|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
المثقف العربي وآفاق الواقع ـــ الدكتور.حسين جمعة * حدود ومفاهيم في الثقافة والمثقف كانت الثقافة في مرحلة الرعي والتشرد بدائية ضعيفة تلبي حاجات أبنائها؛ ولهذا سيطرت عليها النظرة الأحادية غير المنظمة؛ ثم كانت ضعيفة المردود الثقافي في طبيعتها الساذجة، ووظائفها المباشرة والمحدودة... المتصفة بالمشاعية... ثم تطورت شيئاً فشيئاً منذ بدأ الإنسان يعرف الاستقرار بعد أن استشعر آليات العيش في المسكن؛ الممثل بالكهوف، وإن ظل يعيش تحت الأشجار؛ لا تظلّه إلا السماء... ثم أخذت معارفه تزداد لما وصل إلى معرفة النار ثم الزراعة... فبدأت ثقافته تنمو بنمو معارفه... وهي تتفاوت بين مجموعة بشرية وأخرى تبعاً للطبيعة؛ والتفاعل الاجتماعي... وبهذا طفقت الثقافة تتنوع؛ ومن ثم أخذت الحضارة تتكون؛ والحضارة أشمل من الثقافة وأوسع مفهوماً ومضموناً وشكلاً... فالثقافة تتشكل بأنماط ومضامين تنطبق على حياة كل مجموعة بشرية، وفق حاجتها وأهدافها؛ فتنشأ الثقافة الزراعية، فالصناعية والاقتصادية، والاجتماعية والعسكرية... والسياسية والدينية والفكرية والواقعية والأسطورية... والعلمية والفلسفية والأدبية واللغوية والفنية... ومن ثم فهناك ثقافة قديمة وحديثة؛ وجماهيرية شعبية وعمالية؛... ورأسمالية إقطاعية وبورجوازية صغيرة ومتوسطة... وثقافة غيبية ومادية ونظرية... وثقافة إجرائية تتعلق باللغة أو الأدب أو الفن أو القانون، أو الإعلام والتقنيات... وثقافة السلم أو الحرب... وغير ذلك من أنواع الثقافات وأدواتها ومضامينها التي تدخل مجتمعة في صميم الحضارة لشعب ما، حضارة تميزه بخصائصه... ومن ثم تتشبع كل ثقافة بالقيم والعادات التي تتشكل بالممارسة الاجتماعية... فترتقي أو تتراجع... أو... وتثبت أو تتغير بفعل ثقافة الآخر؛ فتؤثر في غيرها وتتأثر لتنشأ مفاهيم حضارية كونية جديدة(1). وفي إطار حركة التجدد الثقافي تولد الثقافة التابعة، أو الثقافة المالكة لأدوات الفعل الحقيقي... ومن ثم الثقافة الاستعمارية؛ وأعلاها ثقافة الاستكبار والتسلط بكل أشكالها وأبعادها ومضموناتها... وها نحن –اليوم- نعود في ظل مفهوم النظام العالمي الجديد الذي تقوده أمريكا إلى نمط أُحادية الثقافة التي عرفت في بداية تشكل الوعي الإنساني لقوته الذاتية؛ وسعيه إلى فرضها على الآخر... وهي أحادية القهر والظلم... علماً أن الثقافة الاستكبارية الأمريكية إنما هي امتداد للثقافة الغربية المركزية الاستعمارية في نصف القرن العشرين الأول... ولعل من أهم ما تتجلى به الثقافة الأمريكية منذ أواخر الستينات من القرن العشرين أنها ثقافة العولمة... والعولمة –بمعناها الاصطلاحي- مشروع مركزية العالم في حضارة واحدة هي الحضارة الغربية عامة والأمريكية خاصة... فهي تعني -كما يقول روبرتسون- "تشكيل وبلورة العالم بوصفه موقفاً واحداً" (انظر العولمة والهوية الثقافية –المجلة العربية- عدد 16). فالعولمة –بهذا المفهوم، ولا سيما على الصعيد السياسي والثقافي- تعني أن الأحداث الكبرى في العالم إنما تنطلق من المركز المهيمن على الكون (القرية الكونية) بقوته الفائضة عسكرياً وتقنياً وإعلامياً و... وأي قرار في شأنها يرتبط بذلك، وهذا ما يترك آثاره العظيمة في الأفراد والشعوب والدول... فالثقافات التعددية أصبحت خطراً على الثقافة المركزية الواحدة في مفهوم العولمة (الثقافية). وهو ما يثبته مفكرو الغرب عامة وأمريكا خاصة كما نراه في قول (آرثر. م. شليزنجر الأصغر): "دعاة التعددية الثقافية في الغالب انفصاليون متمركزون حول العِرْق لا يرون في التراث الغربي أكثر من الجرائم" (صدام الحضارات 494 وانظر فيه 498). لهذا فالشعوب ينبغي عليها أن تصبح متلقية لثقافة الغرب الوحيدة، وإلا فإنها تمارس العداء والإرهاب لعدم قبول ثقافة العالم الحر.. ولا ريب في أن العولمة الثقافية قد سخرت كثيراً من الأفئدة، وسخرت عدداً من الأقلام لصالحها بعد الإنجازات العلمية والتقنية وغزو عالم الفضاءات الإعلامية... وبعد سقوط ما عرف بالاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينات القرن العشرين، وإخفاق النظام التعددي المعروف بالبروسترويكا... فقد استغلت أمريكا مفاهيم العولمة والحداثة في كل اتجاه لتكون ملبية لأهدافها في الهيمنة على العالم... ففي الأدب مثلاً دعمت فكرة التناص في إطار مفهوم الأدب المقارن؛ على حين لم تلق بالاً للمفهوم الفرنسي فيه وفق مبدأ التأثر والتأثير؛ لأنه يبقي على الحدود المميزة لكل أدب، أما نظرية التناص فهي تلغي الحدود بين النُصوص والآداب، وتقضي على ما يسمى بانتماء النص لصاحبه أو عصره أو جنسه، أو لأي شعب من الشعوب... ولما نجحت أمريكا إبان أحداث (11/9/2001م) باستغلال العالم وسخّرت أوربا والحلف الأطلسي والأمم المتحدة) لكل أغراضها كانت تعمق مفهوم مركزية العالم وثقافته. وأخذت الحدود الثقافية والسياسية تتفاعل، وتتأطر حول مفهوم شمولي للقرية الكونية الدائرة في الثقافة المهيمنة الغالبة... فالثقافات المتعددة –في ظل هيمنة العولمة- تتجه إلى تلقف كل ما ينتجه المركز ثقافياً وإعلامياً، وتقنياً، واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً... ومن يمعن فيها يدرك أنها ثقافة مادية استهلاكية مثيرة هدفها السيطرة على غرائز الإنسان لتجعله تابعاً لها، بعد أن تسلبه إرادة الثقافة الحرة... والويل لمن يعاديها ولو كان أقرب المقربين إليها كأوربا –مثلاً-. وقد وعى العرب ما تتجه إليه العولمة في اتخاذها المنهج الغربي وبخاصة الأمريكي، وأدركوا ما يشهده العالم من تحولات كبيرة ولكن خطابهم الفكري أصيب بالجدل والانقسام، أو بالدهشة والاستلاب... وبهذا نسي أغلبهم ما أسسته ثقافة الأجداد من إفادة من ثقافة الآخر دون خوف أو انغلاق أو تبعية... فالثقافة العربية تثبت –حتى اليوم- بأنها شرائح متنوعة ومثيرة، فهي جامعة لأطياف كثيرة ترسم لوحة موزاييك فاتنة وفاعلة... وكانت قد انفتحت على الآخر دون أن تذوب فيه؛ مغلبة الاتفاق على الاختلاف والإلغاء؛ دينية كانت أم اجتماعية وسياسية.. فهي بكل ملامحها القديمة تستجلب كل ما هو حديث راقٍ ومفيد، وتتصف بالقيم والأخلاق، وإن ضمّت أشكالها العديد من النماذج الثقافية والتيارات الفكرية الفاعلة وغير الفاعلة، المتطورة والجامدة، الحقيقية والخرافية والأسطورية، لهذا فالثقافة العربية بكل تناقضاتها واختلافاتها وبكل حلاوتها ومرارتها؛ سواء تماثلت أم تنافرت بتياراتها الفكرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار... وبكل أطيافها القديمة والحديثة إنما تضم أشكالاً متنوعة من الثقافة الأدبية واللغوية والفنية والنقدية، والفكرية والفقهية والفلسفية،... إنها تتوشى بجماليات مطبوعة بالصدق والحيوية- وإن ابتليت ببعض المثقفين المتكلفين المتصنعين، والمنحرفين- لأنها جمعت بين الرواية والدراية، والمكتوبة والمحفوظة؛ وقدَّمت الأشكال إلى أشكالها –على الدوام- أكانت نقلية أم عقلية... ونحن إذ نؤكد ذلك ليس من باب العصبية لها أو تمجيدها، وإنما هو من باب إحقاق الحق، فهي ثقافة غنية وفّقت بقدرة عالية بين الديني السماوي والفكري الأرضي؛ والحقيقي والخرافي؛ والإيجابي والسلبي، والروحي والمادي، والعلمي التقني المتطور والفطري التقليدي الساذج... إنها ثقافة ذات مضامين وأشكال ممتدة في التراث العربي والإسلامي وبيئاته، ومتطلعة إلى التفاعل مع ثقافة الآخر، فلم تضع دونها الحواجز والعقبات... انفتحت على ثقافات الشعوب بكل صدق ونبل وأريحية؛ ولم تخجل في يوم ما حين تخلت عن كل ما هو ضار، أو عن كل ما لا يوافق الناس وأزمانهم... أعارت بمثل ما استعارت فخلدت... فحقيق بنا أن نعتز بها لا أن نتنكر لها؛ لأنها ما زالت مصدراً ثراً لعدد غير قليل من حضارة اليوم؛ وحقيق بنا أن نفخر بما حوته لغتها من مفهوم الثقافة؛ إذ حمل أبعاداً تنويرية شتى سبقت بها اللغات الأخرى، وحققت لنفسها شرط تعريف الثقافة بما هو عليه اليوم. ومن هنا نقف عند المفهوم اللغوي ثم الاصطلاحي للثقافة بمعناها الشمولي والخاص... فالثقافة –في اللغة- مأخوذة من ثَقُف الشيء يثقَفُه ثَقْفاً وثِقافاً وثَقافة: إذا حَذَقه المرء وأسرع في تعلمه... ورجل ثَقِفٌ وثَقفٌ وثَقْف وثقيف: بيِّن الثقافة؛ أي صار حاذقاً فطناً ماهراً ذكياً... والثقافة مهنة كالزراعة والصناعة والصحافة؛ فهي مهنة المثاقفة وتقويم النفس بعد اعوجاجها، مستمدة من الثِقاف: وهي آلة تثقيف الأشياء المادية، أي تقويمها كالرُّمْح والسهم... فالرمح المُثَقَّف هو الذي زال اعوجاجه... ومن ثم وصف الرجل بالمُثَقَّف: وهو اسم مَفْعول من ثُقِّف، أي من حاز الثقافة كسباً ومهارة؛ والمُثَقِّف اسم فاعل لمن يقوم بالثقافة: أي تعليم الآخر وتدريبه للوصول به إلى المهارة والإتقان، والارتقاء بفطنته وحذقه... مثل الأديب والمؤدِّب... وثقَّفه فتثقَّف: مثل أدَّبه فتأدَّب(2) والتثقُّف والتثقيف: التزود بالثقافة؛ مثل التأدب والتأديب: التزود بالأدب. فإذا كان الأدب يوحي بالأخذ من كل شيء بطرف كما سنراه بعد قليل... فإن الثقافة أعم دلالة، وأدق مفهوماً بما اكتسبت من المهارة والحذق والإتقان والفطنة والذكاء وسرعة الفهم في التعلم عند المثقف، فما سمي المثقف مثقفاً إلا لهذا(3). فهو مصطلح تطور في الدلالة، علماً أنه ورد لفظ (ثقف) –بمعنى وجد- في قوله تعالى: (واقتلوهم حيث ثقفتوهم( (البقرة 2/191) مرة واحدة في القرآن دون غيرها. وفي صميم التطور اللغوي لمفهوم الثقافة والمثقف كان المفهوم الاصطلاح يتضح ويتطور بشكل دقيق ومفيد. فقيل: الثقافة مجموعة المعارف والفنون والعلوم والقوانين والمناهج والتقنيات والنظريات الفكرية والنقدية والأدبية والفنية والعادات والتقاليد والأخلاق والخبرات والمفاهيم التي يكتسبها المثقف باعتباره الإنساني. ولعل هذا التعريف يطابق ما انتهى إليه (تايلور)(4)، بينما ذهب آخرون إلى جعل الأساس اللغوي منطلقاً للمفهوم الاصطلاحي. فقد ربطوا الثقافة "باللغة باعتبارها الموضوع المُفَضَّل للأنثروبولوجيا؛ لأنها حقيقة ثقافية قائمة بذاتها، بل [على المرء] أيضاً دراسة الثقافة باعتبارها لساناً. وفي مقابل المفاهيم الجوهرية للثقافة فقد عرّف [سابير] الثقافة أنها مجموعة من الدلالات المستخدمة في الأفعال الفردية المتبادلة"(5). وهناك من ربط الثقافة بالتراث كتعريف (ديوارنت) لها؛ حيث يقول: هي "علم غير واعٍ تتوارثه الأجيال لتسيّر به شؤون حياتها"(6). ولذلك كله نرى أن الثقافة –باختصار- هي كل مدخلات الذهن المكتسبة عند إنسان ما؛ من معتقدات أو عادات، ومعارف وتقنيات، وآداب وسلوك، وفن ونقد ولغة، بقصد ومن دون قصد، والوعي بها لتدبير شؤونه الخاصة وحياته وحل مشكلاتها وتطويرها... فمن شأن الثقافة –كما يراه مالينوفسكي- عامة أنها تلبي الحاجات الأساسية للإنسان(7) قبل غيرها. وهذا يقربها مما قاله بعض قدمائنا: حين رأوا فيها أنها الأخذ من كل علم بطرف، أو أنها معرفة كل شيء عن شيء(8). وبهذا نكون قد حددنا ما ينبغي معرفته –هنا- في ماهية الثقافة، لندرك حقيقة المثقف؛ علماً أن المنهج العلمي الحديث قد وضع بعض الشروط للثقافة كالشهادات العلمية. وفيها قُصر لقب المثقف على النخبة المتميزة من الكتاب والأدباء والعلماء وأساتذة الفكر والسياسة والجامعات، وكأن هذا الشرط ينظر إلى قول القدماء بالتخصص... ولم يهمل الشروط الأخرى في المثقف؛ مثل الخبرة الذاتية والنظام الاجتماعي والتعليمي؛ والحرية المسؤولة؛ وإن كانت هذه الشروط وأمثالها أقل دوراناً من الشرط السابق. وإذا كانت دراستنا ليست منصبة على الثقافة بعينها في طبيعتها وخصائصها واتجاهاتها... أو في نشأتها وتطورها... أو في وظائفها وأنواعها... فإن ما قطفناه من ماهيات التعريف يضعنا وجهاً لوجه مع المثقف؛ ولا سيما العربي لنستشرف معايير الثقافة لديه ومستوى وعيه بتراثه وواقعه وبالحضارة الإنسانية ومن ثم نتعرف إلى أهدافه في صميم سلوكه، وفكره ومقولاته: هل هو أسير للواقع؟ هل يلتزم بقضايا أمته ومجتمعه؟ هل يعاني أزمة اغتراب ثقافي واجتماعي...؟ ما موقفه من الثقافة الوافدة؟ ما موقفه من التراث ليس على اعتبار أنه جثة هامدة؛ بل على اعتبار أنه يعد أحد أهم أركان الانتماء والنهوض؟. هل هو مستقل بفكر ما أم أنه جزء من فكر آخر؟ هل هو مجدد أم محافظ؟ هل هو انتهازي براجماتي أم أنه مُنْتمٍ صادق مخلص في مبادئه؟... فالمثقف الذي نسعى إليه ذلك المثقف الذي حاز منهجاً علمياً سديداً للتفاعل مع واقعه ومجتمعه بثقافة شمولية قادرة على النهوض بهما... ومن ثم الإحاطة بوعي وإرادة وقدرة تحيط بكل مشكلة ذاتية وموضوعية والتصدي لها بحرية وحياد ونزاهة لحلها... ووضع التصورات الصحيحة للمستقبل... فالثقافة ليست نمطية مكررة، وإنما هي تَمَيُّزٌ بين فرد وآخر ثم بين أمة وأخرى في القدرة والكثافة والنوع؛ لقوله تعالى: (ولكلٍ درجات مما عملوا( (الأنعام 6/132) وقوله سبحانه: (يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات( (المجادلة 58/11) وقوله: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون((الزمر 39/9). فالمثقف من حيثُ هو إنسان ذو فكر؛ وبما يَحْصَل لديه من ملكة في الإحاطة بمبادئ الثقافة وقواعدها والوقوف على مسائلها واستنباط هيئاتها بما يساعده وعيه وقدرته على الفهم إنما هو أجدر على ترتيب المقاصد والحاجات التي يتطلبها واقعه من غيره، ومن ثم يغنى بالمعارف الكونية والإنسانية الكبرى التي تجعله مُعْتزاً بذاته. ولذا عُرّف المثقف بأنه "المفكر المرتبط بقضايا عامة تتجاوز حدود تخصصه" وقيل: "بأنه المبدع في مجالات الأدب والفنون والعلوم...". ومن هنا ندرك أن المثقف العربي الحقيقي هو من ملك الثقافة واعتزّ بانتمائه إلى بني جنسه وتفاعل مع تراثه، وانفتح على التراث الإنساني، وتطلع إلى بناء حضارته جنباً إلى جنب مع المثقف العالمي الحر أياً كان جنسه، وأياً كان موقعه، ونوع الثقافة التي يقدّمها فكراً وفلسفة؛... أدباً ولغة ونقداً... طباً وهندسة وفلكاً وإعلاماً... ولا شك في أن هناك نمطية خاصة تميّز المثقف العربي والمسلم باعتبار أن ثقافته متماهية في هويته وتراثه؛ ولكن هذه النمطية –كانت- وما زالت ذات طابع إنساني، ولم تكن يوماً ذات طابع تعصبي كما هي عليه كثير من الثقافات؛ ولا سيما ما يعرف اليوم بثقافة الوهم الصهيوني،(9) أو ثقافة الاستكبار الأمريكي التي اصطبغت بالقوة العسكرية، وتحطيم قدرات الشعوب، وسرقة تراثها؛ وابتلاعها. فالثقافة العربية تثبت أن التماثل بين الثقافات يوازي الاختلاف فيها... ولا شيء أدل على هذا من أن المثقف العربي منذ عصر النهضة (1800-1950م) انفتح على معارف الغرب ومناهجه ومدارسه يفيد منها... ولذلك ظهرت إشكاليات عديدة لديه في مواجهته لتراثه خاصة والثقافة الإنسانية عامة؛ ومن ثم تجسدت في مواجهته للواقع الذي يعيش فيه وهو يتابع كل ما يجري فيه... ونحن لا نرتاب لحظة واحدة في أن الثقافة العالمية اليوم بما تشهده من تفجر علمي معرفي تقني مادي ونظري؛ ومن تطوير سريع لحركة الحياة، ونشوء الكثير من الفلسفات والمفاهيم قد أثَّرت بشكل كبير في ثقة المثقف العربي بنفسه، وفي عجزه عن حل كثير من مشكلات حياته في الفكر والفلسفة والأدب واللغة والنقد والفن... فضلاً عن حياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية... في الحرب والسلم... ومن هنا فالمثقف الذي نبتغيه هو المثقف الواعي القادر على مجابهة مشكلات حاضره والعمل على حلها لبناء مستقبل الأمة... وإذا كان مصطلح (المثقف) مصطلحاً شمولياً جامعاً مانعاً؛ فإننا سنسلط الضَّوء على المثقف في اتجاهين: الاتجاه الفكري الفلسفي الذي يسعى إلى إصلاح الواقع... والاتجاه الأدبي الخالص... ونعالج كليهما في إطار وعيهما للتراث وانفتاحهما على ثقافة الآخر. ولذلك كله سنبدأ بمواجهة المثقف لواقعه ببيان الأشكال التي يعاني منها إثر التحرر الوطني من ربقة الاستعمار الغربي، أي منذ منتصف القرن العشرين. 1-الشكل الأول: التصور الفردي الأناني ما من أحد لا يتذكر بأن المشروع النهضوي للأمة العربية قد بدأ منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى وربما قبل ذلك بعشرين سنة... وكان هذا المشروع يصبو إلى أهداف عديدة على صُعد شتى اجتماعياً، وسياسياً وفكرياً، وأدبياً... ونقدياً واقتصادياً وتقنياً وفنياً وإعلامياً، وعسكرياً، وتقنياً ومنهجياً... وكان يهدف إلى القضاء على التخلف والجهل،... ومن ثم إقامة الوحدة الجامعة إلى لمِّ شعث الأمة، وجمع شملها بعد طول تجزئة. وكان يعزز هذا كله في نفوس المثقفين؛ ساسةً وقادةً؛ أدباءً ومفكرين وعلماءً وفقهاء؛ لغةٌ واحدة وعقيدة متماثلة وتراث مشترك زاخر؛ وجنس أصيل يرجع بعروبته إلى ستة آلاف سنة –على الأقل- كان دائماً يحرضهم على النهوض والارتقاء... إنها أمنيات عريضة راودت عواطف المثقفين وأفكارهم منذ ذلك التاريخ؛ وتهيأت نفوس الأجيال طامحة إلى تحقيق آمالها... ولكن آلامها كانت أكبر بكثير من تلك الآمال ولا سيما بعد استحقاقها لحريتها في دولها التي نشأت بعد أمد قليل من معاهدة (سايكس بيكو- 9/5/1916م) التي فرضت تجزئة الأمة العربية على صعيد الأرض والنفس. فالمشروع الوحدوي القومي الذي حرك عواطف الأمة ودغدغ مشاعرها بالبعث الجديد لنهوض رسالتها الخالدة كاد يجهض برمته بعد السبعينات من القرن العشرين لِمَا واجهه من تحديات كبرى في حركة التحولات المعرفية والفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والتقنية... ومن ثم حدثت أخطاء شتى في حركة هذه التحولات على مختلف الصعد... في إطار الدولة القطرية التي نهضت وثبتت دعائمها التي ميزتها... وفي إطار شيوع الفكر الفردي واختزال الجماعة في شخص واحد تمثله هذه الفكرة أو تلك... إذا استثنينا أموراً أخرى... فقد جعل العديدُ من الأخطاء في ممارسة المشروع القومي أعداءَ المشروع النهضوي القومي بكل تياراتهم يتربصون به الدوائر؛ ويسجلون غير قليل من الأمراض التي ابتلي بها، لا ليصفوا الدواء للعلة ولكن لكي يتشجعوا في الثمانينات على إبرازها في وجههه ومهاجمته؛ ثم أخذوا بعد ذلك يمشون في ركاب مناهضته والسعي سعياً حثيثاً إلى إعلان موته؛ والسير الجاد وراء جنازته زاعمين أنه أفلس اجتماعياً وقومياً... وإذا كانت الدعوات الوطنية الضيّقة قد ظهرت مبكراً في سورية ولبنان وفي مصر بدعوى الأمة السورية، والفينيقية، والفرعونية فإن عدداً آخر من المثقفين أخذ بكل قدراته وآلياته- فضلاً عن بعض الفئات والكتل السياسية- يعمل على إسقاط مفهوم الهوية القومية... وإعادة النظر في صحتها لمواجهة الواقع المجزأ... فالانفصال –عندها- أقوى من الاتّصال؛ والتصور الفردي الأناني أعلى شأناً من التصور الجماعي الموحد الذي يُؤْثر الآخر على النَّفس؛ وكأن أي واحد منهم لم يقرأ قوله تعالى: (ويُؤْثرون على أنفسهم ولو كان بهم خَصَاصَة( (الحشر 59/9). لقد آثر كل منهم رؤيته على الآخر، ولعل الباحث اللبناني علي حرب واحد من الذين سعوا- في العقدين الأخيرين من القرن العشرين- إلى إثبات أن القومية وَهْم مختلق، وليس لها نَصيب من الحقيقة في الواقع. وكذلك نفى الباحث المغربي عبد السلام بنْعبد العالي ثبات جوهرها، ودعا إلى تأصيل الاختلاف في الهوية في ضوء جدلية الضّم والتباعد؛ متناسياً أو منكراً لقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله( (آل عمران 3/110)(10). ولا ننسى أن نشير في هذا المقام إلى بعض أقطاب المارونية اللبنانية –حالياً- وإلى دعواهم الحثيثة في إرجاع المسلمين إلى الجزيرة العربية والعراق، وكأنهم لم يدركوا أن الفينيقية ضاربة الجذور في الجزيرة العربية، إذ كشفت الآثار عن الترابط بينها وبين الشام. ولعل رصد التيار الثقافي القومي للواقع والتاريخ جعلهم يدركون أخيراً أنه لا فصل بين العروبة والإسلام وكذلك أدركت القوميات الأخرى كإيران قيمة البعد الإسلامي الحضاري؛ بعد أن وقفوا منه موقفاً قلقاً أو مضطرباً... وبرز ذلك في وسط السبعينات في فكر المثقفين القوميين وكتاباتهم. فالفكر القومي لم يستطع أن يتخلص تماماً من عُقَد الماضي مع التيار الإسلامي وغيره من التيارات كالتيار اليساري وغيره... ولكن التيار القومي بدأ عملية مصالحة مع ذاته وتراثه؛ وإن لم تنته إلى شيء بعدُ... وأخذ يستوعب مفهوم (العرب جوهر والإسلام مادة اتّصال وفضاء روحي له)(11). وقد يكون هذا التحول وراء تعرضه لهجوم التيار الإسلامي وغيره على السواء، ولا سيما المتشدد منه... وهو الآخر لم يستطع الاقتراب من التيار القومي؛ على الرغم من المرونة التي أبداها هذا التيار، فالتوافق بينهما ما يزال بحاجة إلى تطوير ونقاش حر وبنَّاء... أما التيار اليساري بكل أطيافه فلم يستطع أن يثبت رؤية مستقلة بذاته، فقد بقي معتمداً على الآخر؛ ثم أخذ يغيّر مواقعه وأفكاره بتغير المرحلة الزمانية أو البلد الذي يساعده بالبعثات وغيرها... ثم انتهى عدد من تياراته إلى حالة ضبابية على نحو ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي... وهناك من كسر مراكبه في هذا التيار وتخلى عنها، علماً أن المتنورين منه بدؤوا أيضاً بمراجعة ذاتية للالتقاء مع التيار القومي... وأياً ما تكن النهاية التي آل إليها هذا التيار فأغلب اتجاهاته ما زال بعيداً عن التيارين السابقين، وكأنه وحده من يستطيع تخليص المجتمع من أزماته كلها. لذا كان أنصاره شديدي الاعتداد بتصوراتهم، محافظين عليها؛ يدافعون عنها أياً كانت النتيجة التي يصلون إليها لإثبات كينونة الذات الفردية الفئوية أو الحزبية... وهي كينونة أنانية مبتلاة بفتنة الوهم الفكري. إن المتفحص في هذه الأشكال الفكرية ومحتواها الدلالي هي وغيرها يتضح لديه بكل جلاء أن كل كتلة ثقافية أو سلطة ما، ومن ثم كل مثقف منخرط في واحدة منها... قد جعل نفسه كشجرة زيتون معمرة، أو شجرة سنديان قوية، لأنه ظن بنفسه القدرة على التصرف في كل شيء، مما جعله غير مبالٍ بالقيم والمبادئ والعادات... فكل شكل منها ظن أنه وحده من ينتمي إلى الوطن والأمة، وهو وحده من يملك الحق والحقيقة، وله الحق دون غير بصنع الواقع والمستقبل... وإن لم يكن هذا فلا... ومن ثم على الآخر أن يؤمن بما يقول ويخضع لما يريد، ولا مجال للحوار، والمثاقفة. فالمثاقفة في مذهبه وعقيدته ما يراه وينجزه وليست بين فئتين سياسيتين؛ أو بين التيارات الوطنية في البلد الواحد، ثم بين أبناء الأمة كلها. ولا مراء في أن التيار القومي، ومثله التيار اليساري قد فتح عينيه على ثقافة الآخر غرباً وشرقاً ونهل منها ما استطاع؛ بيد أنه عمد إلى إغلاق عينيه عن محاورة ابن وطنه خشية على السلطان؛ إلا إذا أراده أن يكون تابعاً له في اعتقاده وفكره، أو في ممارساته... وربما ألغى كثير من أنصاره فكرة الانفتاح على التراث، لأنه لا يتصف إلا بالتخلف... وبهذا ألغى من ذاكرته عملية الانفتاح على الذات والهوية ففصل واقعه وحاضره عن تاريخه وانتمائه... فأمثال هؤلاء لا يريدون للناس أن يكونوا مواطنين في أوطانهم؛ ولا شركاء في صنع مستقبله؛ بل يرغبون فيهم أجراء وعبيداً...!!. ويبدو لي أن عدداً من مثقفي الوطن والأمة ارتكس إلى ذاته الفردية الذاتية حين احتلت نفسه أنانية عالية في تصوره الوحيد الاتجاه لحل مشكلات الواقع العربي؛ فهو لا يريد أن يشاركه الرأي الآخر في أي معضلة، لأنه ليس مخولاً لهذا... إنها –حقاً- مشكلة نفسية داخلية مرضية تتركز حول قدرة الذات على صنع المستحيل، في إطار إلغاء الآخر؛ وهي المشكلة التي عانى منها العالم على الدوام مع الاستكبار الأمريكي فالرئيس الأمريكي الأسبق آيزنهاور يقول: "لقد اختارنا القدر بمهمة قيادة الآخرين بين الأمم المحبة للعدالة والحرية" (أمريكا المستبدة 119)، وكذلك قال الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إبان حرب فيتنام: "إن الله مع أمريكا؛ إن الله يريد أن تقود أمريكا العالم"(أمريكا المستبدة 194) وها هو ذا الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن يسوّق المقولة نفسها باسم مكافحة الإرهاب ونشر العدالة والحرية "من كان مع أمريكا فهو مع الحرية والديمقراطية، ومن كان ضدها فهو مع الإرهاب". أي تصور فكري مأزوم هذا؟! إنه تصور قائم على القوة والادعاء والغرور؛ إنه قتل لمفهوم الحرية والديمقراطية؛ في الوقت الذي يدل على جهل مطبق بحقيقة الوجود المستند إلى التنوع والتعدد كما أسسته الإرادة الإلهية والطبيعة البشرية: (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا((الحجرات 49/13). خلقت البشرية للتعارف لا للاقتتال؛ لأنها متساوية في الخلق والوجود والحرية لقوله تعالى: (ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر( (الإسراء 17/70). فالأنانية والاستكبار ليسا صبغة الإنسان وإنما هما صبغة إبليس لقولـه تعالى: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين، قال: ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك؟ قال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين( (الأعراف 7/11-12). وقد أوضح الشاعر العباسي أبو نواس حقيقة الإنسان الأناني وفرديته الاستعلائية في ادعاء المعرفة والقوة والتميز، وزعمه بأنه –كإبليس- فوق الآخرين فقال:(12) فقُلْ لمن يدعي في العلم فلسفةً * * * حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء ومن ثم فإن أحادية التصور عند هذا الرجل أو ذاك أو هذا التيار أو ذاك تؤدي إلى مفهوم الانفصام النفسي المرضي على الصعيدين النظري والتطبيقي... ويتعزّر لدى صاحبها الشعور بالعظمة والكِبْر... ويبلغ به أو بالفئة التي ينتمي إليها أن الإخلاص لها صار يعني الإخلاص للوطن والأمة وهذا تزوير صارخ لثوابت الثقافة الممثلة بانتماء واع ومسؤول إلى الوطن والأمة واللغة والتراث وحرية العقيدة... ولهذا فإننا نرى منذ مطلع الخمسينات وجود ثقافة سياسية واجتماعية ودينية فئوية تسعى إلى ربط المجتمع بها، لتكون صاحبة الكلمة المطلقة على غيرها... وقد ظهر هذا بكل وضوح في الأحزاب السياسية والدينية التي تشكلت في الوطن العربي؛ وفي السلطات الحاكمة المسيطرة على نظام الدولة القطرية وثرواتها... ولعل كل كتلة ثقافية أو سياسية ثقافية امتلكت مقدرات الدولة سعت بكل قوة إلى تسخير قدرات الدولة لثقافتها دون أي ثقافة أخرى... وكأنها وحدها المالكة والمخولة بتصريف شؤون الدولة والوطن وأبنائه... ثم انقلبت ثقافتها إلى ثقافة الكلام تصول فيها وتجول مدعية لنفسها الشرعية في كل ما تفعله... وفي صميم سيطرة هذا الطابع الثقافي انبثقت فكرة (الزعيم، أو القائد)؛ وفيه اخْتُزل الوطن؛ والفكر والثقافة، والحنكة... فهو الملهم الذي منَحه الله قدرة فوق قدرة البشر، وصفاتٍ لا يتمتعون بها... وهو من يسيطر على كل شيء؛ يوزع الخيرات والهبات كيفما شاء ورغب، وأنى قَدَّر ذلك... وحده صاحب القول وله الرأي دون منازع... وويل ثم الويل لمن خالفه أو تدخّل في صلاحيته أو أي شأن من شؤون السلطان؛ والموت لكل من خرج عليه... ومن ثم تقف الدولة بكل إمكانياتها وراءه؛ وتسوّغ عمله على أنه وحده من أوتي الحكمة والصدق والعدل... فأي حياة مأزومة يعيشها المجتمع العربي...؟! هل هي أزمة وجود أم أزمة ثقافة حرة ذات بعد حضاري؟! فالسلطة الثقافية المطلقة لمثل هذا الوضع سلطة مشوهة، منعزلة، قاتلة للإبداع الفردي والجماعي الآخر... ومهما اتصفت بالبريق والسحر، ومهما قدمت هذه الفئة أو تلك من خير، وهذه السلطة أو تلك من دعم وتأييد للزعيم أو القائد الفردي... فثقافتها ثقافة القرار الفردي السلطوي؛ ومن ثم فهي ثقافة ميتة سرعان ما تزول بموته أو بالانقضاض عليه... فالتصور الفردي الأناني لأي مثقف مهما امتلك من قوة الاختراق والتأثير النفسي، ومهما تسلح بأدوات التقنية وأفانين الكلام؛ ومهما منحه الله من موهبة الاهتداء الفكري والعقلي... إنما يكون وبالاً على المجتمع والأمة... لأنه يقتل مفهوم الإبداع الفردي عند من يملكون ذلك حتى عند أقرب المقربين إليه؛ ومن ثم يغتال حرية الفكر والديمقراطية في النفس الإنسانية... ويبيد مفهوم التنوع الثقافي... لأنه وحده الحاكم على الزمان والثقافة والتراث... والواقع والبشر... ولعل هذا النموذج الثقافي الأناني المستبد والمسيطر لا يخلق إلا مثقفين عجزة مشوهين انتهازيين منتفعين لاهثين وراء المكاسب... فإذا ما انفرط عقده تحولوا إلى غيره... وإذا ما غدر الزمان بالمثقف السلطوي الفردي الأناني كانوا أول من ثاروا عليه وتبرؤوا منه. فأي أصباغ زائفة؛ بل أي أقنعة مضطربة مشوهة تدفعنا إلى أن نعيش حياة مأزومة؟ فالواقع الذي نعيشه على صعيد الذات والمجتمع لم يعد قادراً على خلق الوعي الفكري الإنساني والاجتماعي الحضاري؛ لأن الطبيعة الفردية المستبدة والمطلقة في ذات الحاكم إنما تتشكل وفق طبيعة القهر والظلم وتبتعد عن التسامح والعفو، وتتخيل بأن الآخر ليس إلا عدواً مفترضاً. ثم يزرع ذلك كله في نفسه مفهوم الانعزال الذي يقوي مشاعر الخوف النفسي والريبة والقلق والحذر لديه ولدى بطانته فيزداد القهر قهراً... فالمثقف السلطوي الذي عزل نفسه بإرادته؛ بعد أخذ شرعيته من مجتمعه، تصور نفسه أنه أضحى فوقه في كل ما يملك من صفات وخصائص... وأوهم ذاته بأنه ينبوع الحكمة وعصارة الفكر وجوهر الكمال وروح الخبرة،... ومفتاح كل حل لما يعاني المجتمع منه... ثم إنه عمود النظام، وزواله يعني زوال نظام الكون... فأمثال هذا المثقف السلطوي فَقَد مكونات النزوع الثقافي الحقيقي؛ فَصار شبه إنسان ولم يعد ممثلاً للإنسان الحق... لأنه انكفأ على تصوراته الظالمة المستبدة، ففقد شرط الحرية الثقافية المسؤولة؛ واستبد بعقول الآخرين وإبداعاتهم فقتلها... فإذا كان العقل أساس الحرية، وهو الذي ينشئ لها الضوابط التي تميز الإنسان من الحيوان... فإن الثقافة المستبدة جعلت الحرية سلوكاً غريزياً يقترب من البهيمية عند الحيوان، على حين أن الإنسان حر مسؤول لأنَّه مرتبط بالوعي والعلم والمعرفة. ويعد الاحتلال الأمريكي للعراق (في 9/4/2003) أكبر دليل على الثقافة المستبدة... هكذا يتضح لنا أن الحرية أو الديمقراطية التي تجسدها السلطة الثقافية السياسية المستبدة إنما هي حرية نابعة من موقع سلطوي يسعى إلى تحقيق أهدافها، وبقاء رموزها في مرافق الدولة والحياة... وهذا يعني أن الديمقراطية الموجهة، والمتمثلة في الواجهات المتعددة ليست ديمقراطية شعبية حرة ومسؤولة، لأن السلطة سلبت قدرة كل واجهة شعبية لهذه المؤسسة أو النقابة أو تلك، وجعلتها تابعة لقرارها... وبرزت سلطة الأزلام والأتباع، فازداد الحال سوءاً بالثقافة حين انزلقت السلطة بفكرها إلى إيهام نفسها بالحرية النابعة من المؤسسات وهي حرية لا تبتغي من ورائها إلا إشباع أفكارها المستبدة، وإرواء غرائزها الشهوية والإكثار من المستعبدين... ولعل هذا كله يدفعنا إلى الإشارة السريعة إلى ما يعرف اليوم بالسلطة الرابعة (الصحافة) أو (الإعلام) بمعناه الأشمل، فالثقافة المتسلطة تجعل كل مؤسسة إعلامية منبراً لها، مما يكبل حرية الإعلام المستقل... وكلما خشيت افتضاح أمرها تدخلت في شؤونه تحت هدف التنظيم؛ والمسؤولية والنزاهة وصدق الانتماء، والابتعاد عن الفوضى... فالسلطة الرابعة في أكثر البلاد العربية تقوم على نظام أحادي يتحول فيه المغمورون الجهلة إلى رجال ثقافة مشهورين؛ وإلى عباقرة أفذاذ... أو يتحول فيه المثقفون المبدعون إلى انتهازيين وصوليين؛ بعد أن تنازلوا عن حريتهم لهذا المسؤول وهادنوا ذلك النظام... أما من جعل قلمه كمبضع الجراح لاستئصال الأمراض الفكرية والاجتماعية والسياسية... فهو منبوذ، معزول... وإن كان من أفراد النظام عزل ونُفي؛ لأنه أصبح يغرّد خارج السرب... وإلا فمصيره القهر... فأي ثقافة عربية هذه؟ وكيف يمكننا مواجهة العولمة الثقافية الأمريكية بثقافة أحادية الاتجاه ومستبدة؟! إن هذه الثقافة المتسلطة لفرد كانت أم لجماعة من الجماعات لا تنتج إلا إحباطاً على مختلف الصعد؛ ومن ثم قتلاً لروح الإبداع، وحركة الحياة... لأنها ليست إلا شكلاً معقداً مشوهاً مضطرباً سطحياً؛ يعجز عن حل مشكلات الواقع الحقيقية... لأن رؤيتها رؤية منحرفة انفصالية مأزومة للواقع والتراث. ولعل ما أشرنا إليه من رصد لواقع التصور الفردي الأناني في الكتل الثقافية ولا سيما الكتلة التي حازت مقدرات السلطة السياسية كافٍ لإيضاح ما لقيه –ويلقاه- كل مثقف تابع لهذه السلطة أو بعيد عنها... فكلاهما فقد حرية الإبداع الفردي الخَلاَّق؛ لأنه أصبح تابعاً ومقنناً للسلطة إما بشكل إيجابي وإما بشكل سلبي... ومن ثم أصبح المجتمع بل نخبه الثقافية تعيش على سطح الثقافة، ولا يعنيها إلا قوت يومها... وغدت خانعة ذليلة لا تستطيع أن تثور على أي قرار مهما كان شأنه في حياة الناس... فالنخب الثقافية أكثر استلاباً لقدرتها؛ وأشد هلعاً من الجماهير الفقيرة؛ فهي مثلها تعاني وتئن من ظلم السلطة الفردية وجورها... ومن ثم فإن كل شكل من أشكال الثقافة المنتجة إنما هو شكل مشوه ضعيف غير قادر على المواجهة والحياة. وهذا قمة التردي الفكري والثقافي؛ إذ أحدثت الأنانية الفردية شرخاً نفسياً واجتماعياً لدى المثقفين... ونشأت هوة ثقافية واسعة في التكوين الثقافي بين هذا القطر وذاك في ظل الدولة القطرية وسيطرة الثقافة الأحادية، فضلاً عن الهوة الثقافية الكائنة في نفوس مثقفي البلد الواحد... بل إن الهدف الفكري في ذهن المثقف العربي المسحوق لم يعد التخلص من الجهل والتخلف والأمراض التي يعاني منها مجتمعه... وإنما أصبح هدفه السعي وراء المردود المادي لإقامة حياته وحياة من تكفَّل بهم... ومن هنا تكونت شريحة عريضة من المثقفين التابعين للسلطة السياسية والمتطفلين عليها... فضلاً عن تكوّن شريحة ثقافية واجتماعية فاسدة خمولة؛ إنها شريحة من أنصاف المثقفين وما دون؛ ولكنها تملك إصدار القرار الذي يفيدها وينفعها وتبرز للعيان ليغدو قانوناً عاماً متى شاءت؛ ولو أضرّت خَلْق الله جميعاً... ومثل هذه الأمة من أمة العبيد والانتهازيين وأنصاف المثقفين لن تصمد أمام أي غزو خارجي، والعراق اليوم أكبر شاهد على هذا. فكيف يستقيم الظل والعود أعوج؟!. وفي ضوء ذلك نشأت حالة من العداء والبغض والكراهية بين المثقف الحر الشريف المبدع... وبين أنصاف المثقفين والفئات الثقافية السياسية... وإن لم تكن بينهما حالة عداء فهي حالة من التوتر المشحون بالقلق والاضطراب تطفو كلما أُتيح لها الظهور على المنابر الثقافية والإعلامية... ولما تهيأ للمثقف منابر ثقافية وإعلامية أخرى غير ما تملكه الدولة سارع إلى إعلان نقمته عليها، وشرع يتقصَّى معايبها وكل ما تفعله... وما نشهده في بعض الفضائيات العربية أصدق مثال على ذلك كله... هكذا يصبح التصور الفردي الأناني مقبرة للفكر الحر والنظيف؛ ويخلق حالة تناقض دائمة بين السلطة الثقافية الممثلة بالدولة، وبين المجتمع ومثقفيه... مما يؤدي إلى مزيد من التخلف والتراجع... فالثقافة المأزومة بالتصور الفردي لا تصنع نهضة حرة قوية... وإنما تزرع تشوهات بشرية في كل مكان... ومن ثم يصبح الوطن عاجزاً ضعيفاً أمام مجابهة الأخطار الخارجية الآخذة بالتغلغل في جنباته كلها... وبناء على ذلك كله لا بد للمثقف وللكتل الثقافية أياً كان موقعها من أن تقدِّم نفسها بالشكل الحر النزيه العاقل المؤمن بأن جميع من في هذا الوطن يملكون فيه بنسب متساوية؛ والفرق بينهم يكمن في مستويات إبداعاتهم، لا في انتمائهم لهذه الفئة أو تلك... لأنهم جميعاً شركاء فيه؛ إليه ينتمون وعنه يدافعون. ومن ثم لا بد أن يتبدل الخطاب الثقافي مادة وطريقة... ولا بد للمثقف الواعي الحر الذي يتصف بالبداهة والذكاء والحيوية والقدرة والجاذبية والثقافة ألا يكون مجرد آلة نسخ يطبع عليها المثقف الفردي الأناني ما يشاء عليها... ولا مكان في هذه الأمة للخونة والجهلة والانتهازيين ومروجي القهر والتبعية وثقافة الخوف... فالمثقف المبدع الحر لا يمكن أن يظل مجرد أداة استنساخ وتلفيق وتسويغ بيد أي سلطة ثقافية... لأن وحده من يصنع الأفكار المبدعة؛ والمكتشفات المفيدة، والآراء التي تنقذ مجتمعه من براثن الظلم والتسلط والتخلف... فما خُلق المثقف الحر ليبكي أو يتباكى على ما يراه... وما خلق ليحمل في داخله ضميراً جباناً يراقب تصرفاته، ويوسوس له مخوفاً إياه من العقاب والردع كلما نقد خطأ هنا، وأشار إلى فساد هناك... فالمثقف الحر النزيه الواعي هو الذي يرتقي بقوله وفعله باعتبارهما أسلوب حياة متكامل لبعث روح النهوض في الأمة، والحفاظ على قيمها وعاداتها وتقاليدها... إن أي نسق فكري حر ونظيف، وخالٍ من العقد والتشوهات لا ينسف فكر الآخر أياً كانت معارضته الفكرية والثقافية... ومن ثم فعلى الثقافة المعارضة أن تصبح مادة استشرافية تفيد الثقافة المقابلة لها وتتفاعل معها، لا أن تسعى إلى السيادة والغلبة على غيرها... أما إذا أبت إلا أن تلغي الآخر فإن النسق الفكري لها يصبح نسقاً فئوياً فردياً متسلطاً ظالماً للآخر ومستلباً لحريته... وتكون هي الأخرى ثقافة كلام للكلام وللتخويف والظلم... وبهذا كله يبتعد أي مثقف عن مفهوم الثوابت الثقافية والفكرية الشريفة والأصيلة... ومن ثم يصبح على عداء مع الموضوعية والعلمية والمنهجية. إنه يبتعد عن الثوابت الوطنية والقومية؛ والإنسانية مهما ادعى إخلاصه لهذا كله وتلون تحت أقنعة شتى... فحين يتحكم أي نسق ثقافي بالآخر؛ وحين يتحكم أي عقل بعقول الآخرين ويلغي ثقافتها وكل إبداعاتها... فإنما يعني ذلك أنه اختلال طبيعي وأكيد للشرط الثقافي الحر والفاعل؛ قبل أن يلغي الشرط الموضوعي لوجود الآخر... وفق مقولة: (أنا أفكر إذن أنا موجود)... فالفكر أداة لاكتساب المعارف والخبرات لجلب النفع للذات وللمجتمع وللأمة... ولا سيما أن الفكر غدا من المسلمات اليقينية على أنه مفتاح الرؤية الشمولية لمواجهة الواقع باقتدار. وفي ضوء ذلك كله علينا أن نشير إلى مكانة التراث في التصور الفردي الأناني وكيفية التفاعل معه لدى أصحاب هذا التفكير... فالتراث عندهم أصبح مطية لآرائهم ومصالحهم ومنافعهم الخاصة... وهم لا يتورعون لحظة واحدة عن التجرؤ عليه وتفسيره وفق رغباتهم ولو اختل الشرط التاريخي الموضوعي للحادثة التاريخية التراثية... أو لكل ما يمت للتراث بصلة... فمن لديه القدرة على ظلم الأحياء، واستمراء التحكم بمقدرات الوطن والأمة هو أكثر قدرة على تزوير التراث وتشويه حقائقه... مما يجعل الحرية والاحترام شرطين أساسيين لا للانتماء فقط بل لممارسة الثقافة، فالحرية من مقوماتها وضوابطها... والعقل أساس منشئها؛... أما المتسلط فيظن نفسه أنه يعيش في هذا الكون وحده، وكأنه قادر دون غيره على توزيع الثروات في إطار ميزان مختل... والاعتداء على الأموات في ظل عجز فكر الآخر للاستبداد به، ونسي أنه سيأتي يوم آخر يكون لغيره... هذه هي دورة الحضارة؛ ومآل الدول كما قال فَرْوَة بن مُسَيك المرادي:(13) وما إن طِبُّنا جُبْن ولكن * * * منايانا ودُوْلة آخرينَا كذا الدهرُ دولتُه سِجالٌ * * * تكُرُّ صروفُه حيناً فحينا فمن كان اليوم له فلا يبطر ولينصف الناس من نفسه وثقافته، والشهم الذي يملك المروءة والعدل في نفسه يعطيهما الآخرين... وعلى كل حُرّ ألا يقبل الظلم؛ وأن ينصف نفسه من الناس قبل أن ينصفوه(14) كما قال زهير:(15) ومن لا يزل يستحمل الناسَ نفسَه * * * ولم يُغْنِها يوماً من الناس يُسْأَم وإذا كانت أي سلطة ثقافية قادرة على التشظي بتصوراتها الفردية الأنانية فليكن المثقف الحر قادراً على التجميع والتوفيق والتوحيد وحلّ مشكلات الأمة بشكل جذري وحاسم. وذلك كله يعني أن التصور الفردي الأناني صنو للحفاظ على التشتت والتجزئة ولو ادعى أصحابه المفاهيم التجميعية والتضامنية والوحدوية... بينما يغدو الانتماء الحر للوطن على أساس العدل والمساواة والحرية بين أبنائه رأس الثوابت الكبرى لقبول الآخر واحترامه أياً كانت عقيدته أو مذهبه أو ثقافته... ومن هنا نستطيع أن ننطلق إلى تحقيق وحدة الأمة؛ باعتبار ما تشترك فيه من تراث ولغة وآمال وآلام، بالرغم من أن وحدة الأمة ما زالت بعيدة المنال –حتى الآن-. فنحن نرى أن وحدة الثقافة غائبة، بفعل التجزئة، وغلبة الاتجاه السياسي الأحادي الأناني على المصلحة القومية العليا... وهذا ما سنتحدث عنه في الشكل الآتي: (غياب وحدة الثقافة). 2-الشكل الثاني: غياب وحدة الثقافة اتضح لنا بما لا يقبل الشك أن التصور الفردي الأناني ارتبط بتضخم ذات صاحبه، ثم عدم توازنه النفسي والفكري فانغلق عليها، وانحرف ليعزز ثقافته ويلغي ثقافة الآخر؛ من دون أن يكلف نفسه عناء الحوار معه؛ وقد تمركز حول دعوات سياسية مثيرة. ومن ثم فإنه نظر إلى أبناء جلدته الذين يعيش معهم ويتسيد عليهم في ظل الدولة القطرية على اعتبار انتسابهم إلى الوطن وليسوا شركاء في صنع القرار... وهذا يعني أنهم أصبحوا عبيداً لجبار مستكبر لا يرى إلا ذاته في المرآة التي ينظر إليها... إنه رئيس قبيلة من نمط جديد أكثر تقدّماً في أساليب القمع والقهر والإفقار... ولعلنا نظلم رئيس القبيلة بالقياس إليه... وإني لأرى أن مثل هذا المثقف ومثل تلك السلطة لم تعد تملك حريتها الشخصية؛ بل أصبحت مستعبدة هي الأخرى للفكرة التي آمنت بها؛ وكذلك تنازل كل مثقف فيها عن حريته وعقله الإبداعي الخاص به، مذكراً إيانا بالعصبية القبلية الجاهلية الشوهاء؛ لذلك فهو يروج لأفكار السلطة وفق منافع خاصة وضيّقة... وأَي إضرار بهذه المنافع يجعله يثور، ويغضب... وربما أودى بمن أضَرَّ به في غيابة الظلمات؛ لمجرد أنه خالفه؛ أو نقد سلبياته، أو أصرَّ على كشف سياسته القطرية الانعزالية المريضة... هكذا يغدو التصور السياسي الأناني ذو الطابع النفعي أساساً للتمركز حول الذات؛ وكأنه مركز الجميع في هذا الوطن وما عداه غير قابل للحياة... وإذا تعززت الثقافة على هذا الوجه وتأصلت فيه فإنما يعني أنها تؤسس لمفهوم التجزئة الثقافية للأمة ومن ثم التجزئة الجغرافية والسياسية... ويظل كل مثقف من هذا النمط أشد إخلاصاً لمعاهدة (سايكس- بيكو) وأعظم عداءً لوحدة الأمة... إذا لم نقل إنه سيكون أداة لتجزئة جديدة. ومن يتأمل الأوساط الثقافية في الوطن العربي يدرك أن كل كتلة أو تيار ثقافي سياسي في هذا القطر أو ذاك إنما يحاور الآخر من موقع الدولة القطرية، ومن صميم ما يدعو إليه، ويؤمن به سواء ارتد في هذا الإيمان إلى حزب أيديولوجي أم إلى آراء شخصية؛ أم أسرة حاكمة، أو نظام ليبرالي... فهو غير مستعد للتنازل عن أيِّ من آرائه التي يزعم أنها تشكل الثوابت المبدئية للتضامن العربي، أو للوحدة العربية. ولهذا أخفقت آراء المثقفين المخلصين في تحقيق أدنى حَدّ من حدود الثقافة الواحدة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً... بله ثقافياً... فالثقافة التي تتكون يوماً بعد يوم في ظل التصور الفردي الأناني... والتي فتحت أبوابها على مصراعيها للآراء الثقافية الغربية الوافدة هي أكثر إخلاصاً لمفهوم التجزئة ولا يمكنها أن تحقق وحدة ثقافية في حدودها الدنيا بين أبناء الأمة. فالتمزق –في ضوء ذلك- لم يعد حكراً على الحدود المصطنعة الزائفة بين الدول العربية، فضلاً عن الدول الإسلامية... وإنما تمثَّل في الواقع الثقافي، إنه تغلغل في نفوس المثقفين وسكن في أجسادهم يجرى منها مجرى الدم... وكل منهم يعلن استكباره على كل أشكال التوحيد الثقافي كاللغة والتراث... وقد أمعن بعض التيارات الثقافية والسياسية في تمزيق النسيج الثقافي الذي يذكّر بالانتماء إلى العروبة والإسلام، وتوحيد الأمة عليه فارتد إلى طفولية ساذجة وباهتة في الثقافة والحياة... بعد أن انحنى أمام الدولة القطرية، وعادى المشروع النهضوي القومي حين عزز التصور الفردي الأناني... ولم يستوعب مفهوم هوية الأمة الواحدة في عالم الأمم السياسية والفكرية والتاريخية... ومن هنا نجد أن كثيراً من المثقفين ارتكسوا إلى داخل دولتهم القطرية وآمنوا بها، ومنهم من دعا إلى منظومة ثقافية قديمة جداً ظهرت قبل الإسلام بزمان، ووسمت أصحابها باسم السوريين أو الفينيقيين أو الفراعنة... ومنهم من ارتكس ارتكاساً مخيفاً باتجاه المذهبية الدينية والطائفية، والعشائرية والفئوية؛ فتخلفوا عما حققه لنا عصر النهضة من إدراك واعٍ بحقيقة الإنسان والحياة والحضارة... فهذا الشكل الثقافي يدل على فجوة ثقافية مخيفة، لا نقول: إنها مأزومة فحسب؛ بل هي مبتلاة بكل أنواع الانحراف والتشوهات والتبعية.... والمرض... وازداد مرضها حينما انشغلت التيارات الفكرية والدينية والسياسية التي أشرنا إليها في بناء الدولة القطرية وأعباء التنمية... ثم احتلت فكرة المؤامرة من عقول أصحابها منزلة كبيرة على الصعيد الداخلي والخارجي... لهذا عاشت بحرب مستمرة داخلية فيما بينها؛ في الوقت الذي سعت السلطة السياسية إلى حرب مبرمجة وهادفة تتخيل فيها عدواً متوهماً أو استعماراً من نمط جديد... وكان مثقفو كل تيار أو سلطة يرتدون أقنعة براقة من الرسالات الثقافية السامية التي تبشر بالوحدة العربية، والتقريب بين أبنائها... فإذا ما فتشنا عن حقيقة الأمر على صعيد التطبيق الفعلي لم نجد له أثراً... وعلى الرغم من وجود بعض الإيجابيات المتعددة في الواقع الثقافي لهذه التيارات فإن أغلب أعضائها تلقوا أي تصور لا يتفق مع تصوراتهم بالاستخفاف، تم النقد التشريحي اللاذع؛ والسعي إلى تحطيمه... ففكرة المؤامرة والعداء للآخر ظلت الأصل الذي انْشدَّ إليه العديد من المثقفين لمواجهة الواقع والسعي إلى بناء الأمة؛ ولكنه بناء من موقع التيار الثقافي أو السياسي... أو الطائفة والفئة؛ أو البلد أو الدولة القطرية... ولو رَجَّع المرء بَصَره إلى ما جرى في مطلع الخمسينات في سورية –مثلاً- إبان حكم حسني الزعيم والحناوي والشيشكلي... وما جرى في بقية أرجاء الوطن العربي بعد ذلك لأيقن أننا أمام أشكال قبلية ثقافية من نوع جديد؛ ولكنها أشكال عصبية عصابية مأزومة، وأسوأ بكثير مما تحدث فيه دريد بن الصمة عن مفهوم عصبية الجاهليين قبل الإسلام لقبائلهم؛ حيث يقول: (16) وما أنا إلا من غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ * * * غَوَيْتُ؛ وإن تَرْشُدْ غزية أَرشُدِ بل إن عصبية الجاهليين كانت فعَّالة وإيجابية في زمانها لأنها ذات سندٍ واقعي بعكس ما نحن فيه. وحين نتحدث عن غياب وحدة الثقافة في الواقع العربي لا يمكننا أن نتجاهل الحديث عن المذاهب الدينية والفكرية الطائفية التي زادته سوءاً وإشكالاً فوق إشكال... فأثر المذاهب الدينية وتصارعها فيما بينها من جهة، وفيما بينها وبين التيارات الثقافية السياسية العلمانية من جهة ثانية قد أدَّى إلى تمزق شديد في النسيج الفكري والاجتماعي بين الناس في داخل الدولة القطرية؛ ومن ثم بين الدول العربية؛ وكأننا لم نتغير عن العصر الذي عاش فيه أبو العلاء المعري (ت449هـ/1057م)؛ ولا عن عصر الملوك والطوائف في الأندلس، فالتاريخ يعيد نفسه، لذلك يقول المعري:(17) اختلافٌ قد عَمَّنا في اعتقاد * * * وصلاةٍ لربنا، وطُهور فأبو العلاء يركز على الاختلاف في مظاهر العقيدة، ويؤكد هذا في قوله الآتي:(18) وجدْتُ الناس في هَرْجٍ ومَرْجٍ غُواةً بين مُعْتزلٍ ومُرْجي ولكنه لو عاش حتى عصرنا فما الذي سيقوله والاختلاف والتفرق يسودان كل جوانب حياة الأمة؟! وليس هناك من يشك في أن التباين في الوحدة الفكرية بين التيارات الثقافية للواقع الراهن أشد خطورة وتغايراً مما كان عليه في القديم... على حين كان ينبغي أن يحدث عكس ذلك، لأن التقدم العقلي والفكري قد ارتقى بوعي المثقف؛ ورفع درجة حساسيته وقدرته على المعالجة؛ وهيأه لفهم تجارب تراثه التي أشرنا إليها لكي لا يقع فيها؛ ومن ثم ليستشعر روح الانتماء الجامع لأبناء الأمة لاستئناف مسيرة النهوض التي بدأها الأجداد الأوائل منذ القرن الأول الهجري وما يليه... فالمثقفون لم يجعلوا التراث الإسلامي –على الأقل- درساً لهم؛ فما خبا نور هذا التراث إلا حينما تغيَّرت قلوبهم، وصارت نفوسهم شتى وتحسبهم في الظاهر أنهم موحَّدون مجتمعون... فقد تلونت العقول وانصدعت بالنفاق والخداع؛ فتمزقت حضارة الأمة، وانتهت إلى غيرها، فما أشبه اليوم بما حدث للملوك والأمراء في الأندلس!! ويبدو أن مثقفي الأمة اليوم في مواقعهم من التيارات الثقافية والسياسية وفي انتمائهم إلى الدولة القطرية إنما يجسدون شكلاً ثقافياً مَرضيّاً وارتكاسياً يذكرنا بالنموذج الذي مرت به الأمة العربية الإسلامية في دور التقهقر... على الرغم من الفارق الشديد بينهما... فمرحلتنا مشبَّعة بعوامل النهوض وهي تدفعنا إلى تسخير ما يملكه العصر الحديث من تقدم معرفي ومنهجي وتقني للخلاص من التشتت والضياع... والتخلف والجهل... وقد يتساءل المرء: كيف يمكن لأمثال هؤلاء المثقفين بكل تباينهم الثقافي؛ ثم لتلك الكتل الثقافية المريضة بالأنانية وعقد النقص والقهر أن يحققوا فعْل التكامل أو التوحد بين الدول العربية وهم عاجزون عن تحقيق التجانس في أنفسهم؟!! ولو نظرنا إلى صورة المثقف العربي، والكتل، أو التيارات الثقافية والسياسية التي ينتمي إليها؛ وهو يتشدق بملء فمه عن التطور الحضاري وتعميق التعزيز بالتراث الثقافي الذي يلبي طموحات بناء الأمة؛ وعن الانفتاح على كل جديد في عالم اليوم دون أن يكون تابعاً أو مقلداً... لتبيّن لدينا بأننا نقف أمام عبقرية عظيمة إصلاحية ستنقذ واقعنا مما هو فيه... ولا سيما حين اتخذت أشكال التحديث لديه صورة الآليات المعرفية القائمة على العلم والمنهجية دون أن ينفصل عن تراثه. ولكننا حين نتأمل الواقع التطبيقي لكل نظرياته ندرك أيضاً كم هو كذاب أَشِر!!! إنه شكل آخر من أشكال التمزق وغياب الوحدة الثقافية في نفوس المثقفين ثم في الكتل الثقافية؛ شكل من المرض العصابي الانفصامي. فهناك مثقفون يقولون شيئاً ويفعلون شيئاً آخر وكأنهم لم يسمعوا قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا: لِمَ تقولون ما لا تفعلون؟! كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون( (الصف 61/2-3). ثم إن هذا الانحراف الخداعي في الموقف الثقافي الفكري السياسي أوصل الأمة العربية إلى مأساة حقيقية ومُرَّة في عدم الاتفاق على مشروع ثقافي موحد، على وجود الجامعة العربية والمنظمة التي أوجدتها لهذا الغرض (منظمة التربية والثقافة والعلوم) وعلى الرغم من وجود الاتحادات الثقافية والعلمية بين أقطار الأمة العربية... إننا نؤمن بالتمايز الفعّال الذي يؤدي إلى التنافس الحر الشريف لتقدم الأمة، ولا نؤمن بمفهوم التشتت في الفكر والثقافة والصراع الخفي أو الظاهر حول إثبات صحة هذا الرأي أو ذاك... ومن هنا لا بد من الحوار الإيجابي بين الكتل الثقافية المؤسسة في منظمات عربية منظمة في إطار جامعة عربية حقيقية وفاعلة. فلعلها تستطيع إنقاذ ما يمكن إنقاذه بشرط أن يوفد إليها المثقفون المبدعون وأن يكون قرارهم ملزماً لأقطارهم. ومن هنا لا بد من مراجعة ذاتية موضوعية تجريها التيارات الثقافية والكتل السياسية... وأن يتصف عملها بالصدق والجد والنشاط والرغبة الحقيقية في الاتفاق على الحوار الثقافي البناء الذي ينتهي بها إلى التكامل ومن ثم التوحد، لا التفرق والتقاتل. فمن منا لا يذكر ما قدمته الجامعة العربية منذ تأسيسها من طموحات لتحقيق العديد من مشاريع التوحد العربي ثقافياً واقتصادياً وعسكرياً... ثم سياسياً -إذا تركنا طموحات الجماهير العربية في الوحدة الاندماجية أياً كان شكلها-... فالأمة العربية قدمت في وقت مبكر المشروع القومي الوحدوي؛ لكن الوحدة أخذت تتحقق في أوربا... فقد سقط المشروع القومي تحت ضغوط التيارات السياسية الفردية التابعة للدولة القطرية التي عطلت إرادة التوحد... فإذا أحسنا الظن بنزاهة هذه الكتل الثقافية السياسية لقلنا: إننا أخفقنا في الموضع الذي نجحت فيه أوربا على الرغم من أننا نزعم وجود عناصر جامعة لنا كاللغة والعقيدة والتاريخ والجنس والآمال المشتركة... على حين كان بين دول أوربا ما صنع الحداد كما يقول المثل. وهنا يتساءل أحدنا: هل التنوع ثراء، وهل اختلاف الأئمة رحمة بين الكتل الثقافية والسياسية؟ والجواب على مثل هذا الافتراض يكمن في واقع الكتل الثقافية نفسها؛... وفي المشهد الثقافي في السنوات الخمسين الماضية... فالكتل السياسية ازدادت تشظياً؛ ولو ارتقت بوعي الوجود. ولهذا تقتضي الأمانة من أي باحث متابع يتّصف بالدقة في الوصف والموضوعية في القول ألا يقف عند سطح الأمور... فالاختلاف شرعة الله لخلقه من أجل التنافس لخير البشر؛ والمثقفون على درجات بما عملوا مصداقاً لقوله تعالى: (وهو الذي جعلكم خلائفَ الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم( (الأنعام 6/165). ولهذا وجدنا أن العديد من الكتل الثقافية امتلكت طموحات قد تكون مشروعة إذ تباينت في الرؤية والكيفية لمجابهة مشكلات الواقع والتفاعل مع العناصر التراثية لتوظيفها بشكل مثمر ومفيد... ولكن هذا التباين –وللأسف- وقع في الثوابت الكبرى للأمة وفي كل ما يعزز وجودها ونمّوها. فالطبقة الفكرية أو السياسية أو الأدبية أو الاجتماعية... تسعى إلى التميز، ولكنه التميز الذي يجعلها تصوغ حياة الأمة وحضارتها بشكل أفضل لتحقيق سعادة أفرادها... إن التجربة في السنوات الماضية قد أكدت تداخل المقاييس والتباسها، إن لم نقل: إنها اختلفت اختلافاً عدائياً... فالتيار القومي قبل عقد السبعينات كان على عداء مع التيار الإسلامي والعكس صحيح؛ وهكذا كان مع التيار الماركسي... وامتد ذلك كله إلى الإنتاج الإبداعي لدى المثقفين العرب؛ ثم طفق يفعل فعله في المتلقين والناس جميعاً... مما أفقدهم حالة التوازن، وعدم الوصول إلى الاتفاق، فتعمق الانفصال... ولا يمكن لأحد أن ينكر ما شهدته الأمة من تغيرات جوهرية ولا سيما على صعيد الفكر السياسي؛ حين أخذت الأفكار تنهض في البحث عن كل ما هو متطور للحاق بركب الحضارة... ولكنها في الوقت نفسه عمقت التمركز حول الذات القطرية، ولم تستطع أن ترتقي الدول العربية التي بلغت اثنتين وعشرين دولة عن مفهوم الجامعة العربية الذي ظهر إلى النور في منتصف الأربعينيات، وكأننا في عهد قبلي جديد... كما نسجل عليها طعناً آخر... حين أخذت السلطة السياسية القطرية؛ تلقي بظلها على الإنتاج الفكري؛ وتنيخ بكلكلها على أصوات المثقفين الأحرار، لأنها غدت الحُلُم المرغوب فيه... لهذا جهدت منابر إعلامها في منافسة غير شريفة في كثير من اتجاهاتها وملامحها؛ فأجازت لبعض الأسماء احتلال صفحاتها الأولى؛ وأصبحت الشخصية البهلوانية المتحذلقة، والمتسلقة تحتل المساحة الأكبر في حياة الناس... فهي أشبه بشخصية (دونكيشوت) وبهذا أسهمت السلطات السياسية في تخريب الذوق العام وتشويهه، ومن ثم أدَّت إلى الانحراف الثقافي... وتأجيج الاختلاف الكبير بين المثقفين... والضغط على كل من يناوئها منهم... والرموز الأدبية والفكرية كثيرة على هذا الصعيد كما رأينا في الشاعر بدر شاكر السياب والبياتي، ومحمد مهدي الجواهري... وغيرهم أكثر عدداً ممن فرَّ بحياته عن بلد المولد والمنشأ، ولا يزال... فانحدرت الحرية الثقافية إلى نوع من النمطية الغريزية التي أدت إلى اختراق ثقافي للأمة دخل كل بيت وأسرة، وفتحت كل النوافذ له. ومما يحزننا في هذا المقام أن النُّخب الثقافية هي التي تزعمت الكتل السياسية والحزبية؛ ومن ثم أباحت لنفسها جملة من التصرفات فطبقت القاعدة المعروفة في الشعر (يحق للشاعر ما لا يحق لغيره) على حين أن الشرعة المنطقية تقضي لهذه الشرائح المثقفة أن تكون المسؤولية محاولةً جادة وصادقة في معرفة الثوابت الكبرى للسعي نحو الأفضل في بناء الوطن الحر والقوي وتحقيق وحدة الثقافة القومية. ومن هنا ندرك أن الكتل الثقافية في الوطن العربي ما اتفقت على أيٍّ من الثوابت التي تهم الأمة العربية، بدليل عدم تحقيق الوحدة، وفقدان الديمقراطية الحقيقية؛ لأن كلاًّ منها كان ينطلق من موقعه السياسي الخاص ويتمسك به... وقد ألغى الحوار مع الآخر... فصار كل نقاش يرمي إلى الاختلاف لا إلى الاتفاق... وكأن مصالح الأفراد الآنية قد غلبت مصالح الأمة ومبادئها الجوهرية. وكلما تأكد للعديد منهم دعوة طرفٍ ما للحوار الفَعَّال ارتدوا على أعقابهم، فانطبق عليهم قوله تعالى: (وإذا قيل لهم: تعالَوا إلى ما أنزلَ اللهُ وإلى الرسولِ رأيتَ المنافقين يصدون عنك صدوداً((النساء 4/61) وقوله:(وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا: حسْبُنا ما وَجدْنا عليه آباءَنا( (المائدة 5/104). وبهذا كله ما زال الباطن لدى كل كتلة ثقافية مناقضاً للظاهر؛ وما زالت مبادئ السياسة هي هي لديها، أساسها الكذب والخداع والنفاق –على الأرجح- ولم تؤمن يوماً بأن السياسة فن حكم المجتمع، وبناء علاقات متطورة بينه وبين مجتمع آخر على ثوابت المساواة والعدل في كل شأن من شؤونها... فالكتل الثقافية أياً كانت أنواعها وأشكالها ما تني تعتمد ثقافة الكلام، والمداهنة والحذلقة... وإن استمرت بما هي عليه فلن تزيد واقعنا إلا فوضى وتخلفاً وضياعاً على الصعد كلها ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً... وطنياً وقومياً. وعلى الرغم من ذلك فما زال الأمل يحدونا لكي تغير هذه الكتل مفاهيم الاختلاف وتغلِّب إرادة الاتفاق، والرغبة الصادقة في عدم تجاوز الثوابت الكبرى للأمة وإقامة علاقة أوثق فيما بينها. ومن ثم فهم تراثها واستيعابه وتحليله بشكل علمي ومنطقي لمواجهة أفضل في حلّ مشكلات الواقع الراهن، وبناء حضارة المستقبل، ولا سيما أن هناك كتلاً استطاعت حتى الآن أن تتمسك بعروبتها ولغتها وتراثها، وحاولت أن تنسجم مع المتغيرات العالمية الجديدة دون أن تتخلى عن أصالتها. فكل منها إذا رغب صادقاً في حل المشكلات القديمة أو الجديدة الناشئة عن التحولات الكبرى العالمية أقام حضارة سليمة من كل مرض... وإن وقع بعض المفكرين العرب في وَهْدة الانحراف التصوري. ومن هنا يصبحُ أي تنوع أو تعدد بين الكتل الثقافية تنوعاً وثراء، وكذلك هو بين الأفراد والحركات السياسية... و... ولولا ظاهرة التباين في الأفكار لما تطورت الحياة؛ وقد سبق أن قيل: اختلاف الأئمة رحمة، لا نقمة... والدليل على هذا أن أمريكا قد نجحت في مجالات العلم والمعرفة والتقنية والاقتصاد... حتى غدت سيدة العصر الحديث في ميادين شتى، في إطار ظاهرة التنوع... على الرغم من أن أبناءها ينتمون إلى أعراق متباعدة، وثقافات متنوعة، وعقائد شتى؛ وولايات تبلغ (52) ولاية. ولعل المتمعن العاقل في سنن الحياة الكبرى لا ينكر ذلك، لأن التنوع أو التفرد لا ينتهي إلى التشتت والخلاف والاصطراع؛ بل إلى التعاون... وهذا ما أدركته أوربا وأمريكا... فأسرع كل منها الخطا نحو التكامل الحر الفعّال في مشاريعها، وفي صميم التنوع الثقافي، وكأنها أكثر إدراكاً لقوله تعالى: (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا( (الحجرات 49/13) من الأمة التي نزلت فيها هذه الآية... أما نحن العرب والمسلمين فعلى الرغم من وجود العناصر المشتركة بيننا في التكامل كاللغة والتاريخ والعقيدة –غالباً- والآمال والآلام... بل التراث كله مشترك... ما برحنا نزداد تشتتاً وتفرقاً، بفعل انحراف مقاصد الكتل الثقافية، والسياسية... التي عطلت إرادة التوحد... وكان شرفها قد هُتك مرتين في بداية القرن العشرين أولاهما معاهدة (سايكس بيكو 9/5/1916م) وثانيتهما وعد آرثر بلفور (2/11/1917م)؛ فتناثرت الأمة الواحدة إلى أشلاء متغايرة... وقد سبق ذلك حملة التتريك الظالمة بدءاً من (1908م) التي فصمت عُرى الوحدة الإسلامية... وربما يدور في خلد كثير من مثقفي العرب اليوم فكرة أخرى؛ ملخصها: إذا كان الغرب في مطلع القرن العشرين قد مزق أوصال الأُمَّة، لاعتبارات تاريخية كثيرة تصب في مصلحته... فهو في أواخره يسعى إلى عملية تجميع العالم تحت مفهوم العولمة... فالعالم أصبح قرية كونية صغيرة، وقد تحول بفضل التقانات الحديثة إلى مخبر تتمازج فيه الثقافات... وهذا كله يساعدنا –نحن العرب- على إعادة توحيد أمتنا، لأن ثقافة العولمة الغربية ولا سيما الأمريكية المهيمنة لن تترك لنا فرصة للتفكير والبقاء كأمة متميزة. فعصر التفجر المعرفي في ظل ثورة التقنيات المتطورة قد فتح الأسواق للثقافة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية والنقدية على مصراعيها؛ وطفق يجسد طبيعة تصارع الثقافات بقوة لإثبات الشخصية الذاتية دون أن تذوب في شخصية الآخر، وهذا ما يوحي به النظام العالمي الجديد بكل تجلياته. ومن هنا فنحن نتعرض لغزو ثقافي واستعماري من نوع أكثر تطوراً يحمل كل ملامح الشخصية المعرفية، ولكنه في نهاية المطاف يجعل هيمنة القوة الواحدة صاحبة السيادة المطلقة في نظام العولمة الجديد بقيادة أمريكا وتسخير الأمم لخدمتها. ولا شك في أن ظاهرة العولمة الثقافية لا تتوقف عند حدود معينة؛ ولهذا لا بد من الحركة النشطة والسريعة لاستيعابها، والتخلي عما نحن فيه من سلبية؛ وتخلف. ولقد أدركت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ذلك مبكراً، ودعت إلى مؤتمر عربي لمعالجة الوضع الطارئ، فاجتمع الخبراء الحكوميون في تونس (23-27/ نوفمبر/ تشرين الثاني 1981م) وانتهوا إلى توصيات جديرة بالعناية؛ لئلا تقع الأمة تحت سيطرة الثقافة الغالبة؛ ومنها: "يوصي المؤتمر منظمة اليونسكو بالعمل على إيجاد نظام ثقافي عالمي جديد يقوم على أساس من الحوار المتكافئ بين الثقافات، والاحترام لكل ثقافة، ويهدف إلى تقديم صورٍ أمينة عن الثقافات المختلفة بما يكفل تحقيق تفاهم أفضل بين الشعوب"؛ نظام يقوم على التفاعل مع الحضارات لا الاقتباس الأعمى، لأن الاقتباس يؤدي إلى زيادة الفرقة بين الأمة. ومن هنا فقد أكد الخبراء عملية تعلُّم المعرفة لنموّ الشخصية القومية العربية الثقافية شريطة أن تظل محتفظة بسماتها بدرجة لا تنصهر في الثقافة الأخرى؛ ومن ثم تذوب فيها... ولكي يكتسب المثقف العربي الكفاءة المؤهلة لذلك كله عليه أن ينزع أنانيته الكامنة في ذاته القطرية؛ وألا يكون مقلّداً للآخر الغالب؛ ليستطيع مواجهة العولمة الثقافية... فاقتباس النظريات الغربية كما هي أفقدنا خصوصيتنا، ومن ثم ازداد تناحر أبناء الأمة... وبمعنى آخر لعل تعرف ماهية العولمة يبعد المثقف العربي عن الانغلاق؛ حين يحتك بالثقافات الأخرى، ويجعله لا يستطيع تحقيق تميزه والمحافظة على هوية ثقافته من دون الاندماج مع الكتل الثقافيّة العربية المنتمية إلى جذور واحدة وعناصر مشتركة. ولعل في تجربة الاتحاد السوفييتي ما يؤكد رؤيتنا؛ فقد أدركت أمريكا والغرب كله شدة التمايز بين شعوبه، وغذَّت عوامل الفرقة بينها حتى فصمت عراه مستترة تحت مفهوم التحرر والعولمة.... ولعل هذا كله يجعلنا نقف عند شكل آخر من أشكال الثقافة العربية يتمثَّل في الاغتراب الثقافي للمثقف العربي في النصف الثاني من القرن العشرين؛ إذ وقع –تحت سيطرة التحرر من التخلف ومن الجهل والفقر- في وهدة الاغتراب. ولما رغب في التحرر –كما حصل مع الحركات الفكرية القومية واليسارية- استورد المنهج المطبق من ثقافة الآخر، وسعى إلى تمثله في واقعه؛ فعاش في غربة أبدية وطنية وقومية واجتماعية وسياسية وفكرية وثقافية مختلفة الأشكال والأطوار... ونجم عن هذه الغربة اغتراب طوعي برز بالابتعاد عن الكتل الثقافية السياسية الحاكمة... ومن جابهها لم يُعْرَف مصيره... واغتراب قسري أَدى به إلى الهجرة عن وطنه وأرضه وأهله... وفي كلا الحالتين استنزفت الموارد الثقافية للأمة... فازداد عجزها عن تحقيق ما تصبو إليه في بناء القيم الثقافية المعززة لتقدم الأمة وتوحدها. وهكذا ظهر نمط آخر من هؤلاء المغتربين ثقافياً، وهو نمط ارتد إلى نفسه، فعَاش حياة نكوص ذاتي؛ أو أخذته العزة إلى فلسفة التنظير للتنظير، فالتقى مع العديد من الفئات التي أعجبتها ثقافة الكلام، وهو حديثنا الآتي... 3-الشكل الثالث: فلسفة التنظير للتنظير لما انعدم الحوار الإيجابي الحر، ومن ثم التفاعل بين المثقفين العرب أفراداً وكتلاً ثقافية وسياسية، واجتماعية... وانقطعت بينهم سبل الوحدة والتعاون في الدولة القطرية المعزَّزَة المقدسة؛ ولم يعد البناء يقوم على البناء؛ وغَدت المنتديات العربية التي تجمع المثقفين مواسم لمجرد اللقاء... ولا سبيل إلى تنفيذ ما انتهت إليه... نقول: لمَّا كان ذلك كذلك غدت الفلسفة الثقافية بكل ضُروبها في الحياة والفكر والفن والأدب قائمة فقط في أذهان أصحابها، أو مكدَّسة في الأوراق طيَّ الأدراج، ولم يكن لها نصيب من التطبيق في الواقع العربي؛ مما أفقدها مصداقيتها. ومن ثم انتهى كل مثقف عربي حر شريف إلى مرحلة الإحباط والنكوص على الذات... مما أدى بالأمة إلى انتشار ثقافة الكلام للكلام والتنظير للتنظير؛ ففقد المثقف مشروعية ريادته للنهوض القومي. ولا شيء أدل على ذلك من الآراء التي تبناها أصحاب التيار السلفي –مثلاً- وبخاصة المتشددين منهم... فقد اتخذت مواجهة الواقع لدى هؤلاء، ومن ثم عملية بناء الثقافة والتطوير شكل الارتداد الخلفي إلى التراث، ولا سيما إلى حقبة منه كانت أزهى مراحله؛ وتتمثل في مرحلة صدر الإسلام... وسعوا جاهدين إلى تحقيق نهضة العصر الحاضر بلباس الماضي دون تغيير... وتمسكوا بثوابتهم ثم عادَوا أيَّ تيار فكري يخالفهم... ومنهم من أحلَّ دمه؛ لأنه يخالف –في زعمهم- معتقد الشرع الإلهي... وما يحدث في العديد من الأقطار العربية يؤكد ذلك، فضلاً عما وقع من قبلُ... ومن ثم لم يفلحوا في تطبيق آرائهم، وانتفت عنهم المصداقية؛ لاختلاف الشروط الذاتية والموضوعية في الزمان والمكان والمعرفة... فهم لم يقتلوا حركة الإبداع لدى الأمة فحسب؛ بل خالفوا مفهوم الدين الحنيف والسُنَّة المطهرة في تمايز الزمن والثقافة والبيئة، فانتهوا إلى الجمود عند آراء نظرية قديمة؛ ولم يكونوا –هم أنفسهم- إلا حملة لها ليس غير... وبهذا وقعوا في فلسفة التنظير، وقد انتابتهم ثقافة الكلام... وفي المقابل وقف تيار ثقافي عربي آخر آمن أشد الإيمان بما قاله هذا الفيلسوف الغربي؛ أو ذاك المفكر الفَذّ... وما أتى به صار حقيقة مقدسة لا يجوز المساس بها أو تغييرها... وألبس هذا التيار دعوته إلى الانفتاح على ثقافة الآخر لباساً جميلاً ومحبباً... فأصحاب هذا التيار عمدوا إلى مواجهة مشكلات واقعهم في ضوء الفلسفات الغربية الحديثة، وطفقوا يلبسون جلبابها ويتمثلون روحها بعيداً عن تراثهم. لقد أحسنا الظن بهؤلاء المثقفين؛ لأنهم أفادوا من تجربتهم الثقافية؛ بمثل ما أدركوا حقيقة تجربة الاستعمار الغربي لأوطانهم... وبخاصة حين أقبلوا على دراسة واقعهم وفهمه، والتعمق في تفسير ما يملكونه من تراث وثقافة للمحافظة على ذاتيتهم الحضارية وهويتهم الثقافية... ولكن الذي جرى عكس ذلك تماماً. ففي منتصف الخمسينات بدأت حركة إحياء كبرى تنطلق عند هذا التيار أو ذاك؛ بعد أن انتهت إليه ملامح عصر النهضة، وما قدَّمه فيه جيل الرواد من آفاق فكرية وثقافية متنوعة... بيد أن حركة الإحياء الجديدة بدأت تنفصل شيئاً فشيئاً عن حركة المد القومي الأصيلة؛ ثم أخذ التصدع الثقافي ينتاب الكتل النخبوية المؤهلة لقيادة حركة التغيير الثقافي والفكري والاجتماعي والاقتصادي... لينتهي هذا التصدع إلى انقسامات متغايرة، ومن ثم متصارعة... إذ تلقت كل كتلة زادها الفكري والثقافي والاجتماعي... من الاتجاه الذي آمنت به وتمترست خلفه لا تحيد عنه قيد أنملة؛ وكأنه وحده الذي يملك الحقيقة... ثم عاشت في دوامة الصدام التنظيري الذي بدا في مظهره عربياً، لأن أصحابه من المثقفين العرب؛ على حين كان في مضمُونه الحقيقي لا يحمل إلا جوهراً غريباً ليس له حظ كبير من التطبيق في الواقع العربي. ولهذا كله ظهر التيار القومي الليبرالي العلماني؛ والتيار اليساري الماركسي؛ والتيار الوطني الانعزالي... ومن ثم التيّار العربي الإسلامي... وكأن الاستعمار الغربي العسكري الذي جزأ الأرض العربية... قد أراح نفسه من الخوض المباشر في عملية احتلال الأرض؛ لأنه احتل النفوس والضَّمائر من أبناء الأمة، وجعلها تابعة له بأشكال جديدة ما كان ليفلح لو أنه بقي كما كان يمارس أساليبه القديمة. ومن ثم لم يعد يتهم بأنه وراء تخلف الأمة وجهلها وفرقتها إذ طفقت تتصارع على أفكار ليست من صنعها. ويمكن للباحث أن يشير –مثلاً- في هذا الشأن إلى التيار اليساري العربي الذي أَصرَّ على تبني منهج مُطبَّق للفكر الجدلي الغربي... ولهذا رأى أصحابه أن التراث العربي الإسلامي –على سبيل المثال- ليس سوى تجسيد لفكرة الصراع الطبقي في مرحلة من المراحل التاريخية انقضى أوانها... علماً بأنه يمثل لهم أرضاً خصْبة للصراع بين المادية التاريخية، والمثالية الطوباوية... ولا يمكن للعربي أن يتخلص من أفكاره المثالية إلا بتبني المنهج الديالكتيكي والمادي... فالتيار اليساري العربي لم يكن يهدف حقيقةً إلى تطوير المجتمع العربي؛ بمقدار ما كان يريد إثبات صحة فكره المنهج الجدلي الماركسي... أياً كانت التجربة التي تبناها سواء كانت تجربة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي –سابقاً- أم تجربته في الصين، ممثلة بما قدمه ماوتسي تونغ وغيره. وما يصدر هنا أو هناك يُحْمَل إلى الواقع العربي على أنه تجربة كاملة متكاملة لا بد من تطبيقها لنزع الفقر والتخلف والجهل...و عنه. لهذا كله أخفق التيار اليساري العربي؛ لأنه لم يرَ إلا ما يراه في الفكر الماركسي والشيوعي... فألغى وجوده الفاعل هو الآخر، بمثل ما ألغى أفكار الآخرين، وقاتل غيره قتالاً شرساً ليثبت ما آمن به... فلم ينتج له وللأمة العربية إلا الخيبة والفرقة واليأس، والمراوحة في المكان... على الرغم من أنه يملك من الوسائل التقنية؛ والذخيرة الثقافية ما يمكن أن يؤهله لعملية التغيير الكبرى في حركة النهوض الوطني والقومي... ولكنه ظل دون ذلك، فلم يمارس إلا ثقافة الكلام هو الآخر... ولا شيء أدل على وقوعه في فلسفة التنظير المجلوبة للتنظير؛ وفلسفة اقتباس التطبيق المستعار لواقع المجتمعات الغريبة من نكوص هذا التيار على نفسه ومراجعة أوراقه... ثم ازداد وضعه أزمة واغتراباً بعد انهيار الكتلة الشيوعية التي كان يتزعمها الاتحاد السوفييتي(19) الذي مُزّق إلى دويلات كثيرة أخذت جميعها تتودد إلى المعسكر الغربي بزعامة أمريكا التي دفعت بعضها إلى دخول الاتحاد الأوربي في (1/4/2004م) الذي صار يضم (25) دولة. لذلك طفق التيار العربي اليساري يفتش عن طرائق أخرى كتشكيل المجتمعات المدنية. ولعل مسألة الفرضيّات قد أخذت حيزاً كبيراً من أذهان المثقفين العرب سواء كانوا من أصحاب التيار اليساري أم القومي الذي سنشير إليه بعد قليل... فقد جَرَّب الباحث حسن حنفي استعمال الماركسية والتاريخية الإسلامية والفينو مينولوجية في قراءته للتراث الإسلامي، في كتابه (التراث والتجديد) أو في كتبه الأخرى عن العقيدة والتراث. فهو يرى أن تحليل "التراث هو في [الوقت نفسه] تحليل لعقليتنا المعاصرة، وبيان أسباب معوقاتها. ويسهّل علينا رؤية الحاضر في الماضي، ورؤية الماضي في الحاضر، فالتراث والتجديد يؤسسان معاً علماً جديداً هو وصف للحاضر، وكأنه ماضٍ يتحرك، ووصف للماضي على أن حاضر [معيش] خاصة في بيئة كتلك التي نعيشها؛ حيث الحضارة ما زالت قديمة؛ وحيث الموروث ما زال مقبولاً. قضية التراث والتجديد؛ هي قضية التجانس في الزمان، وربط الماضي بالحاضر، وإيجاد وحدة التاريخ"(20). أما عبد الله العروي في كتابه (العرب والفكر التاريخي) فقد دعا إلى نوع من المثاقفة مع الماركسية؛ سواء أكان ذلك في قراءة الواقع؛ أم في توظيف التراث(21) وكأنه يرى أن الماركسية دون غيرها مرشحة لحمل الحل الناجع لمشكلات الواقع العربي... بيد أن سقوط التجربة الشيوعية في عدد من بلدان العالم نقض كل دعوى لأصحابها لأنها لم تنجز السعادة لها. أما أكثر مثقفي التيار القومي ولا سيما اليساري منه فقد بدؤوا يقرؤون التراث العربي وفلسفات الغرب للإفادة منهما في مواجهة الواقع ومشكلاته لحله، والنهوض بالمجتمع وفق نزوع افتراضي قَبْلي للهوية القومية. وكل ما لا يتفق من التراث مع تصورهم القومي ألغوه على نحو ما... فإذا كان الدكتور طيب تيزيني وحسن حنفي قد مارسا وعيهما القومي في ضوء الفلسفة الماركسية للتفاعل مع التراث، ومواجهة الواقع فإن الدكتور عابد الجابري، أو الباحث حسين مروّة قد فضَّلا قراءة التراث في كتاباتهم من منظور المنهج المركب المسبوق بالوعي القومي والانتماء للهوية العربية؛ أي أنهما قرأا التراث العربي عامة والإسلامي خاصة في إطار الهوية القومية مستفيدين من تطور المناهج الفلسفية والفكرية والنقدية الغربية... فالدكتور الجابري مزج بين المنهج التاريخي والبنيوي والفلسفي الجدلي الغربي النظري بدءاً من كتابه (نحن والتراث) وانتهاء بكتابه (العقل الأخلاقي العربي)... الذي ركز على الجنس العربي وأهمل الجنس الآخر الذي أسهم في بناء التراث الإسلامي... إذ كان المنهج الإسلامي العقيدي قد ألّف بينهما. وأياً كانت الافتراضات النظرية المسبقة، ومهما حملت من قدرة تنظيرية فقد ظلت محدودة التأثير في مجابهة الواقع... لأنها ضيَّقت مساحة الرؤية الدقيقة لديهم... فقد آمنوا بها كفرضية مسلَّمة ومسبقة وقادرة على الحل الناجح للواقع؛ وتوظيف التراث لحل مشكلاته... وهم بهذا أغفلوا الشرط التاريخي والموضوعي للواقع والتراث العربي الإسلامي وخصوصيتهما مما أوقعهم في أزمات شتى، وجعل افتراضاتهم مجرد آراء نظرية غير قابلة للتحقيق في أرض الواقع... على الرغم من ارتقاء مناهجهم الفلسفية والفكرية؛ وتقدِّم أدواتهم الإجرائية... ولعل أي فكرة تستلهمها الفكرة السليمة لا بد لها من أن تكون في تصوراتها متفقة مع الأطر التاريخية والفكرية والاجتماعية والنفسية للمجتمع العربي. أما أن ينقل المثقفون العرب المفاهيم الغربية والنظريات الفلسفية، والتجارب الوافدة لممارستها في الواقع العربي دون تغيير؛ أو بتغيير طفيف سطحي لا ينسجم معه وليس له مصداقية في حل مشكلاته فإن تلك المفاهيم والنظريات تظل أسيرة للتنظير؛ ولا تتفق مع المنهج العلمي الصحيح والشرط الموضوعي للتطور التاريخي لكل مجتمع... فهي فلسفة توافق فقط تصورات أصحابها المسبقة، مما جعلهم يعمدون إلى خطوة استباقية إلى الأمام... ويبدو لي أن المثقفين –على الأغلب- وقعوا تحت قانون التأثير الثقافي؛ حين سلَّموا بصحة كل ثقافة وافدة لمعالجة الواقع، وبأنها تناسب الأرض العربية بدليل نجاعة تطبيقها في أرض أخرى... ولا سبيل للمجتمع العربي المتخلف إلا أن يأخذ بها متكاملة لأن النظرية في مفهومها لا تتجزأ... وبهذا اكتفوا من جهة بالجهد الأقل؛ ونزعوا إلى التسليم بكل وافد، واستمتعوا بالقوالب الجاهزة للأفكار، وطفقوا يلعبون عليها، ويمارسون هواياتهم في تطبيقها أياً كان المجال الذي يرغبون فيه، وبخاصة في الفلسفة والأدب والنقد... ومن ثم في الحياة والفن... ومن هنا جرى تبادل المواقع الثقافية أحياناً بين المثقفين... فمن كان قومياً صار يسارياً، أو العكس، أو زاوج بينهما؛ أو تخلى عنهما لصالح تيار آخر؛ أو نزع نزوعاً عربياً وإسلامياً معاً... فكثير من مثقفي هذا التيار أو ذاك كسر مراكبه القديمة، ومال إلى ركوب غيرها؛ ثم اكتشف مرة أخرى أن أياً من مراكبه لا يحملها إلا فلسفة نظرية وافدة غريبة. فما إن تنتهي أي نظرية في الغرب من مهمتها حتى تشرع تؤثر فينا، وقد تلقفناها كما هي دون تغيير. ولا شك أن الحضارة الغربية تستند في أبعادها إلى التنظير المدروس والتجريب، لكن إبداعاتها قائمة في جوهرها على طبيعة مجتمعاتها وأطوارها التاريخية والفلسفية والفكرية... فالإبداع الحضاري الذي يجري في الغرب فعل إنساني مادي متصل بالعلم والمعرفة وبما أنتجته الحضارات الأخرى قديمها وجديدها... لأن الحضارة الغربية انطلقت من مفهوم العلم، والعلم له شقان تنظيري وتطبيقي؛ والعلم التطبيقي هو الذي يقود الحياة في منافع البشرية ومصالحها ولا سيما المادية والاقتصادية، لأنها مستندة في الأصل إلى الحياة المادية الملموسة. ومن هنا نجح الغرب، وراح يتحكم بالعالم كله، وفي المجالات جميعها وآخرها مجال التقنيات ووسائل الاتّصال ومن هنا –أيضاً- تخلف العرب، وفي طليعتهم من يرعى الثقافة والتربية؛ فغدوا متلقين للعلم التجريبي الغربي، يلهثون وراء إنتاجه ولا يدركون أبعاده... ومن ثم سقطوا في معركة القيم الروحية بعد أن كانوا قادتها... إن إنتاج أي فكرة جديدة يعد اختراعاً وإبداعاً، وتكتسب أهميتها وقيمتها بمقدار نفعها للواقع العربي، وجودة مردودها الحقيقي في المجتمع... أمَّا ما وقع لدى أغلب المثقفين العرب فهو كثرة التنظير في الأذهان؛ ثم طفق كل واحد منهم يصاول عن فكرته لإثبات صحتها، دون أن يمارس فعلها الواقعي... فانتهى الأمر إلى الاختلاف في شأنها سواء كانت من بنات أفكاره أم كانت وافدة، وذهب الهوى والعصبية ببعض القوم فانحازوا لها وتشابكت المشارب وتضاربت واستمرَّ القتل لأجلها بين أبناء الوطن والأمة... لهذا فإن المثقف لم يستطع قيادة دفة السفينة بنجاح؛ لأنه لم يقرن القول بالفعل، وكأنه تخلى عن منهج الأجداد، وهم أول من مارسوا المنهج التجريبي في الحياة والعلوم كلها؛ فأوجدوا ثقافة عربية متطورة أفادت الحضارة الإنسانية... إن من يمارس ثقافة الكلام لا ينطبق عليه إلا قوله تعالى: (كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون( (الصف 61/2)... بل إن فلسفة التنظير للتنظير تؤدي إلى دمار حقيقي للفكر، وتزيد من أزمات المجتمع السياسية والاجتماعية والاقتصادية أزمة جديدة. ومن هنا نجد أن المثقف العربي كثرت عنده الافتراضات؛ كما في قوله أو كتاباته: يجب علينا كذا وكذا... ومن ثم يرفع العديد من الشعارات والآراء في ميادين شتى... على الصعيد الوطني والقومي والفكري والاجتماعي... وأكثرها يبقى في مجال الافتراض النظري؛ لأنه لا قدرة له على الحياة والفعل فيها... ولو بحثت عن أي مردود لها لرأيته –إن وجد- ضَعيفاً لا قيمة له... كما في شعار "قاطعوا البضائع الأمريكية" وترى الكثير من المثقفين أحرص الناس على استحواذها... إنها فكرة ومجرد فكرة تدغدغ العواطف الوطنية والقومية، ولكن لا نصيب لها في الواقع الحقيقي عند غالبية المثقفين الذين ينظرون إليها باستخفاف؛ على عظمة صحتها ودقتها ونجاحها في تجربة (غاندي) الشهيرة في مقاطعته ومقاطعة الهنود للبضائع البريطانية؛ إبان احتلال بريطانيا الهند. هكذا رأينا أن العديد من المثقفين العرب انشدُّوا إلى فلسفة التنظير، وإلى ثقافة معينة فتمسكوا بمبادئها دون غيرها... وحاولوا أن يطوروا الواقع ما جهدوا لعلهم يقتربون من مرحلة الإنجاز الثقافي الحقيقي... ولكنهم لم يصلوا إلى مقاصدهم... ولهذا كله فإن إشادة أي بنية فكرية ثقافية بهدف المقاربة الحضارية وتمثلها في الواقع الحقيقي لا بد لها من مواجهة الواقع وكشف عيوبه والسعي إلى تطويره دون إغفال الشرط التاريخي والاجتماعي والمادي والثقافي له... ومن ثم لا بد من الانفتاح على ثقافة الآخر بمقاربة حضارية تلبي حاجة الأمة العربية لتطوير واقعها دون أن تتخلى عن الثوابت المعرفية والتراثية، ودون أن تقع في إسار الآخر فتزول شخصيتها الوطنية والقومية، في الوقت الذي يكون الناس فيه سواء. وهي أشد حاجة إلى ذلك في زمن العولمة؛ لأن العولمة تمتد إلى جانب من جوانب الحياة والفكر والفن والأدب واللغة... وحينما تتوحد القيم والرغبات والحاجات... فإن طرائق التفكير ستتجه هي الأخرى إلى نمطية واحدة تأخذ طريقها إلى التطبيق والانتشار. وبهذا لن يكون هناك فلسفة خاصة تنظيرية سياسية أو فئوية أو إقليمية... علماً بأن العولمة الثقافية –كما هو واضح من صورتها الجديدة- تتخذ نمطية الثقافة الأمريكية، لتسلخ الشعوب عن ثقافتها؛ لأن ثقافة هذه الشعوب بتناقضاتها الشديدة بين أبنائها، وعدم قدرتها على المنافسة في أرض الواقع ستفتح المجال على مصراعيه أمام ثقافة العولمة التي تهيأ لها التطور الصناعي والتقني والاقتصادي والسياسي... وقبل كل شيء تهيأ لها الوصول إلى مفهوم المصطلح الواحد القابل للتطبيق... أما المصطلح عند العرب فلا يزال هو الآخر مشتتاً في المجال الواحد... وكأن المثقفين العرب لم يدركوا أنهم ينتمون إلى مفهوم الأمة الواحدة وخصوصيتها الثقافية. ذلك هو تشخيصنا لوضع المثقف العربي وواقعنا الراهن –بصورة مجتزأة- وتلك هي رؤيتنا للحلول الناجعة التي ينبغي أن يتمثلها... فما لم يتقيد بالثوابت الكبرى للأمة وبخصوصيتها المميزة لها، وبالعناصر المشتركة لقيمها ومبادئها وعاداتها وهو ينفتح على الثقافات الوافدة لمعالجة مشكلات الواقع ووضع الحلول لها فإنَّه سيذوب في عولمة الهيمنة الأمريكية القادمة بكل أشكالها الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية... وسيغدو رقماً مستهلكاً لمنتجاتها... ومن ثم سيكون عاجزاً عن صنع مستقبله ومستقبل الأمة العربية وأملها في تحقيق الوحدة والنموّ والتقدم والارتقاء وليس ما يحدث في العراق وفلسطين اليوم إلا البدايات الأولى للسيطرة على مقدرات الأمة وتسخيرها للغرب عامة وأمريكا والصهيونية خاصة... * الحواشي: (1) انظر في ذلك كله كتاب (مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية)، وراجع ما ذكره ابن خلدون في المقدمة –أصناف العلوم- 435-437. (2) انظر لسان العرب –مادة (أدب- ثقف) وانظر قول عمرو بن كلثوم الآتي (الديوان 89): إذا عضَّ الثِّقاف بها اشمأزَّت * * * وولَّتْه عَشَوزنةً زَبُونا عَشَوزنةً إذا غُمزت أرَنَّتْ * * * تَشُجُّ قفا المُثَقِّف والجبينا الثقاف: آلة تقويم الرماح وتسويتها. اشمأزت: تقبَّضت واشتدت. العشوزن: الملتوي العَسِر من كل شيء. الزَّبْن: الدفع والضرب. (3) و (4) و (5) انظر مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية –على ترتيب الحواشي- 10 و 20 و 59 وهناك تعريفات أخرى مثل تعريف كلود ليفي شتراوس- انظر المرجع السابق 76، وتأمل ما طرحه ابن خلدون من آراء في جنس الثقافة؛ إذ سبق بها الغربيين (المقدمة: أصناف العلوم والعلم والتعلم- 429-518). (6) معجم المصطلح الفلسفي –جميل صليبا- 475. (7) انظر مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية 41. (8) مقدمة ابن خلدون-408 (الطبعة البهية –مصر- وانظر اللسان (ثقف). (9) انظر مجلة الآداب الأجنبية – عدد 108- ص13-36. (10) انظر مؤلفات الباحث علي حرب، مثل (العالم ومأزقه 16 و 21 و 156-159) (والماهية والعلاقة 44 و 46) ومؤلفات عبد السلام بنعبد العالي. (11) لعل كثيراً من خطب الرئيس الراحل حافظ الأسد وأقواله تتجه إلى المزج بين العروبة والإسلام؛ وهي أعظم من أن تعد، وأكثر تجاوزاً لهذا المفهوم مما كان في الحقبة الناصرية 1950-1970م. (12) ديوان أبي نواس 7. (13) شرح شواهد المغني 1/82. الطِبُّ: العادة والسبب والعِلَّة. السجال: من مساجلة من يستقي على البئر بالسَّجْل وهو الدلو... أي مرة على هؤلاء ومرة على هؤلاء... (14) انظر كتابنا: قصيدة الرثاء –جذور وأطوار- 237 وبعد (قسم المنصفات). (15) شرح ديوان زهير بن أبي سلمى 32. (16) ديوان دريد بن الصمة 62. (17) لزوم ما لا يلزم [اللزوميات] 1/600. (18) المصدر السابق 1/273. (19) انظر نحن والتراث 15-16. (20) التراث والتجديد 16. (21) انظر العرب والفكر التاريخي 193 وما بعدها: فصل (الماركسية ومثقف العالم الثالث). ** المصادر والمراجع 1- أمريكا المستبدة –ترجمة د. حامد فرزات- اتحاد الكتاب العرب- دمشق-2001م. 2-التراث والتجديد (موقفنا من التراث القديم)-د. حسن حنفي- مكتبة الأنجلو المصرية- القاهرة- 1987م. 3-ديوان دريد بن الصمة – تحقيق د. عمر عبد الرسول- دار المعارف- القاهرة- 1977م. 4- ديوان عمرو بن كلثوم- تحقق د. علي أبو زيد- دار سعد الدين- دمشق- ط1- 1991م. 5-ديوان أبي نواس –تحقيق أحمد عبد المجيد الغزالي- دار الكتاب العربي- بيروت- د/ت. 6-صدام الحضارات –صموئيل هنتنغتون- ترجمة طلعت الشايب –بيروت- ط2- 1999م. 7-شرح ديوان زهير بن أبي سلى –دار الكتب المصرية- القاهرة- د/ت. 8-شرح شواهد المغني –للسيوطي- بعناية محمد محمود الشنقيطي- دار مكتبة الحياة- بيروت- د/ت. 9-العالم ومأزقه –علي حرب- المركز الثقافي العربي- بيروت- ط1-2002م. 10-العرب والفكر التاريخي –عبد الله العروي- دار الحقيقة- بيروت. 11-العولمة والهوية الثقافية –سليمان خلف- المجلة العربية للعلوم الإنسانية- عدد 16-1997م. 12-قصيدة الرثاء جذور وأطوار –د. حسين جمعة- دار النمير ودار معد- دمشق- 1998م. 13-لزوم ما لا يلزم (اللزوميات- للمعري) دار صادر- بيروت- د/ت. 14-لسان العرب (اللسان) –ابن منظور- دار صادر- بيروت-1955-1956م. 15-الماهية والعلاقة –نحو منطق تحويلي- علي حرب- المركز الثقافي العربي- بيروت- ط1-1998م. 16- مجلة الآداب الأجنبية- العدد 108/ خريف 2001م. 17-معجم المصطلح الفلسفي –جميل صليبا- دار الكتاب اللبناني- بيروت- 1979م. 18-مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية –دوني كوش- ترجمة د. قاسم المقداد- اتحاد الكتاب العرب –دمشق- 2002م. 19-مقدمة ابن خلدون –طبعة البهية- القاهرة- د/ت. 20-نحن والتراث –د. محمد عابد الجابري- المركز الثقافي العربي- بيروت والدار البيضاء- 1981م. * أستاذ الدراسات العليا بجامعة دمشق. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |