏

ولم يكن سراً أن تشيني وولفوويتز غضبا جداً لأن بوش لم يسمح لقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة أن تجتاح بغداد وتطيح بصدام حسين كخاتمة لعملية عاصفة الصحراء في العام 1991. والواقع أن زملاء وولفوويتز ذكروا أنه كان محموماً بفكرة الإطاحة بصدام حسين وقلب لوحة الشرق الأوسط الشطرنجية منذ أواخر سبعينات القرن العشرين. وذكرت صحيفة رافيلشتاين (Ravelstein) الشاؤول بيلو أن وولفوويتز اتصل هاتفياً بمعلمه الشتراوسي الخاص، ألن بلوم، طالباً منه العودة إلى شيكاغو ليعنف الرئيس بوش بشدة لافتقاره إلى الكبرياء النيتشوية.‏

الانهيار النظيف‏

لم تهجع العصابة الشتراوسية أثناء وجودها خارج السلطة خلال السنوات الثماني من عهد كلينتون. ففي أعقاب توقيع اتفاقية أوسلو في العام 1993 في البيت الأبيض شن الشتراوسيون اليَمينيون الجدد حملة واسعة لقتل صفقة "الأرض مقابل السلام". كان العديد من مريدي شتراوس وبلوم البارزين قد هاجروا إلى إسرائيل، وشكلوا قلب جهاز في إسرائيل كرس نفسه لإغراق عملية السلام وإفسادها.‏

أسس هيليل فرادكن (Hillel Frandkin) ويورام هازوني (Yoram Hazony) في العام 1994 مركز سالم (Shalem) بتمويل من مليارديريَّيْن أمريكيين، مرتبطين بمجموعة ميغا (Mega Group) غير المعروفة كثيراً ولكنها قوية ومؤلفة من صهيونيين يمينيين ـ رونالد لودر (Ronald Lauder) وروجر هيرتوغ (Roger Hertog). يملك هيرتوغ اليوم جزءاً من صحيفة نيويورك صن (New York Sun) بالاشتراك مع اللورد كونراد بلاك (Conrad Black) وميشيل شتاينهارد (Michael Steinhard)، ويملك ثلث صحيفة ذا نيو ريببليك (The New Republic) بالاشتراك مع مارتن بيرتيز (Martin Peretz) وشناينهارد، التي تعد معقلاً للدعاية السياسية الشتراوسية منذ زمن طويل. [لقد عمل محرر نيو ريببليك، لورنيس كابلان (Lawrence Kablan)، على سبيل المثال، مع محرر ذا ويكلي ستاندردز (The Weekly Standards) وليام كريستول لإنتاج دراسة بحجم كتاب لترويج الحرب على العراق].‏

كان فرادكن تلميذاً لألن بلوم ودَرَّس في لجنة جامعة شيكاغو مقرر الفكر الاشتراكي. ثم تابع لافتتاح مكتب مركز سالم في واشنطن، مع إشغاله في الوقت نفسه منصب مدير مركز السياسة الأخلاقية والعامة (إذ حل محل إليوت أبرامز عندما عُيِّنَ إليوت في مجلس الأمن القومي في عهد رئاسة بوش الثالثة والأربعين)، وكباحث وعالم في شؤون الشرق الأوسط في معهد المشروع الأمريكي (AEI). أما هازوني (Hazoney) فقد حصل على درجة الدكتوراه في جامعة روتجرز (Rotgers) بإشراف أحد مريدي شتراوس، ويلسون كاري ماك ويليامز (Wilson Cary Mc Williams)،‏

ثم انتقل إلى إسرائيل حيث عمل كاتب خطابات لزعيم الليكود بنيامين نتنياهو(Benjamin Netanyahu). ويعد هازوني مؤيداً، بلا خجل، للعنصري العرقي مئير كاهانا (Meir Khane) المؤسس السابق لعصبة الدفاع اليهودية الإرهابية، ولحركة كاخ (Kach).‏

بالإضافة إلى تأسيس مركز سالم ومؤسسة الديمقراطية الدستورية على يد أحد تلاميذ شتراوس البارزين بول إيديلبرج (Eidelberg) ـ وأحد دعاة ضم "يهودا" و"السامرة" وغزة إلى إسرائيل بصورة دائمة ـ لعبت لجنة متخصصة إسرائيلية حكومة ثالثة دوراً محورياً في تعزيز الأجندة الشتراوسية المحافظة الجديدة في أثناء رئاسة كلينتون. أنشئ معهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة‏

(IASPS)، مع مكتبين في القدس وواشنطن في العام 1984 كموقع متقدم "لمدرسة شيكاغو" لعلوم الاقتصاد الحر حسب النظام البريطاني، لتعزيز أعمال آدم سميث (Adam Smith)، وفريدريك فون هايك (Friedrich Von Hayek)، وميلتون فريدمان (Milton Friedman). وبعد عشر سنين أسس المعهد قسماً للبحث في الاستراتيجية. وحسبما وصف معهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة نفسه، فإن هذا المعهد يُعد مركزاً للنفوذ الشتراوسي في إسرائيل. لقد حذر أحد الإعلانات عن برنامج الزمالة الاستراتيجية للمعهد في واشنطن نشر على موقع IASOS، الراغبين في التقدم إلى هذا البرنامج، ألا يتقدموا بطلباتهم إن لم يكونوا من أحد أتباع ليو شتراوس.‏

في العام 1996، في أعقاب اغتيال رئيس وزراء إسرائيل إسحق رابين، شرع قسم IASPS الجديد للبحث في الاستراتيجية سلسلة من الدراسات حول كيفية إسقاط اتفاقات أوسلو لتقديمها إلى رئيس الوزراء القادم نيتانياهو.‏

أُعدَّت الدراسة الافتتاحية من هذه السلسلة "الانهيار النظيف: استراتيجية جديدة لتأمين المملكة" من قبل فريق من المحافظين الأمريكيين الجدد بقيادة ريتشارد بيرل (Richard Perle). أما أعضاء الفريق الآخرين فهم: جيمس كولبرت (James Colbert) من المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي (JINSA)؛ تشارلز فيربانكس (Charles Fairbanks) من مدرسة جامعة جون هوبكنز للدراسات الدولية (SAIS)، وأحد مريدي شتراوس المقربين جداً من بول وولفوويتز منذ ستينات القرن العشرين؛ ودوغلاس فيث (Doglas Feith)، يشغل الآن منصب وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية؛ وروبرت ليو وينبرغ (Robert Leowenberg)، رئيس IASPS؛ وجوناثان توروب (Jonathan Torop) من معهد واشنطن للدراسات الشرق أوسطية (WINEP)، اللجنة المتخصصة التي أحدثتها لجنة الشؤون العامة الإسرائيلية الأمريكية (AIPAC)، اللوبي الإسرائيلي الرسمي في أمريكا؛ وديفيد وورمسر (David Wurmser)، الذي أصبح فيما بعد مديراً لمشروع الشرق الأوسط في AEI والذي يشغل الآن منصب مساعد رئيس مفاوضي التسلح في وزارة الخارجية جون بولتن، (John Bloton) ـ الذي كان هو نفسه نائباً لرئيس AEI؛ وميراف وورمسر (Myrav Wurmser) الذي كان يعمل سابقاً مع مشروع المعلومات والبحوث الشرق أوسطية (MERIP) بإدارة ضابط المخابرات العسكرية الإسرائيلية الشاروني الكولونيل إيغال كارمون (Yigal Carmon)، أما الآن فيشغل وورمسر منصب مدير برامج الشرق الأوسط في معهد هدسون (Hudson).‏

سَلََّم بيرل وثيقة "الانهيار النظيف" المؤلفة من ست صفحات إلى نتنياهو في 8 يوليو (تموز) 1996 ـ قبل يومين من حديث نتنياهو في جلسة مشتركة للكونغرس الأمريكي. وكان معظم خطاب نتنياهو مؤلفاً من مقتطفات مختارة مسبقاً من وثيقة "الانهيار النظيف". كانت الوثيقة تدعو إلى رفض قاطع لأوسلو، ومبدأ "الأرض مقابل السلام"، وإلى تحطيم السلطة الفلسطينية تحطيماً وحشياً، وإعادة احتلال مناطق السلطة من قبل قوات الدفاع الإسرائيلية ـ على أن يُسَوَّغ ذلك بذريعة "حق إسرائيل في ملاحقة الإرهابيين" إلى أن يؤدي ذلك إلى ضم الضفة الغربية وقطاع غزة نهائياً إلى إسرائيل؛ إضافة إلى الدعوة إلى شن حرب ضد العراق، ليس للإطاحة بنظام صدام حسين في بغداد فحسب، بل للإطاحة بنظام البعث في دمشق، كذلك.‏

كتب بيرل وشركاؤه قائلين: "تستطيع إسرائيل تشكيل بيئتها الاستراتيجية بالتعاون مع تركيا والأردن، عن طريق إضعاف سوريا واحتوائها، حتى ودحرها إلى الوراء. ويمكن أن يركز هذا الجهد على إزاحة صدام حسين عن السلطة في العراق ـ وهو هدف إسرائيلي استراتيجي بحد ذاته ـ كوسيلة لإحباط طموحات سوريا الإقليمية".‏

كتب بيرل وشركاؤه وثيقة "الانهيار النظيف" وهم يعلمون جيداً أن إدارة بوش (الأب) خاضت حرب عاصفة الصحراء في العام 1990/91 كرد على تهديدات إسرائيل بشن حرب إبادة بنفسها ضد صدام حسين. لأن تحرك إسرائيل ربما يثير حرباً دينية في الشرق الأوسط، وبعبارة أدق، بما يتفق مع خطوط صراع الحضارات الذي عبر عنه أول مرَّة الدكتور برنارد لويس في مقالة نشرت في العام 1990 في مجلة أتلانتك مونثلي (Atlantic Monthly)، قبل ثلاث سنين من ظهور مقالة صموئيل هنتغتون (Samuel Huntington) اللاذعة والأكثر شهرة حول صراع الحضارات في مجلة فورن أفيرز (Foreign Affairs). انصاعت إدارة بوش إلى التهديدات الإسرائيلية واستبقت الضربات الإسرائيلية للعراق وذلك بشن حرب "التحالف" وفرض العقوبات بعد الحرب، وفرض مناطق محظورة الطيران، إلخ. والآن يعمل الشتراوسيون من خلال بيرل، وفيت، وورمسر، وغيرهم على تصعيد الرهان.‏

"قرن أمريكي جديد"‏

في مطلع العام 1997، التحق وليام كريستول وروبرت كاغان، المفكران الشتراوسيان البارزان من المحافظين الجدد بالقوات مع متعاونين في AEI لدفع سياسة "الانهيار النظيف" في حلق إدارة الرئيس كلينتون. وباستخدام المكان الوظيفي في الطابق الخامس من مقر AEI، أنشأ كريستول وشركاؤه مجموعة جبهة الإعفاء الضريبي، بوصفه مشروعاً لقرن أمريكي جديد (PNAC)، من أجل تعزيز حشد القوة العسكرية الأمريكية لتكون شرطة العالم من جانب واحد، وتبدأ بالإطاحة بصدام حسين.‏

في الثالث من يونيو (حزيران) 1997، أعلنت هيئة PNAC بيان مبادئ موقع من إليوت أبرامز، وغاري بوير (Gary Bauer)، وميدج ديكتر (Midge Decter)، وفرانسيس فوكوياما (Francis Fukuyama)، ولويس ليبي (Lewis Libby)، ونورمان بود هوريتز (Norman Podhoretz)، وبيتر رودمان (Peter Rodman)، ودونالد رامسفيلد (Donald Rumsfeld)، وبول وولفوويتز‏

(Paul Wolfowitz)، وغيرهم.‏

بُني بيان المبادئ على مقالة ألفها وليام كريستول وروبرت كاغان معاً، ونشرت في عدد فورن أفيرز (Foreign Affairs) الصادر في يوليو ـ أغسطس من العام 1996، عن "مجلس نيويورك للعلاقات الدولية" ـ بالتزامن مع إعلان بيرل ـ فيت ـ وورمسر لـ "الانهيار النظيف". دعا كريستول وكاغان إلى "سياسة خارجية ريغانية جديدة". كان ذلك اختياراً ارادياً غير شريف إرادي للمصطلحات، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أهم إنجاز حققه الرئيس ريغان في السياسة الخارجية وسياسة الأمن القومي كان بالتعاون مع ليندن لا روش (Lindon La Rouche) في إطلاق مبادرة الدفاع الاستراتيجي (SDI) التي كانت في نظر ريغن جهداً تعاونياً مشتركاً مع السوفييت لوضع نهاية لمرحلة "الدمار المتبادل الأكيد". وعندما رفض السكرتير العام السوفييتي يوري أندروبوف (Yuri Andropov) عرض ريغن الكريم للتعاون العلمي والتكنولوجي، أصبح من المؤكد انهيار الإمبراطورية السوفييتية، كما تنبأ لا روش في العام 1984، ومرَّة أخرى في حديث شهير له ألقاه في أكتوبر من العام 1988 في برلين الغربية يتنبأ فيه بانهيار جدار برلين بعد سنة.‏

عَرَّف كريستول وكاغان "سياستهما الخارجية الريغينية الجديدة" بأنها "هيمنة عالمية خيّرة" تقوم على بناء قوة عسكرية أمريكية. وكان المؤلفان يحييان بذلك عقيدة وولفوويتز التي عبر عنها في العام 1991 بشأن الحرب الوقائية من طرف واحد، بقولهما بوضوح: "إن الهدف الملائم للسياسة الخارجية الأمريكية هو الاحتفاظ بالهيمنة إلى أبعد ما يمكن في المستقبل".‏

كان كريستول وكاغان يدعوان إلى الإطاحة بتقليد أمريكي مناهض للاستعمار عمره مئتا سنة، مُفْرِدَيْن جون كويني آدامز (John Quiney Adams) بوصفه خصماً لدوداً لهما، إذ كتبا قائلين: يستسلم المحافظون هذه الأيام بسهولة إلى الصورة المجازية القديمة للولايات المتحدة "كمدينة على تلة". مشيرين بذلك إلى نصيحة جون كوينسي آدامز "بأن على أمريكا ألاَّ تخرج عن حدودها باحثة عن وحش لتدمره!! ويتساءلون، "لم لا؟" إذ سيكون البديل عندئذ ترك الوحوش طلقاء يخربون وينهبون ما شاء لهم أن يخربوا وينهبوا، والأمريكيون يقفون جانباً يتفرجون. إن ما كان يعد نصيحة حكيمة في العام 1823 عندما كانت أمريكا صغيرة، وقوة معزولة في عالم من العمالقة الأوربيين، لا يصلح أبداً عندما تكون أمريكا هي العملاق. وبما أن لدى أمريكا المقدرة على احتواء أو تدمير العديد من وحوش العالم، الذين يمكن اكتشاف غالبيتهم دون عناء كبير، وبما أن مسؤولية سلام النظام العالمي وأمنه يقعان على كاهل أمريكا، فإن سياسة الجلوس على قمة التلة وقيادة العالم بالمثل الأعلى أصبحت عملياً سياسة جبن وخيانة".‏

في 26 يناير (كانون الثاني) من العام 1998 أصدرت هيئة PNAC رسالة مفتوحة إلى الرئيس كلينتون تدعو إلى الإسراع في تغيير النظام في العراق بناء على ادعاء مزيف كاذب بأن صدام كان على وشك إطلاق أسلحة دمار شامل ضد أمريكا وحلفائها. من بين الموقعين على هذه الرسالة المفتوحة الأشخاص التالية أسماؤهم الذين هم اليوم جميعاً أعضاء في إدارة بوش الثالثة والأربعين: أبرامز (Abrams)، وريتشارد آرميتاج (Richard Armitage)، وجون بولتون (John Bolton)، وفوكوياما (Fukuyama)، وخليل زاد (Khalil Zad) وبيتر رودمان (Peter Rodman)، ورامسفيلد (Rumsfeld)، وولفوويتز (Wolfowitz)، وروبرت زوليك (Robert Zoellick)، وآخرون من بينهم: كريستول (Kristol)، وكاغان (Kagan)، وجيمس وولزي (James Woolsey) الذي شغل لفترة وجيزة منصب مدير المخابرات في عهد كلينتون والذي كان يعمل عندما صدرت رسالة PNAC المفتوحة محامياً يمثل المؤتمر القومي العراقي.‏

في سبتمبر (أيلول) من العام 2000، عشية الانتخابات الرئاسية حيث كان جورج دبليو. بوش منافساً لأل غور (Al Gore)، أصدرت هيئة PNAC دراسة مطولة بعنوان "إعادة بناء الدفاعات الأمريكية ـ الاستراتيجية، القوة، والموارد من أجل قرن جديد" التي أحيت بصورة مطوَّلة استراتيجية الحرب الوقائية التي تبناها تشيني ـ وولفوويتز في الفترة ما بين 1991 و1993. ومن "المنهجين المألوفين" الذين شاركوا في دراسة "إعادة البناء" تابع وولفوويتز لويس ليبي (Lowis Libby) الذي كان قد أنجز من قوة مهمة محددة كمستشار عالم للجنة كوكس (Cox) التي كانت تروّج لحسم استراتيجي في شمال آسيا مع الصين وكوريا الشمالية، والذي أصبح فيما بعد رئيس أركان نائب الرئيس تشيني. وعندما كان خارج الحكومة، كان ليبي يعمل محامياً شخصياً لمارك ريتش (Marc Rich) عرَّاب "المافيا" الروسية، والمحكوم عليه غيابياً في محكمة فيدرالية بتهمة التملص من دفع الضرائب، والمتاجرة مع العدو ـ آية الله الخميني، الإيراني ـ أثناء أزمة الرهائن الأمريكيين في الفترة ما بين 1979-1980. كان ليبي مسؤولاً مسيطراً على الآخرين من وراء ستار عن العفو الكارثي الذي أصدره الرئيس كلينتون بشأن ريتش (Rich) الذي كان يعمل مباشرة مع عميلي الموساد الإسرائيلي زفي رافيا (Zvi Rafia)، وأفنر أزولاي (Avner Azolay).‏

وعلى الرغم من انتشار الشتراوسيين والمحافظين الجدد داخل فريق الأمن القومي في إدارة الرئيس جورج دبليو. بوش، فإن لوبي الحرب العراقية لم يتقدم كثيراً حتى جاء الحدث الذي وصفه نائب الرئيس، تشيني، بأنه "حدث تاريخي فاصل".‏

لقد حرَّكت هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) في العام 2001 على البنتاغون ومركز التجارة العالمي رد فعل فوري من المحافظين الجدد في إدارة بوش وحولها. وبعد أربعة أيام فقط من هذه الهجمات، حضر وولفوويتز اجتماعاً لمجلس الأمن القومي في 15 سبتمبر مع الرئيس بوش في كامب ديفيد، حيث سلمه بياناً لإعلان غزو الولايات المتحدة للعراق فوراً: ولأسباب مازالت موضع خلاف رفض الرئيس ونائبه، وحتى وزير دفاعه رامسفيلد اقتراح وولفوويتز واصفين إياه بأنه "سابق لأوانه". ومع ذلك أصدر الرئيس بوش بعد بضعة أيام، أمراً رئاسياً أمنياً قومياً بمهاجمة أفغانستان، وخول بموجبه الـ CIA والقوات المسلحة بالبدء في وضع خطط طارئة محتملة للتعامل مع صدام.‏

ولادة وكالة مخابرات "صقور الدجاج"‏

بعد أسبوع من بيان الحرب "غير الناضج" (أو السابق لأوانه) الذي قدمه وولفوويتز عقد ريتشارد بيرل اجتماعاً لمجلس السياسة الدفاعية تحدث فيه الشبح المتطوع الذي يرتاد المكتب العربي ـ البريطاني، الدكتور برنارد لويس، ومؤسس الـ INC الدكتور أحمد شلبي، المصرفي المحتال والعميل لألبرت ووهلستيتر (Albert Wohlstetter) في جامعة شيكاغو، والذي اختاره اللوبي الصهيوني. واليمين الإسرائيلي ليكون خليفة لصدام حسين وأخيراً، اعتبرت ال CIA ووزارة الدفاع الشلبي شخصاً غير موثوق وأن مظلته "INC" ليست سوى مجموعة من المنفيين المدمنين على الخمرة، بدون أي رصيد فعلي على الأرض داخل العراق. لقد قُدِّم بيرل وبرنارد لويس إلى الشلبي في مطلع ثمانينات القرن العشرين، ومنذ ذلك الحين اعتبر هذا المصرفي السابق الذي يواجه حكماً بالسجن لمدة عشرين سنة في الأردن بسبب اختلاس مصرفي ومالي، المشروع المدلل لدى JINSA و AEI.‏

وفي لحظة صراحة قبيل الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، 2001 أَسَرَّ وزير الدفاع رامسفيلد لأحد أقرانه أنه يفكر في الاستقالة من منصبه والعودة إلى شيكاغو وشرح الأسباب قائلاً: "لقد استولى الليكود على المبنى" مشيراً بذلك كما قال لأصدقائه إلى عصابة وولفوويتز ـ بيرل التي كانت تدير الأمور حوله في الشهور الأولى من إدارة بوش الثالثة والأربعين. وتصف مصادر قريبة من رامسفيلد وزير الدفاع بأنّ "نزعة السيطرة تستحوذ عليه"، وبأنه "مدير صغير جداً" أفترض أن مشاركته في عهد كلينتون في لجنة "انتشار الصواريخ" قد عوضت عن غيابه ربع قرن عن واشنطن، وبأنه قادر على الإمساك بقبضة حازمة على بيروقراطية البنتاغون بما في ذلك القيادة العسكرية الموحدة المتمركزة في هيئة الأركان المشتركة.‏

وبفضل الجهود الشخصية لوزير الدفاع الأسبق والإيديولوجي النظري في "مدرسة شيكاغو"، جورج شولتز، أُقحم وولفوويتز، نائب وزير الدفاع، إلى الدائرة الداخلية لمعلمي الحملة السياسية لجورج دبليو. بوش المعروفين بـ "الفلكانيين (Vulcans)"(1) الذين مكنوه من إحضار بيرل ومجموعة المحافظين الجدد جميعاً إلى أوستن (Austin) في تكساس من أجل عقد جلسات لتعليم الرئيس المقبل تعليماً منحرفاً. راهن وولفوويتز على العلاقة الشخصية بالرئيس الجديد وعلى ملء مكتب رامسفيلد بجيش حقيقي من مريدي شتراوس ومؤيدي الليكود.‏

في يونيو (حزيران) من العام 1988 كشفت EIR أن المكتب الاستشاري العام لوزير الدفاع حينذاك، كاسبر واينبيرغر (Casper Weinberger) قد جمع قائمة بالمتهمين من "لجنة X"، التي هي شبكة جواسيس إسرائيليين وعملاء ذوي نفوذ الذين اخترقوا مؤسسة الأمن القومي، ويُعتقد أنهم كانوا يديرون الجهود التجسسية لجوناثان جي بولار (Jonathan Jay Pollard). ومن بين عشرات المتهمين من " لجنة X" البارزين الذين كشفهم الفريق الاستشاري العام: وولفوويتز، بيرل، وفيث، وهلستيتر، وفريد إكلي (Fred Iklé)، وستيفن براين، وميشيل ليدن، وفرانك غافني ، وجون ليبمان، وهنري رُوين (Henry Rowen).‏

أصبح البنتاغون في عهد رئاسة بوش الثالثة والأربعين محور نفوذ "لجنة X" واختراقاتها ثانية.‏

ومع ذلك، رفضت جميع المعلومات الاستخباراتية الصادرة عن الـ CIA و DIA، ووزارة الخارجية بحزم وجود أي دليل على أية علاقة بين صدام حسين وهجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) كما أن الدليل الشامل يشير إلى أن العراق لا يشكل أي تهديد فوري أو وشيك للولايات المتحدة أو لأي دولة من الدول المجاورة له. وفي مطلع عهد إدارة بوش اقترح وزير الخارجية كولن باول إجراء مراجعة للعقوبات، والاستعاضة عنها بما أسماه "العقوبات الذكية" معترفاً بأن الدعم الدولي لاستمرار وعزل العراق قد أخذ يتآكل.‏

ولاهتبال النقلة الدرامية التي حدثت في 11 سبتمبر 2001، أنشأ وولفوويتز الجابوتينيسكيين (Jabotinskyites) وأكثرهم تطرفاً في البيروقراطية المدنية في البنتاغون، وحدة مخابرات سرية، مهمتها تزويد وزير الدفاع رامسفيلد الذي عدل عن فكرة الاستقالة التي راودته قبل الحادي عشر من سبتمبر، وأصبح الآن على تناغم تام مع عصابة وولفوويتز ـ مع تدفق مستمر من "المعلومات الاستخباراتية" لمواجهة مقاومة CIA/DIA لأجندة "إلقاء القبض على صدام" التي أعدتها مجموعة وثيقة "الانهيار النظيف". من المصادر الرئيسة لهذه "المعلومات الاستخباراتية" المؤتمر القومي العراقي غير الموثوق برئاسة شلبي.‏

اختار وولفوويتز وفيث أبرام شولسكي (Abram Shulsky) لرئاسة الخلية السرية، التي أخفيت في متاهة البيروقراطية المدنية في البنتاغون التي يرأسها معاون وزير الدفاع للشؤون السياسية. كان شولسكي، أحد مريدي شتراوس، عضواً محترفاً في هيئة السيناتور دانيال باتريك مونيهان (Daniel Patrick Monihan) [D.N.Y] جنباً إلى جنب مع إليوت أبرامز وغاري سميث ـ الذي يشغل الآن منصب رئيس جبهة الضرائب (PNAC) التي أسسها بيل كريستول وروبرت كاغان. وكان شولسكي يعمل في لجنة المراقبة الاستخباراتية لمجلس الشيوخ. كان تابعاً لطفل عبقري من المحافظين الجدد، وصانع "إيران ـ غيت"، روي غودسون (Roy Godson) في الجمعية المتخصصة بدراسة المعلومات المخابراتية، أحد مشاريع مركز المعلومات الاستراتيجية القومي الذي مقره مدينة نيويورك. وشارك شولسكي زكماي خليل زاد وغيره في تأليف دراسة لصالح مؤسسة RAND في العام 1999 بعنوان "الولايات المتحدة والصين الناهضة" التي روَّجت لفكرة أن الصين تشكل، أكثر من أي بلد في العالم، تحدياً مباشراً لتفوق أمريكا العسكري الكوني والإقليمي، وأنه لا بد من مواجهتها بصورة مباشرة.‏

من صنع هذا الجهاز المخابراتي؟‏

من المعروفين مع شولسكي في وكالة صقور الدجاج للمخابرات، التالية أسماؤهم:‏

1. هارولد رود (Harold Rhode): متخصص في الشرق الأوسط في مكتب الدكتور أندرو مارشال (Dr. Andrew Marshall) في البنتاغون للتقييمات الصافية (ONA). كان مارشال مؤسساً مع ووهلستتر، لمؤسسة RAND عند نهاية الحرب العالمية الثانية. أدخله إلى البنتاغون في العام 1975 وزير الدفاع آنذاك جيمس رودني شليسينغر (James Rodney Schlesinger) الذي ابتكر مكتب ONA خصيصاً لإيواء مارشال وفريقه اليوطوبيين النظريين المخادعين والعاملين في تحليل الأنظمة في مؤسسة RAND. ولدى انطلاق إدارة بوش الثالثة والأربعين أمسك مارشال بأذن رامسفيلد، وحضه على قيام هيئة الأركان المشتركة بثورة قريبة، الذي اعتبر مارشال المحرك من وراء ستار للثورة العاجزة الخطيرة في الشؤون العسكرية. وصف ميشيل ليدين في كتابه الجديد "الحرب ضد سادة الإرهاب" (نيويورك: سينت مارتن بريس، 2002)، رود (Rhode) بأنه "معلمه في موضوع الشرق الأوسط لمدة عشرين عاماً". وكان رود في مكتب البنتاغون لشؤون السياسة الأمنية القومية يغطي تركيا، حينما كان بيرل وفيت يديرون عملية استشارات دولية لبيع الجيش التركي أسلحة إسرائيلية. ووصف وولفوويتز رود بأنه "مستشاره للشؤون الإسلامية" في مؤسسات ONA، ووفقاً لما أورده أحدهم، أن رود قد واجه مسؤولاً سعودياً رفيع المستوى مواجهة غاضبة في أحد اللقاءات في الشهور الأولى من إدارة بوش، مقسماً في وجهه بأن الزمالة الأمريكية السعودية التاريخية قد أصبحت جزءاً من الماضي. كلفت هذه الحادثة رود منصباً أعلى وأوضح داخل بيروقراطية وولفوويتز ـ فيث في البنتاغون.‏

سافر رود، كما ذكرت مصادر عديدة، إلى لندن في مناسبات عديدة، مع ريتشارد بيرل، الذي كان حتى وقت قريب يشغل منصب رئيس مجلس السياسة الدفاعية، من أجل جمع "معلومات مخابراتية" من المسؤولين في المؤتمر القومي العراقي (INC)، سُرِّبت عبر ورشة شولسكي إلى رامسفيلد ـ دون أن تقيَّم أو تدقق من قِبل CIA أو المختصين في وكالة المخابرات الدفاعية (DIA).‏

2. وليام لوتي (William Luti)، مستشار سابق لنائب الرئيس، تشيني، ثم عين نائباً لمعاون وزير الدفاع لشؤون الخطط الخاصة، والشرق الأدنى وجنوب آسيا، وصفه أحد زواره في مكتبه بأنه مهووس بمهمة إنهاء صدام حسين. قال هذا المصدر: "لقد ذكَّرني بقاتل في مسلسل من مسلسلات أفلام هوليود للرعب" ووصف مكتب لوتي في البنتاغون بأنه مغطى من الأرض إلى السقف بصور فوتوغرافية، غير موثوقة، ولقطات إخبارية لصدام حسين وحياته الداخلية، لقد وصف سيمور هيرش (Seymour Hersh) لوتي الكابتن المتقاعد والطيار الذي خدم أثناء حملة عاصفة الصحراء، في حكاية نشرها في عدد نيو يوركر (New Yorker) الصادر في 11 مارس (آذار) 2002 بأنه "مهووس جداً بالإطاحة الفورية بصدام حسين لدرجة أنه لم يفكر بعواقب ذلك". وعلى الرغم من كل هذه الصفات السيكولوجية، فإن لوتي كان يعمل رجل استطلاع مدني في البنتاغون مع المعارضة العراقية في مجالي المخابرات والعمليات. ووفق ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز، أرسل لوتي إلى لندن في نوفمبر وديسمبر من العام 2002 ليلتقي شلبي ومنفيين عراقيين آخرين.‏

في 17 ديسمبر (كانون الأول) التقى لوتي والميجر جنرال ديفيد بارنو (David Barno) سراً بإحدى عشر شخصية عراقية معارضة في لندن واختاروا المجموعة الأولية من العراقيين الذين سيُدَرَّبون في هنغاريا للمشاركة في أية عملية عسكرية كواجهة مزيفة من المواطنين الأصليين لما هو في حقيقة الأمر غزو عسكري أمريكي بأكمله أو غزو أنكلو ـ أمريكي.‏

وفي خطاب له في واشنطن في السادس عشر من أكتوبر من العام 2002، روَّج لوتي بصورة عدوانية، لضرورة تبني الولايات المتحدة سياسة تدخل إمبريالية جديدة، وصفها بأنها "دفاع استباقي عن النفس".‏

3. ريويل مارك جيريخت (Reuel Marc Gerecht)، ضابط CIA متقاعد عمل كضابط ارتباط سري بين وكالة شولسكي لمخابرات صقور الدجاج في DOD والمعارضين العراقيين في لندن وغيرها من الأمكنة في أوروبا. إن جيريخت، رغم أنه يقضي معظم وقته في بروكسل (Brussels) مع روبرت كاغان، يعد زميلاً رفيع المنصب في AEI، ويشغل منصب مدير مبادرة الشرق الأوسط في PNAC، ويعمل بصورة مباشرة بإمرة كريستول، وكاغان، وزميل شولسكي المقرب غاري سميث.‏

(مملكة ليو شتراوس السرية)‏

طوني بابيرت (Tony Papert)‏

5 أبريل (نيسان) 2003.‏

قبل عقد من الزمن فقط، قرأت وصديقي ما كتبه ألن بلوم بعنوان "إغلاق العقل الأمريكي" بأكمله وانجذبنا إليه. لماذا؟ لسبب واحد هو أن معارضته للثقافة المضادة بدت وكأنها صادرة عن القلب: فمثلاً، يصف كيف يأخذ أشرطته المسجلة معه، بوصفه أستاذاً في الكلية، إلى طلابه في مهاجعهم ويطلب إليهم أن يوقفوا مسجلاتهم التي تعزف موسيقى الروك ويصغوا معه إلى موزارت (Mozart). كما أدان بلوم بحماسة واقعة أن الجامعات لا تعلم شيئاً؛ "وأنا كذلك" ومن ناحية أخرى، وجدت أني أختلف معه في أمور أخرى، ولكني كنت على وشك منحه فرصة الشك بأن ذلك سيتبين أنه مجرد سوء فهم.‏

عزمت وصديقي أن نقترب من بلوم وندعوه للانضمام إلينا في حملة ليندن لا روش الانتخابية. ولكني أردت في البداية أن أستكشف المزيد.‏

كل من يقرأ هذا الكتاب، سوف يتذكر أنه يترك مذاقاً ذهنياً خاصاً لدى القارئ بغض النظر عن النقطة التي يغلق الكتاب عندها. وفي خضم أمور أخرى، ينزلق بلوم أحياناً بصورة ملفتة للنظر وغير متوقعة في مسائل خارجة عن موضوع الكتاب من غير أن يتابعها، ولكنها مع ذلك تبقى مع القارئ بضعة أيام بعد ذلك.‏

ما زلت أذكر مسألتين منها، هما: ذكر بلوم أنه كان يحضر محاكمة سقراط أناس يريدون تبرئته؛ وهم "السادة". فما الذي قصده بكلمة "السادة"؟ إذ لم أسمع أحداً استخدمها في هذا السياق من قبل أبداً، ولكن بلوم ألقى بها فقط بعد تلك الجملة، ولم يعد لالتقاط الخيط ثانية. وفي موضع قريب آخر ذكر أن سقراط اتهم بعدم إيمانه بآلهة المدينة وباختراع آلهة أخرى. ولنلاحظ هنا أن بلوم قال إن سقراط لم ينف التهمة أبداً. ولكني أذكر، على ما أعتقد، أن سقراط نفى تلك التهمة، وبتحفيز من حيرتي أمام ملاحظة بلوم رجعت إلى كتاب "اعتذار سقراط" لأفلاطون حيث وجدت العبارة التي نفى فيها سقراط هذه التهمة فعلاً.‏

ومن المفروض أن بلوم هذا عالم في اللغة الإغريقية ومترجم لأفلاطون فما الذي كان يحاول الوصول إليه؟ ما الذي يقصده؟‏

وعندما علمت أن ألن بلوم كان تابعاً للأستاذ السابق ليو شتراوس من جامعة شيكاغو، قررت أن أجد ما قاله شتراوس. وكانت معرفتي بشتراوس حينذاك من خلال صديق آخر دَرست أمه منهاجه في المدرسة الجديدة في نيويورك حيث كان شتراوس يدرس من العام 1938 إلى العام 1948. وكانت معجبة جداً بإتقانه للغة الإغريقية القديمة. وما عدا ذلك، كل ما كانت تتذكره عنه هو أنه أشيب، وممل، ومتشامخ غيرودي.‏

ليو شتراوس‏

ولد شتراوس في العام 1899 لوالدين يهوديين ملتزمين في كيرخهاين (Kerchhain) في ألمانيا، في مقاطعة هسه (Hesse) قرب ماربورغ (Marburg)، وعاش في الولايات المتحدة من 1938 حتى وفاته في أنابوليس (Annapolis)، في ماري لاند (Mary Land) في العام 1973. ألف ستة عشر كتاباً على الأقل، معظمها كتب طويلة وذات عناوين غير ممتعة مثل "المدينة والإنسان" أو "الحق الطبيعي والتاريخ".‏

فقررت أن أقرأ كتاب شتراوس "سقراط وأريستو فانيس" لأنني أهتم بهذا الموضوع، أولاً، ولأني تذكرت، ثانياً، أن بلوم أحدث لدي انطباعاً، في إحدى عباراته التي كان يلقي منفردة خارج الموضوع، أن هجاء أريستو فانيس الساخر لسقراط في روايته "السحب" كان صحيحاً جزئياً على الأقل، في حين أعلم أنه كذبة.‏

ولدى خوضي في بداية مقدمة شتراوس لكتابه "سقراط وأريستو فانيس"، تبين لي أنها بسيطة، لا فن فيها، ومملة. كتب أريستو فانيس رواية حول سقراط. هذه الرواية "السحب" هامة ـ وجوهرية في الواقع ـ لفهم القضايا التي كانت تحيط بسقراط. وهنا يضعنا شتراوس مباشرة في قلب ترجمته للرواية. إنها ترجمة مبتذلة جداً مثقلة بعبء إضافي من توجيهات مطولة تتعلق بالمسرح أقحمها شتراوس، وأحياناً كان يضيف توجيهات تتعلق بما يجري خارج المسرح والتي تطغى على الحوار.‏

حسناً، أعود أخيراً إلى شتراوس ثانية لدى قراءتي لمسرحية "السحب". وبقدر ما لهذه المسرحية من أهمية فإنه، كما يقول شتراوس لا يمكن فهمها بمعزل عن سياقها. وصلتنا عشر مسرحيات من مسرحيات أريستو فانيس، ترجمَها شتراوس ترجمة جافة كالتراب مثقلة بتوجيهات مطولة تتعلق بالمسرح. نَحَّيتُ الكتاب جانباً، وكذلك مشروعي لقراءة كتب طويلة لشتراوس.‏

لا بد وأن هناك مقاربة أخرى للموضوع.‏

لدي صديق ذو خلفية كلاسيكية أتصل به دائماً، وكان يقود حلقة بحث مطولة حول "جمهورية" أفلاطون يقوم بإعدادها فريق من المتطوعين لصالح ليندن لا روش الذي كان هو نفسه سجيناً حينذاك بتهمة إعادة عرض محاكمة سقراط في أثينا. وعلمت أن صديقي، رئيس حلقة البحث، قد درس عند الشتراوسي ستانلي روزن (Stanley Rosen).‏

كنت أعتقد أن حلقة البحث هذه عن أفلاطون كانت نوعاً من الإنتاج المختلط. بعض أجزائها التي نشأت من دراسة صديقي لتاريخ أثينا، كانت مفيدة جداً؛ وبعضها الآخر كانت غير مشروحة وغريبة، كالإصرار، مثلاً، على أن سقراط كان يغوي سامعيه. ولكن ما هو أقرب إلى موضوعنا هي تلك المراوغة المشؤومة التي تهدد كل بحث.‏

وأخيراً تبين لي أن شتراوس قد أحدث من خلال ستانلي روزين تأثيراً على صديقي مماثلاً تماماً للتأثير الذي أحدثه أستاذ شتراوس، مارتن هايدغر (Martin Heidegger) على شتراوس نفسه. تقول شاديا دروري (Shadia Drury) في تحليل متعمق: "ما من شيء أثر في شتراوس أكثر من أسلوب هايدغر في دراسة النص. كان ملتزماً تماماً بتحليل هايدغر لمسرحية أرسطو "ميتافيزيكس (Metaphysics)"؛ إذ كان يعتقد أن منهج هايدغر يكشف الأعصاب الفكرية للنص؛ وأنه يختلف عن أي شيء رآه أو سمعه من قبل. رد فعل شتراوس ليس غريباً. إذا اشْتُهر أسلوب هايدغر في التعليم بأنه ذو أثر ساحر. لقد اتهم بـ "استحواذ صوفي". لم يكن هدفه الفهم بقدر ما كان الدخول في طقس صوفي. ولهذا السبب، باختصار، نصح كارل جاسبر (Karl Jasper) في رسالته إلى لجنة "إزالة النازية" بعدم عودة هايدغر إلى التعليم بعد الحرب. وجوهر رسالة جاسبر يتلخص في أن أسلوب هايدغر كان مقيداً جداً، ولم يكن الطلاب بقادرين على تحمل شعوذاته، وأن الشباب لا يكونون في مأمن مع هايدغر حتى يبلغوا مرحلة يستطيعون التفكير لوحدهم، ولا نفع من هايدغر حيث ينبغي أن يكون نافعاً. ويمكن القول ذاته، على نطاق أضيق، في شتراوس." [دروري 1977، ص77].‏

القبلانية(2) في أنابوليس‏

لدينا سمات شتراوسية، أيضاً، في حركة لا روش في كلية القديس جون، في أنابوليس‏

(Annapolis) في ماري لاند، وفي سانتا في (Santa Fe) في نيو مكسيكو، أحد فروع جامعة شيكاغو، بما لديها من برنامج "الكتب العظيمة".‏

أتيحت لي الفرصة مؤخراً للتحدث مع أحد أقرباء عضو من أعضاء حركتنا وهو عملياً إنجيلي من أتباع القديس جون، وسرعان ما قدم عرضاً موجزاً للمقررات التي تدرس هناك. وعندما وصل إلى مقرر يتعلق بحوار أفلاطون قال إن المعلمة سهرت طوال الليل تعد كلمات الحوار لتبين لطلابها أن الكلمة المركزية والتي تحمل الرقم 25000 من أصل 50000 كلمة، مثلاً. والفكرة هنا هي أن الكلمة المركزية تشير إلى الفكرة الرئيسية المركزية للعمل كله.‏

انفجرت قائلاً: "هذا أسلوب شتراوسي." فقال: "نعم. إن شتراوس ذو نفوذ في برنامج الأدب الإغريقي الكلاسيكي في كلية القديس جون".‏

ربما يكون النفوذ أكثر اتساعاً. كان على رأس كلية القديس جون في أنابوليس صديق العمر لشتراوس يعقوب كلاين (Jacob Klein) وذلك في خمسينات القرن العشرين. تقاعد شتراوس من شيكاغو في العام 1967، وقضى سنة في كلية كليرمونت مينز (Claremont Mens College) في كاليفورنيا. ومن ثم قضى شتراوس حياته منذ 1969 حتى وفاته في العام 1973، كعالِمٍ في كلية القديس جون (Saint John's College) في أنابوليس.‏

هل من قبيل الصدفة أن كتب شتراوس، وخصوصاً كتبه الأخيرة، لم تعد تقرأ؟ لا. بل أرى أن ذلك أمراً متعمداً. الغاية هي ضمان انفضاض غالبية القراء عندما لا يجدون سوى مواعظ مألوفة ونصائح بالتمسك بالأخلاق، والخوف من الله. هذه هي الكيفية التي قرئ فيها كتاب بلوم "إغلاق العقل الأمريكي" أثناء الأسابيع العشرة التي كان فيها مدرجاً بقائمة "أفضل المبيعات". سوف تجد فيها جماهير الناس غذاء عقلياً، ولكن القلة القليلة من الشباب الأذكياء ـ وهم دائماً رجال أو فتيان ولن يكونوا نساءً أبداً ولا أناساً عاديين، إن هذه القلة سوف تقع في مصيدة "الملاحظات العابرة" أو هذه الإشارات المبعثرة الخارجة دائماً عن الموضوع ـ وسوف يقولون عندئذ: "الآن... ماذا يعني ذلك كله؟ لقد عرفت بواطن الأمر... بدأت أفهم." ثم يؤخذون جانباً ليجري تلقينهم تعليماً خاصاً وعلى انفراد.‏

الحالة ذاتها كما لو أن متسللاً من الشرطة في اجتماع معين يقول لدى طرح أي شيء ذي أهمية: "لا بد لي من التحدث معك بشأن هذا الموضوع بعد الاجتماع". فهو لن يناقش شيئاً ذا أهمية في الاجتماع، بل يناقشه على انفراد من شخص ـ إلى ـ شخص، لأنه سيقول أموراً مختلفة لأناس مختلفين.‏

أفضل كتاب عن شتراوس حتى الآن هو كتاب شاديا دروري بعنوان "الأفكار السياسية عند ليو شتراوس" الذي صدر في العام 1988. ربما يعود ذلك الجزء من روعته إلى إدراكها بأن هناك إحساساً بأن ما من امرأة يمكن أن تكون شتراوسية. والواقع أن شتراوس قال: "لا يمكن للمرأة أن تكون فيلسوفة". أما فيما يتعلق بالعديد من الفتيان اللامعين أو الرجال، فإن غايتهم من الدراسة مع شتراوس هي أن يصبحوا "فلاسفة".‏

من الأعمال التي توضح هذا الأسلوب تقرير شاديا دروري على الجدل الذي دار بين اثنين من الشتراوسيين البارزين لفترة طويلة، هما: توماس بانغل (Thomas Pangle)، وهاري جافا (Harry Jaffa). دار الجدل على صفحات كليرمونت ريفيو (Claremont Review) من خريف 1984 لغاية صيف 1985، كما استمر في صحيفة ناشونال ريفيو (National Review) في 20 و 29 فبراير من العام 1985. قال بانغل إن القيمة الأخلاقية عند سقراط (أي، عند شتراوس) لا تطبق عند الإنسان الذكي حقاً، أي الفيلسوف. فالقيمة الأخلاقية موجودة في موضع آخر من الجدال، يقول بانغل إن الفلسفة عند شتراوس تدحض العقيدة الدينية. ولدى استمرار المجادلة قال بانغل إن شتراوس قد وصف "تَميُّز أمريكا" بأنه تميُّزٌ "حديث" وهي صفة تعد عند الشتراوسيين من أسوأ مصطلح للإساءة.‏

وجد هاري جافا، ضمن ملخص شاديا دروري، أن "تفسير بانغل غريب جداً على فهمه لأستاذه وصديقه لمدة ثلاثين سنة". إذ يرى جافا أن مثل هذه الرؤية لشتراوس تعد نيتشوية ويدين بانغل بأنه حَرَّف تراث ليو شتراوس. (دروري. 1988، ص 182).‏

كيف يكون هذا التناقض ممكناً؟ كما تقول دروري...: "علم شتراوس طلابه من أمثال جافا وبانغل أموراً مختلفة." [دروري، 1988، ص 188]. إن التعليم الخفي أو السري الذي كان مطبوعاً في ذهن بانغل، وبلوم، ويرنر دانهاوزر (Werner Dannhauser) وكثيرين غيرهم بمن فيهم تابع بلوم، بول وولفووتيز ومغروساً في نفوسهم، كان في حقيقته نيتشوياً خالصاً. والواقع أن الصورة التي مثلها بانغل في جدال 1984-85 ذاك بوصفها صورة عنيفة مفرطة كما بدت لجافا، قد لُطّفت صورتها بفضل تغيير المسميات فقط منذ نيتشه حتى شتراوس. فمثلاً ما كان نيتشه يسميه "الرجل الخارق" (Superman) أو "الرجل المثالي" نجد شتراوس يسميه "الفيلسوف".‏

الفيلسوف/ الرجل الخارق هو ذاك الذي يستطيع مواجهة الحقيقة، وهي أنه لا يوجد إله، وأن الكون لا يعني شيئاً بالنسبة للناس أو البشر، وأن تاريخ البشرية ليس سوى ذرة ضئيلة لا قيمة لها في الكون بحيث لا تكاد تظهر حتى تختفي إلى الأبد وبدون أي أثر. فليس هناك أخلاقية، ولا خير ولا شر، وبالتالي فإن أي تصور بوجود حياة أخرى بعد هذه الحياة ليس سوى حكاية عجائز. قال شتراوس في تأبينه لزميل له: "أعتقد أنه مات فيلسوفاً، دون خوف، وبدون أمل كذلك."‏

بيد أن الغالبية العظمى من الرجال والنساء، من جهة أخرى، بعيدون جداً عن أن يكونوا قادرين على مواجهة الحقيقة، وكأنهم ينتمون إلى نوع آخر من المخلوقات: ويسمي نيتشه هذه الغالبية العظمى بـ"القطيع" و"العبيد". إنهم بحاجة إلى شبح إله يهدد ويعاقب فيما بعد الحياة، وبحاجة إلى إبداع حق أخلاقي وباطل أخلاقي. فبدون هذه الأوهام سيصابون بالجنون ويغرقون بالقصف والمجون، وبالتالي ينهار النظام الاجتماعي، أي نظام مهما كان. ربما أن الطبيعة لا تتغير أبداً فإن ذلك سيظل على حاله أبداً.‏

الفلاسفة/ الرجال الخارقون هم الذين يزودون هؤلاء الرعاع بالدين والمعتقدات الأخلاقية وغيرها مما يحتاجون، ويدرك الفلاسفة/ الخارقون أنفسهم أنها أكاذيب. قال نيتشه إن رجاله الخارقين هم "كهنة أخلاقيون" ويدعي شتراوس أن أكاذيبهم "أكاذيب نبيلة". ولكنهم لا يفعلون ذلك كرماً وإحساناً بالطبع، فالكرم، والإحسان عند نيتشه وشتراوس مدعاة للسخرية لا يليقان بالآلهة وبأشباه الآلهة من الناس. بيد أن الفلاسفة يستخدمون هذه الأكاذيب لتشكيل المجتمع بما يتفق مع مصالح الفلاسفة أنفسهم.‏

والآن، يريد الفلاسفة أنواعاً أخرى من الناس لخدمتهم، بما في ذلك "السادة"، تلك الكلمة التي صعقتني فيما قبل عندما استخدمها بلوم في كلامه عن محاكمة سقراط. فبدلاً من التعاليم السرية، فإن سادة المستقبل يُشرَّبون بالتعاليم السرية أو الشعبية. يعلمون الإيمان بالدين والأخلاق والوطنية والخدمة العامة والوصول إلى الحكم. فلنفكر بوزير التربية الأسبق وليام بينيث (William Bennett) وكتابه "كتاب الفضائل". وإلى جانب هذه الفضائل التقليدية، فإنهم يؤمنون بالفلاسفة الذين علموهم هذه الأمور الطيبة.‏

أولئك السادة الذين يصبحون رجال دولة سيظلون يأخذون بنصائح الفلاسفة. حكم الفلاسفة هذا من خلال واجهتهم من رجال الحكم هو ما يطلق عليه شتراوس "مملكة الفلاسفة السرية"، وهذه "المملكة السرية" هي غاية الحياة وهدفها لدى العديد من تلاميذ شتراوس السريين.‏

أما الغرائب التي وجدتها في كتاب ألن بلوم وفي حلقة البحث الذي ذكرتها حول أفلاطون، لم تنجم عن نيتشية شتراوس وبلوم فحسب، بل نشأت أيضاً من إصرار شتراوس على ضرورة إخفاء الحقيقة، ذلك الإصرار الذي لم يشارك فيه نيتشه.‏

وبما أن الحقيقة ربما تدمر المجتمع والفلاسفة على حد سواء إذا ما عرفت قال شتراوس لهذا السبب كتب أفلاطون والفلاسفة القدماء، كشتراوس نفسه، بلغة رمزية لا يستطيع كشف معانيها ودلالاتها إلا الحكماء. وإذا ما وقع الرعاع على هذه الكتب فإنهم لا يجدون سوى الأساطير المفيدة المألوفة المتعلقة بمكافأة الفضيلة ومعاقبة الرذيلة، وما إلى ذلك.‏

ويضرب شتراوس مثلاً من الفارابي أحد كتاب هذه الفلسفة الغامضة إذ يقول ربما يعبر المرء عن الحقيقة بكلمات ليخدع فقط. وفي شرح الدروري، تقول: "كان الزاهد الورع يعرف في المدينة لتقشفه، وتذلله، وكبحه للشهوات، واستقامته، واحتشامه، وتقواه. ولكنه لسبب ما أثار عداوة حاكم المدينة. فأمر الحاكم باعتقاله والتأكد من عدم فراره، فوضع الحراس على بوابات المدينة وأمرهم باليقظة التامة. ومع ذلك نجح هذا التقي الورع الزاهد في الهرب من المدينة. إذ اقترب من بوابات المدينة متظاهراً بأنه سكران يغني لحناً على قرع الصنوج. وعندما سأله الحارس عن هويته أجاب بأنه الزاهد الورع الذي يبحث عنه الجميع. فلم يصدقه الحارس وتركه يغادر." [دروري، 1988، ص xi-x].‏

فلا عجب إذن ألا يكون ألن بلوم الذي ظننا أنا وسواي رأيناه عبر صفحات كتابه "إغلاق العقل الأمريكي" هو ألن بلوم الحقيقي أبداً. يمكنك الحصول على فكرة أصح وأصدق عن معتقداته الحقيقية من خلال مقتطفات من مقالته "المقالة التفسيرية" حول "جمهورية أفلاطون" التالية:‏

آلن بلوم يشرح جمهورية أفلاطون‏

[من جمهورية أفلاطون 1968 و1991، "المقالة التفسيرية".‏

-... الأنانيون العقلاء... [ص 315].‏

-"إذا ما انتزع التمييز بين الأصدقاء والأعداء، واجتثت نزعة مساعدة الأصدقاء وإيذاء الأعداء من القلب والعقل، تغدو الحياة السياسية مستحيلة.‏

هذا هو التعريف السياسي الضروري للعدالة، ولم يرفضه سقراط كما يُظن. [ص 318].‏

-لم يقل سقراط إن الإنسان العادل يرغب في نفع الناس جميعاً، بل هو يرغب في نفع أصدقائه وعدم الاكتراث بسواهم. [ص 324].‏

-تتفق وجهة نظر سقراط مع سرقة العدو أو قتله طالما أنه ليس أكثر ظلماً. [ص 325].‏

-ما من قارئ اقتنع بتعريف تراسيماخوس (Thrasymachus) للعدالة بأنها إرادة الأقوى قد دُحِض، أو أن هذا البحث قد أثبت وجود سبب كاف لكي يكرس المرء نفسه للصالح العام. [ص 334].‏

-إن سمة رغبات الناس تجعل من المستحيل أن يكون التعليم العقلاني تعليماً للعامة. [ص 367].‏

-إن تعاليم سقراط القائلة بأن المجتمع الخيّر يتطلب كذبة جوهرية تعد نقيضاً مباشراً لتعاليم حركة التنوير التي تقول إن المجتمع المدني يستطيع التخلص من الأكاذيب ويعتمد على الحسابات الأنانية لكي يجعل الناس موالين له. [ص 368].‏

-من وجهة نظر المدينة السليمة، ربما يكون من الضروري كبت أناس مثل سقراط. [ص 377].‏

-إن النفس التي ينشأ فيها العقل تزخر بأفكار ترتبط عادة بالأنانية والشهوانية والرذيلة. [ص 377].‏

-إذا كان الإنسان موازياً للمدينة حقاً، فينبغي أن يهتم الإنسان، كالمدينة، بنفسه وأن يستخدم الآخرين لمصلحته... [ص 378].‏

-يستطيع سقراط الخروج عارياً في حين أن الآخرين يلبسون ثيابهم، ولا يخشى السخرية، ويستطيع ممارسة الجنس حيث يرتعب الآخرون من ممارسته ولا يخشى من الاحتقار الأخلاقي... فالخجل هو الجدار الذي بنته التقاليد ليفصل بين العقل والنور. [ص 387-388].‏

-ينبغي لكلام الفيلسوف العام أن يوجه بالحصافة وليس بالحب والحقيقة... من الواضح أن الإنسان يمكن أن يحب الحقيقة دون أن يقولها... [ص 392-395].‏

-ربما يبدو أن الدرس الصامت هو أنه من الممكن امتلاك الفضيلة الفكرية بدون امتلاك ما أصبح يعرف فيما بعد بالفضيلة الأخلاقية. [ص 396]‏

-على أية حال يصمت سقراط تجاه اتهامه بالإلحاد. [ص 400]‏

-لم تكن هذه كأية مدينة من المدن، بل أنشئت لتلبي مطالب العدالة.‏

إن استحالة وجودها تبين استحالة وجود نظام عادل... احتفظ مفكرو حركة التنوير وعلى رأسهم ماركس بأهداف سقراط النهائية ولكنهم نسوا إصراره أن الطبيعة جعلت هذه الأهداف مستحيلة للناس عموماً. [ص 409-411]‏

-وأخيراً تعلّم "الجمهورية" أن العدالة كتكريس كلي للمدينة لا يمكن أن تكون جيدة للفلاسفة، وبالتالي فهي موضع شك بالنسبة للآخرين أيضاً...‏

... بيد أن هناك بعض الشباب تبتهج النفس فيهم لأن لهم نفوساً مشابهة لهم ويحتمل أن يكونوا فلاسفة... عليه دائماً أن يستمر في النزاع مع المدينة من أجل مشاعر أبنائها وعواطفهم. [ص 411-412]‏

من المفارقة أن يراد بعلم سقراط السياسي إظهار تفوق الحياة الخاصة. [ص 415]‏

-يتحد الطاغية والفيلسوف في إحساسهما بعدم الكمال الراديكالي وبشوقهما للكمال، وفي عواطفهما وفرادة عقولهما. إنهما الرجلان اللذان يقفان نفسيهما للآخرين. [ص 426]‏

-استطاع سقراط بشفائه غلوكون (Glaucon) من شهوته للملذات الطاغية أن يطلق العنان لشهوته هو للأرواح الجميلة إلى جانب قيامه بدور المواطن الصالح الذي يدافع عن نظام مدينته. [ص 424]‏

تكمن المشكلة الأخلاقية في التبادلية التالية: أفضل وسيلة للحياة هي إما الفلسفة أو الطغيان... فإن لم توجد الفلسفة، فإن الطغيان يكون هو الأمنية التي لا يرفضها إلا من يفتقر إلى القوة. [ص 425]‏

-ولهذا تعهد سقراط بإقناع غلوكون بأن النفس كافية، من الصعب أن يرقى مثل هذا النقاش إلى البرهان، كما لا توجد أية محاولة لبيان أن النفس الفردية خالدة، وهو الأمر الوحيد الذي يهتم بمعرفته في الحياة الآخرة. [ص 435]‏

والواقع أن ألن بلوم كان، من بين أمور أخرى، لواطياً قضى نحبه بالإيدز. وعندما تأكد أنه سيموت كلف صديقه، الروائي المتخرج في جامعة شيكاغو، شاؤول بيللو (Saul Bellow) بكتابة ما أسمي "أثر أدبي تذكاري" لألن بلوم، فكتب القصة المقنَّعة بعنوان "رافيلشتاين" (Ravelstine) إنها سيرة ذاتية مطابقة لحياته الحقيقية. يعلل بيللو إخفاءه بعض الحقائق عن نفسه بضرورة إبقاء صديقه بلوم في المقدمة. وفيما عدا ذلك لم يتغير سوى الأسماء وبعض التفاصيل الصغيرة. بلوم هو "رافيلشتاين" وشتراوس هو "دافار" (Davarr" (وهي الكلمة العبرية التي تعني "كلمة") وأما بيللو نفسه فهو شيك (Chick) أو شيكي (Chickie).‏

تحول بلوم من أستاذ يحب الرفاه أو الترف ولكنه غير قادر على الحصول عليه إلى مليونير يملك الملايين بفضل كتابه "إغلاق العقل الأمريكي"، في حين لم يكن يملك الملايين سوى الأسرة المالكة اليابانية. يبدأ كتاب بيللو بجعل عشاء خيالي التكلفة دام طوال الليل في فندق كريلون (Crillon) الذي اختاره كأفضل فندق في باريس، ضم بيللو نفسه وحوالي عشرين شخصاً. يستيقظ بيللو وبلوم في الساعة الثانية من اليوم التالي ويذهبان للتسوق في محلات باريس الغالية. وأخيراً يجدان معطفاً أصفر قيمته 5000$ صنع خصيصاً لبلوم. ثم يدلق بلوم العصبي، وهما جالسين في أحد المقاهي، القهوة "إسبريسو" على واجهة معطفه الجديد. يتضايق بيللو ويحاول طمأنة صديقه بأن بواب الفندق سيعرف كيف يصلح المعطف، لكن بلوم ينفجر ضاحكاً بصورة مفرطة لا ضابط لها.‏

كان في شقة بلوم، في شيكاغو مقسم هاتف خاص صنع خصيصاً له، بدلاً من هاتف عادي. وكان يقضي وقتاً طويلاً جالساً إلى مركز الشبكة يتلقى مكالمات. وبفضل هذا الجهاز يستطيع إبقاء البعض على الخط ريثما يتحدث مع آخرين في موضوعات ذات صلة أو مخططة مسبقاً. وكان بلوم الذي مات في العام 1992 أحد أوائل من حمل هاتفاً كالهاتف الخلوي الحالي بحيث كان يستطيع إجراء مكالماته في أي مكان.‏

هنالك حادثة تصف اتصالاً من وولفوويتز في واشنطن إلى جهاز بلوم أثناء حرب الخليج في العام 1991. يخبر وولفوويتز في هذه المكالمة بلوم بأن البيت الأبيض سوف يعلن في اليوم التالي أنهم لن يذهبوا إلى بغداد، فيندد بهم بلوم واصفاً إياهم بالجبناء.‏

إن ما فعله هو بحث السياسات، وإدارة حياة معاونيه والتحدث عن حبهم في حياتهم، وعن حب الفتيان الآخرين في حياتهم، ويجري مقارنات بينهم. والواقع أنه فصل زواج شاؤول بيللو الحالي عندما وجده مساعداً أدبياً فتياً جميلاً، وأحد تلامذته الذي وقع فيما بعد بحبه وتزوجه.‏

ولنتذكر أن شتراوس خرَّج مئة من حملة الدكتوراه. وخرَّج بلوم العديدين. وخرّج هؤلاء بدورهم آخرين، وهكذا. واليوم يكون قد تخرج الجيل الرابع. ولكل جيل دور سواء أكانوا سريين صوفيين أو بسيطين شعبيين، أو سواء أكانوا "فلاسفة"، أو "سادة" أو معارضين أو أي شيء آخر. ولنتذكر، على سبيل المثال، وظيفة أكاديمية مرغوبة تتطلب عشرة أو عشرين مزكياً إيجابياً بلا تحفظ من آخرين يشغلون مثل هذه الوظيفة. هذا أمر يفعله الشتراوسيون من أجل بعضهم بعضاً بغض النظر عما يمكن أن يبدو خلافاً خطيراً و"نظام الزمالة" هذا يمتد ليشمل الحكومة من خلال تعاظم انتشار اللجان المتخصصة التي تربط بين الاثنين. هذا هو الجسر الذي عبر فوقه وولفوويتز والكثيرون غيره من الشتراوسيين.‏

والآن، بعد سنة ونصف من الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) يبدو أن "المملكة السرية" أصبحت في متناول اليد، أو ربما أصبحت قائمة فعلاً. ربما ظهر شيء مماثل لنيتشه أثناء هذيانه بسبب مرض زهري في أواخر أيامه.‏

(1) فلكان (Vulcan): إله النار وصناعة الحديد عند الإغريق. (المترجم).‏

(2) القبلانية: فلسفة دينية يهودية تعتمد على تفسير الكتاب تفسيراً صوفياً. اتبع هذ ه الفلسفة بعض المسيحيين في العصر الوسيط. (المترجم)‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244