|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
الأمن القومي العربي والتحديات التي تواجهه ـــ الدكتور.هيثم الكيلاني لا يزال الحديث عن "الأمن القومي العربي" حديثاً عن أمن يفترض بل يتوجب السعي إليه وإيجاده. لذلك قد يكون الحديث عنه وليد الواقع والأمل، ففيه بعض الحقيقة وبعض الأمنية، وبخاصة أن تاريخ الأمن القومي العربي يتضمّن وقائع جعلت منه، في ظروف وحالات معينة، واقعاً وحقيقة. ثم طرأت أحداث ومتغيرات تجاوزت ذلك الواقع وتلك الحقيقة، وتراجع فيها الأمن القومي العربي، مفهوماً ومؤسسات، حتى بلغ اليوم حالة يظن فيها أن رايته قد طُويت، وأن بنيته قد دُمِّرت، وأن أجهزته قد غُيّبت. لقد نشأت عن هذه الحالة وتأثيراتها إشكاليات وتساؤلات كثيرة. فما زال "الأمن القومي العربي" مفهوماً سائباً، من حيث الاتفاق على تعريفه وتحديده ورسم معالمه. وما زالت صلاته بالأمن القطري ضبابية غائمة. فكيف يتم الانتقال من القطري إلى القومي، وبالعكس، ومتى يعتبر المخطر القطري قومياً. وما هي حدود السيادة القطرية في تجاوز مفهوم الأمن القومي العربي، وما هي القوى القطرية التي يمكن احتسابها في خانة الأمن القومي العربي. لقد أصبحت الحاجة إلى إحياء الأمن القومي العربي بصوغه صوغاً جديداً يعيد بناء أسسه، ويجعله قابلاً للتطبيق والانسجام مع المتغيرات الدولية والإقليمية والعربية، جدَّ ماسة وضرورية، وبخاصة بعد الحرب الإبادية التي تشنّها إسرائيل، بدعم سياسي وعسكري وتقاني وحماية من الولايات المتحدة الأميركية، ضدّ الشعب الفلسطيني، وبعد احتلال القوات الأميركية العراق، وبعد التهديدات الأميركية الموجّهة إلى سورية ولبنان وغيرهما، وبعد العقوبات التي فرضتها الإدارة الأميركية الحالية على سورية. ولا تدّعي هذه المقالة أنها أحاطت بالموضوع –وهو الأمن القومي العربي والتحديات التي تواجهه- إحاطة كاملة، وإنما هي تتحدث عن بعض مفهومه، وعن بعض التحديات التي تواجهه. ذلك أن الحديث عن الأمن القومي العربي، في جملته وتفصيله، يتّصف باليسر والعسر في آن، فهو سهل إذا توسّلنا إليه بالآمال والأماني، في حين أنه صعب إذا جعلنا الواقع سبيلاً إليه. وفي جميع الأحوال، فإن المقالة توخّت السعي، قدر الإمكان إلى تقويم ماضي الأمن القومي العربي، والتعرف إلى بعض معالم حاضره، ومحاولة استشراف مستقبله القريب المنظور، بطريقة "التبعيض "، أي إن المقالة تدّعي أنها تتناول في البحث بعض معالم الأمن القومي العربي، وبعض التحديات والتهديدات، دون أن تكون متكاملة أو مرتّبة حسب الأفضلية من وجهة نظر الأمن القومي العربي. أ-تحديد مفهوم الأمن القومي العربي: يوم ولدت جامعة الدول العربية في العام 1945، لم يكن لشؤون الأمن القومي العربي فيها شأن قط، لا في مرحلة التكوّن والمخاض، ولا في مرحلة الولادة. ولم يكن للشؤون العسكرية أو الدفاعية في ميثاقها أي تَلميح أو تصريح، بالرغم من أن الميثاق لم يخف عطفه على "شؤون الجنسية والجوازات والتأشيرات وتنفيذ الأحكام وتسليم المجرمين"(1). ولقد قُدِّر لهذه المؤسسة الناشئة أن تصطدم، وهي ما زالت وليداً يحبو، بالأحداث العسكرية، وما أن بلغت من العمر ثلاث سنوات حتى خاضت دولها- وعددها سبع يومذاك، وهي: مصر، سورية، لبنان، السعودية، اليمن، العراق، الأردن، بقرار من الجامعة وتحت رايتها، حرب فلسطين الأولى، في منتصف أيار 1948. وتأسيساً على التحدي الأكبر، وهو الغزوة الصهيونية لفلسطين، يمكن القول إن الإدراك الأوّلي لمفهوم الأمن القومي العربي، والبدء بالوعي به، وولادة نواة الشعور بالحاجة إليه، قد أخذت تظهر رويداً رويداً، حتى انتظم الأمن العربي وتقنّن في تنظيم عربي جماعي هو "معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي وملحقها العسكري". وقد وافق عليها مجلس جامعة الدول العربية في 13/4/1950 واعتبرت نافذة منذ 7/8/1952. وهنا نشير إلى أن الفكر السياسي العربي لم ينته بعد إلى صياغة محدّدة لمفهوم "الأمن القومي العربي". وإذا كان في هذا إيجاز لوضع أدبيات الفكر السياسي العربي، فإن تعبير "الدفاع العربي المشترك" ورد في معاهدة الدفاع المشترك. ولم يظهر مصطلح "الأمن القومي العربي" إلا في العام 1980، حينما أشارت الوثائق الاقتصادية التي أقرّها مؤتمر القمة العربي الحادي عشر (عمّان، 25-27/11/1980): وهي: برنامج العمل العربي المشترك لمواجهة العدو الصهيوني في المرحلة القادمة، وميثاق العمل الاقتصادي القومي، واستراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك، والاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية في الدول العربية، وعقد التنمية العربية المشتركة. وقبل معاهدة الدفاع المشترك، نصّ ميثاق الجامعة في مادته السادسة على "مبدأ المساعدات المتبادلة" لدفع عدوان واقع على دولة عضو، أو خُشي وقوعه. يضاف إلى ذلك أن واضعي الميثاق جعلوا أحد أهداف الجامعة صيانة استقلال الدولة العربية وسيادتها. وفي يقيننا أن طيّ صفحة الأمن القومي من ميثاق الجامعة وعدم تفصيل الالتزامات المترتّبة على الدول الأعضاء فيما يخصّ الأمن القومي كانا بعض الأسباب التي أصابت المعركة الأولى ضد الصهيونية في العام 1948 بالهزيمة، إذ غاب من إطار الجامعة أي عمل تنظيمي من أجل الاستعداد للمعركة قبل خوضها. وفي إثر نكبة 1948، والفشل الذي انتهت إليه تجربة جيش الإنقاذ، فرضت الأحوال الجديدة على الدول العربية الاهتمام بالأمن القومي، فجاءت "معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي" لتكون تعديلاً غير مدّون وغير مباشر لميثاق الجامعة. فقد تنازلت الدول العربية في هذه المعاهدة عن بعض مظاهر السيادة، فقبلت بحكم أغلبية الثلثين(2) بدل حكم الإجماع في الميثاق. وقد دخلت المعاهدة مرحلة التنفيذ القانوني في 7/8/1952. وثمة إجماع على أن القصد من المعاهدة كان تعويض الخلل الذي لوحظ في ميثاق الجامعة فيما يخصّ الأمن القومي. فقد تضمّنت المعاهدة مبدأ التكافل الجماعي في الدفاع، وذلك باتخاذ التدابير واستخدام الوسائل، وأقامت المعاهدة لتحقيق هذه الأغراض ثلاثة أجهزة هي: مجلس الدفاع المشترك، والهيئة الاستشارية العسكرية، واللجنة العسكرية الدائمة، إضافة إلى الأمانة العسكرية التي تشكّل جزءاً من الأمانة العامة للجامعة. وبالرغم من أن عنوان المعاهدة قرن الدفاع المشترك بالتعاون الاقتصادي، تأكيداً لمفهوم أن العمل الاقتصادي هو أساس كل عمل عربي مشترك، وبخاصة في الدفاع المشترك، فصلت المعاهدة في أحكامها بين مفهوم الدفاع المشترك وبين الجانب الاقتصادي، واستناداً إلى هذا الفصل أنشأت المعاهدة "المجلس الاقتصادي" مستقلاً عن "مجلس الدفاع المشترك". وإكمالاً لفصل الشق الدفاعي عن الشق الاقتصادي في المعاهدة، عدَّل مجلس الجامعة في 29/3/1977 المادة الثامنة من المعاهدة (وهي المادة الخاصة بالمجلس الاقتصادي) فأنشأ في إطار "جامعة الدول العربية" مجلساً يسمى "المجلس الاقتصادي والاجتماعي" مهمته "تحقيق أغراض الجامعة الاقتصادية والاجتماعية وما يتصل بها مما نصّ عليه في ميثاق الجامعة العربية "معاهدة الدفاع المشترك". عاشت معاهدة الدفاع المشترك منذ بدء نفاذها في 7/8/1952 حياة عسيرة صعبة، مليئة بالآمال والإحباطات، فنهضت ونشطت حيناً، وكبا بها الجواد أحياناً. ونشبت حروب ومعارك في إطار الصراع العربي-الإسرائيلي، كانت المعاهدة بعيدة عنها، أو إنها أُبعدت عنها. ولذا فلن نتعرّض إلى الأحداث التي لم تكن المعاهدة موجودة على ساحاتها، أو فاعلة فيها أو مؤثِّرة عليها. وهكذا فإن حروب 1956، و 1967، و1973، و 1982 والحرب الإبادية التي تشنّها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني منذ 28/9/2000 لا تدخل في هذا الإطار، إذ لم تكن المعاهدة وأجهزتها فاعلة في هذه الحروب أو مؤثِّرة عليها. ما أن دخلت معاهدة الدفاع المشترك حيز التنفيذ القانوني حتى عقد مجلس الدفاع المشترك دورته الأولى (4-9/9/1953) ووضع نظامه الداخلي، وأقرّ مبدأ "أن الدول العربية تعتبر نفسها أمام خطر يهودي" وقرّر وضع الخطط لمواجهة هذا الخطر. وفي الدورتين الثانية (9-12/1/1954) والثالثة (10-18/6/1961) أقام قيادة عامة موحّدة لقوات الدول العربية للتصدي للمشروع الإسرائيلي لتحويل مجرى نهر الأردن. ووافق في دورته الخامسة (10/1/1965) على "الخطة العسكرية الخاصة بذلك"، ثم أقرّ في دورته السادسة (26-30/5/1965) اختصاصات القيادة العامة الموحّدة، والقائد العام، ونظَّم إقامة القوات العربية في البلد الذي تقضي الضرورات العسكرية بالإقامة فيه. وأقرّ في دورته السابعة (11/9/1965) خطة استراتيجية شاملة رفعها إلى مؤتمر القمة العربي. وبعد أن تغيّر الغرض الاستراتيجي في إثر عدوان 5/6/1967، وأصبح تحرير الأراضي المحتلة في تلك الحرب العدوانية هو الغرض الجديد، عقد مجلس الدفاع ثلاث دورات ما بين حربي 1967 و 1973 لم يأت فيها بجديد. وبعد 1973 وحتى اليوم، عقد المجلس 4 دورات كانت كسابقاتها. وهكذا يمكن القول إن مفهوم الأمن القومي العربي كان في أصله ومنطلقه وفي نصوص الميثاق والمعاهدة محدَّداً بالدفاع العسكري، بالرغم من أن التحدي الأول الذي يواجهه الأمن القومي العربي هو في جعل مفهومه يشمل جميع جوانب حياة المجتمع العربي، وليس جانبه العسكري أو الدفاعي فقط. لقد أصبح الأمن الغذائي، والأمن المائي، والأمن الجنائي، والأمن الحدودي، وغيرها من الأمون، جوانب مهمة في تركيبة الدفاع عن الوطن، قطرياً وقومياً. من ثنايا هذه المسيرة التي عاشها مفهوم الأمن القومي العربي، منذ ولادته في مطلع خمسينيات القرن الماضي حتى اليوم، يمكن القول إن الأمن العربي، بمفهومه ومؤسساته وخططه، استمرّ يعاني أمراضاً وعقبات في معظم مراحل حياته. وما نقصد إليه في هذه المواصفة: 1-أن مفهوم الأمن القومي العربي وُلد في ظروف النكبة (1948) وحمل معه أسباب تلك النكبة. وهي: فيما يخص شؤون الأمن العربي- تجزئة الإرادة السياسية وتعدّدها في إرادات. لقد أجريت في العام 1981 دراسة لحوالي أربعة آلاف قرار اتخذها مجلس الجامعة فتبين أن 80% من هذه القرارات اتخذها المجلس بالإجماع، ومع ذلك فلم ينفذ معظمها(3). وهو ما أنتج مبدأ "وحدة القيادة" ونشوء مصالح وأهداف قطرية تناقض أو تختلف عن المصالح والأهداف القومية التي تقتضي "وحدة القيادة". 2-وجد مفهوم الأمن القومي العربي، بعد ذلك، أسباب انبعاثه وعناصر تكوّنه في المشروع القومي الذي عمّت ملامحه في معظم أنحاء المنطقة العربية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، والذي كانت الوحدة المصرية- السورية أبرز إنجازاته. ولكن عدوان 1967 ومن قبلها انفصال الوحدة (1961) أطفآ جذوة المشروع، فانحسر مفهوم الأمن العربي، ليقتصر في بادئ الأمر على معالجة نتائج الهزيمة وإزالة آثارها، ثم ليخالف بعض المبادئ الأساسية التي التزمت بها الدول العربية- وبخاصة في شأن القضية الفلسطينية-ويسعى إلى تنفيذ مبادرة السلام العربية المقررة في مؤتمر قمة بيروت (27-28/3/2002) والمؤكدة في قمة تونس (22-23/2004). 3-لم يستطع مفهوم الأمن القومي ومؤسساته وأجهزته أن تغيّر معالم الخارطة الأمنية الناجمة عن عدوان 1967، ذلك لأن ذلك المفهوم وتلك المؤسسات والأجهزة لم تعمل بسبب قيود فرضت عليها، وما جرى في حرب 1973 كان في أساسه ثمرة اتفاق ثنائي مباشر بين سورية ومصر، وقد استطاعت تلك الحرب وما تلاها أن تغيّر، بعض التغيير، بعض معالم خارطة عدوان 1967. وبالرغم من ذلك، كانت حرب تشرين التحريرية 1973، تجسِّد المفهوم الشمولي الحركي الفاعل للأمن العربي. 4-شهد الربع الأخير من القرن العشرين، مظهراً من مظاهر الأمن القومي، حين ساعدت سورية لبنان في إطفاء حريق الحرب الأهلية التي نشبت في لبنان (1976-1990) في إثر محاولة الصهيونية والإمبريالية والقوى المعادية للتحرر العربي وللتوجّه القومي في منطقة الشرق الأوسط تطبيق خططها في لبنان. وقد تخلّل الحرب الأهلية الغزو الإسرائيلي للبنان (1982-1985) وإسقاط مشروع المعاهدة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل (17/5/1983) ثم إجلاء القوات الإسرائيلية المحتلة للجنوب اللبناني بفضل المقاومة الوطنية اللبنانية. 5-ظلّ الأمن القومي، ولا يزال، مفهوماً تتجاذبه جدلية الثنائي "القومية والقطرية" في إطار المؤسسة القومية، ذلك أن الدول الأعضاء حجبت عن جامعة الدول العربية –وبخاصة بعد العام 1991 أي بعد حرب الخليج الثانية- السلطة القومية، فلم تخوّلها أي سلطان على الدول الأعضاء، منفردة ومجتمعة، لأن هذه الدول تمسّكت بالسيادة القطرية لكل منها، وكان من نتائج ذلك أن وقع الأمن القومي عاجزاً عليلاً بين سيطرة المفهوم القطري وطموح الأمن القومي. ثمة تعريفات كثيرة لمفهوم "الأمن القومي العربي". وهي تنتسب إلى مدارس ومذاهب نشأت، في الأصل، لدراسة الأمن الوطني (القطري) ومفهومه ونظرياته وثوابته ومتغيّراته ومقوِّماته وعوامله ووسائله وكل ما يتعلّق به. وهي مدارس ومذاهب أجنبية في أكثرها. ولهذا لا يزال الفكر السياسي العربي يلامس، حتى اليوم، موضوع الأمن القومي العربي، ملامسة غير متعمّقة ولا مفصّلة، ولا تزال البحوث والدراسات التي كتبت فيه قليلة. ومن أحدث التعريفات وأشملها، ذلك التعريف الذي اقترحته الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في تقريرها عن الأمن العربي. وهو تقرير لا يزال منذ أيلول 1993 معروضاً أمام مجلس الجامعة لإقراره، ثم طُوي. وقد عرّف ذلك التقرير الأمن القومي العربي بأنه "قدرة الأمة العربية في الدفاع عن أمنها وحقوقها وصيانة استقلالها وسيادتها على أراضيها، وتنمية القدرات والإمكانيات العربية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، مستندة إلى القدرة العسكرية والدبلوماسية، آخذة في الاعتبار الاحتياجات الأمنية الوطنية لكل دولة، والإمكانيات المتاحة، والمتغيّرات الداخلية والإقليمية والدولية التي تؤثّر على الأمن القومي العربي". يحاول هذا التعريف –الذي لا يزال مشروعاً ثم طُوي- أن يقترب، قدر الإمكان، من جوهر الأمن العربي. فالأمن ليس حقيقة مطلقة، وإنما هو مسألة نسبية وحالة ديناميكية تتجاوز معنى القوة (FORCE) التي تنصرف، بعامة، إلى القوة العسكرية، لتبلغ معنى القدرة (POWER) التي تعبّر عن نسيج متشابك تصنعه وتتداخل فيه جميع قوى المجتمع السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والتقانية والعسكرية وغيرها. لقد خلقت القطرية العربية واقعاً مادياً له وجوده الملموس، وأمنه الوطني بكامل مفاهيمه وأجهزته وقياداته وقواته وأسلحته. وليس في هذا ما يضير الأمن القومي، لو أمكن لمفهوم هذا الأمن أن يتصالح مع الأمون القطرية ويحتويها في إطاره، فيحقق لها أهدافها، في الوقت نفسه الذي يحقق فيه أهدافه أيضاً. ولقد كان يمكن بلوغ هذه الأمنية، لو استطاعت الأنظمة العربية أن تحيّد الأمن القومي عن أنواء العلاقات العربية البينية والمتغيّرات العربية والدولية، ولكن هذا التحييد المنشود لم يتجاوز حدّ الأمنية، والواقع أن المساعي التي هدفت إلى أن تجعل المنطق القومي يسيطر على الأمن القومي، وبخاصة جانبه العسكري، قد أخفقت، إذ غلب المنطق القطري على ما سواه، وتكاد هذه المقولة تكون في منزلة القاعدة، سوى بعض الحالات التي لا تنقض القاعدة بصورة عامة. الأمن القومي العربي أمن إقليمي بطبيعته، إضافة إلى أنه أمن قومي في أساسه، يظلّل أمة موزّعة على دول كثيرة، وهي حالة خاصة بالأمة العربية، ليس لها مثيل أو شبيه في الأمم الأخرى، سوى في حالة كوريا، وهذا ما يدعونا إلى أن نقصر استعمال مصطلح "الأمن الوطني" على الدول العربية فرادى، ومصطلح "الأمن القومي" أو "الأمن العربي" أو "الأمن القومي العربي" على الحالة الخاصة بالأمة العربية، وعلى هذا فإن وصف هذا الأمن بأنه "عربي" أو "قومي" أو "قومي عربي" يحمل معنى واحداً. تتعدّد الرؤى في تحديد التحديات التي تواجه الأمن القومي، في حاضره ومستقبله، نوعاً واتجاهاً ومستوى. ذلك أن هذا التحديد يجسِّد الدعامة الأساسية لبنية الأمن القومي. ولقد مرّ حين من الدهر، كان فيه إجماع على أن الصهيونية، بكيانها إسرائيل، هي المخطر الرئيس، والمهدِّد الأول للأمن القومي، وبخاصة بعد شنّها الحرب الإبادية ضد الشعب العربي في فلسطين منذ 28/9/2000. ولقد أصبح عدوان دولة عربية على دولة عربية أخرى (حرب الخليج الثانية 1990-1991) المهدِّد الأول للأمن القومي. وثمة من يرى أن احتلال العراق من قبل القوات الأميركية في ربيع 2003 هو المهدِّد الأول للأمن القومي، وأن معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية (1979) ومعاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية (1994) وإعلان المبادئ الفلسطيني-الإسرائيلي (1993) قد جعلت إسرائيل في غير موضع المهدِّد الأول للأمن القومي. وهكذا يبدو الأمن القومي العربي التحدي الأول أمام الفكر السياسي العربي، إذ يبدو هذا الأمن رجراجاً، وتبدو دائرة اختصاصه ملأى بالرؤى التي قد تبلغ حد التباين حيناً والتناقض حيناً آخر. وبذلك تظهر محاولة تأصيل مفهومه صعبة ومعقّدة. ب-طرائق التصويت في الميثاق والمعاهدة ومؤتمرات القمة: ثمة، حتى الآن، ثلاث طرائق للتصويت في الميثاق والمعاهدة. ففي مجلس الجامعة، المؤلف من وزراء خارجية الدول الأعضاء أو من يمثلهم، أو من المندوبين الدائمين، فإن التصويت يجري وفق المادة –7- من الميثاق(4). وهو ما يفسّر بالإجماع. أما في مستوى القمة، وهو مستوى مختص باستراتيجيات الأمن القومي العربي بكافة جوانبه، وبتنسيق السياسات العليا للدول العربية تجاه القضايا ذات الأهمية الإقليمية والدولية، فقد نصّ ملحق الميثاق(5) على أن تصدر قرارات المجلس –في مستوى القمة- بتوافق الآراء. ويعني هذا أن الإجماع شرط لا بدّ منه، وأن على مؤتمر القمة أن يسير وفق سير الأبطأ من أعضائه، وأن على بعض قرارات مجلس الدفاع المشترك –وجميعها يتعلّق بالأمن القومي العربي- أن يسقط أو أن تتغيّر صيغته. وتبقى الطريقة الثالثة التي نصّت عليها المادة السادسة من معاهدة الدفاع المشترك. وهو نصّ واضح يعني تبعية مجلس الدفاع المشترك لمجلس الجامعة، بالرغم من أن مجلس الدفاع المشترك في دورته الأولى نفى هذه التبعية وأكّد استقلاليته. وقد سكت مجلس الدفاع المشترك بعد ذلك كما سكت مجلس الجامعة. ثم إن نصّ المادة السادسة أتاح لوزير الخارجية أن ينقض في مجلس الجامعة ما كان مجلس الدفاع المشترك قد قرّره، حيث يحكم الثلثان الثلث الثالث الذي لم يوافق على بعض تلك القرارات. ج-شروط عضوية المؤسسة القومية حدّد الميثاق في مادته الأولى الشروط التي يجب أن تحوز عليها الدولة العضو، فجعلها الاستقلال وأن تقدّم الدولة طلباً بذلك. ثم سكت الميثاق عن تحديد شروط أخرى(6). ولنا في الاتحاد الأوربي والأمم المتحدة تجربة غنية. ففي ذلك الاتحاد أعضاء يتكلمون لغات مختلفة، وهم من مذاهب شتى. وتجمعهم شروط الديمقراطية والبيئة وحقوق الإنسان، وغير ذلك من ظواهر المجتمع المدني. ويعني هذا أن شروط العضوية في المؤسسة القومية أصبحت في موضع ضرورة إعادة النظر. د-ثنائية القطرية والقومية: بُني الميثاق على الدول الأعضاء المستقلة، أي أن استقلال العضو كان شرطاً أساسياً لانضمامه إلى جامعة الدول العربية. لذا كان تشكيل الدولة القطرية في إطار الجامعة أمراً فرض نفسه. فقد ناضل الشعب العربي في كل قطر من أجل الاستقلال والتخلص من وجود القوات الأجنبية الاستعمارية التي كانت قد جزّأت الوطن العربي (معاهدة سايكس- بيكو 1916) لهذا شكلّت الدولة القطرية –حسب المادة الأولى من الميثاق- أساس الميثاق، في حين أن المادة الثانية من الميثاق نفسه حدَّدت الغرض من الجامعة، وهو غرض قومي، تنسيقي، لا يبلغ مستوى الاتحاد(7). تشكّل القطرية أكبر وأهم تحدٍّ يواجه الأمن القومي العربي، ذلك أن مضمون "الأمن القومي العربي" يتناقض، بصورة واضحة، مع مضمون "القطرية". وهو تناقض في الشكل والموضوع. هـ-الصهيونية وإسرائيل: عقدت قمة الدول المؤسسة لجامعة الدول العربية مؤتمراً في مصر (أنشاص 28-29/5/1946). وقرَّرت: 1-مساعدة الشعوب العربية المستعمَرة (بفتح الميم الثانية) على نيل استقلالها. 2-قضية فلسطين جزء لا يتجزّأ من "قضايانا القومية الأساسية". 3-"الصهيونية خطر داهم ليس لفلسطين وحدها، بل للبلاد العربية والشعوب الإسلامية جميعاً. ولذلك فقد أصبح الوقوف أمام هذا الخطر الجارف واجباً يترتّب على الدول العربية والشعوب الإسلامية جميعها". حدّدت القمة الثانية (الاسكندرية، 5-11/9/1964) هدفاً ذا مرحلتين: أ-هدف قومي نهائي، وهو تحرير فلسطين من الاستعمار الصهيوني، ب- هدف أوّلي عاجل... وحدّدت القمة الوسائل اللازمة لبلوغ كل هدف. ثم إن مؤتمر القمة العربي الثالث (الدار البيضاء، 13-17/9/1965) "عالج الجوانب المختلفة لقضية فلسطين، واتفق على الخطط العربية في سبيل تحريرها". وفي مؤتمر القمة العربي الرابع (الخرطوم، 29/8-1/9/1967) قرّر الملوك والرؤساء "نطاق المبادئ الأساسية التي تلتزم بها الدول العربية، وهي عدم الصلح مع إسرائيل، أو الاعتراف بها، وعدم التفاوض معها، والتمسّك بحق الشعب الفلسطيني في وطنه". وفي مؤتمر القمة العربي الثاني عشر (الدورة المستأنفة في فاس 6-9/9/1982) قرّر الملوك والرؤساء اعتماد المبادئ التالية: "1-انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية التي احتلّتها عام 1967، بما فيها القدس العربية. 2-إزالة المستعمرات التي أقامتها إسرائيل في الأراضي العربية بعد عام 1967. 3-ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية لجميع الأديان بالأماكن المقدسة. 4-تأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وممارسة حقوقه الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، ممثّله الشرعي والوحيد، وتعويض من لا يرغب في العودة. 5-تخضع الضفة الغربية وقطاع غزة لفترة انتقالية تحت إشراف الأمم المتحدة ولمدة لا تزيد عن بضعة أشهر. 6-قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس. 7-يضع مجلس الأمن الدولي ضمانات السلام بين جميع دول المنطقة، بما فيها الدولة الفلسطينية المستقلة. 8-يقوم مجلس الأمن بضمان تنفيذ تلك المبادئ". ثم اتخذ مؤتمر القمة العربي الرابع عشر (بيروت، 27-28/3/2002) قراراً بشأن مبادرة السلام العربية هذا نصه: "1-يطلب المجلس (مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة) من إسرائيل إعادة النظر في سياساتها وأن تجنح للسلم معلنةً أن السلام العادل هو خيارها الاستراتيجي أيضاً. 2-كما يطالبها القيام بما يلي: أ-الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة. بما في ذلك الجولان السوري، وحتى خط الرابع من يونيو (حزيران) 1967 والأراضي التي ما زالت محتلة في جنوبي لبنان. ب-التوصّل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194. ج-قبول قيام دولة فلسطينية مستقلّة ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من يونيو (حزيران) 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة وتكون عاصمتها القدس الشرقية: 3-عندئذ تقوم الدول العربية بما يلي: أ-اعتبار النزاع العربي- الإسرائيلي منتهياً. والدخول في اتفاقية سلام بينها وبين إسرائيل مع تحقيق الأمن لجميع دول المنطقة. ب-إنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار هذا السلام الشامل. 4-ضمان رفض كل أشكال التوطين الفلسطيني الذي يتنافى والوضع الخاص في البلدان العربية. 5-يدعو المجلس حكومة إسرائيل والإسرائيليين جميعاً إلى قبول هذه المبادرة المبينة أعلاه حماية لفرص السلام وحقناً للدماء، بما يمكن الدول العربية وإسرائيل من العيش في سلام جنباً إلى جنب، ويوفّر للأجيال القادمة مستقبلاً آمناً يسوده الرخاء والاستقرار. 6-يدعو المجلس المجتمع الدولي بكل دوله ومنظماته إلى دعم هذه المبادرة. لقد ذُكرت هذه القراراتُ، قراراتُ مؤتمرات القمة العربية لتكون محطات في هذه القرارات، ولتكون شاهداً على مواقف مؤتمرات القمة من القضية العربية الأولى، وهي قضية الصراع العربي- الإسرائيلي. و-الاستعمار: منذ أكثر من نصف قرن، خرج الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي، بعد العثماني. وها هو الاستعمار الأميركي يعود، فيحتل أراضي عربية في العراق، بعد احتلال الصهيونيين فلسطين وجنوبي سورية، إلى جانب أراضٍ عربية يحتلها المستعمرون في بعض أنحاء الوطن العربي. والاستعمار الآن يلبس لبوس "الديمقراطية" و "حقوق الإنسان" وغيرهما من الحليّ التي تناسب القرن الحادي والعشرين. ومن الملاحظ أن هذا النوع الجديد- القديم من الاستعمار قد أراد أن يضع نفسه خارج القانون الدولي، وخارج الشرعية الدولية، تحت شعار "محاربة الإرهاب الدولي". واستخدم المطامع الاستعمارية ذاتها، وسلك سبيل الهيمنة ورسم مصائر الشعوب والدول في المنطقتين العربية والإسلامية وفق تصوّره وفكره الاستعماري. لقد قامت القوات الأميركية والبريطانية وغيرها باحتلال العراق. ومهما حاولت هذه القوات أن تتخفّى وراء شعارات ولافتات ضخمة فهي قوات احتلال واستعمار. وهذا ما بيّنه قرار مجلس الأمن ذو الرقم 1483 في 22/5/2003 في ديباجته، إذ أشار إلى الولايات المتحدة وبريطانيا بصفتهما دولتين قائمتين بالاحتلال. ويثير موضوع احتلال العراق تساؤلاً جدّ مهم يتعلّق بالأشكال المحتملة للاستعمار القديم –الجديد وأهدافه، وإن كان وصفه بالقديم- الجديد يعطي له بعض الصفات المكوِّنة له: وقد كان هذا الطابع الاستعماري لاح بصورة عامّة وغير دقيقة وغير واضحة، أثناء حرب الخليج الثانية، لقد بقيت بعض القوات الأجنبية في الخليج العربي نفسه أو في بعض دوله، تحت أسماء مختلفة تراوح بين اتفاقيات ثنائية للحماية والدفاع المشترك وبين المساعدة العسكرية الدفاعية، وقد ساعد اتساع الحلف الدولي وسعيه إلى إنهاء الاحتلال وعودة الشرعية إلى الكويت، على غياب بعض تلك الملامح. لقد كشف احتلال العراق واستعماره عن النظام الإمبراطوري الذي تتبنّاه الإدارة الأميركية الحالية. وهو احتلال يعيد إلى الذاكرة المقاومة الوطنية ضدّ الاستعمار. وهي مقاومة ألهبت حماسة شعوب كثيرة، وبخاصة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وانطلقت من دعم شعوب العالم الثالث والأحرار في العالم، إذ اجتمع مندوبو هذه الشعوب وهؤلاء الأحرار في "باندونغ-1955". لقد كانت الحركة يومذاك مستقبلية مناقضة للإمبريالية والاحتلال والاستعمار بجميع أشكالها. ولأن الإمبريالية بذاتها ذات طابع عالمي، فمن الطبيعي أن يكون نقيضها، وهو حركة التحرر الوطني، عالمياً أيضاً، بالرغم من صفته "الوطنية" وذلك يعني ضرورة أن تنطلق جميع حركات التحرر الوطني من منطلق التحرر في سبيل الاستقلال. نحن الآن أمام الحملة الاستعمارية الثانية التي أُعيد إنتاجها على صورة احتلال مغلف بشعارات الديمقراطية والتنمية والبيئة وحقوق الإنسان. فاحتلال العراق على يدي الجنرال الأميركي تومي فرانكس في آذار 2003 يذكّرنا بالحملة التي قادها الجنرال البريطاني للاستيلاء على بغداد في شهر آذار 1917. فبعد 86 عاماً يكرّر الجنرال الأميركي ما كان قد فعله سلفه البريطاني، مع أخذ تطوّر الأسلحة والتقانة الأميركية بالاعتبار. ويعني هذا أنّ من واجبنا أن ننظّم ونقود حملة عالمية ثانية ضدّ الاحتلال والاستعمار، ومن أجل التحرر والاستقلال، على أن تكون تلك الحملة متلائمة مع شعارات القرن الحادي والعشرين، ومنسجمة مع مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ومع مرحلة مكافحة الإرهاب، ومستفيدة، في الوقت نفسه، من خبرات حركات التحرر الوطني في القرن الماضي. فلم يكن احتلال العراق واستعماره من مواليد وأفكار العام 2003، وإنما كانا من أفكار "مشروع القرن الأميركي الجديد The Project of the New American Contury(8) وهو المشروع الذي تمّت صياغته منذ العام 1997 (3/6/1997) بإدارة وليم كريستول، المحرر في مجلة Welkly strndred واشترك فيه ديك تشيني، ودوتالد رامسفيلد، وبول دولفويتز، وزلماي خليل زاد. وانتهى هذا الفريق إلى خلاصات هذا أهمها(9): 1-المشكلة الرئيسية في الشرق الأوسط هي العراق، وليس الصراع العربي- الإسرائيلي. 2-أعادت إسرائيل معظم الأراضي التي حصلت عليها في العام 1967 في إطار اتفاقيات كمب ديفيد. وقرار مجلس الأمن 242 لا يُلزم إسرائيل بإعادة جميع هذه الأراضي. 3-إن هدف منظمة التحرير الفلسطينية هو تدمير إسرائيل والحصول على جميع أراضيها. 4-إن أمن إسرائيل سيتعرّض للخطر لو انسحبت من الضفة الغربية، بسبب العمق الاستراتيجي الضيّق لإسرائيل. إن هذا التقرير –المشروع- يفسِّر النيات والخطط والأفعال الأميركية بشأن احتلال العراق، وتسوية الصراع العربي- الإسرائيلي، ومشروع إقامة نظام إمبراطوري أميركي، وقيادة النظام العالمي الجديد من قبل الإدارة الأميركية، وتغيير خارطة منطقة المشرق العربي، ووضع اليد على مصادر الطاقة العربية. والاحتلال، مهما كان شكله وهدفه، هو أقسى أنواع الإرهاب والاستعمار، ولا بدّ من التخلص والتحرر منه. ويُتوقّع أن يبلغ الاحتلال بعض أهدافه في العراق، فيقوم بتقسيمه إلى دويلات متعدّدة. ز-إكمال حرب الخليج الثانية: تعتقد الإدارة الأميركية الحالية أن حرب الخليج الثانية (1991) لم تبلغ نهايتها من حيث تسوية الصراع العربي- الإسرائيلي، وإسقاط النظام العراقي القائم، وإزالة قوة عربية معارضة للصهيونية والكيان الإسرائيلي. ولهذا اعتقدت الإدارة الأميركية الحالية أن عليها أن تُكمل حرب الخليج الثانية حتى غايتها، وبخاصة أن في الصراع العربي –الإسرائيلي مظاهر ووقائع جديدة، أبرزها انتفاضة الشعب الفلسطيني الثانية ضدّ الاحتلال الإسرائيلي (28/9/2000) واختلال ميزان القوى لمصلحة إسرائيل، وقرار مجلس الأمن بشأن مذبحة رفح في 19/5/2004، وغياب احتمالات وعوامل تعديل ميزان القوى أو تخفيف حدّة الاختلال، وضرورة تسوية الصراع بمختلف جوانبه بدءاً من جانبه الفلسطيني- الإسرائيلي. وبعد أن أصدر مجلس الأمن قراره ذا الرقم 660 في 2/8/1990 حتى قراره ذي الرقم 1409 في 14/5/2002 بلغ عدد القرارات التي أصدرها المجلس تحت عنوان "الحالة بين العراق والكويت" 59 قراراً صدرت مستندة إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة (عنوان الفصل السابع: فيما يتخذ من الأعمال في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان- من المادة 39 إلى المادة 52) باستثناء القرار 688 الذي يخصّ شؤوناً عراقية داخلية. وفي أثناء الأعوام 1993، 1996، 1998، 2001. وقعت سلسلة من الاعتداءات على العراق، إضافة إلى حرب الخليج الثانية التي ابتدأت في 17/1/1991، واستمرت 45 يوماً، ألقي فيها 88 ألف طن من القنابل أي ما يعادل 4 قنابل ذرية أميركية من نوع تلك القنابل التي ألقيت على هيروشيما وناغازاكي في اليابان، واليورانيوم المنضّب المحرّم دولياً. ثم اتبعت القوات الأميركية ذلك باحتلالها العراق في حرب الخليج الثالثة (20/3/2003-9/4/2003). ونظراً إلى أن القوات العراقية انسحبت من دولة الكويت في 28/1/1991 حيث عادت الشرعية إليها، فقد كان يفترض بمجلس الأمن أن يُلغي الحصار المفروض على العراق، وينهي العقوبات التي فرضها القرار 661 رابطاً الاحتلال "يومذاك" بأن يدمِّر العراق ما لديه من أسلحة تدمير شامل، وفق ما جاء في القرار 687 الصادر في 3/4/1991. لقد بلغ مجموع الوفيات لدى الشعب العراقي منذ بداية الحصار حتى غاية شهر تموز 2002 أكثر من 1.732.151 شكّل الأطفال دون الخامسة من العمر أكثر من 41%. أما وفيات الأطفال فوق سنّ الخامسة فقد بلغت 1.110.730. سعت اللجنة التي شكّلها مجلس الأمن بقراره ذي الرقم 687 في 14/5/1991 للتفتيش والتحقق والمراقبة على ملفّ الأسلحة المحظورة إلى أن تنحرف عن مهمتها بأعمال تجسسية لمصلحة CIA والموسّاد الإسرائيلي. فقامت تلك اللجنة بتجريد العراق من قدراته العلمية والصناعية والتقانية وذلك منذ العام 1991 حتى غاية العام 1998. وقد تولّت قوات الاحتلال الأميركي متابعة هذه المهمة في عملية إكمال حرب الخليج الثانية، فعملت على تجريد العراق من قدراته العلمية والصناعية والتقانية. وكانت القيادتان الأميركية والبريطانية، بعد وقف العمليات في 28/2/1991 قد واصلتا عدوانهما على العراق. ففرضتا منطقتي حظر للطيران (أعلنت فرنسا انسحابها من عملية فرض منطقتي الحظر في أيلول 1996) شمالي خط العرض 36 وجنوبي خط العرض 33. ثم شنّت القيادتان الأميركية والبريطانية اعتداءات على العراق، كان أكبرها في أيلول 1996 ثم في كانون الأول 1998. تدخّلت الإدارة الأميركية السابقة في الشؤون الداخلية العراقية، فأعلن الرئيس الأميركي السابق يوم 15/11/1998 ضرورة تغيير النظام القائم في العراق، وركّز على المعارضة العراقية، وأصدر الكونغرس الأميركي في تموز 1998 "قانون تحرير العراق"، مع العلم أن مجلس الأمن لم يمنح أي تخويل لأي جهة أو دولة للتدخل في الشؤون الداخلية للعراق ولا القيام بأي إجراء عسكري. من المعروف أن مجلس الأمن أصدر القرار ذا الرقم 986 في 14/4/1995 سمح بموجبه للعراق ببيع نفط بقيمة مليارين من الدولارات الأميركية (مليار دولار كل 3 أشهر) لتمويل مشتريات إنسانية. سوى أن مذكرة للتفاهم بين الإدارة الأميركية والحكومة البريطانية أفرغت هذا البرنامج (النفط مقابل الغذاء) من صبغته الإنسانية. وقد توقف بعد احتلال القوات الأميركية وغيرها العراق (2003) وبعد أن أصدر مجلس الأمن قراراً بذلك. نص قرار مجلس الأمن ذو الرقم 687 (1991) في فقرته 14 على أنه "يلاحظ أن الإجراءات التي من المقرر أن يتخذها العراق والواردة في الفقرات من 8 إلى 13 تمثل خطوات نحو هدف إنشاء منطقة في الشرق الأوسط خالية من أسلحة التدمير الشامل وجميع قذائف إيصالها وهدف فرض حظر عالمي على الأسلحة الكيميائية". وقد تعاون العراق مع اللجنة التي شكلّها القرار ومع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تنفيذ أحكام القرار 687، في حين أن إسرائيل التي تمتلك وتحتكر أسلحة نووية وتشكّل الجزء الأهم من أسلحة التدمير الشامل، لم تنفّذ الفقرة 14 من هذا القرار. ولم يصدر من مجلس الأمن أو من الأمين العام للأمم المتحدة ما يشير إلى ذلك، مع العلم أن جميع الدول العربية قد انضّمت إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (1968) في حين أن الكيان الصهيوني لم ينضمَّ بعد إلى هذه المعاهدة. واستناداً إلى هذه الوقائع، قدّم الوفد السوري، حينما كان عضواً في مجلس الأمن(10)، مشروع قرار يقضي باعتبار منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة التدمير الشامل. ح-النفط: يشكّل النفط أهمّ مطمع أميركي. فبواسطته تستطيع الإدارة الأميركية أن تسيطر على العالم، وبخاصة القوى الكبرى فيه. فالنفط هو محرّك الآلة الغربية، بأجنحتها الأوربية والأميركية والآسيوية والإفريقية، وهو مصدر القوة فيها ولها. ومنذ قديم الزمان، أي منذ اكتشاف النفط كمحرّك للآلة، حتى الآن، لا يزال التحكّم فيه يعني القدرة على الهيمنة على النظام العالمي، والتأثير المباشر في القوى المحرِّكة أو الفاعلة في ذلك النظام. ولهذا فكّرت الولايات المتحدة الأميركية في غزو المملكة العربية السعودية ودولة الكويت(11). لأنها –أي الولايات المتحدة- كانت ترغب في السيطرة على النفط الذي ارتفعت أسعاره بشكل كبير في تلك الفترة. ولقد أدركت الإدارة الأميركية هذه الحقيقة التاريخية، فسعت إلى معالجتها والتصدّي لها منذ العام 1973، حين أقضّ مضجعها ونال من قدرتها العالمية الحظر الجزئي العربي على النفط العربي آنذاك. مع العلم أن الدول العربية النفطية لم تلجأ إلى وسيلة الحظر الجزئي آنئذ إلا كسبيل للتأثير على نتائج ومصير الحرب العربية – الإسرائيلية في تشرين الأول 1973 لتحرير الأراضي المحتلة من قبل إسرائيل في عدوان 5/6/1967. ذلك أن الخليج العربي –وفيه العراق- يختزن في جوفه أكثر من 675 مليون برميل من النفط، أي أكثر من خُمْسَيْ احتياطات العالم من النفط. ولهذا، يمكن القول إن الاهتمام الاستراتيجي الأميركي بمنطقة الخليج العربي ذو تاريخ قديم، وبخاصة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. من بين الأهداف التي حرّضت الإدارة الأميركية الحالية على شنّ الحرب على العراق، ومن قبلها في حرب الخليج الثانية، كان هدف وضع اليد على النفط العربي، سواء في منطقة الخليج العربي، أو في العراق. وقد كان قرار ضمان وصول الولايات المتحدة إلى مخزونات النفط العربي أكثر القرارات التي اتخذتها الإدارة الأميركية الحالية وسابقاتها تأثراً بالحاجة إلى النفط، لأن الإدارة الأميركية الحالية وسابقاتها تستطيع السيطرة بذلك على دول العالم، وبالتالي على النظام العالمي، جراء وضع اليد على منابع النفط وممراته. ولأن الكثير من هذا النفط يرد من أقطار الخليج العربي، ومنها العراق، فإن الولايات المتحدة الأميركية، كقوة إمبراطورية إمبريالية، تريد مراقبة تطوّر الأحداث في منطقة الخليج، حيث يتدفّق النفط، وحيث ترى الولايات المتحدة أن هذه التدفقات تحتاج –حسب وجهة نظرها- إلى حماية، ولو أدّى الأمر إلى شنّ حربين، هما حرب الخليج الثانية (1991) وحرب الخليج الثالثة (2003). لهذا ركّزت الإدارة الأميركية الحالية وسابقاتها، على ربط السياسة الخارجية بأهداف المجمّع الصناعي العسكري الأميركي، وعلى وجوب التفريق بين المنافسة الاقتصادية وبين التنافس الأيديولوجي. ويعني هذا –من وجهة نظر الاستراتيجية الأميركية- وضع أمن النفط في المقام الأول. فالنفط الأميركي معرّض للنضوب، وكمية استهلاكه تزداد سنوياً بنسبة 1.200 مليون برميل. والمستهلك منه في العام 2020 سيبلغ، كما هو متوقّع، 24.700 مليون برميل يومياً. والعراق يملك، حسب مختلف التقديرات، أكبر احتياط نفطي في العالم بعد المملكة العربية السعودية. وهناك ترجيح، بأن العراق سيصبح، بعد عقدين، من الدول الكبرى المنتجة للنفط، فهو الآن يسهم في الإنتاج العالمي بنسبة 3% على رغم ما أصاب صناعة النفط فيه من أضرار، وعلى رغم كل معوِّقات الاحتلال. فالعراق ينتج اليوم أكثر من 2.500 مليون برميل يومياً. ومن الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة الأميركية استوردت في العام 2001 أكثر من 285 مليون برميل من العراق أما من المملكة العربية السعودية فقد استوردت في ذلك العام 585 مليون برميل، ومن الكويت 88 مليون برميل، ومن بقية أنحاء العالم 453 مليون برميل(12). ولهذا فإن الولايات المتحدة تحتاج إلى النفط العربي، ومنه النفط العراقي. ولذلك، فمن وجهة النظر الاستراتيجية، من يضع يده على موارد النفط في العالم، ومنها النفط العربي، يمسك بمفتاح القوة الاقتصادية في العالم، ومن بعدها، بالأوضاع الاستراتيجية العالمية. وقد بلغ حجم النفط المستورد إلى الولايات المتحدة الأميركية في العام 2003 ما متوسطه 9.600 مليون برميل يومياً. ط-حماية إسرائيل: إذا كان النفط هو الدافع الظاهري للإدارة الأميركية كي تحتلّ العراق، فإن حماية إسرائيل: أمنها وسلامتها واحتلالها، كانت، ولا تزال، الدافع الحقيقي وراء الاحتلال. وإذا كانت الولايات المتحدة بحربها في أفغانستان استطاعت أن تباشر مكافحة الإرهاب الدولي، فإنها في احتلالها العراق لا تخدم محاربة الإرهاب الدولي، وإنما تخدم إسرائيل بشكل مباشر وغير مباشر، وتخلط، بوعي وقصد، بين الأعمال الإرهابية من جهة وبين المقاومة الوطنية ضدّ الاحتلال من جهة أخرى، وهو خلط أعطى الضوء الأخضر لإسرائيل كي تشنّ حربها الإبادية ضدّ الشعب الفلسطيني. انتهزت إسرائيل فرصة الحرب العدوانية على العراق، فصعَّدت عملياتها في حربها الإبادية ضدّ الشعب الفلسطيني. لقد أرادت الإدارة الأميركية الحالية وغيرها من الحرب على العراق، أن تحقق عدة أهداف، منها حماية إسرائيل واحتلالاتها، والحفاظ على أمن إسرائيل وسلامتها، والسعي إلى تجذيرها عضواً أصيلاً في منطقة الشرق الأوسط، وليس عضواً دخيلاً، وهذا يفتح المجال واسعاً أمام الكيان الصهيوني من أجل الهيمنة على المنطقة سياسياً وأمنياً واقتصادياً وثقافياً، وبخاصة بعد إسقاط العراق من أن يكون قوة مناهضة للصهيونية وكيانها. لقد كثرت وتنوّعت التهديدات الأميركية والإسرائيلية ضدّ سورية ولبنان وإيران. فإلى جانب غزو العراق واحتلاله، وإلى جانب انحياز الإدارة الأميركية لإسرائيل، فإن أحد أهداف الغزو الأميركي للعراق هو وضع سورية ولبنان بين فكّي كمّاشة، هما إسرائيل والنظام العراقي الجديد الموالي للولايات المتحدة. وكذلك وضع إيران –وهي بلد إسلامي مناصر لحقوق الشعب الفلسطيني- بين فكّي كماشة هما أفغانستان والعراق المحتلّين أميركياً. فلا تزال الإدارة الأميركية الحالية تعتبر إيران أحد أضلاع محور الشر. لقد سعت الإدارة الأميركية إلى أن تضمن، بقوة السلاح، مصالحها في منطقة الشرق الأوسط. وهي تسعى، في الوقت نفسه، إلى تحقيق ما أمكن من مصالح الصهيونية وإسرائيل، وبخاصة ما يتعلّق بتسوية الصراع العربي- الإسرائيلي حسب المصالح الأميركية والإسرائيلية.. وإذا كان تحقيق هذه المصالح يتطلّب تغيير شكل وجوهر النظام الإقليمي العربي بما يحقق المصالح الأميركية والإسرائيلية فإن الإدارة الأميركية تُقدم على ذلك، طالما أن هذا التدخّّل الأميركي يحمي إسرائيل واحتلالاتها، ويضمن أمنها وسلامتها، حتى ولو كان الأمر يتعلّق بالشرعية الدولية، وبالالتفاف حول مفهوم جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة التدمير الشامل. لقد أصبحت حماية الإدارة الأميركية لسياسات إسرائيل وخططها واحتلالاتها أحد المخاطر التي يواجهها الأمن القومي العربي. ي-أسلحة وأعتدة جديدة: في فنّ الاستراتيجية قاعدة مفادها أن جيشاً ما يسوق الحرب الجديدة على أساس الحرب السابقة، وعلى هذا فإن الولايات المتحدة أدارت حربها العدوانية على العراق على شاكلة حربها الأخيرة في أفغانستان (2001). وفي جميع الأحوال فإن في الترسانة الأميركية أسلحة وأعتدة حديثة طوّرتها منذ حربها الأخيرة في أفغانستان، وبخاصة القنبلة التي سمّتْها "أم القنابل" والخاصة بالكهوف والأنفاق والأقبية المحصّنة وما شابهها، والطائرة بلا طيار، إذ أصبحت هذه الطائرة تحمل وتقذف صواريخ موجّهة أو ذكية، إضافة إلى القنابل التي يمكن تحميلها إياها. نذكر، بصورة خاصة، أن المذهب العسكري الأميركي الجديد يتبنّى، في إطار ما يسمّى "الثورة في الشؤون العسكرية" مبدأ "الحرب من بُعد". ومقصده أن يمنع، قدر المستطاع، عن الجندي المقاتل، احتمال الأذى، سواء كان مباشراً أو غير مباشر. وعلى هذا فقد خطّطت الإدارة الأميركية لعدوانها على العراق، أن تكون هذه العملية الحربية خاطفة جدّ سريعة (20/3-9/4/2003) وبأقل ما يمكن من الضحايا البشرية. ولهذا سمعنا عن سيناريوات أو صفحات من العملية الحربية على أساس استخدام آخر ما في الترسانة الأميركية من أسلحة وأعتدة جديدة معتمدة على التقانة الحديثة والدقيقة، أي ما يسمّى "نانوتكنولوجي" ذات المدى البعيد والدقة والتأثير. وهي الأسلحة المعتمدة على الليزر عالي الطاقة والموجات الصوتية والكهروضوئية والكهرومغناطيسية، وكذلك الأسلحة ذات اليورانيوم المخضّب، والهادفة إلى إصابة الجندي الخصم بالشلل. تشكّل الأسلحة والأعتدة الأميركية، التي اعتادت الإدارة الأميركية أن تزوّد إسرائيل بها، تحديَّاً أمام الأمن القومي العربي، إذ على القوات المسلّحة العربية أن تتطوّر سلاحياً وعتادياً بما يردّ على التسليح الإسرائيلي بشكل مناسب. ك-خارطة جديدة للشرق الأوسط: كانت الولايات المتحدة سعت، في أزمان مختلفة، إلى إعادة رسم خارطة منطقة الشرق الأوسط. والشرق أوسطية، أو "الشرق الأوسط الكبير" صيغة تسعى الإدارة الأميركية الحالية إلى ترويجها في المنطقة على أساس إدماج إسرائيل عضواً طبيعياً في المنطقة. وإذا كانت أهداف إسرائيل الصهيونية لا تتحقق بكاملها في المشروع الأميركي "خارطة الطريق" فإن "مشروع الشرق الأوسط الكبير" يستوعب بعض الأهداف الصهيونية كما أن عدم استيعاب "خارطة الطريق" جميع الأهداف الصهيونية لا يعني طيّ إسرائيل بعض أهدافها الصهيونية، وإنما يعني تأجيل ما لا يمكن تحقيقه في الوقت الراهن إلى ظرف آخر تتوفّر فيه الشروط المناسبة. ويعتبر مشروع النظام الشرق أوسطي أو الشرق الأوسط الكبير النموذج البراغماتي لخارطة المنطقة. وهو يشكّل هدف الولايات المتحدة الساعي إلى تقويض النظام الإقليمي العربي. والسوق العربية المشتركة التي اتخذت قمة بيروت (28-29/3/2002) بشأنها قراراً محدّداً، يمكن تحويلها بسهولة –حسب الرأي الأميركي- إلى سوق شرق أوسطية بضمّ تركيا وإسرائيل إليها في مرحلة أولى، وإيران في مرحلة ثانية. وإذ يسعى الفكر الاستراتيجي الأميركي إلى رسم خارطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط. فإن الغاية التي تكمن وراء هذا المسعى هي خدمة إسرائيل والمصالح الأميركية ومنها النفط. وإذا كانت بعض عوامل المشروع الأميركي مكوَّنة الآن، فإن العامل الأهمّ والأكبر والمسيطر على جميع تلك العوامل هو الرضا الشعبي العربي في المنطقة. فالأمة العربية هي صاحبة المنطقة. وما هو ليس في مصلحتها وأهدافها سيكون مصيره السقوط. وإذا ما حدث هذا الافتراض، فسيكون على روما الجديدة، أي واشنطن، أن تتذكّر ما حدث لروما القديمة (الإمبراطورية الرومانية) حينما سيطر المتطرفون عليها، فعجّلوا في سقوطها من الداخل، فتهاوت مواقعها في الخارج. إن أي خارطة تعدّها الإدارة الأميركية وتسعى إلى تطبيقها ستكرّس حالة الاستقطاب بين شعوب الأمتين العربية والإسلامية، وستطلق العنان لحرب بين الحضارة الإسلامية والجانب الأميركي من الحضارة الغربية. ونظراً إلى أن مشروع خارطة جديدة للمنطقة مشروع مستقبلي، ونظراً إلى أن مشروع الشرق الأوسط الكبير يشكّل قاعدة له، فإن مشروع الخارطة الجديدة لمنطقة الشرق الأوسط الكبير يشكّل تحدياً أمام الأمن القومي العربي. ل-تعديل بعض مناهج التعليم: طلبت الإدارة الأميركية، من وراء حجاب، أن تعدِّل بعض الدول العربية بعض مناهج التعليم فيها، ويُقصد بذلك بعض آيات القرآن الكريم، والخاصة بالجهاد، الذي حاول البعض، ومنهم الإدارة الأميركية، أن يثيروا بعض الشبهات حوله. فنحن نقرأ (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم. ولا تعتدوا إن الله لا يحبُ المعتدين( و (أُذِن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير( و (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم( و ( ولئن صبرتم لهو خير للصابرين( و( إن تعفوا أقرب للتقوى(. ويفهم من هذه الآيات أن الجهاد في الإسلام هو حركة دفاعية في مواجهة الذين يريدون أن يفرضوا العنف على الناس. وهو حركة من أجل الدفاع عن المظلومين المستضعفين. وليس هناك أي جهاد عدواني ( ولا تعتدوا إن الله لا يحبّ المعتدين( و (وإن جَنَحُوا للسلم فاجْنَح لها(. ويشكّل الطلب الأميركي بتعديل بعض مناهج التعليم تدخّلاً مباشراً في شؤون الدولة المستقلة، وتحدياً أمام الأمن الثقافي القومي العربي. ن-مقاطعة البضائع الأميركية والإسرائيلية: تمثّل المقاطعة للبضائع الأميركية والمنتجات الإسرائيلية الحدّ الأدنى من مقاومة الشعوب العربية للاحتلال الأميركي العراق، وللوجود الصهيوني في الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية المحتلّة. مع العلم أن إسرائيل تطلب في أي اتفاقية للانسحاب أن يكون في نصّ الاتفاقية مادة أو مواد تتعلّق بإنهاء المقاطعة الاقتصادية بجميع أشكالها وأنواعها. (1) ميثاق جامعة الدول العربية، المادة الثانية، وفيها تحديد لأغراض الجامعة. (2) تقول المادة السادسة من المعاهدة "يؤلف، تحت إشراف مجلس الجامعة، مجلس للدفاع المشترك، يختصّ بجميع الشؤون المتعلقة بتنفيذ أحكام المواد 2، 3، 4، 5 من هذه المعاهدة، ويستعين على ذلك باللجنة العسكرية الدائمة المشار إليها في المادة السابقة، ويتكوّن مجلس الدفاع المشترك المشار إليه من وزراء الخارجية والدفاع الوطني للدول المتعاقدة أو من ينوبون عنهم. وما يقرره المجلس بأكثرية ثلثي الدول يكون ملزماً لجميع الدول المتعاقدة". أما المواد 2، 3، 4، 5، فإنها تختص بتحديد التزامات ومسؤوليات الدول الأعضاء في المعاهدة. (3) العدد 299 (ديسمبر 2003 ويناير 2004) من "عالم المعرفة": د. مجدي حماد: جامعة الدول العربية، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص95. (4) نصّ الميثاق في مادته السابعة على أن ما يقرّره المجلس بالإجماع يكون مُلزماً لجميع الدول المشتركة في الجامعة. وما يقرّره المجلس بالأكثرية يكون مُلزماً لمن يقبله. وفي الحالتين تنفذ قرارات المجلس في كل دولة وفقاً لنظمها الأساسية". (5) الملحق الذي أقرّه مؤتمر القمة غير العادي، المنعقد في القاهرة في 21-22/10/2000. (6) قال الميثاق في مادته الأولى: "تتألف جامعة الدول العربية من الدول العربية المستقلة الموقّعة على هذا الميثاق، ولكل دولة عربية مستقلة الحق في أن تنضمّ إلى الجامعة. فإذا رغبت في الانضمام قدَّمت طلباً بذلك يودع لدى الأمانة العامة الدائمة، ويعرض على المجلس في أول اجتماع يعقد بعد تقديم الطلب". (7) قالت المادة الثانية من ميثاق جامعة الدول العربية "الغرض من الجامعة توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها، وتنسيق خططها السياسية، تحقيقاً للتعاون بينها، وصيانةً لاستقلالها وسيادتها، والنظر، بصفة عامة، في شؤون البلاد العربية ومصالحها، كذلك من أغراضها تعاون الدول المشتركة فيها تعاوناً وثيقاً بحسب نظم كل دولة وأحوالها في الشؤون الآتية: (أ) الشؤون الاقتصادية والمالية، (ب) شؤون المواصلات، (ج) شؤون الثقافة، (د) شؤون الجنسية)، (هـ) الشؤون الاجتماعية، (و) الشؤون الصحية. (8) جريدة The Jerusalem Post في 1/3/2002. (9) العدد 25 من سلسلة "قضايا استراتيجية" التي يصدرها المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، دمشق، آذار، 2003. (10) انتهت عضوية سورية في مجلس الأمن، مع نهاية العام 2003. (11) جريدة الثورة، دمشق، 2/1/2004. وقد عزت الجريدة ذلك إلى وثائق بريطانية مؤرخة في 12/12/1973. وكانت محفوظة في التصنيف (الأرشيف) الوطني البريطاني، ثم أعلنت بعد انقضاء ثلاثين عاماً عليها. وذكرت هذه الوثائق أن اللجنة المشتركة للاستخبارات حذّرت رئيس الوزراء البريطاني آنذاك إدوارد هيث من خطر قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري للحيلولة دون ارتفاع أسعار النفط. (12) Emmanuel Todd: Aprés l Empire, Essou sw la Décomposition ow systeme Amércain, Editions Gallimard, Paris 2002. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |