|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
حلف الاطلسي الذي أصبح محل نزاع بعد الحادي عشر من أيلول ـــ موسى الزعبي لقد أدخلت الهجمات التي حدثت في الحادي عشر من أيلول، على مركزي التجارة العالميين، والبنتاغون، الولايات المتحدة والعالم في ذهول، إذ تعرضت الولايات المتحدة، للمرة الأولى لضربة في عقر دارها، منذ بيرل هاربور(2). وكشفت الولايات المتحدة مع سقوط البرجين، عن عالم جديد، لم تتخيله من قبل. لقد أصبحت الحرب ضد الرعب، جواب أو رَدَّ إدارة بوش الابن على ذلك اليوم الجديد المخزي. ويصبح هذا شعاراً، كبداية ونهاية لسياسة واشنطن الخارجية، شعار نشأ عن ترجمة إيديولوجية شاملة للتهديد، كما مثل تحديداً شاملاً، وغامضاً للعدو، إلى أن أصبحت التعليلات متنوعة ومعقدة تلقائياً. وفسرت تصميماً راسخاً في قيادة هذا الصراع حتى منتهاه، لكن انطوى على مطمح خاطئ، بنصر عسكري نهائي، أو بحل تكنولوجي حاسم لا رجعة فيه. مطمح جرى فيه رفع العلم الوطني، كما جرى وبشكل موازٍ دعم أنظمة أيضاً، اعتبرتها واشنطن جديرة بالاحترام، لكن، لحد ما، مثلما هو الحال بالنسبة للجنرال مُشَرَّف، أو العائلة المالكة السعودية، من أجل الوصول إلى ابن لادن: فضلاً عن ذلك، فقد ترافق هذا الدخول في هذه الحرب، بالتأكيد مجدداً على المبادئ الديموقراطية، على نحو احتفالي. وجرى كل شيء، كما حدث بعد خطاب روزفلت حول الحريات الأربع، بتاريخ كانون الثاني عام (1941)، والذي أدى إلى وضع وثيقة حلف شمالي الأطلسي، استناداً إلى المذكرة الصادرة عن مجلس الأمن القومي برقم (68- NSC)، هذه المذكرة التي قادت إلى ما أصبح يعرف بالحرب الباردة. وما أشبه الأمس باليوم، فقد صبت استراتيجية الأمن القومي الصادرة بتاريخ (20) من أيلول عام (2002)، صبت الزيت على نار فن الخطابة المثالية الويلسونية، وبالتأكيد على شمولية العدل والحرية، في الوقت نفسه الذي يقوم فيه جون أشكروفت JOHN ASHCROFT بالتفنن في خفض شمولية العدل والحرية، على المستوى الداخلي ويعلن عن بزوغ رئاسة إمبريالية، تهتم قليلاً بتوازن السلطات الثلاث، التشريعية والقضائية والتنفيذية. وترجم ذلك الخطاب السياسي السخط المشروع، وأدخل الولايات المتحدة في مجابهة ضالة التوجه أو الوجهة. لكن التعلق بقيمة مطلقة وربطها بسببها أو دافعها ـ يؤدي إلى حمل بذور معقدة للإرهاب الدولي، وبالتالي إلى فهم عميق المبالغة بالأخطار والضلال. لقد ضم رد فعل واشنطن ارتكاسات تقليدية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وتجديدات جوهرية نوعية على إدارة بوش، فيما وراء الشعارات، فيجب الإشارة إلى الفكرة المانوية للعدو، والتفسير الشامل للتهديد، والرد الإيديولوجي على التحدي المفترض والتفاؤل دون صدع فيما يخص عاقبة الأزمة، من بين أوائل تلك الأفكار. لكن ما من جديد حقاً في هذا. فلم تقتصر خطابات بوش، خصوصاً تلك المتعلقة بالاتحاد، مثل ما جاء في خطابه في تشرين الثاني عام (2001)، عن معركة الولايات المتحدة لإلقاء القبض على ابن لادن وإسقاط نظام الطالبان. فتكون الولايات قد شرعت في تحليل شامل للتهديد، تماماً كما فعلت مع الشيوعية في نهاية أربعينيات القرن العشرين، وذلك باختياره تحديداً شاملاً "الإرهاب"، وليس عدواً معيناً "ابن لادن". لقد كانت النصيحة الخاصة لجورج بوش الابن، هذا الموازي للحادي عشر من أيلول ضمنياً، التالي: "إننا نعيش حقبة أخطار جسيمة، بل أيضاً مناسبات وفرصاً خطيرة، إنها حقبة مشابهة لما كانت عليه سنوات (1945ـ 1947)، عندما عملت الولايات المتحدة لوضع نفسها للدفاع عن الديموقراطية، والعمل على توسيعها، لتشمل اليابان وألمانيا، من أجل خلق توازن جديد للقوى لصالح الحرية(3). بعبارة أخرى، تكون واشنطن قد طرحت، موضوع الإرهاب، مقارنة عبارات العداء أو الخصومة بين الديموقراطيات من جهة وأعداء الحرية، من الجانب الآخر. وبتضمين العراق، وكوريا الشمالية وإيران، في (محور الشر)، يكون بوش قد وسع الحرب ضد الإرهاب، إلى تلك الحرب، أبعد من حربه ضد المسؤولين عن الهجوم على برجي نيويورك، والبنتاغون في واشنطن، وبرفع شبح شعار محور الشر، جامعاً بلداناً ليس لها أية علاقة بالإرهاب الذي هز نيويورك وواشنطن، تكون واشنطن، قد قدمت تصوراً جيوسياسياً كلاسيكياً، قائماً على أراضي وحدود، في حين، كان الإرهاب، ذو طبيعة تتخطى حدود الدولة، من حيث الجوهر، ومتعدد الأشكال. ومع تحديد، أخيراً، أنه يجب على كل واحد أن يختار معسكره، في هذه المعركة، ولم تترك إدارة بوش، للحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، إلا الاختيار، بين الامتثال والانقياد الضمني، أو التمرد المفتوح. وانخفض حقل الدبلوماسية البناءة، إلى حد كبير، ولم يعد قاصراً إلا على النقد المتبادل، وأكثر من التعاون المشترك، الذي انخفض كثيراً. لقد لَخَّصَ عضو البرلمان البريطاني الليبرالي السابق، شيرلي ويليامز (SHIRLEY WILLIAMS)، القلق، الذي يثيره شعار الحرب على (الإرهاب)، بقوله: "إذا قارنت إدارة بوش، عدوان الحادي عشر من أيلول، بجريمة ضد الإنسانية، فإنها تكون قد جمعت العالم، ليس بحرب حضارات، بل بحرب، من أجل الحضارة، لكن فإن بوش قد آثر أو انحاز إلى نزاع تقليدي بين دول، بوصفه ذلك الاعتداء كعمل حربي"(4). لقد فُسِّرَ التمييز للتهديد الإرهابي، من قبل إدارة بوش، إذن بالميل للقوة الأمريكية، نحو التفرعات الأولية، والشمولية دون تفريق، والتفاؤل دون صدع. لكن ما يجب أن يميز نوعية إدارة بوش، الطريقة في معالجة تلك التحديات التي جرى الكشف عنها، ويجب الإشارة هنا، إلى أن ما يسترعي الانتباه في إدارة بوش، من بين الإشارات النوعية، الثقة المطلقة تماماً بقدرة الولايات المتحدة على الهيمنة، والتصميم على اتخاذ القرار، من طرف واحد، أكان ذلك خيراً أم شراً، بالنسبة لمجمل العالم، ويؤدي ذلك إلى ريبة شديدة بالنسبة إلى المؤسسات الدولية ووسائلها، إذن، والتحالفات أيضاً، ويقود هذا، إلى احتقار الدبلوماسية، في العمق، فقد أصبح الإرهاب الشغل الشاغل الوحيد للبيت الأبيض، منذ الثاني عشر من أيلول، مما أدى إلى صراع مرير ضد الإرهاب الدولي، وأبعد من ذلك. وجب أن يقدم الإرهاب لإدارة بوش نموذجاً جديداً، سيفسر على ضوئه، بعد الآن، ليؤثر على مجمل العلاقات الدولية. لقد أصبحت الولايات المتحدة في حالة حرب، وأدى ذلك إلى تغيير في التوزيعة الأطلسية، بطريقة غريبة. فقد تحول التضامن الابتدائي، إلى عدم ثقة متبادلة، ثم إلى قسمة مفتوحة، فكان رد الفعل الفوري، لا سابق لـه، وللمرة الأولى في تاريخ الحلف. ويطلق الأمين العام للحلف، بمبادرة خاصة منه صرخة، مذكراً بالمادة (5) من المعاهدة، التي بموجبها، أي هجوم ضد أحد أعضاء الحلف الأطلسي، يعتبر هجوماً ضد جميع أعضاء الحلف. إن التضامن الذي تم التعبير عنه تجاه الولايات المتحدة، يعني على نحو خاص، تعزيزاً للروابط في مجال الاستخبارات وجمع المعلومات والتعاون بين أجهزة الشرطة، في سبيل الصراع ضد الإرهاب، ويبقى ذلك التعاون مثمراً، مما أدى إلى إفشال عدد من الاعتداءات بفضل ذلك التآزر، الذي لا سابق له، ومن أجل أن لا نشير إلا إلى مثال واحد، فإن 85% من حركة المرور البحرية، المتعلقة بالحاويات، هي اليوم مراقبة بشكل جيد، على طرفي الأطلسي، في حين لم يكن ذلك الرقم سوى 2% قبل ذلك الاعتداء. لهذا السبب، فقد أبعدت إدارة بوش، الحلفاء الأطلسيين من الخطة الثانية، وكل ما يتعلق بها. وقد كان البعد الأطلسي غائباً عن عملية (تثبيت الحرية) في أفغانستان، لأسباب أيديولوجية وسياسية وتقنية. وهذه الحال ليست المرة الأولى، أن يشاهد الحلف الأطلسي، وقد تَهَمَّش دوره. فقد شنت الحرب الأولى في الخليج، دون أن يشارك فيها حلف الأطلسي. وكانت التبريرات التي أُعْلِنت عن استبعاد الحلف، طريقة مستخدمة، وغير مسبوقة. إذ تمس الآراء المسبقة لإدارة بوش، تجاه الحلف الأطلسي، الدروس الموروثة عن الحرب في كوزوفو، وتمس في الحقيقة قدرة الحلفاء، على المساهمة في جهود الولايات المتحدة، دون مناقشتها، ولا كيف ستجري أحداثها. وعلى نحو موازٍ. يفهم عدد من بين الرسميين الأمريكيين، كيف يحافظون على هامش كلي للمناورة، في هذه الحرب ضد الإرهاب، وبوضوح، لا تعاني واشنطن أية حاجة تستدعي استشارة حلفائها. لهذا تحولت هذه اللامبالاة إلى قسمة، عندما قررت زمرة بوش، بأن نظام صدام حسين، يجب أن يستبدل، بحجة الحرب ضد الإرهاب، وانتشار أسلحة الدمار الشامل. وأحدثت الحرب على العراق أزمة خطيرة بين الحلفاء الأمريكيين والأوربيين، إلى درجة أن شبهها البعض بأزمة السويس عام (1956). إن تبدل الرابط بين طرفي الأطلسي ـ ليس قدراً محتوماً ـ بل على العكس، خياراً واعياً، قاسياً. ويقتضي فهم هذا الخيار، قبل كل شيء، بالتحقق من أفضليات الرسميين في إدارة بوش، وتحليل خياراتهم الاستراتيجية بعد ذلك، التي نشأت بعد الحادي عشر من أيلول، وتقدير آثار هذه الخيارات، وانعكاسها على العلاقات الأطلسية، أخيراً. رجال الرئيس من أجل فهم الأزمة الأطلسية، التي قَسَّمَت الديموقراطيات الغربية حول الموقف من العراق وشن الحرب عليه بعد حصاره وتجويعه، فإنه من الضروري التحديد المسبق للاعتقادات الراسخة، والمميزات والآراء المسبقة لعناصر إدارة بوش، وقوة كل فرد وتأثيره على البيئة الدولية بشكل عام، ووجهة نظره حيال الحلف الأطلسي بشكل خاص. من المعروف أن إدارة بوش قد تبنت برنامجاً دولانياً، نتج عن شروط استوحت أفكاراً من جاكسون، وقاومت الدولانية بصورة فطرية، وكذلك من الليبرالية الويلسونية، فقد شهدنا نوعية التيار الجاكسوني، مفسراً بعبارات معاصرة، فهو يوصي بالاستخدام الانتقائي، لكن بصورة ضخمة للقوات المسلحة، وبتقريب أكثر لأحادية الجانب، وإمبريالي كما يطري إلغاء المعاهدات غير المجدية للولايات المتحدة، من ثم الأحلاف الجبرية جداً، وإدارك أو إحساس بالتزام الولايات المتحدة، بإدارة التوازن الشامل، وفي التركيز على التهديد الوحيد الحقيقي، ألا وهو انتشار أسلحة الدمار الشامل. ذلك هو ما كان عليه بالضبط برنامج المرشح بوش، والذي يمكن أن يسجل بالمعارضة الكلية مع السياسة التي اتبعها كلينتون ومبادراته في السياسة الخارجية التي ارتؤيت بأنها كانت كارثية من وجهة نظر بوش. فكانت قراءة أزمة كوزوفو كاشفة عن هذا التنافر، أو التضاد بين فريق عمل كلنتون وإدارة بوش الجديدة. ويجسد ذلك التنافر أزمة حلف الأطلسي، في جزء كبير منها، والكامنة منذ الحادي عشر من أيلول، والواضحة للعيان بشأن النزاع في العراق، واحتلاله مخالفاً لكل الشرائع الدولية. لقد كان تأويل النزاع في كوزوفو معبراً وذو مغزى، من قبل المقربين من المرشح بوش للرئاسة، خاصة فيما يتعلق بالأثر الحاسم لدروس الماضي، والوزن السابق في فهم وإدراك عمل الأداة الدبلوماسية والعسكرية في الحلف الأطلسي. فقد جمع هذا النزاع الشطط الاستراتيجي والسياسي بالنسبة للمحافظين وأنصار السياسة الخارجية القائمة على القوة، وليس على المعايير والأسس الدولية، خاصة فيما يتعلق بالمصالح الأمريكية. وكان هناك مظهران محل نقد بصورة علمية من قبل الجمهوريين. الأول، يتعلق باستراتيجية أقل الأخطار التي كان يتبعها كلنتون، والتي فسرت بأنها استبعاد للقوات البرية، قبل بداية الأعمال العدوانية، وتبني الضربات "السياسية" ضد النظام في الصرب. واستخدام القوة لغايات سياسية ـ القصف في سبيل جلب ميلوسوفيتش إلى طاولة المفاوضات ـ وليس لغايات عسكرية ـ تدمير القوة المسلحة الصربية ـ وكان خياراً، كما شاهدنا، كرد على حاجات سياسية، سواء داخلية أم أطلسية، بالنسبة للانتقادات الموجهة للحرب في كوزوفو، فقد نشأت هذه القرارات عن أخطاء في تقديرات استراتيجية جمة. وقد أثبت ذلك النزاع في نظر المؤسسة ضد كل ملاءمة لعقيدة كولن باول التي تطري الاستخدام الكثيف للقوة المسلحة، لكن بصورة انتقائية. الانتقاد الثاني، استهدف عدم تلاؤم حلف الأطلسي، مع متابعة العمليات العسكرية. وحمل الانتقاد هنا على الأداة ذاتها، التي كانت مستحدثة. واعتبر الصقور الأكثر في إدارة بوش، أن الحرب كانت شأناً مجدياً تماماً، ليعهد بها إلى الحلف والحلف هو حلف الأطلسي. ولم يكن الحلم الويلسوني، المتعلق بالأمن الجماعي باسم حقوق الإنسان، بالنسبة لهم، سوى كابوس، للمقدرة الأمريكية. فقد وجه الجمهوريون اللوم للحلف الأطلسي، منذ بداية النزاع، وعملوا على تحميله جميع الارتباكات الخاصة بالنزاع. وبوضوح تام، فلا يمكن شن حرب، تكون الأهداف الاستراتيجية محل تفاوض ومناقشة، بوجود (19) عضواً حول طاولة واحدة، فواشنطن وحدها عليها أن تكون القائدة, وقد عبرت القوات الحليفة عن كل تنافر في نظر المسؤولين الجدد في البنتاغون، في حرب تحت إشراف لجنة غير متجانسة)، وقد برزت هذه العبارة المحقرة في أوساط المحافظين، ودلت على أن واشنطن لا ترغب مطلقاً بشن حروب مع تحالف، مع ذلك، بقيت عملية قوات الحلفاء نصراً بالنسبة لحلف الأطلسي، حتى إذا لم تكن نجاحاً سياسياً محسوماً، مع وجود الخلافات بهذا، تعلن أوساط جماعات البيت الأبيض الجدد، يجب أن لا يتكرر مثل هذا النجاح مطلقاً، ويجب على واشنطن أن تحافظ بأن تكون أيديها حرة من أجل اتخاذ القرارات حسب أفضلياتها الاستراتيجية إلى أبعد الحدود. ولا يتضمن ذلك عمليات إعادة المحافظة على السلام. ويعكس انخفاض قيمة الحلف في نظر مجموعة البيت الأبيض الجدد، عدم الثقة العميقة، تجاه العمليات الإنسانية، التي يتم الشروع بها باسم الجماعات الدولية الوهمية، ومن أجل الأمن الجماعي الحالم. وتفسر رأيهم المسبق، ضد تعددية الجوانب في هذه الليبرالية التي يدافع عنها الحلف، في البلقان، خيراً كان ذلك أم شراً. وقد وجهت الإدارة الجديدة، إلى الأوربيين رسالة لا غموض فيها، بالعمل على جعل الحلف كبش فداء للسياسة الليبرالية المحددة بالقوة. وقد أخطرت كونداليزا رايس، في الواقع، الحلفاء، أثناء الحملة الانتخابية: "إن الفرقة (82) المحمولة جواً، لم تشكل، من أجل مساعدة الأطفال على اجتياز الطرق". وهذا يعني، من جهة، أن الجوهري في إعادة البناء والاستقرار، سيكون على حساب الأوربيين، من جهة أخرى. وسوف يتم التزام الولايات المتحدة في نطاق الحلف، بعد اليوم، بتقدير ذلك، على ضوء المصالح الاستراتيجية الوطنية وليس الأطلسية. فالشراكة التي تتوقعها واشنطن، تمنح الأوربيين، اقتصار دورهم، على قسمة للعمل بينهم مع الولايات المتحدة، التي تلتزم بالتكنولوجيا عالية الشدة، واقتصار الدور الأوربي، كحارس للسلام. وأصبح الحلف كخزان لقوات مندمجة، لكن خليطة، حيث تشكل المهمة الوحيدة التي تناط به، المحافظة على السلام الذي تفرضه واشنطن بالسلاح. لقد مَثَّل انتقاد الجمهوريين، تجاه حلف الأطلسي، تجديداً مزدوجاً: من جهة يتعلق بالأداة نفسها. لقد كان إذن جدياً، خصوصاً، طالما أنه صحيحاً، بأن الحلف، ليس له من معنى إلا في نظر الموقعين عليه. من جانب آخر، فالنقد القادم من واشنطن كان المصدر لطريقة مستحدثة. لقد كان الاعتراض من قبل العضو الأقوى في الحلف، مؤذياً أكثر، من الانسحاب وشكل الإبلاغ عن الضغوط من أجل التكامل العسكري، المرحلة الأولى، من خفض قيمة توقيع الولايات المتحدة وإلا طلقة الإنذار الأولى في اتهامه النهائي. لأنه، وبالتوازي، قد استنتجت الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة، انخفاض القيمة الاستراتيجية لأوربا بعد سقوط جدار برلين، وإعادة السلام للبلقان. وأطرى البعض في واشنطن عدم الالتزام بعد اليوم لأوربا التي هدأت فوجب على الولايات المتحدة أن تعثر من جديد على دورها بالالتزام بالحد الأدنى، وبشكل يتميز طبقاً لتطور مصالحها، في هذه اللعبة الدبلوماسية. ووجب على الولايات المتحدة، تحديد علاقتها التجارية، على ضرورات التجارة الدولية، وتجنب كل "التزام دائم" أمام حاجات مقسمة، من أجل سيطرة أفضل وتكون بذلك مخلصة لتقليد جورج واشنطن(5). وأبعد من القراءة المشايعة لهذا النزاع، كان فريق عمل بوش مشكلاً من اتجاهات متعددة، ينتمون إلى أصحاب الميول المحافظة في الولايات المتحدة، الأكثر بروزاً ـ المحافظون الجدد ـ وكما يشير اسم ذلك الفريق، مستحدث نسبياً في نطاق السلطة في واشنطن، في الحقيقة، هناك، ثلاثة فروع متميزة عن بعضها في نطاق إدارة بوش. العنصر الأول، الذي ربما يمكن أن يوصف بالوطني، يمثله نائب الرئيس رتشارد شيني (RICHARD CHENEY)، صوت حذر ومتروٍ، لكنه متنفذ وذو مكانة. ويمثله أيضاً دونالد رامسفيلد، (DONALD RUMSFELD)، أمريكي من أصل ألماني، "لا يتصف كثيراً بالهدوء (NOT SO QUIET) كما و صفته جريدة الإيكونومست. وكونت هذه الشخصيات، مجرى حياتها خلال حقبة الحرب الباردة، وحضرا نهاية الإمبراطورية السوفياتية، واستخلصا منها بعض العبر والقناعات العميقة. ويعتبران أيضاً، أن السيطرة على التسلح، التي كانت تشغل الأساس في الجهود حيال الاتحاد السوفياتي، كانت وهماً أو فكرة كاذبة، وبأن الوكيل الوحيد للقوة، هو الذي سمح بالانتصار في الحرب الباردة. وبالطريقة نفسها، فإن الانفراج، في سبعينيات القرن العشرين، يبدو لهما، كاستراتيجية لا طائل تحتها، لأن معارضة الاتحاد السوفياتي كانت متعذرة التبسيط. فإذا كانت قد خضعت، فهذا لأن الولايات المتحدة، كانت أقوى، اقتصادياً، بل خاصة عسكرياً. وكانت استراتيجية حرب النجوم التي تبناها ريغان، العنصر الحاسم في سقوط الإمبراطورية السوفياتية، في نظرهم(6). إذن، فالقوة العسكرية، هي أساسية في العلاقات الدولية. وبأنها تتحكم في شروط نجاح كل سياسة، وبدونها ليس للدبلوماسية أي معنى. المجموعة الثانية، من مجموعة المحافظين الجدد، والمدموغة إيديولوجيَّاً أكثر، متمثلة، بشخص معاون وزير الدفاع بول وولفو ويتز (PAUL WOLFOWITZ)، ومساعده دوغلاس فيث (DOUGLAS FEITH)، وتعتبر هذه التبعية للنزعة المحافظة في الولايات المتحدة، أن القوة العسكرية، يجب أن تكون موضوعة لخدمة توسع الديموقراطية في العالم، فالأمن الأمريكي يمر عبر طريق إعادة تركيب المسرح الدولي، على صورة الولايات المتحدة، وفي هذه الشروط فقط، سوف لن تكون الولايات المتحدة مهددة. وهم يشجعون اتساع (إمبراطورية الحرية)، حسب تعبير توماس جيفرسون (THOMAS JEFFERSON)، بالاستناد إلى تقليد يرجع إلى روزفلت، وإذا لزم الأمر عن طريق السلاح. فالحرية في الولايات المتحدة، حجة شرعية للحرب الصليبية، فهي ليست مثالاً فقط بالنسبة للعالم أجمع. وبالإعلان عن (ويلسونيتهم السوقية) حسب تعبير بيير هاسنر (PIERRE HASSNER)، فقد عملوا على التخطيط لقلب نظام صدام حسين، قبل الحادي عشر من أيلول(7). ولقد دافع وولفوويتز، من أجل شن حرب على العراق في عهد كلنتون، لكن دون نجاح، تحت ذريعة كاشفة واسم موحي "تأمل في ضربة دبابة" (THINK TANK). من أجل (القرن الأمريكي الجديد) الذي يجب أن يمتاز بالهيمنة الأمريكية. واستخدمت هذه المجموعة الحادي عشر من أيلول، كذريعة، لتقديم أجندة، تتجاوز كثيراً الصراع الوحيد، ضد الإرهاب، وكان هدف هذه المجموعة، النهائي، إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، بما يتلاءم مع استراتيجية الولايات المتحدة، بحجة الدَمَقْرَطة، وبالتالي جعل الولايات المتحدة، تناط بها مهمة تغيير النظام الدولي. هذه الفلسفة الويلسونية، تبرز، مع ذلك، عن مبدعها المشهور ريشار بيرله (RICHARD PERLE)، وتتركز حول نقطة رئيسة تطبيق الاستراتيجية بعيدة الأهداف. هذا، في حين كان وودرو ويلسون (WOODROW WILSON) يعتبر أن مثل هذا الاستخدام يجب أن يستند على رضا أو موافقة الأمم، والشرعية الدولية، والرأي العام. وقد اختبرت هذه الجماعة، التردد نفسه، تجاه المؤسسات الدولية، مثل منظمة الأمم المتحدة، وليس عن طريق الهم بشأن الاستقلال الذاتي، كالقوميين، بل أكثر بساطة، بسبب أن هذه أظهرت عجزها أمام القيام بواجباتها، وبالنسبة إلى المحافظين الجدد، أظهر اعتداء الحادي عشر من أيلول، أنه يجب فرض الديموقراطية بالقوة، في بلدان، حيث كان فيها الحكم قد تعرض للإخفاق، وبأنها كانت تمثل في هذا الواقع تربة صالحة للإرهابيين. وهذه المجموعة الأخيرة، تقليدية أكثر، ويمثلها كولن باول (COLIN POWELL)، وزير الخارجية وعلى نحو أفضل. فهو يصف نفسه، كجمهوري معتدل، ولم يخف مطلقاً تردده أو تحفظه، حول استخدام القوة. فهو، يعرف، بصورة أفضل، النتائج، من أي شخص آخر. فهذا الجنرال القديم، أظهر حضوراً أثناء أزمة الخليج الأولى، فهو عسكري جيد، لكنه يخضع في نهاية الأمر لأوامر رؤسائه، الذين كانوا في ذلك الوقت بزعامة جورج بوش الأب. فإذا كان قد أظهر حذره حول استخدام القوة، إلا أنه يعتقد، إذا تطلبت الظروف، هذه القوة، فيجب أن تكون مستخدمة بكثافة شديدة. وتعتبر العقيدة التي تحمل، في الواقع، اسمه، أنه يجب عدم العبث بالقوة المسلحة، وأنه من الواجب على العسكري، أن يضع نصب عينيه، جميع خطوط النجاح، إلى جانبه. وقد سُمّيَ على رأس وزارة الخارجية، فإن كولن باول، أظهر أنه مهموم بشأن إقامة تحالف دولي ضد الإرهاب. وهو بذلك، يعبر عن واقعية حذرة في دبلوماسية الولايات المتحدة، ويفضل المصالحة والتوفيق العملي، على حساب المعارضات الإيديولوجية، ومفضلاً التطورات التدريجية، على التطورات الفجائية أو المباغتة. وقد لعب درواً حاسماً، في قرار جورج بوش الابن، بالمرور عن طريق منظمة الأمم المتحدة، في الأزمة العراقية، لكنه كان على الدوام يُقْطع عليه الطريق من قبل رامسفيلد، المصمم على القيام بتلك الحرب، مع أو بدون ضمان موافقة أعضاء مجلس الأمن، ويتخلص الخلاف بين وزارة الدفاع، ووزارة الخارجية، بالنسبة إلى الأزمة العراقية، لحد ما، بالطريقة التالية: فالبنتاغون يفضل تحقيق أكبر قدر ممكن نتيجة الحرب واستخدام القوة، أما الثانية فتفضل أن تكون الحرب، أصغر حرب ممكنة(8). وأصبحت العلاقات بين الوزارتين، صعبة على الدوام. ووصلت التوترات إلى الذروة. تحت قيادة بوش، مرات عديدة. ويبدو، في الواقع، أن هذه المعارضات أصبحت مقبولة، أو محل تساهل، أو حتى مشجعة من قبل الرئيس نفسه. فعلى الرغم من تباعدهما، فهذه الخلافات المركبة في الإدارة، تقسم بعض القناعات. فالجميع مقتنع بتفوق الولايات المتحدة، كما للجميع ثقة بقوة الولايات المتحدة المسلحة، والكل يرفض السياسة الخارجية الدولانية الليبرالية، التي اتبعتها إدارة كلنتون. ومن وجهة بوش، فله خبرة قليلة، في الشؤون الدولية. فقد حدد أفضليات الولايات المتحدة الجديدة، أعني إدارة العلاقات مع الفاعلين الدوليين الكبار ـ روسيا، اليابان، أوربا، أثناء حملته الانتخابية. ووجه اللوم لكل تدخل للولايات المتحدة بهدف المحافظة على السلام، الذي برأيه، لا يؤدي مثل هذا التدخل، إلى تحقيق المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة(9)، وكان يحث، على نحو خاص، على إيجاد هامش مناورة في السياسة الدولية، وفي التحرر من الأنظمة ومن المعاهدات الدولية، التي تعتبر على أنها مجبرة. وما أن تم انتخابه، حتى سارع بوش، في تطبيق تلك الأجندة، من جانب واحد، مع عجلة، غير متوقعة. فتم التخلي عن المعاهدة الخاصة، بالصواريخ، المضادة للصواريخ البالستية (ABM) الموقعة مع موسكو، عام (1972)، من أجل إطلاق برنامج الدفاع ضد الصواريخ (NATIONAL MISSILE DEFFENCE) (NMD) الذي يتوجب أن يسمح اتقاء الصواريخ التي تطلق ضد أراضي الولايات المتحدة. وكما رفضت الولايات المتحدة، محكمة الجزاء الدولية، بحجة أن العدل لديها، يتمتع بالاستقلال الذاتي، وبأن ليس على جنود الولايات المتحدة أن يردوا على أي أفعال ارتكبوها، إلا أمام قاض تابع للولايات المتحدة. ورفض بروتوكول كيوتو في مجال البيئة، حتى أنه لم تتم مناقشته من قبل الإدارة الأمريكية. إذن كانت الأشهر الأولى، من إدارة بوش، متميزة، باحتقار أظهرته تجاه المصالح الجماعية في العالم، وبإعادة التأكيد على تفوق قوة الولايات المتحدة، التي لم تعد بحاجة للآخرين، من أجل بلوغ أهدافها إجمالاً. فهذا الظرف الذي نشأ على أعقاب الحادي عشر من أيلول، أصبح غير ملائم علمياً، بالنسبة لحلف الأطلسي. ولم يعمل إلا على تعزيز القناعات المسبقة، والحكم المسبق، أو بدون رؤية من وجوه عديدة، والموجودة قبلاً من إدارة بوش، تلك الإدارة التي تنفي الإرث الذي جرى منذ عام (1945) من جديد، وبدا أن هذه الإدارة، قد أدارت ظهرها للنظام والمؤسسات الدولية، التي ساهمت في إقامتها الولايات المتحدة بطريقة حاسمة. الخيارات الاستراتيجية لواشنطن لقد برهنت الولايات المتحدة، عن صعوبات لفهم ما حدث لها، قبل كل شيء، بعد أن، طُعِنَت في الصميم. فكان التهديد الإرهابي، غائباً عن الحوارات الاستراتيجية في الولايات المتحدة، وحتى أنه لم تكن شخصية ابن لادن، محل اهتمام الدوائر المحددة بالمسؤولية عن مكافحة التجسس في الولايات المتحدة. ومزج رد الفعل الأول، لدى الرأي العام الأمريكي، بين الشك والسخط. وما أن جرى هضم تلك الصدمة، حتى جرى توجيه هجوم الإدارة، وهذا طبيعي، ضد طالبان أفغانستان. ولم يكن حلف الأطلسي، معنياً في ذلك النزاع. فقد أَمَّنَ البنتاغون، وحده، التخطيط، ومجرى العمليات العسكرية. وبقي أن المشاركة البريطانية، كانت ضرورية بـ (1700) رجل فقط، وبات التعاون مع الحلفاء الآخرين "الطيران فوق المناطق، والمعونات اللوجستية، والدعم الطبي" أنها هامة. فهذه الحرب اعتبرتها بعض المجموعات الدولية، أنها مشروعة، وبأنها كانت تدور خارج البيئة الأطلسية. وإذا كانت هناك أسباب تقنية لتبرير مثل هذا الاستبعاد، فالحجج المقدمة، كانت حججاً سياسية، بشكل رئيس. فكانت تلك الحرب، حرباً أمريكية، وكانت مشاركة الجميع فيها، محل ترحيب، لكن واشنطن، كانت تصر على تحديد أهدافها، من الحرب لوحدها(10). وكان الأمر بالنسبة لها، يتعلق بممارسة حقها بالدفاع المشروع الفردي، وليس الجماعي. وعلى الرغم من الاعتراضات على ذلك، طبقاً للمادة (5) من ميثاق حلف الأطلسي، التي تشير إلى التضامن والاسترشاد بها، فإن واشنطن، كانت تنتظر أو تتوقع، أن تعتمد على تحالف لهذا الغرض، أو من أجل ذلك، بتجنب الأجهزة المعقدة والثقيلة جداً، بهذا الصدد، والخاصة بمؤسسة، كما هو الأمر بالنسبة لحلف الأطلسي. ولعب الإرث الذي نتج عن كوزوفو، لعب دوراً حاسماً، في هذا الخيار. ويجب التنويه بهذا الصدد، إلى خيار الولايات المتحدة في تفويض النظام الباكستاني تحت حكم الجنرال مشرف، الذي كان الداعم الرئيس للطالبان، في يوم من الأيام، للقيام بمهمات تحدد من قبل البنتاغون، خاصة من أجل السيطرة على حدود باكستان، وكان لهذه الاستراتيجية، التي أعطت دوراً هاماً لباكستان، ليس فقط في سبيل العمل على إلقاء القبض على ابن لادن أو قتله، بل، من أجل العمل، على نحو خاص، ما بعد الحرب، بتكليف من الولايات المتحدة. لكن، ما أن جرى اندحار نظام الطالبان، برهنت الولايات المتحدة على وجود مصاعب لا تنقطع، في سبيل استقرار الأوضاع، وذلك بالتركيز على العمليات العسكرية، التي حققت بعض النجاحات لكنها، نجاحات باهظة الثمن، من أرواح العديد من الأبرياء، على الرغم من التحذيرات التي تضاعفت في وسائل الإعلام، والتي كانت تدين الإفراط في استخدام القوة، وحوادث قتل الأبرياء العزل. مع ذلك، فإن إدارة بوش، لم تعبأ بتلك التحذيرات. ولم يضمن بوش، سوى خدمة، بالحدود الدنيا، في بناء أفغانستان، أكثر ديموقراطية وتعددية. وترتاب تجاه أمة لا تضمن ولاءها. وهكذا أصبحت اللامبالاة وعدم الاهتمام، فلم تقدم لأفغانستان المساعدات المطلوبة في ميزانية عام (2003). وجرى إصلاح هذا الإهمال، لكن بتركيزه على المفهوم العسكري تماماً، في الصراع ضد ما يسمى بالإرهاب، حيث تبين أن البنتاغون، وليس وزارة الخارجية هو الذي كان له اليد الطولى في السيطرة على الشؤون الخارجية، وفسر قرار واشنطن باستبعاد حلف الأطلسي، بعدم الثقة تجاه مؤسسة، لم تقم بدورها أثناء أزمة كوزوفو في نظر واشنطن. وإذا قدرت إدارة بوش الأب بأنها لن تعدل فريق عملها، الذي حقق النجاح، من وجهة نظرهما فقد اعتبرت إدارة بوش الابن، أن حلفاً لا يحقق النجاح، فهو عقبة غير مفيدة، والأفضل الاعتماد على استقلالية العمل في الصراع ضد الإرهاب، وهذا أمر لازم. ورسم هذا الخيار منعطفاً، رئيساً، في المفهوم الأمريكي تجاه ذلك الحلف، الذي كان له في السابق الأفضلية في العلاقات الاستراتيجية للولايات المتحدة. مع ذلك، يجب الملاحظة، أن حلف الأطلسي، قد أخذ على عاتقه عمليات الاستقرار في كابول، منذ ربيع عام (2003). والمحافظة على النظام، أصبح بعد اليوم، يؤمن فيها من قبل جنود هولنديين وألمان. كما أصبح الحلف الأطلسي، المسؤول عن هؤلاء. وبهذا تكون قد تأكدت قسمة جديدة للعمل، منذ النزاع في أفغانستان والتي تم تجنبها في البلقان؛ وأصبح على الأمريكيين، القيام بتحمل مسؤولية المعركة، وبأعلى شدة، في حين، أصبح على الأوربيين واجبات المحافظة على السلام. وشكل مثل هذا الانفصال، خطراً رئيساً، بالنسبة للترابط الأطلسي. وبمقدار ما يكون هناك اتفاق على الأهداف، تصبح استراتيجية العمليات، خطراً على المضمون، لكن في حالة عدم الاتفاق حول الشرعية لهدف ما، مثلما كان عليه الحال في الحرب على العراق، تصل روابط التضامن إلى حدودها الدنيا. وهكذا أصبح الحلف كخزان لقوى مندمجة لكن اندماج شاذ، حيث تشكل المهمة الوحيدة التي تناط بالحلف، للمحافظة على السلام، وإن واشنطن وحدها، هي التي تفرض ذلك ولو بالقوة. لقد كشفت إدارة بوش، عن استراتيجيتها من أجل التصدي لتهديد الإرهاب، شيئاً فشيئاً، والإبعاد عن حالة العمليات العسكرية، في أفغانستان. هذه الاستراتيجية، مستنبطة من وثيقة صادرة في شهر أيلول عام (2002)، تحت شعار "استراتيجية الأمن القومي" (NSS)، وتقرر، أن كل إدارة ملزمة أن تقدمها للكونجرس، وهذه الوثيقة، ليست فقط للممارسة الشكلية أو الإدارية، بل تشكل المرجع، أو السند، في مجال السياسة الخارجية، بالنسبة للرئيس. وأخذ ذلك المرجع معنى خاصاً كلياً، بعد الحادي عشر من أيلول عام (2001). وتنطلق الوثيقة من بنية بسيطة وعادية، بالقيام بوضع صيغة خاصة ومستحدثة، للفضائل الإمبريالية والضرورات الواقعية: "تفَوّق الولايات المتحدة، أمر محقق. ويتعلق الأمر، قبل كل شيء، الإظهار للإرهابيين، إن هجوم الحادي عشر من أيلول، لم يزعزع قوة الولايات المتحدة، ومن بعد، طمأنة الرأي العام في الولايات المتحدة، تجاه حالة الاتحاد. أخيراً، التأكيد من جديد، على عزم واشنطن على تحقيق هزيمة أعدائها". فإذا كانت قابلية قوة واشنطن للتعرض للخطر، قد بانت، أثناء الاعتداء، تبقى الولايات المتحدة، واثقة من وسائلها العسكرية، وفي الثقة بأفكارها الديموقراطية. ليس فقط، لأن هذا التفوق، قد أصبح مضموناً، بعد اليوم، بعد انهيار الإمبراطورية السوفياتية، بل وجب على الولايات المتحدة، أن تقوم بكل شيء، من أجل المحافظة على ذلك، ومن أجل إثباط همم المنافسين المحتملين. وتنتظر واشنطن، استخلاص العبر، من موقعها المهيمن، من أجل الصراع ضد الإرهاب الدولي. ويمكن أن تبدو القدرات الأمريكية واضحة، وهي، في الحقيقة، حاسمة، لدى معاينتها. وأصبحت هيمنة الولايات المتحدة بعد اليوم، امتيازاً لها، ويجب المحافظة عليها، في حين كانت في الماضي حافزة للاستفهام، وأحياناً حجة للتراخي. وأصبح "التفوق بحجة الموافقة على الحرية والديموقراطية" والمحافظة عليهما في قلب الاستراتيجية الأمريكية. ويرجع هذا التعبير إلى أبوه كونداليزا رايس (CONDOLEEZA RICE)، ويرمز إلى الحصيلة الناقصة، وإلى اعتبارات مستحيلة تماماً، ناتجة عن أفعال أنصار النزعة الوطنية الأكثر عدوانية، ممن يفضلون القوة على الدبلوماسية، حيث يفضل المحافظون الجدد، توسعاً إمبريالياً للقيم الديموقراطية الأمريكية، في حين يشعر الواقعيون الكلاسيكيون، بقلق أكثر، من النتائج المشؤومة التي يثيرها فقدان التوازن في علاقات القوة. إذ تؤكد رايس، أن الفلسفة في العلاقات الدولية، تكشف عن هذا النوع الخير من فقدان التوازن، ويترجم تطورها. فالتركيز الآنف على المجموع الجيوسياسي الكبير، يعني الإعلان بعد اليوم عن تبدل إلى (إمبريالية ديموقراطية)، وبإطراء ذلك من قبل المحافظين الجدد(11). فالتفوق من أجل خدمة الحرية، يكمن هنا، بالتنسيق الوحيد بين المثالية الويلسونية، وبين امتيازات القوة، وأصبح القلق الناتج عن استراتيجية الانصراف نحو المخرج الاستراتيجي (EXIT STRATEGY) وعن الأفكار الثابتة عن الخطر الأقل، والتي ميزت فترات إدارة كلنتون خلال سنوات تسعينيات القرن العشرين، أصبح لا وجود لها بعد اليوم. وإذا كانت الخطابات المثالية حول العولمة وشمولية حقوق الإنسان، مرتدة باتجاه معاكس في الوثيقة، فالغياب المطلق تماماً من كل مرجع لأوربا، وللحلف، أو كل ملاك متعدد الجوانب هو براءتها. وينجم هذا الإحساس بكل القوة الأمريكية عن استطراد الحلفاء. وتتطابق التهديدات الجديدة مع عقيدة بوش، في الزمن الآخر، والتي أصبحت الولايات المتحدة في مجابهة معها اليوم، فبالنسبة لواشنطن، فالتهديد الأكثر جدية ضد أمنها، يكمن في التنسيق بين الإرهاب، مع التكنولوجيا والاستبداد. وكان التحديد النوعي للعدو قبل الآن، قد أشير إليه، فهو حاسم. وبربط طبيعة النظام السياسي مع أخطار الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل الكثيف، فإن الاستراتيجية الأمريكية توجه الاتهام إلى أُسِّ الردع من جديد جزئياً، وهذا لم يكن للأسلحة نفسها فقط التي كانت مستهدفة قبل الآن، بل أيضاً أولئك الذين يحتفظون بها. بعبارة أخرى، فقد أكدت الإدارة الأمريكية على مفهوم للردع جديد، وذلك باعتبار أن بعض المسؤولين لا يستطيعون التحرك بطريقة عقلانية، ويقبلون لعبة الردع، وبهذا التفسير أو التحليل انطلق إذن من مبدأ مؤكد، بأن الإرهابيين لا يمكن أن يصبحوا مردوعين، لكن يحدث ذلك بمشاركتهم بمسؤولين دوليين من الدول "المارقة أو السوقية". ووسعت واشنطن كذلك حقل ممارستها للمجابهة. ولم تعد واشنطن قادرة على تحمل الأخطار التي تنتج بأن تقع هذه الأسلحة بين أيدي معادية لها. عندئذٍ يجب استهداف ناشريها من الأقوياء ـ مثل إيران وكوريا الشمالية. وقد فتح هذا الجمع بين الاستبداد، وانتشار أسلحة الدمار الشامل بين الدول (خائرة القوى) والدول المارقة، الباب، على أحد الجوانب الأكثر جدلاً في استراتيجية الولايات المتحدة "الاستخدام الوقائي للقوة". وتحدد استراتيجية الأمن القومي الصادرة بشهر أيلول عام (2002) وبدقة، شروط هذا الاستخدام الوقائي للقوة. فتحدد الوثيقة بدقة، أن "أعداءنا يعتبرون أسلحة الدمار الشامل كأسلحة مختارة، فيجب علينا أن نعد أنفسنا لوقف الدول المارقة وزبائنها من الإرهابيين، قبل أن يصبحوا على قدرة من تهديدنا باستخدام هذه الأسلحة، ضدنا". بعبارة أخرى، يتبنى البيت الأبيض استراتيجية سابقة التأثير ضد انتشار أسلحة الدمار الشامل، وذلك بتحديد نوع التهديدات قبل أن تتحقق هذه التهديدات. لأن أفضل دفاع هو الهجوم(12). وأشار عدد كبير من التحليلات، أن العقيدة الوقائية، لم تكن قابلة للتطبيق، إلاّ في حالة ربط جيد يقام بين دولة (مارقة) والإرهابيين. وكانت الشروط تلك التي توضحت في الوثيقة، محددة بصورة جيدة(13). فإنها عززت، في الواقع، دور مقاومة الجاسوسية، والمعلومات والاستعلامات، حيث أصبحت المهمة، إقامة هذا الرابط بدقة. إذن استندت هذه الاستراتيجية، على شرعية وملاءمة المعلومات التي يمتلكها المسؤولون. وأصبحت نزعة تفسير هذه المعلومات طبقاً لآراء مسبقة مهيأة، ورفض العلامات غير المطابقة، بالنسبة لإدارة أيضاً إيديولوجية، أصبحت كبيرة، وهذا ما كان عليه حال الموقف من العراق. لكن لم يكن اختيار الحكم المسبق، شيئاً جديداً مطلقاً. فقد خضعت الولايات المتحدة، في الماضي، لمثل هذه المبادرات، كما حدث في غواتيمالا، عام (1954)، وفي كوبا عام (1961)، وفي التشيلي عام (1973). لكن الوثيقة توجه الاتهام، من جديد، في صياغتها، إلى الشروط التقليدية للقانون الدولي في مجال الدفاع المشروع. فهذا القانون المذكور، في مادته (51) من ميثاق منظمة الأمم المتحدة، لا يعطي الحق بالدفاع المشروع إلا إذا كان وجود الخطر قد بوشر بتحقيقه. واستطاعت هذه الفرضية أن تعطي الحق لدولة ما بممارسة هذا الحق(14). ومع اعتبار أن الأعمال الوقائية أصبحت مبررة "حتى في حالة عدم اليقين، فيما يتعلق بلحظة الهجوم من قبل العدو، والمكان المستهدف"، تفترض الوثيقة القراءة ذات الامتداد الأقل في تفسير الحرب العادلة (JUS AD BELLUM)، وزالت علامة هذا التفسير بسرعة في الممارسات الداخلية بصورة جذرية. كذلك، عندما دمر الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، المجمع النووي (أوزيراك) في العراق، عام (1981)، فأدان مجلس الأمن، التابع للأمم المتحدة، بالإجماع، هذا الهجوم الوقائي. وقارنت سفيرة الولايات المتحدة، في منظمة الأمم المتحدة جين كيركباتريك (JEANNE KIRKPATRICK)، في تلك الفترة، هذا الهجوم الصهيوني، بالغزو السوفياتي، لأفغانستان. لكن أصبح المخطط القانوني المباشر للعقيدة الوقائية، محل تساؤل، وأثار تطبيقه على العراق قسمة عميقة. وإذا كان صحيحاً أن الردع لا يردع انتشار أسلحة الدمار الشامل، فإن استراتيجية الحرب الوقائية، تمثل حدودها الخاصة وتنافراتها، قبل كل شيء، تتعرض أسلحة الدمار الشامل للخطر الجلي، بإحداث الاستخدام للأسلحة التي تتمنى تدميرها. وبوضوح، فالخطر أكبر بأن يستخدمها الخصم. في النزاع العراقي، كانت أحد المظاهر المدهشة الأكثر في تلك الأزمة، غياب رد الفعل لدى صدام حسين، مع أنه كان بحاجة إلى التهديد باستخدام تلك الأسلحة على ذلك الغزو، الذي كان واحداً، من أكثر "مشاهد الإثارة في التاريخ"(15). فإذا لم تكن أسلحة الدمار الشامل محل استخدام في هذا النزاع، فهذا يعني، بكل بساطة، لأن هذه الأسلحة لا وجود لها، أو أنها كانت غير صالحة للاستعمال من الجانب العراقي. فلنفكر، أن صدام حسين، لم يستخدم هذه الأسلحة، مع أن سلطته أصبحت مهددة، وأن أرضه كان مَغْزُوّة، ومحل إيهام. بعبارة أخرى، إن مثل هذه الاستراتيجية، لا تطبق إلاّ ضد دولة ما متقدمة قليلاً في المجال النووي، أو أنها مزودة بأسلحة كيماوية أو بيولوجية، أو بكليهما. عندها، يأخذ الردع مكانة ثانية، ضد ذلك البلد الذي يشك بأنه في طريقة لامتلاك السلاح النووي، لكن، يلاحظ في هذا المجال سلبية الموقف الواشنطني، فيما يخص كوريا الشمالية. وشاهدنا، مثل تلك الحال، خلال الحرب الباردة، بالتهديد باللجوء للخيار الوقائي ضد الاتحاد السوفياتي، أو الصين، والتي لم تكن محل مواجهة جدية مطلقاً، لا مع موسكو، في عهد ترومان، ولا مع بكين في عهد جونسون(16)، حتى مع وجود تهديد واضح ووشيك الوقوع، في أزمة الصواريخ الكوبية. فلم يقم كندي باتباع خيار الضربة الوقائية، خوفاً من خطر الانتقام ضد حلفائه الأطلسيين، خاصة على برلين، وبدا له أن الثمن سيكون مرتفع جداً. لهذه الأسباب، شجبت الأغلبية من الأكاديميين في الولايات المتحدة، الحرب ضد العراق، وأعلنوا عن مواقفهم المؤيدة لاتباع سياسة المحافظة على استراتيجية (الاحتواء) تجاه العراق(17). من وجهة النظر هذه، لم تكن الحرب على العراق، ضرورية، بكل بساطة: فكانت، ليس فقط عديمة الجدوى، بل أيضاً، وخصوصاً، خطيرة. إن تفسيراً واقعياً للأخطار المحتملة، سيقود إلى المحافظة على سياسة داخلية واقعية. لكن إدارة بوش، خضعت إلى تبرير إيديولوجي، عُمِيَت عن طريق الإهانة، بسبب الحادي عشر من أيلول، وعن طريق النظام العراقي، خصوصاً فيما يتعلق بقدراته الخاصة، في آن واحد. ثم، وكما يشهد على ذلك، تصريحات كوريا الشمالية، أو التصميم الإيراني، على امتلاك الأسلحة النووية، فإن مثل تلك الاستراتيجية. توهن العزائم في معالجة موضوع انتشار أسلحة الدمار الشامل، بل على العكس. إنها تحث الدول، موضع الريبة، بأنها تريد امتلاك مثل هذه الأسلحة، وأعلنت عن ذلك لحماية نفسها من هجوم محتمل. وبالرغبة بقطع الرابط بين الدول العاقة والمنظمات الإرهابية، فإن الحرب الوقائية معرضة لخطر ازدياد عدد الدول الراغبة بامتلاك أسلحة الدمار الشامل. وبإهمال الوسائل متعددة الجوانب، كالمعاهدة الخاصة بعدم انتشار تلك الأسلحة، يقود إلى حلول كاذبة عسكريّاً. وتميل مثل تلك الاستراتيجية. إلى تجاهل المصادر الحقيقية الخاصة بتكاثر أسلحة الدمار الشامل المرتبطة بضرورات الأمن، والتي ليس لها أية علاقة مع الإرهاب، كما في حالة العراق. فضلاً عن ذلك، إن تبرير عمل ما، وقائي تجاه العراق، فبالإضافة إلى كونه غير مجد ـ العراق لا يملك أسلحة من هذا النوع، حتى في التحليلات الأكثر تشاؤماً، كالادعاء بأن العراق يمتلك صواريخ قادرة على ضرب المناطق في الولايات المتحدة ـ نشأ عن تصور خاطئ عن الأمن. فقد أيقظ الادعاء بالتهديد العراقي، أخرى. إذ لا يؤدي الأمن عن طريق التوسع في الادعاءات، إلا إلى تأجيل الحلول. وكان مثل هذا المنطق من المزايدة المستمرة، وراء جميع المحاولات الإمبريالية المؤدية للهيمنة، مع أنها ادعاءات كاذبة وهل هناك دولاً أخرى، في المنطقة، معرضة لأن تكون محل اتهام، لما جرى مع العراق؟ وكما لاحظ ذلك أب نظرية (الاحتواء) (CONTAINMENT)، جورج كينان (GEORGE KENNAN) أثناء نشر التقرير (2002- NS)ـ بقوله: "كل من درس التاريخ يعرف أنه في البدء بالحرب للوصول إلى المكاسب الأكيدة في الرأس، لكن في النتيجة، فإنكم تقاتلون لأسباب أخرى، لم تفكروا بها، لذلك، مطلقاً من قبل"(19). وباختصار، فإن الحرب الوقائية تتسبب في التعرض لخلق تهديدات لم تكن موجودة. أخيراً، يمثل مفهوم الحرب الوقائية، قطيعة مع النظام الدولي الذي أُقيم منذ عام (1945). فهو يغير من استخدامات ومبادئ استخدام القوة، ويؤسس سابقة، ستقلدها قوى أخرى. وهي ضمانة لفوضى متزايدة. فإذا قررت الصين بدورها تبني مثل هذه الاستراتيجية تجاه تايوان، وإذا تصرفت الهند باستخدام التبرير نفسه مع الباكستان، وإذ قرر كل فاعل ملاحقة مصالحه الوطنية، مقرراً شن الحرب من جانب واحد، كعمل وقائي، عندئذٍ، فإن المسرح الدولي. سيصبح معرضاً لخطر، أشبه بالفوضى تماماً، وكما وُصِفَت من قبَلِ (هوبس HOBBES). فليس فقط الأخطار، التي تستوجبها مثل هذه الاستراتيجية التي تفرض المشكلة، بل الفكرة نفسها، وهي خطرة. وتحدد المعايير في العلاقات الدولية، السلوك الممكن احتماله والتصرفات المحرمة. وهي هشة بطبيعتها، والإغراء في انتهاكها حاضر دون انقطاع. ولضمان احترامها، فمواقف التعاون بين القوى العظمى من الأمور الضرورية. وعندما تقحم واحدة من بينها، من طرف واحد، كالولايات المتحدة، وعلانية، تقحم المعيار الأساس وتتجاوزه، باستخدام القوة، فإنها، تعلن، في الحقيقة، أنها فوق القوانين والأعراف الدولية. وبأنها أكثر من ندٍّ مقارنة بالآخرين(20). كانت جميع هذه الانتقادات موجهة ضد الاستراتيجية الوقائية، ويعي الرسميون في واشنطن تماماً، العيوب والأخطار الملازمة لهذا الخيار، والنتيجة، خضعت إدارة بوش، إلى تفسير إيديولوجي في تهديدها للعراق، وذلك باستخلاصها، أن تبديلها للنظام ـ رحيل صدام حسين ـ سيشكل بحد ذاته، مبرراً شرعياً لعمل وقائي. فقد أظهرت الحرب في العراق، النفوذ المهيمن الإيديولوجي لمثل بول وولفووتيز (PAUL WOLFOWITZ) أو رتشارد بيرل (RICHARD PERLE)، أنصار التسويات المتدرجة، على الطريقة الكيسنجرية. وتترافق هذه الاستراتيجية الوقائية، فوق ذلك، بوحدانية الجانب، لا لبس فيها ولا غموض، وذلك باستخدامها. وفضلت إدارة بوش التحالفات الطَّرَفِيَّة والمساعدات الثنائية الجانب على التحالفات القائمة على المؤسسات، ولم يتردد دونالد رامسفيلد وزير دفاع بوش، عن الترديد، أن الدعم الأمريكي إلى الباكستان واستبعاد التحالف الأطلسي في النزاع ضد الطالبان(21)، لا يوقف المهمة التي حددتها الولايات المتحدة، وبأنه يفضل التحالف المحدود بدلاً من التحالف الكبير. فبالنسبة للبنتاغون، خاصة فإن الحلف قد فقد مصداقيته، حيال الاستراتيجية الأمريكية، فكانت وحدانية الجانب هذه، أكثر عدوانية، خلال الحقبة التي سبقت الأزمة العراقية. فإذا كان الخيار الأولي الخاص بمنظمة الأمم المتحدة قد انطوى على رغبة حقيقية في التسوية، وليس قراراً موازياً، لتجاوزه، أو صرف النظر عنه، إذا كان بعض الأعضاء في إدارة بوش قد أفسدوا وصفاً سريع العطب آنذاك، بمضاعفة الكليشات المخفضة، والآراء المسبقة التبسيطية، فالانشقاق بين الحلفاء الغربيين، والقسمة في التحالف، كان من الممكن تجنبه. فكانت دبلوماسية كولن باول محل منافسة بمنهجية من قبل إصرار وعناد دونالد رامسفيلد، لأن الخيار العسكري قد تحدد مسبقاً، ووجدت منظمة الأمم المتحدة نفسها، في الحقيقة، أنها أضحت أداة لفائدة وحيدة لاستراتيجية الولايات المتحدة، وهي استراتيجية محل نزاع استراتيجياً، ومحل نزاع سياسياً، فكانت هذه التعددية الجوانب، في الواجهة، في نهاية الأمر، أكثر سوءاً، من وحدانية الجانب، بلا قيد أو شرط. وفسح الانعكاس التقليدي القائم على التشاور تجاه الأوربيين، المجال، أمام التشجيع الواضح للانقسام. فقد حطمت الدبلوماسية الأمريكية، القائمة قريباً منذ نصف قرن، وامتازت بالدعم للوحدة الأوربية، تلك الآمال باستمرارها، وذلك بمعارضة أوربا العتيقة، من قبل هذه الجديدة، بعد أن زرعت علاقات مميزة في الماضي. وبالإعلان، أنه في الحرب ضد الإرهاب، كل من ليس مع الولايات المتحدة فهو ضدها يكون بوش قد خفض هامش المناورة لدى حلفائه إلى درجة العدم. لقد تحقق النصر للولايات المتحدة على العراق، حتى قبل شن تلك الحرب، حيث كانت الحرب على العراق، حرباً انتقائية. فكان الإغراء بالانشقاق القطعي، أو الانحياز الاحتفالي للحرب، لا يقاوم بالنسبة للأكثرية من أبطال تلك الرواية، وانتقل الموضوع العراقي، باتجاه رهانات أعلى تماماً، ومرتبطة بوجه جديد للولايات المتحدة، عند القيام بذلك، ونحو مسائل مبدأ يمس الجوهر نفسه للنظام الدولي. في هذه الشروط، تحطم التضامن الأطلسي، بطريقة مشهدية، فقد انقسم مجلس الأطلسي الشمالي، على رؤوس الأشهاد، بعد رفض فرنسا وألمانيا وبلجيكا طلبات المساعدة لتركيا، دون شرط. وجرى انتهاك إجراءات الصمت، التي كانت كحالة دارجة من أجل الحصول على التوافق، في مناسبات عديدة, للمرة الأولى منذ إنشاء الحلف، بالتأكيد، ضعف الدبلوماسية التي يتصف بها رامسفيلد، قد أثار ردود فعل انفعالية يمكن فهمها. فهي بكل بساطة، مأساوية، بالاعتقاد أنه عن طريق الضلال وارتكاب الأخطاء، وعدم التوافق بعناد والغطرسة التي لا محل لها، عندها، يسند كل واحد الفضائل الوطنية لخياره، وإلى هذه النقائص في الدبلوماسية، فقسمة الأنظمة الغربية، وهذه الأزمة الأطلسية، جميعها عكست التباعدات الحقيقية بين الحلفاء، بشأن النزاع العراقي. وفسرت بالإضافة إلى ذلك، التباين المتزايد بين أعضاء الحلف، مما كشف في آخر الأمر عن الميول والاتجاهات الحاضرة الثقيلة في نطاق النظام الدولي منذ الحادي عشر من أيلول. وإن التساؤل حول الأسباب أن يكون التحالف يتحمل المضاعفات، مرة أخرى من جديد وبأن وفاة الحلف الأطلسي أصبحت معلنة. هل هناك نهاية للتسوية الأطلسية؟ لقد وجب إعطاء سياسة الولايات المتحدة الخارجية الجديدة، ميزاتها القائمة على التقاء هذا التفوق المضمون، مع وحدانية الجانب هذه والمقصودة. بالتأكيد، لقد اجتازت هذه الحمى، الولايات المتحدة، طولاً وعرضاً، منذ نهاية القرن التاسع عشر. فقد اندفعت الولايات المتحدة، بالهجوم على الفلبين، وعلى غوام، وسافوا، وبورتوريكو، وبناما، وكوبا. بالتأكيد أيضاً، فقد وضعت القوة الأمريكية، بعد الحروب الانتحارية (1914 و1945)، وتفوق الولايات المتحدة المحقق بعد سقوط جدار برلين، وبالتالي الإمبراطورية السوفياتية، وضعت الولايات المتحدة، في الموقع المهيمن. لكن. إذا كانت هذه الإمبراطورية نتاجاً لمغامراتها في التاريخ، وليس نتاجاً وثمرة لخطة كبيرة، فهذا يعني أن أمريكا لا تسير على الطريق الصحيح. وجاءت المبادئ أو المفاهيم الإمبراطورية، عن طريق الاختيار، عن طريق الخطأ، حتى التعارض ـ معارضة المشروعات الأوربية الاستعمارية المختلفة في الحروب، فُرِضَت بالقوة، ومخصصة لزيادة المناطق ـ لتشير عادة إلى الالتباس وإلى التعارض مع الهيمنة الأمريكية التي توصف بالتوافقي، وبالتسامح، وبالنعومة، وبالسلمية وحتى بالمترددة. ويدل اختفاء هذه الأوصاف أو النعوت التقليدية، على نهاية بعض البراءة الأمريكية، وتفسر التغيير في الإحساس، تجاه العملاق الأمريكي الذي جاء ليؤكد للجميع أعمال السبر حول فساد صورة الولايات المتحدة في العالم. وتقدم سياسة بوش حصيلة لما بين النزعة الروزفلتية العسكرية، والإمبريالية الويلسونية. ويفرض هذا التفسير الجاكسوني للـ "إمبريالية الديموقراطية" وهذه "الويلسونية المحتذية"، تحديات مستحدثة، ومواضيع حياتية، بالنسبة لحلف الأطلسي. من وجهة نظر نظامية، في الواقع، هناك انفصال عميق، لكنه كلاسيكي، يقسم الجماعة الأطلسية، وأصبح ما يميز التحالف بصورة جذرية اليوم، هو التنافر بين أعضائه. في الظروف الحالية، فالولايات المتحدة، هي القوة الرجعية في العالم، في حين أن الأوربيين في مجموعهم، قوى، ممن يخسر الوضع الراهن(22). إذن، فهذا ليس كثيراً، إذا جرى توزيع غير متناسق لوسائل القوة التي تفرضها المشاكل ـ الصورة للمريخ والزهرة، جذابة، بلا شك، لكن يوجد الموقع الخاص، ومنذ نصف قرن تقريباً، لهؤلاء الفاعلين تجاه النظام الدولي. تشكل أوربا مجموعاً سياسياً جديداً في التنظيم، حيث تتشكل المهمة الرئيسة، وغير المنجزة، هضم نهاية القسمة شرق ـ غرب، وندعو هذه العملية التوحيدية إلى إنشاء جسم سياسي شرعي، على نحو كافٍ، من أجل تمثيل لأكثر من خمسماية مليون من السكان، على نحو ملائم. لكن أيضاً قابلية للتكيف، على نحو كافٍ، من أجل أن تسمح بعمل دولي حقيقي وفعال: وتذكر الغالبية من الأوربيين، وعلى نحو مستمر، رغبتهم بذلك، وبأن الميثاق يحاول عقلنة ذلك، خيراً أم شراً. فالأفضلية الأوربية، هي إذن، موضوع التنظيم السياسي بين أعضاء الاتحاد الأوربي، وعلى العكس، لم تعد الولايات المتحدة، تحتمل الوضع الراهن الدولي بعد الحادي عشر من أيلول. وإن تمييزاً منها، قد تغير تماماً: وجعلت واشنطن من التنسيق بين الإرهاب والتكنولوجيا، بعبارة أخرى، أسلحة الدمار الشامل، والاستبداد، هدفها المميز، واتجهت نحو محور الشر، وأخذت استراتيجيتها، تستهدف، إذن، المنظمات الداخلية للدول، خائرة القوى، أو المارقة. تجاه الأولى، يمرأ منها عبر تغيير النظام، وتفرض ذلك بالقوة إذا كان ضرورياً، أما ما يخص، الثانية، فإنها تشرك فعالية وأجندة، أكثر براعة، إذا بقيت هذه الدول مزودة الآن، بقدرات يمكنها القيام بانتقام ردعي، مع ذلك يبقى الطموح مشابهاً. ويدخل العراق، في الفئة الأولى، وتدخل إيران في الفئة الثانية، ويثير هذا التباين الأساسي، عقبة جدية، بالنسبة لأي تحالف، فهو يفرض مواضيع حياتية بالنسبة لتحالف ـ مثل حلف الأطلسي. وكما هو معروف، فالالتزام في تحالف ما، يجمع جميع أنواع الغموض والشكوك ـ الموروثة، أمام السياسة الدولية، القائمة على فرضية، سواء خطراً أم فرصة أو مناسبة مفيدة، يبقى القرار بالتحالف أساسياً وعداً، ورهاناً للمستقبل. وتبقى الشروط في أسسه، الالتزام وهمياً في نتائجه. وحمل هذا الوعد خسارة أمام الاستقلال الذاتي، حيث يمكن للثمن أن يجري التأكيد عليه، أنه فادحاً، ما دام الأمن الوطني محل رهان. ولا تحل الشروط المُحَدِّدة للعمل المشترك، كما جاء في المادة (5)، هذا الشك، بل تثير مآزق أو معضلات أخرى: التزام مفرط، فالالتزام المفرط معرض لخطر أن يجر إلى نزاع لا يريده أحد. لكن الجبن الشديد، يمكن أن يقود إلى تحمل نتائج غير مرغوبة. وتصبح هذه المآزق الكلاسيكية مُهَيّجة، لشركاء متنافرين أو غير متجانسين. ويأخذ المأزق شكل الاطراد، بالنسبة للقوة التعديلية، أو أن يصبح الحلف إرغاماً، مغايراً للشرع، منذ أن تعتقد هذه القوة، أن أمنها الوطني، في خطر. لأن قوتها متفوقة، بشكل واسع، مقارنة مع حلفائها مجتمعين، فقد حاولت الولايات المتحدة تجاهل واجباتها، تجاه الحلف، الذي لا يجلب لها سوى دور المكمل، مكمل يعتقد أنه هامشي، على المستوى العسكري. بالإضافة إلى ذلك، فقيام الولايات المتحدة، بمعارضة الوضع الراهن، فإنها تتبع مصالح أمن، أقل انسجاماً، فأقل، مع مصالح حلفائها، حتى تصبح مناقضة. أما بالنسبة للحلفاء، فهم يكثفون بالوضع الراهن، ويصبح المأزق عندئذٍ، فخاً: تحالف يقود إلى نزاع لا يتمناه أعضاء ذلك التحالف. في هذه الشروط، تتحلل التحالفات بصورة منتظمة لتصبح تحت مشيئة منافع متنوعة. ويديم المأزق الذي هو بين حلفاء، مجموعة مصالح واسعة على نحو كافٍ، من أجل تأسيس شبان لالتزاماتهم المشتركة في نهاية المطاف. فالسويس، وفيتنام، ليستا رهاناً للتحالف الأطلسي، طالما بقي التهديد الشرقي. أما بالنسبة لحلف الأطلسي، فالأزمة الحالية، تنشأ بصورة أكثر، من الطريقة التي استخدمت فيها الولايات المتحدة ذلك المأزق. وقد شجع، تهميش حلف الأطلسي في أفغانستان، المسؤولين، في البيت الأبيض، بتشكيل تحالف لهذا الغرض، بشكل واضح، ينسجم لحد ما، مع تماسك الحلف، لكنه أدى إلى قسمة تجاه العراق، وأدارت واشنطن ظهرها إلى الممارسة الدبلوماسية القائمة على التوافق الذي ميز على الدوام، التزام الولايات المتحدة في أوربا. وتستند خصوصية الحلف، في الواقع، على مبادئه، متعددة الجوانب، حيث كانت الركيزتان الرئيستان فيها: المشاورة فالتوافق. وحل النقيض محل الإقناع، في هذا المحيط، واختلقت المثابرة النفوذ. وعبر إطراء التماسك، لا بل السماح بالانشقاق، عن الانشقاق، في النظام الأطلسي، عن هذا التناقض الظاهري، الليبرالي، الذي يثير سياسة الولايات المتحدة حيال حلفائها. فالاستراتيجية الأمريكية الجديدة، قائمة على التحالف الطوعي الأكثر تنوعاً، والقائم على الابتزاز أو الإغراء، تجاه حلفاء ومناهضين، وهذا ما يفسر التصور المتخذ من الحلف كأداة، مع قطيعة، الحقيقية، في الممارسات الأطلسية. ويقلق هذا التصور الأوربيين، أكثر من قلقهم حيال خطابات المسؤولين في الإدارة الأمريكية، التي تصبح أكثر راديكالية تجاه خصومها المجتمعون في محور الشر، وأكثر مانوية بالنسبة إلى حلفائها، واضعة الجميع، أمام الخيار، إما التعاقب للدعم الوحيد غير المشروط، أو الوصف بالغدر والخيانة، لا مفر منها. ويفرض هذا المأزق السؤال، عن بطلان الحلف، في ظرف دولي تَعَدَّل بصورة جذرية. فيجب التذكير، أن تحالفاً ما، هو وسيلة ليؤدي خدمة لغاية ما. ويمكن للحلفاء الالتزام بالثانية، دون الاعتماد على الخيار الأول. وواقعياً. فقد كان جورج كينان الطليعي في الدبلوماسية الداعية إلى الاحتواء، فكان معارضاً شديداً لإنشاء الحلف، لأنه كان يعتقد، أن هذه الأداة لا طائل منها، أو أنها غير مجدية، تجاه الولايات المتحدة، متحدياً بلا جدوى، في نظر موسكو، وغير متكيف مع الحاجات الحقيقية لأوربا الغربية، ما بعد الحرب العالمية الثانية. ويرتأي بعض الليبراليين، وبالطريقة نفسها، أثناء سياق توسيع الحلف، أن الأداة الأطلسية غير مهيأة، من أجل ملء طموح الوصول إلى أمن جماعي، لا يمكن أن يصبح فعالاً ومشروعاً، دون اندماج روسيا. ويمكن عندئذٍ أن يصبح واقعياً، دون أن يكون أطلسياً. ويمكن الموافقة أو الاتفاق، على الأمن الجماعي كلياً، برفض حلف الأطلسي، ولضمان ذلك. وارتأى البنتاغون. بالنسبة لعملية تثبيت الحرية (ENDURING FREEDOM)، أن الوسيلة الأطلسية غير ملائمة، وغير وافية بالغرض: وكما أظهر الجنود الألمان والفرنسيون والهولنديون، يومياً، في كابول، "إنه كان على خطأ. إذ يتطلب الاستقرار في كابول، وأفغانستان كلها مشاركة الحلفاء جميعاً، لتأمين الاستقرار الذي انخفض في كافة أطراف أفغانستان. وعلى نحو موازٍ، يبدو أن الأوربيين، قد تجاهلوا، أن الحلف ليس غاية بحد ذاته، زمناً طويلاً، وحيث أن حق التصويت لكل واحد، والمحفوظ، للتمتع به بامتياز من قبل المنظمة السياسية يقود إلى التسبب بالضرر على الآلة العسكرية، حيث يعكس النفوذ جزئياً على وسائط القوة. ويتعرض الأوربيون لخطر إفراغ الحلف من جوهره، بإنقاص ميزانيات الدفاع لديهم. وإن قيمة العمل التي تنتج من ذلك ـ على الولايات المتحدة شن الحروب ذات الشدة العالية تكنولوجياً، وعلى الأوربيين عمليات الحافظة على السلام. وهذه القسمة، ليست بالتأكيد مثالية، لكنها تتوافق مع الواقع العسكري والتوزيع طبقاً للمؤهلات في نطاق الحلف. إن المأزق المُعَوّق؛ هو أكثر دواماً، حتى ولو لم يكن مستحدثاً فمنذ نشأة الحلف الأطلسي، واجه تبدلاً ذي طبيعة، بحيث لم يتمنى أنصاره الأمريكيون وجوده، أو لم يكونوا راغبين فيه. فقد أصبح الحلف منظمة دفاعية جماعية، منطوية على حضور أمريكي كثيف، وتَنْوِيَة ـ أي التزود بأسلحة نووية ـ بالتدريج في أوربا، حسب المعاهدة المصممة كحجر أساس أخيراً في خطة مارشال، مخصصة لضمان تأمين الأمن بين الأوربيين. في الوقت نفسه، تحول هذا الحلف الدفاعي الجماعي إلى منظمة أمن جماعي، في البلقان، حيث دافع عن رهانات قِيَم مكان سمعته مرموقة، ومحل تصديق، ومحل سخرية أو هزء في البوسنة، مع ذلك، لم تُهَدّد مصالح الحلف الاستراتيجية الحيوية. ولم يكن هذا التصور مقبولاً، إلا مع أشد صمت مطلق من قبل كلنتون، الذي لم يوطد العزم للعمل على تدخل حلف الأطلسي إلا عندما أصبحت مصداقية الحلف نفسها مهددة، وهذا ضمن إحدى الأزمات الأطلسية الأخطر. وتكشف الأسئلة التي أُثيرت، بسبب الأزمة العراقية، في المجال نفسه عن أزمة حقيقية في الحلف، لكنها أزمة رافقتها قوة متزايدة، ومضاعفة. هذا التغير في الرأس، أصبح مفروضاً من قبل الأقوى، من بين الشركاء. في هذه الشروط، يبقى الانحياز الذي يقود الأوربيين لتبني مواقف، خاضعة بشكل واسع إلى إرادة القوة الأقوى، مع تفاوض لوقفها عن المشاركة. هذا ما كان عليه رهان طوني بلير (TONY BLAIR). وبالطريقة نفسها، فالمعارضة، معرضة لخطر أن تجر الأوربيين لحرمانهم من شريك قوي، في اللحظة نفسها، اختفت فيها الرفاهية التي توجد في الوضع الراهن، وفي سبيل أن تصبح ذات مغزى، فهذا الخيار، يستدعي حشداً من قبل تحالف متعارض أو غير منسجم، قادر وحده على العمل للتفكير أو العودة لتحديد القوة التعديلية. وهذا ما كان عليه موقف وطموح جاك شيراك. من ثم، كانت الاستراتيجية، المتبناة بشأن العراق محل نزاع، بشكل واسع. إنه من الواضح، إن هذا الخيار يسجل في نطاق المعارضة الشاملة مع المفاهيم الديموقراطية في الحلف(23)، دون الدخول هنا في تنافرات الحرب الوقائية المخصصة لفرض الديموقراطية. فكانت الحرب الوقائية ضد العراق "الجسر البعيد جداً" حيث رفض بعض الحلفاء الأوربيين، اجتياز هذا الجسر. وهذا ما كان مصدر الأزمة، بخصوص الأزمة المتعلقة بتقديم المساعدات إلى تركيا. حيث رفضت ألمانيا وفرنسا وبلجيكا الالتزام في إجراء دفاعي، لم يكن سوى غطاء لهجوم لا يدعمونه، حسب رأي هذه الدول. وعكس التردد والمراوغة والضغوط، وإعادة النظر، حدة ذلك المأزق الذي يواجه أهداف الحلف نفسه، كمفهوم نهائي. ويطرح هذا المأزق، السؤال حول ملاءمة وقصدية التحالف بين الحلفاء، حيث تبدو المصالح متباعدة. وَيُطْرَح هذا التساؤل الذي غذى الحوارات الأكاديمية بعد اختفاء (العدو) السوفياتي، بعبارات متجددة، ومتناقضة. ويمس قلب السؤال التمييز في إدارة بوش بالقدرات الأمريكية، وقدرات حلفائها. وسيبقى الحلف مهمشاً طالما استمرت قناعة واشنطن، بأنه يمكنها عمل كل شيء لوحدها. فعلى الرغم من أن العمليات العسكرية في الطرق، قد انتهت، أو أنها شبه منتهية، بسرعة، وأنهت نظام صدام حسين، فإن استقرار البلاد، قد تأكد للجميع، بما في ذلك الولايات المتحدة، أنه بعيد المنال جداً، وبأن الأوضاع تتردى في العراق من سيئ إلى أسوأ. وأضحى واضحاً، أن الاستقرار، يحتاج إلى إعادة نظر بالوضع كله. أخيراً، يبدو أن الولايات المتحدة بحاجة لأوربا، بالمقدار نفسه الذي تحتاج فيه أوربا للولايات المتحدة. لقد أصبحت (ثورة) جورج بوش الابن مؤثرة في مجال السياسة الخارجية. إذ ليس من المؤكد، بأنها ستكون دائمة. فعلى المستوى الاستراتيجي، أظهرت وحدانية الجانب في المبدأ، قبل كل شيء وبوضوح، حدودها. وإن حضور الولايات المتحدة في العراق، سوف لن يصبح موطد العزم. والأكثر أيضاً، ستتفاقم المصاعب، مع مرور الزمن، والأكثر أيضاً، سيكتشف المسؤولون في واشنطن، ثانية، مزايا الحلف، التي تحمل معها الشرعية، والمساعدة، لكن على واشنطن أن تكون مستعدة لتتحمل التكاليف التي ترافق ذلك: خفض الاستقلال الذاتي، والعناد، والبحث عن التوافق، والابتعاد عن التفرد، وتجاهل المجتمع الدولي. فتعددية الجوانب، والرجوع إلى المنظمات الدولية، وتعاون الحلفاء، تبقى جميعها موضوعاً للخيار في الوقت الحاضر. لكن يبدو أن إدارة بوش، تنزع إلى متابعة الطريق الذي اختطته لنفسها. لكن تكاليف هذه الوحدانية معرضة لخطر أن تصبح فادحة على المستوى الإنساني، قبل كل شيء، ثم على المستوى الاقتصادي، ثم وأخيراً على المستوى السياسي(24). بعبارة أخرى، تُوَلّد ممارسة القوة من قبل الولايات المتحدة، نتائج، ليست واشنطن مستعدة لتحملها وحدها. فواشنطن بحاجة إلى الآخرين. وتقتضي المغامرة في العراق، إذن، موقفاً، أكثر مرونة، وأكثر تسامحاً وتساهلاً، من قبل الولايات المتحدة. وإن الإدارة الحالية قد أعمتها إيديولوجيتها الخاصة، وبأنها سترجع بلا شك إلى إدارة مستقبلية، تأخذ العبر منها، بصورة تامة. وهنا، لا بد من الإشارة، أنه للمرة الأولى في تاريخ الاتحاد الأوربي، يتم الشروع في إعداد مفهوم استراتيجي مشترك، وهذا ما سيقدم، بعد اليوم نطاقاً أوربياً للعمل. ويعترف الأوربيون بخطورة التهديدات المرتبطة بتكاثر أسلحة الدمار الشامل والإرهاب الدولي، لكن يؤمن الاتحاد الأوربي بالرد عليها، وذلك بالعمل من خلال احترام القانون الدولي، وفي تطوير تقارب بين الأمم لا يمكن أن يكون مقتصراً على الآلة العسكرية لوحدها. إذ يرغب العالم بتبني تقارب أوسع، يمتزج فيه الاقتصاد مع السياسة، والعمل على إشاعة العدل في العالم. وكلمة أخيرة، فإن الوصاية التي ميزت العلاقات الأطلسية ستصبح مكاناً للحوار بين شركاء مسؤولين أكثر، ليكون الضمانة النهائية لتحالف أكثر صحة. هوامش البحث (1)- G. F. Kennan, Russian And The West Mentor Books, 1960. P (11). (2)- Durant La Seconde Guerre Mondiale, Les Japonais Lancèrent Des Bombes Par Ballon Poussees Par Le Jet Stream Pour Atteindre Les Etats – Unis. Une Seule Atteignit Sa Cible Faisaint Six Morts. Ce Furent Les Seules Victimes Sur Le Sol Americain Durant Ce Conflit. (3)- Discours Prononcè A L’ Universite John Hopkins, En Avril 2001. Bush And The World 26 Septembre, (2002). (4)- S. Wiliams: (Please Aneruca, Listen To Jour Foreign Friends. International Herald Tribune 29 Mars 2002. (5)- En Reference Au Farewell Adress De (1796) (Notre Grand Principe Vis – A -Vis Des Nations ?trangéres Est D’etendre Nos Relations Commerciales Mais De Limiter Autant Que Possible Nos Relations Politiques) (6)- Endore Une Fois Cette Perception Ne Correspond Pas ? La Relitè Telle Qu’elle Fut Vécue Par Moscou. (7)- P. Hassner (Etats Unie: L’ Empire De La Force Ou La Force De L’ Empire, Cahiers De Chaillot) No (54) September (2002). P (43). (8)- Eité Par A. Lewis (On The West Wing) New York Review Of Books. Fevrier 2003. (9)- Condoleeza Ricw Avait Averti Que Le 82 (Airborne Avait Des Taches Bien Plus Importantes ?remplir Que De Faire Traverser La Rue Au Enfans. Voir M. R. Gordon, Bush Would Stor Us Peace Keeping In Balka Fights) The New York Times, (21) Octobre (2000). (10)- Sur Le Point. Voir B. Collins (Operation Endoring Freedom And The Future Of Nato) George Town Journal Of International Affairs Vol (3) N (2) ?tè – Autome (2002) P (51- 56). (11)- Cette Expression Est D’ivo Daalder De La Brookings Institution. Pour Un Excellent Portrait De La Conversion De Condoleeza Rice, Voir N Lemmann Witout A Doubt The New Yourker (14) Et (21) October (2002) P (178- 179). (12)- Dans Son Discours A West Point En Juin (2002) George. W. Bush Abait Partiellement Devoilè Cette Strategie. The Wall Street Journal (17) Juin (2002). (13)- Pour Un Bon Exposè. Voir I. H Daalder J. M. Lindsay Et J. B Steinberg, (The Bush National Security Strategy. Brookings Policy) (4) Octobre (2002). (14)- L’ Article (51) Ne Fait, Pas Explicitement Reference A Cette Nation De Danger Immèdiat. Il Ne Mentionne Qu’un Droit Inherent De Legitime Defence, Fonde Sur Une Jurisprudence Tres Floue. (15)- R. K. Betts (Suicide From Fear Of Death) Foreign Affairs Vol (82), N (1) Janvier – Fevier (2003). P (35) Et. P. (38). (16)- Vis – A – Vis De La Russie Voir M. Trachtenberg, (Wasting Asset. American Strategy And The Nuclear Balance (1949- 1954) International Security Vol (13) No. (3) Hiver (1989- 1990) P (5- 50). (17)- J. J. Mearsheimer And (S. M) Walt (An Un Necessary War) Foreign Policy, No (134) Janvier – Fevrier (2003) P (51- 50). (18)- Surce Point Voir J. L Snyder (Imperial Temptaions) The National Interest, Printemps (2003) P. (29- 40). (19)- G. Kennan Est Cité Par B. Cumings (The Next In Line) Bulletin Of Atomic Scientists Vol (59) No (1) Janvie – Fevrier (2003) P (25). (20)- Voir Sur Ce Point P. W. Schroeder (Irak. The Case Against Preemptive War) The American Conservatire (21) Octobre (2002) P. (12- 27). (21)- D. Rumsfeld (The Coalition And The Mission) The Washington Post. (21) Octobre (2001) P. B (6). (22)- Cette Distinction Classique Fut Formulèe Des (1946) Par Hans Morgenthau, Scintifie Man Versus Power Policy Chicago, University Of Chicago Press, (1946). (23)- Sur Le Pont Voir J. Y. Haine. (L’ Allince Superfue?) Esprit Aout – Septembre (2003) P (5- 21). (24)- Voir L. Brainard Et M. Ohanlon The Heavy Price Of The U. S. A Goingit Alone. Financial Times (S) Aout (2003). |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |