|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
تساؤلات عن الدور التاريخي للمثقفين العرب الثقافة القومية تداعيات (العولمة) ـــ ماجد السامرائي يتساءل أحد المفكرين الغربيين، وهو يستعرض التقدّم التقني الراهن للغرب، عن السبب، أو مجموعة الأسباب، التي جعلت القرن الحادي والعشرين يبدأ بمثل هذه "البداية المضطربة" التي حفزت الكثيرين إلى مناقشة "مصير العالم". ويتساءل بقلق: "إلى أين يتجه العالم؟ هل الغرب الأغنى يتجاوز الآخرين؟ وهل أنّ هذا العالم السريع التنامي والأفضل اتصالاً "يمثل جديداً أكثر من كونه وعداً؟"... معطياً الدور الأكبر لـ"قوّة الأفكار" التي تتطلّب "قوّة مادية" تساعد على نشرها للتأثير في الآخرين "في عالم لم تبق فيه الكثير من الحدود". ونتساءل، بدورنا، عمّا إذا كان ما يعيشه الغرب اليوم، بما فيه الولايات المتحدة، يمثل انحرافاً عن مسار "التنوير الأوربي"، أم أنّ التطوّر الرأسمالي لهذا الغرب يدفعه إلى البحث عن "قوّة جديدة" تتطوّر عن "مشروع التنوير الأوربي"، وتتخذ تسمية أقل استفزازاً للآخرين، غير الأوروبيين، وأكثر عصرية، هي ما يتمثل في "الليبرالية الجديدة" ـ التي تمثل، واقعاً/ اتجاهاً أوسع للهيمنة؟ وفي ضوء هذا تدعو بعض الاتجاهات والتوجهات الفكرية في العالم اليوم إلى وضع عديد من الأفكار والاتجاهات الفكرية الراهنة موضع تساؤل، لا من موقف إغنائها والتقدّم بها نحو مستقبل يدعونا إلى إغناء الفكر فيه، وتعميق حركيته واقعاً... بل من موقف إعادة النظر بالمفاهيم ذاتها في ما تحمل من مدلولات تتعيّن بها. ذلك أنّ سيرورة عديد الأفكار، والأطروحات الفكرية، بمدلولاتها الواقعية، قد أعلنت عن إخفاقها وانقطاعها عن التواصل مع الواقع، وبعضها الآخر أثبت خطأه، مما أحدث الكثير من الاختلالات في غير واقع، وكان من شأنها اختزال الواقع والفكر معاً.. حتى أنّ ما كان قد وضعه "أطفال الحركات" التي عددناها تاريخية ـ نسبة إلى أطروحاتها التي حملت الدعوة إلى تغيير الواقع الإنساني ـ هذا كله قد ضاع، أو جرى تبديده، حتى بدت تلك "الشخصيات" وكأنها "شخصيات مهزومة" أمام تطوّرات الحاضر، والأفكار التي حملتها "باطلة تاريخياً". فقد حلّت محلها أفكار ومفهومات رأسمالية جديدة.. أوجدت مفكريها ومنظريها ومثقفيها. إلا أنّنا نجد، على الطرف الآخر، مثقفين يحاولون أن يجعلوا إسهامهم في مناهضة هذه "الحركة الجديدة" للرأسمالية العالمية إسهاماً فعالاً، منطلقين من الإيمان بأنّ وجودهم الثقافي والفكري في هذا العصر يحتّم عليهم النهوض بمسؤولية تاريخية في الانتصار، ليس لأفكارهم وحدها، بل وللواقع الإنساني الذي يجدون أنفسهم يتحمّلون فيه مسؤولية حمايته من أيّة "تشوهات" قد تلحق بالإنسان والفكر والعقل جراء ما يحصل.. وهم يجدون (أو يؤمنون) أنّ عملهم الفكري والثقافي في هذا الاتجاه/ التوجه عمل فعّال.. لأنّ هناك، في المجتمع ذاته، من يتلقاه ويتفاعل معه تفاعلاً إيجابياً. بازاء هذا، يجد الكثير من الناس حاجتهم إلى فهم العولمة وكيفية حدوثها، ويرى كاتب أمريكي ـ من مناصري العولمة ـ أنّ هؤلاء الناس عندما يبدأون بالتفكير بالعولمة من خلال التفكير في العالم الذي يعيشون فيه، عليهم أن يدركوا "الموقع السيادي" الذي تحتلّه أمريكا في عالم اليوم، حيث الربط الواقعي بين العولمة وأمريكا، مع الإشارة إلى أنّ الحديث عن "العولمة" كثيراً ما يستبدل اليوم بمصطلح آخر هو: "أمركة العالم"، انطلاقاً من/ وبناءً على العلاقة الوثيقة في مستوى التخطيط والتحقيق الفعلي الذي يتمّ من خلال "تحويل" المصطلح، في ضوء ما تتبناه أمريكا اليوم من رؤية جديدة للعالم، أساسها اقتصادي، ومنطلقها كذلك.. تريد بالسعة الشمولية التي تجعلها لأفكارها، واستراتيجيتها، أن تغطي حياة المجتمع الإنساني بالأكمل.. ذلك أنّ "العولمة"، مصطلحاً ومشروعاً، تعني، في أخصّ ما تعنيه، اتساع العلاقات (أو العلاقات المفتوحة) في المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تنتج، في المحصّلة، صياغة الواقع السياسي بما يتفق/ يتوافق وما يتمّ السعي إلى تحقيقه من خلال "العولمة". غير أن هذه "الأفكار" و"المفهومات" و"المشروعات" المتصلة بالعولمة تواجه اليوم بأسئلة صلبة غالباً ما تصدر عن شعور بالخطر الداهم الذي تشكله (العولمة) على مستقبل الإنسانية. فالعولمة، كما يراها الكثيرون، تؤلف "سيرورة" استثنائية تتحرك تجاه مجتمع كوني شامل بفرض هيمنة المذهب المادي في الفكر الغربي الحديث". ويميل أصحاب هذا الرأي في تحليلهم "إلى التركيز على المسائل الاقتصادية" في ما يرون من أنّ "الرأسمالية عبر القومية" تخترق "حدود الدول لتخلق شبكة أحادية من التفاعلات المتبادلة عبر العالم". (ميشيل فان: العولمة والحادي عشر من سبتمبر ـ مجلة "الثقافة العالمية" ـ ع119ـ 2003ـ ص58). تترافق مع هذا التوجه، وتدعمه "صيغ ثقافية وتكنولوجية" و"أسواق استهلاكية" تبنيها هذه "الرأسمالية المعولمة".. والتي من بين أهدافها، في المستوى الثقافي تخصيصاً، ؟ ظهور ثقافة كونية أحادية" تقوم عبر التفتيت بإشاعة ما يطلق عليه، في مثل هذا المجال، "الفوضى والتحكم"، وهي من أبرز ما يشيعه "النظام العالمي الجديد" الذي يواصل حركته لبلوغ غاياته عبر أربعة محاور: ـ الأول هو: محور الثقافة، بإكسابها طابعاً أيديولوجياً يستمد مقوّماته من "ثقافة عالمية أحادية شاملة نشهدها في قطاعات الاستهلاك، وفي النزعة الليبرالية، وفي تداول اللغة الإنجليزية" والهدف منها هو: "تحويل الكثير من القيم المحلية والتقاليد المتوارثة التي تحكم فضاءات اجتماعية مهمة... عن مسارها".. فهي "تحمل أسلوب الاستهلاك الرأسمالي إلى جميع العالم عبر سلع رخيصة، وتقتحم أساليب الحياة الحميمية للبشر". (ميشيل فان: 72). ـ والثاني هو" المحور الاقتصادي الذي يعدّ المحرك الأساس لهذا "النظام" في ما يرسم من توجهات ـ سنتوقف عندها لاحقاً. ـ والثالث هو: القوة العسكرية التي تشكّل عنصراً فعالاً لتحقيق ذلك وفرضه "نظاماً". ـ والرابع هو: المحور السياسي الذي يأتي محصلة لهذا كله، ويضمن تحقيق التفاعلات المتبادلة بين هذا الواقع، بمعطياته السالفة الذكر، والفكرة الأساسية للنظام العالمي الجديد. في الجانب الاقتصادي ـ وهو أكثر ما يجري التركيز/ التأكيد عليه في دراسة العولمة وقراءة مشروعها المستقبلي ـ يتمّ النظر إليها كونها تمثل/ تستجيب لمطالب "الرأسمالية الاستبعادية" التي تعني، اصطلاحاً، "أنّ جزءاً من العالم يقوم بإلغاء اقتصاد الجزء الآخر ويسيطر عليه". ومعنى هذا هو: "تكامل للبلدان المتقدّمة مع بعض، واستبعاد لمعظم فقراء العالم. وبذلك فهي ليست سوى عملية توسيع مجالات التفاوت في النموّ والثروة بين (الشمال) و(الجنوب)..." (ميشيل فان: 61، 62). وإذا كانت هذه "الرأسمالية الاستبعادية: ستولد، بنظر بعض السيا ـ اقتصاديين، صراعات في "الجنوب"، تفجرها الإمبريالية الأمريكية ـ بوصفها "إمبريالية الشمال الاستبعادية"، فإن هذا هو ما يدعو بعض المفكرين، مّمن يعنيهم شأن حاضر العالم ومستقبله، إلى التساؤل عن الوجهة التي يتخذها العالم (الرأسمالي تخصيصاً) اليوم؟ ـ تقلقهم هذه "البداية المضطربة" للألفية الثالثة. كما يتساءلون عما يحصل في العالم، ممّا يجدون فيه خرقاً لإنسانية هذا العالم.. وما إذا كان ما يحصل يمثل توجهاً نحو واقع "إنساني" جديد، أم أنه يشكل "انحرافاً" في المسار، لإيجاد "مسار بديل" يختطه الأقوياء والأغنياء اليوم لمستقبل العالم؟... وإذ يجدون تغيّراً عالمياً يحصل في هذا الحاضر، هو: تغيّر مدفوع بإنجازات العلم وبالتطوّر التكنولوجي ـ وهي إنجازات تقف وراء جميع الاحتمالات الجديدة ـ فإنّهم يلتفتون إلى أبرز ظواهر العصر التي تستثمر هذا كلّه وتتخذه أساساً لتقرير ما يجب أن يحصل ـ أعني "العولمة" التي لم تكن ـ على حدّ رأي البعض ـ إلاّ محصلة لإنجازات التقدم العلمي والتكنولوجي. فهي نتاج تقدّم غير مسبوق في التاريخ الإنساني. ولكي تستثمر الرأسمالية العالمية هذا التقدّم "الاستثمار الأفضل"، فإنّها تركّز أطروحاتها على الاتصالات والنقل، وتربط التطوّرات التكنولوجية بموضوع فتح الأسواق أمام المرور الحر للسلع والتمويلات، بما يحقق انقلاباً فعلياً في واقع التجارة العالمية، وليس في المفهومات المرتبطة بها فقط. إنّ ما توجده هذه التجارة من أسواق عالمية، عالية الأداء، يحقق، في الوقت ذاته، الهيمنة المطلوبة (رأسمالياً) للثقافة الغربية المعتمدة على ما تدعوه الدراسات الحديثة، بالفلسفة الاستهلاكية والفردية. وإذا كان أصحاب هذا الاتجاه/ التوجّه يرون أنّ "العولمة"، وهي تقوم على ربط قوى العلم والتكنولوجيا بما يدعونه "أيديولوجية السوق الحرّة"، ستجعل العالم كلّه "أغنى" و"أكثر سلاماً".. فإنّ خصومهم الفكريين يرون العكس تماماً.. فهم يجدون أنّ هذا الاتجاه/ التوجّه سيخلق صدامات بين الأغنياء والفقراء، فضلاً عمّا سيحصل من "تنمية غير متوازنة"، ومن إشاعة للقيم الثقافية الغربية، برؤيتها العولمية هذه للواقع الإنساني، والتي تستهدف، أول ما تستهدف، ما يدعوه بعض علماء الاجتماع بالثوابت القديمة، والتي تشمل الثوابت الثقافية والحضارية ـ التاريخية ـ وهو ما يرى فيه بعض الكتاب المعنيين بالموضوع خطراً مرعباً يهدّد، ليس فقط أمن الإنسانية بل حاضرها ومستقبلها؟ هذا من جانب. ومن جانب آخر، فإنّ البعد الثقافي للحضارة الغربية نفسها بعد استعلائي. إنّ المركزية الغربية" غذت مثل هذا الشعور لدى الغرب المعاصر وجعلته يتصرّف إزاء الآخرين من منطلق "فكرته عن نفسه"، وما بناه، بدافع مماثل، من "فكرة عن الآخر ـ غير الأوربي". وهما فكرتان مشحونتان بعناصر الخيال المركّب عن "الذات"، كما أنهما مشحونتان بمشاعر العداء لهذا "الآخر". وفي السياق ذاته يطرح فكرة "الليبرالية الجديدة" بديلاً فكرياً وسياسياً لجميع الأفكار والأطروحات، الفكرية والسياسية، الأخرى. ثقافة العولمة ما يهمنا، من هذا كلّه، هو تعيين الفضاء المجتمعي ـ الإنساني الذي تتحرك فيه "ثقافة العولمة"، والأثر الذي يمكن أن يكون في مجتمع كمجتمعنا العربي. فالمهمة الموكلة للثقافية ـ بحسب المنطق الرأسمالي العولمي ـ هي: السيطرة على العقول، بإشاعة أنماط ثقافية ـ حياتية جديدة سطحية المكونات والأبعاد ، واتخاذها أساساً لكل عمل ثقافي.. فضلاً عن نشر "الثقافة الغرائزية". فبدل أنّ تتحرّك "الحداثة" بقيمها الإنسانية.. تتحرّك ثقافة العولمة بقيم الاستهلاك، وتعمل على إشاعة هذه القيم ـ في مواجهة ما تدعوه "قيماً تقليدية" تخصّ بها الثقافة القومية، بشكل أساس. ذلك أنّ النظرة العولمية إلى الثقافة تتمّ من خلال ما تدعوه "الثقافة التشاركية للعلم" بوصفها "تقليداً تنظيمياً".. وترى "العولمة "أنّ هذه الثقافة، بتقليدها التنظيمي، كان لها "تأثير كبير في تاريخ العالم... ما يزال مؤثراً حتى اليوم". فالعولمة ـ بأبعادها ومعناها ـ إنّما تحمل مفهوم "غربية الغرب" ـ الذي طالما عزّز هذه "الغربية" من خلال مركزة "نظريتها" ـ وهي نزعة إمبريالية ـ استعمارية جديدة، بحكم ما تقدّم من معادلة نهائية تقفز على جميع الصراعات، وتعمد إلى تجاهل عديد التناقضات، مقدمة من "القيم الغربية" ـ كما هي في الرأسمالية القائمة ـ "حلولاً" ذات خصوصية تخدم، في المحصلة، أهداف هذه الرأسمالية. وبذلك فهي تحمل "خطاب" استعمار جديد لا يترك، لما تسميه هذه الرأسمالية "بقية العالم"، أية خيارات.. وإنّما يقدم واقعاً مشروطاً بالقبول المفروض على "الآخر" بمنطق القوّة ـ وهذا، بذاته، هو الجوهر الفعلي في "خطاب المركزية الأوربية" مطوّراً إلى أكثر صيغ الهيمنة فاعلية؟ "فهو "خطاب" يتجاهل الأسئلة الأخرى جميعها تجاهلاً تاماً، مكتفياً بإعلان تأكيد الطابع الثابت لهذا الاتجاه/ التوجه الجديد: العولمة. هنا، إذا ما نقلنا التحديد الذي تواجهنا به "العولمة" إلى مستوى الثقافة، فينبغي أن نمضي بمزيد من الوعي والحذر على هذه الطريق. فمواجهة "العولمة" التي أخذت عند البعض حالة الانغلاق على الذات، أو تمثلت في رفض الحداثة فكرة وأفكاراً.. وجدت فيها الاستراتيجية الرأسمالية الجديدة ـ واضعة أسس الحركة العولمية ـ ما يساعدها في تغليب استراتيجيتها الاستعمارية على واقع المجتمعات غير الغربية التي واجهت العولمة بردّ الفعل السلبي هذا. إنّ الانغلاق على الذات هو الموقف الأيسر اختراقاً من الموقف القائم على عملية المواجهة بمنطق الحداثة ـ ذلك أن الحداثة مثلت انقلاباً فكريا جوهرياً في الواقع الإنساني.. وخصوصاً ما تمثل فيه رؤيتها الأساسية التي تركز على أنّ الإنسان، وبالتالي المجتمع، هو المسؤول عن مصيره.. وأنّ الإنسان صانع تاريخه ـ فإذا ما تمثلنا هذين الشرطين للحداثة في مواجهة العولمة، فإنّنا، بلا شك، سنتحرك بقوّة ذاتية قادرة على أنّ تجعل للأشياء "معنانا" نحن، ونكون قد شاركنا فعلياً، في مستوى الإبداع العربي في الأقل، في تطوير مفهوم الحداثة وإغناء معناها. في وقت نجد فيه أن ما تسعى "العولمة" إلى فرضه على مجتمعات "بقية العالم" ـ بحسب المصطلح الأمريكي ـ هو الاندماج في المشروع الرأسمالي، بشروطه هو. وإذا كان دعاة العولمة ومروّجو أطروحاتها يأخذوننا، شعوباً ومجتمعات خارج المنظومة الرأسمالية الجديدة، بفكرة: ضرورة التعامل الفعال مع التاريخ ـ بحسب تحديدهم هذا التاريخ ـ وأنّ هذا "التعامل" يفرض، دائماً، النظر إلى المستقبل، وليس إلى الماضي ـ الذي يدعوننا إلى التحرّر منه ـ فإنّهم، في الوقت ذاته، يجمدون (أو ينحرفون بتلك) الأسئلة الأساسية التي يثيرها تعامل من هذا القبيل ـ وهي أسئلة تخصّ طبيعة العلاقة بالمشروع الرأسمالي الغربي ككل، وبمراحله المختلفة، وآخرها: العولمة... إنّ أول سؤال من هذه الأسئلة ينصبّ على الكيفية التي نجعل بها هذا "التعامل الفعال مع التاريخ" سبيلاً للتحرّر: تحرّرنا نحن من أشكال الاستلاب كافة التي يعمل هذا "الغرب الرأسمالي"، بنزعته الكولونيالية، على وضعنا فيها، بحيث نغدو محاصرين من قبله، وبمفهوماته ذاتها؟ ـ والسؤال الآخر هو: كيف نخلق الشروط الملائمة لهذا التفاعل في واقع عالمي ـ عولمي تهيمن عليه "قطبية واحدة"، وتعمل على أن تنتزع من "بقية العالم" قوّته، محتازة "القوّة كلها"، اقتصادية وعسكرية، لنفسها وحدها؟ ـ والسؤال الثالث: كيف/ ومن أين السبيل إلى تطوير القيم الإنسانية، بما فيها القيم الثقافية، بما يجعل منها قيماً تتخطى هذا "المنطق الحصري" للرأسمالية الجديدة، وتجعل من الثقافة والفكر، ببعدهما الإنساني، قوّة تاريخية لخير الإنسانية؟ إنّ مثل هذا المستوى من الأسئلة ـ المصحوب بالتوقعات ـ يجعل القضايا الأبرز والأكثر احتداماً والأشدّ تعقيداً للعولمة تتمثل في ما تعمل، هذه العولمة، على إحداثه من "تعديلات" في الواقع الإنساني، وبشكل يشمل السلوك والتفكير والمعطيات. أما الذين يتحدّثون عمّا توفره من فرص لما يسمّى ببلدان العالم الثالث، فإنّهم، في حديثهم هذا، المتسم ببعض إيجابية الموقف من العولمة، يشيرون بمزيد من التحوّط إلى ما قد تتعرض له هذه "البلدان" من أخطار العولمة ذاتها. وعلى هذا فنحن اليوم، في مستوى ثقافي ـ وقد يشمل المستويات الأخرى بدرجات أكبر ـ نواجه تحديات خطيرة، وكبيرة التأثير سلبياً في واقعنا كأمة.. إذ يتمّ دفعنا نحو سياقات لا تاريخية تعبّر عن أنماط من الأفكار، وتتقدم بأنماط من العلاقات من شأنها الابتعاد بثقافتنا عن قيم إنتاجها/ إبداعها الحقيقي، يساعد في ذلك، بدرجة من درجات المساعدة، إحساسنا المتولّد عمّا نعيش من ظروف قلقة بأنّنا نمرّ بمرحلة أقرب ما تكون إلى تلك التي مثلتها بدايات الفترات المضطربة في التاريخ الإنساني، والتي قادت، في معظم الأمثلة والحالات، إلى التفكك والانهيار. فنحن، بحسب ما يشيع في حياتنا من منظورات أو تتكشف عنه هذه الحياة من رؤى وتوقعات، في مرحلة تاريخية لعلّ غموض المستقبل أمامها أشدّ من غموض الحاضر فيها.. فضلاً عن كل ما تعيش من تدمير ممنهج للذات العربية والثقافة العربية، وذلك من خلال: توظيف المعرفة لصالح هذه "القوة الواحدة"، وبما يساعد على إيجاد" أرضية صالحة" لتحقيق غاياتها وأهدافها، وتحويل مسارات البناء الوطني إلى ما يشكّل من "الوجود الوطني" نفسه "وجوداً تابعاً"، إن لم يكن "مرتهنا"، ومصادرة حق الأمة في ثقافتها وفي بناء هذه الثقافة على أساس ما لها من ذاتية تاريخية ـ حضارية. إنّ التحوّل من قبل "الغرب الإمبريالي"، بالقضية الثقافية، وبالتالي الحضارية ـ التاريخية، من "وضع الحوار" ـ الذي يعني الاعتراف بالآخر ـ المًحاوَر، والقائم على تمثل هذا الحوار كونه، "لقاء واعترافاً"، يؤكّد "حاجة إنسانية حيوية" تقوم على أساس أنّ الحياة "ذات طابع حواري"، وأنّنا "نعيّن أنفسنا عن طريق الاتصال بالآخرين" ـ بحسب ما يرى المفكر الليبرالي "جارلس تايلور" ـ وأنّ التحوّل عن هذه الأبعاد ذات الطابع الإنساني والنظرة القائمة على احترام كل ثقافة للثقافات الإنسانية الأخرى ـ وكل حضارة أيضاً ـ إلى الصدام والصراع بين "الثقافة الغربية" ـ من منطلق "عقدة التفوّق" ونزعة "المركزية الأوربية" التي تحكمها ـ والثقافات الأخرى، من شأنه تشتيت الواقع الإنساني ثقافياً وحضارياً، واستبعاد حالات اللقاء، وتنمية روح العداء بين الثقافات والحضارات.. وفرض الواقع الاستعماري المتغلب بمنطق القوّة وواقع التقّدم العلمي لهذا "الغرب".. فضلاً عن كونه "يثقل ضحاياه بكراهية معوّقة للذات" ـ على حد ما يرى "تايلور" ـ لأنه بذلك إنما يجعل "الاعتراف بالآخر لا يخرج عن كونه "اعترافاً" من الغالب بالمغلوب المتغلب عليه. هذا الواقع، بإحداثياته والتوقعات المستقبلية له، يطرح على المثقف العربي قضية ثقافته ـ التي هي ثقافة أمة تاريخية ـ ويطالبه بالانخراط في الحركة التاريخية الحاضرة لمناهضة العولمة، والتي ينخرط فيها مثقفون كبار من العالم كله، ومعهم عدد من كبار المثقفين العرب الذين يتعاملون مع هذا "المعطى العولمي" بكل ما يتطلّبه التعامل مع فكرة جديدة تعني المجتمع الإنساني مستقبلاً ومصيراً... وهم جميعاً، في ما يتمثلون ويحللون ويناقشون، يخلصون إلى أفكار ونتائج يعقدون حولها حواراً، مباشراً أو غير مباشر، في قضية تخصّ واقع الإنسانية الحاضر ومستقبلها، بما في ذلك مجتمعاتهم ذاتها. ولعلّها المرة الأولى التي يتزامن فيها المثقف العربي، فكراً وتفكيراً واهتماماً، مع المثقف في أنحاء أخرى من العالم، إسهاماً في الحوار الدائر حول قضية يرى فيها الجميع قضية الحاضر والمستقبل: العولمة ومستقبل الإنسانية... إذ ينطلق المثقف العربي، في إسهامه هذا، من شروطه القومية، الثقافية والحضارية ـ التاريخية، واعياً مسؤولياته، ومدركاً مخاطر ما يواجه مستقبله شعباً وأمة، ساعياً إلى إنضاج موقفه، وبلورة هذا الموقف على أسس حضارية ـ تاريخية.. جاعلاً من موقفه موقف توازن، على الرغم من إدراكه أنه يعيش في عالم تتحرك فيه "التوازنات" إلى صفّ "القوّة"... بل نجد هذا المثقف العربي يتقدّم إلى واقعه، كما إلى نفسه من خلال عمله ـ دوره الثقافي في مجتمعه، بمقترحات في مستويين: مستوى قراءة العولمة، ومستوى مواجهة العولمة ـ وهما أمران مهمان يرسمان/ ويؤكدان أبعاد الاستراتيجية الثقافية لهذا المثقف، حتى وإن تمّت، راهناً على نحو فردي، بعيداً عن أية صفة مؤسسية. ونلمس في عدد من الأمثلة والحالات مواقف تاريخية لهذا المثقف، يقفها بشجاعة ومسؤولية، بمعزل عن تلك التنازلات المؤلمة التي تقوم بها الأنظمة والحكومات، في وطنه العربي، في هذا الموقف وأشباهه. إنّ عديد المثقفين العرب يؤكدون اليوم على أهمية التمسّك بالثقافة القومية، ويشددون على تكريس فكرة الأمة القومية في ما لها من وجود ثقافي وتاريخ حضاري.. معززين أطروحاتهم في هذا المجال بتأكيد قيم الحريّة، وأهمية وعي هذه الحرية في شروطها الفكرية والثقافية والاجتماعية وعياً تاريخياً، في سبيل بناء اجتماعي ـ إنساني مسؤول ـ في مواجهة الطرح العولمي لفكرة "المجتمع العالمي المفتوح" الذي تتبناه أمريكا اليوم وتراه يضمن درجة من الحرية أكبر من تلك التي توفرها أيّة دولة بمفردها. ولكن، وكما يلاحظ الأمريكي "جورج سوروز"، فإنّ لأمريكا" أسواقاً عالمية" تحرص على تأمينها من خلال مثل هذا الطرح.. ولكن ليس لديها "مجتمعاً عالمياً". مشدداً على عدم إمكان "بناء مجتمع عالمي دون أخذ الاعتبارات الأخلاقية في الاعتبار". ولكي "نفعل هذا يجب علينا ـ كما يفترض "سوروز" ـ أن نهجر السعي الغافل وراء المصلحة الشخصية، ونوجّه بعض التفكير لمستقبل البشرية". قد تكون قوّة "عالمية السوق" قوّة تتفوّق على مواجهاتها المباشرة في الظرف الراهن. ولكن هذه "القوّة" لا تحول دون محاولة التخفيف من أثرها السلبي والحدّ من قدرتها الاجتياحية لواقع المجتمعات. ويمكن أن يتمّ لنا هذا من خلال مسألتين/ توجهين: ـ أولاً: بناء ما يدعوه المفكر اللبناني جورج قرم بـ"القومية الاقتصادية" التي يرى فيها عاملاً أساساً في نجاح المشروع النهضوي العربي الجديد، وفي تحقيق نهضة فعلية ذات أساس فكري، وفي تعزيز الوعي القومي وتأكيد الهوية القومية، ثقافياً وتاريخياً ـ في ما يمكن أن يكون للاقتصاد القومي العربي من دور في التغلب على التخلف والتأخر.. كما يمكن أن يكون أساساً للتعامل مع الحداثة التقنية والعلمية، وهو ما يشكل ـ برأيه ـ أساساً لتحول فعلي في نمط العلاقة الاقتصادية مع "الآخر ـ الغربي". هذا فضلاً عن أن هذه "القومية الاقتصادية" يمكن أن تشكل عاملاً فعالاً في تراجع عديد مظاهر التخلف الثقافي في الواقع العربي، هذه المظاهر التي يجدها قد أخذت اليوم حجماً أكبر مما كان لها في أية مرحلة سابقة من مراحل التاريخ العربي الحديث.. إذ إن تراجع العقلانية والفكر العقلاني قد أتاح لكثير من "الأفكار الضبابية" أن تنتشر. كما إن تراجع "المشروع القومي" شجع عديد الحركات اللاـ تاريخية على إعلان جسارتها على الفكر القومي، والهوية العربية، والثقافة العربية في ما لها من أصول حضارية. ـ وثانياً: العمل المستمر، بوتائر فاعلة وعميقة، على جعل "الثقافة القومية" تحتفظ بجذورها المتأصّلة في ما للأمة ـ من واقع تاريخي ـ ليس من خلال المحافظة على الأشكال والصيغ السائدة، وإنّما، وبدرجة أساس، بتأكيد الشروط الموضوعية للقيم التاريخية لهذه الثقافة ـ وهذه هي المهمة الكبرى أمام المثقفين العرب اليوم. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |