مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد20 السنة السابعة خريف 2004
فهرس العدد صفحة الدوريات
 
قراءة في مشروع الشرق الأوسط الكبير ـــ د.خير الله عصّار

قراءة في مشروع الشرق الأوسط الكبير ـــ د.خير الله عصّار(*)

مشروع الشرق الأوسط الكبير وثيقة تلخص مجموعة من الإصلاحات الموجهة للشرق الأوسط الكبير، صنع في واشنطون، ثم سُرب نصه الأصلي بالإنكليزية إلى الصحافة، فقامت جريدة الحياة (لندن) بترجمته إلى العربية ونشرته في عددها الصادر في 13 شباط/فبراير 2004.

***

مقدمة:

آه.. إن الشرق شرق

والغرب غرب

ولن يلتقي هذان التوأمان أبداً

إلى أن تقف الأرض والسماء معاً

على مقعد محاكمة القيامة الإلهية العظيم

روديارد كيبلينغ

غير أن الشرق والغرب التقيا في خضم الغزو الاستعماري لبلاد الشرق، الغزو الذي قامت به بريطانيا وفرنسا ودول أوربية أخرى، فتحول الشرق إلى الشرق الأدنى، ثمّ تحول إلى الشرق الأوسط حسب رغبة الغرب. حدث هذا في القرن العشرين.

ثمّ جاءت الولايات المتحدة الأمريكية إلى الشرق وقالت إنها ليست مثل أوربا القديمة، وحملت معها مشروعاً أصاب الشرق بورم من نوع فريد، فوُلِدَ الشرق الأوسط الكبير في القرن الحادي والعشرين:

ـ ألحقت تركيا بالشرق مع أنها كانت دوماً فيه،

ـ وضمت باكستان وإيران وأفغانستان إليه,

ـ وطمس اسم فلسطين،  لتحل محلها إسرائيل.

هل هذا استعمار من نوع جديد؟

في كل الأحوال هل يمحي الغرب إرادة الشرق وتطلعاته، ولا يأخذ رأيه بالحسبان!!

لمحة عامة

يرتكز مشروع الشرق الأوسط الكبير على بيانات ومعطيات وردت في تقريرين سابقين للأمم المتحدة حول التنمية الإنسانية العربية أنجزا عامي 2002 و2003 على التوالي. يتمحور التقرير الأول حول موضوع: خلق الفرص للأجيال القادمة، أمّا التقرير الثاني فيعالج موضوع: نحو إقامة مجتمع المعرفة.

ثمّة نواقص ثلاثة حددها الكتاب العرب في إطار التقريرين هي: الحرية، المعرفة وتمكين النساء. واعتبرت هذه النواقص عوامل تسهم في خلق الظروف التي تهدد المصالح الوطنية لكل أعضاء مجموعة الثماني. بناء عليه يحمل المشروع أولويات مشتركة للإصلاح هي:

ـ تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح.

ـ بناء مجتمع معرفي.

ـ توسيع الفرص الاقتصادية.

يلخص المشروع مؤشرات النواقص الثلاثة المزمع علاجها من خلال التوجهات الإصلاحية سابقة الذكر كالآتي:

ـ تبلغ نسبة الأمية 40 بالمائة لدى العرب البالغين، ثلثاهم من النساء.

ـ يدخل 50 مليون شاب عالم الشغل بحلول عام 2010 ويتضاعف هذا العدد بحلول عام 2020.

ـ يصبح معدل البطالة 25 مليونا بحلول عام 2010.

ـ يرغب 51 بالمائة من الشباب في الهجرة إلى خارج بلادهم.

ـ يهاجر حوالي 25 بالمائة من خريجي الجامعات.

ـ تبلغ نسبة النساء في البرلمانات العربية 3.5 بالمائة.

ـ يستعمل 1.6 بالمائة من السكان الانترنت.

ـ يوجد 53 صحيفة لكل ألف عربي مقابل 285 للألف في البلدان المتطورة.

ـ يبلغ ما ينتجه العرب من الكتب 1.1 بالمائة من مجموع الإنتاج العالمي، وتشكل الكتب الدينية 15 بالمائة منها.

ـ يبلغ عدد الكتب المترجمة إلى اللغة اليونانية (التي لا ينطق بها سوى 11 مليون شخص) خمسة أضعاف ما يترجم إلى العربية.

ـ يبلغ مجموع الناتج المحلي لدول الجامعة العربية كلها أقل من نظيره في أسبانيا.

ـ يعيش ثلث السكان على أقل من دولارين في اليوم.

ـ ينتشر الفساد في المجتمعات العربية.

ـ يعاني الشرق الأوسط الكبير من نقص فادح في الممارسات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

ـ يتوق معظم الشباب العربي إلى الديمقراطية ويرفض الاستبداد.

ـ إسرائيل هي الدولة الوحيدة الحرة تماما في المنطقة مقابل أربعة بلدان حرة جزئيا.

لمعالجة وضعية التخلف المروع هذه يتضمن المشروع عددا من الأفكار والمبادرات تتجسد على شكل مقترحات ومطالب. سيتم تبني المشروع في صيغته النهائية في اجتماع قمة مجموعة الثماني المقرر في حزيران/ جوان 2004 في سي ايلاند، الولايات المتحدة.

الإصلاح

يحتل "الإصلاح" دورا مركزيا في كل مجالات المشروع. ثمّة نية لصياغة شراكة بعيدة المدى مع قادة الإصلاح في الشرق الأوسط الكبير، في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. يتضمن الإصلاح تنفيذ أنشطة تنموية داخل رؤية ايديولوجية أمريكية تتمحور حول تشجيع الديمقراطية وتعزيز المجتمع المعرفي وتوسيع الفرص الاقتصادية عن طريق القطاع الخاص وبالتعاون مع القطاعات الأخرى. لقد جاء في المشروع أن أولويات الإصلاح تمثل السبيل إلى تنمية المنطقة على أساس أن الديمقراطية والحكم الصالح يشكلان الإطار الذي تتحقق داخله التنمية، بينما يكون الأفراد الذين يتمتعون بتعليم جيد أدوات التنمية أمّا المبادرة في مجال الأعمال فاعتبرت ماكينة المشروع.

المجتمع المدني

على الرغم من أن المشروع أصلا هو مبادرة من قبل حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، فإن تنفيذ القسم الأكبر منه يقع على عاتق مؤسسات المجتمع المدني في مجموعة الثماني وفي بلدان الشرق الأوسط الكبير. من المعروف أن المجمع المدني يتكون من مؤسسات غير حكومية: جمعيات، أحزاب، مجموعات ثقافية، هيئات تمثل فئات النخبة، إلخ، تقع على عاتقها مسؤولية تلقي التوجيه والإرشاد والتدريب من طرف نظيراتها في مجموعة الثماني بهدف العمل معا لتحقيق الإصلاح المنشود. ويؤكد المشروع على أن القوة الدافعة للإصلاح يجب أن تأتي من الداخل، وأن أفضل الوسائل لتشجيع الإصلاح هي منظمات تمثله. تلتزم مجموعة الثماني بما يلي:

ـ مساعدة المنظمات غير الحكومية الخاصة بحقوق الإنسان والصحافة والإعلان، على أن تنشط بحرية بعيدا عن تدخل السلطات الحكومية.

ـ إنشاء وتمويل مراكز يمكن الأفراد بوساطتها أن يحصلوا على مشورة قانونية بشأن القوانين المدنية أو الجنائية أو الشريعة والاتصال بمحامين.

ـ تدريب العاملين في المنظمات غير الحكومية خاصة منهم ذوي الميول القيادية على أساليب التأثير على حكومات بلادهم وصانعي القرار.

ـ تقديم العون اللازم في مجال تقويم الجهود المبذولة في إطار الإصلاح بغية تحسين مستوى الأداء والفاعلية.

المرأة

يتطلب التحول الاجتماعي إلى النمط الديمقراطي الحر الذي ينعت بأنه الحكم الصالح مشاركة المرأة بصورة واسعة. لذلك يغدو من الضروري تدريب النساء على القيادة عن طريق إنشاء معاهد لهذا الغرض. من أجل تمكينهن من القيام بوظائف في هياكل الحكومات أو في تسيير مؤسسات المجتمع المدني، حسبما جاء في المشروع.

الصحافة والإعلام

يعتبر المشروع أن تدني مستوى الصحافة والإعلام الحكومي على الخصوص تقتضي تدريب الصحفيين والإعلاميين في إطار برامج محددة لهذا الغرض في المنطقة أو في بلدان مجموعة الثماني بهدف تحسين أدائهم وفاعليتهم.

رجال الأعمال

يتضمن المشروع القيام بمبادرات لتحسين مستوى رجال الأعمال من خلال تنظيم دورات تدريبية قصيرة أو متوسطة المدى تمولها مجموعة الثماني، وتأسيس معاهد على غرار معهد البحرين للمصارف والمال الذي يسيره أمريكي.

التربية والتعليم

ـ بالنسبة للأمية، يقترح المشروع تكوين فرق لمحو الأمية، وبالتعاون مع منظمة اليونسكو (برنامج التعليم للجميع) لتشمل تدريب 100 ألف معلمة بحلول عام 2008 أملا بخفض نسبة الأمية إلى النصف بحلول عام 2010، كما أن هناك حاجة لإنشاء المزيد من معاهد تدريب المعلمين والمعلمات وتوسيعها، لدعم التعليم الأساسي.

ـ إنشاء مدارس الاكتشاف باستعمال التكنولوجيا المتقدمة كما في تجربة في الأردن في هذا المجال.

ـ التوسع في استعمال الانترنت عن طريق توفير أجهزة الكومبيوتر في المدارس وتسهيل اتصالها بمكاتب البريد، وفي الأرياف أيضاً بهدف تجسيد الهوة الكومبيوترية السائدة في الوقت الحاضر.

ـ تنظيم مؤتمرات ولقاءات لبحث إصلاح التعليم وتحديد النواقص والفجوات في التعليم الأساسي، على غرار ملتقى الشرق الأوسط لإصلاح التعليم في آذار ـ نيسان/ مارس ـ أفريل 2004.

النشر والترجمة

يقترح المشروع القيام بترجمة الكتب الكلاسيكية الأوربية في الفلسفة والأدب وعلم الاجتماع والطبيعة بتمويل من طرف مجموعة الثماني، فضلا عن العمل على نشر الكتب الكلاسيكية العربية ثمّ التبرع بها للمكتبات التي تعاني من تدهور ونقص فادح في هذا المضمار.

الاقتصاد والمال

ـ حسب المشروع، يجب تشجيع المشاريع الاقتصادية بأنواعها: الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، ليقدران قرضا بمبلغ 400 مليون دولار يمكن بوساطته مساعدة 1.2 مليون ناشط اقتصادي على مدى خمس سنوات على التخلص من الفقر، منهم حوالي 700 ألف امرأة.

ـ إنشاء بنوك لتمويل الإعمار ومشاريع التنمية الأولية كتوسيع انتشار التعليم والعناية الصحية والبنية التحتية.

ـ يجب أن تخفض حكومات الشرق الأوسط الكبير من سيطرتها على الخدمات المالية. وأن تحسن أدائها باعتبار ذلك أحد أهداف الإصلاح الاقتصادي.

ـ بما أن مجموع التبادل التجاري بين الدول العربية لا يتجاوز الـ 6 بالمائة من مجموع تجارتها في الوقت الراهن، ينبغي العمل على إزالة الحواجز الجمركية والمالية وتسهيل المعاملات التجارية لرفع سقف المبادلات التجارية بينها.

ـ وأخيرا، يقترح المشروع تشجيع دول الشرق الأوسط الكبير على الانضمام إلى منظمة التجارة الدولية، وإنشاء مناطق رعاية الأعمال، ومنبر الفرص الاقتصادية بهدف جمع مسؤولين كبار في مجموعة الثماني ونظرائهم في الشرق الأوسط الكبير لمناقشة قضايا الإصلاح الاقتصادي.

مكافحة الفساد

اعتبر الفساد العقبة الكبرى في وجه التنمية، لذلك لا بد من صياغة استراتيجيات وطنية لمكافحته وتعزيز خضوع الحكومات للمساءلة حول أنشطتها. يمكن أن يتم هذا التعاون مع برنامج الأمم المتحدة للتنمية في الشرق الأوسط ـ شمال أفريقيا.

ختاما ما زال المشروع قيد الدراسة والتمحيص، ومن غير المستبعد أن ينقح بعض أفكاره وفقراته، لكن هيكله العام وتوجهاته الإصلاحية الرئيسة ستبقى دون تغيير كما يبدو حتّى الآن.

نقاش

سئل ب.ف. لازرسفيلد، أحد كبار الباحثين الأمريكيين في الاتجاهات والرأي العام عن الفرق بين عالم المنهج في العلوم الاجتماعية وعالم الاجتماع فأجاب بأن عالم الاجتماع يدرس المجتمع وعالم المنهج يدرس عالم الاجتماع وهو يقوم بعلمه.

يكشف عالم المنهج الهفوات التي يرتكبها عالم الاجتماع والثغرات المنهجية التي تجعل النتائج لبحث اجتماعي غير مطابقة للواقع المراد كشفه وتحديده. لقد بني مشروع الشرق الأوسط الكبير على فرضية اعتبرت صادقة قبل أن تختبر، تتمثل في وجود علاقة ترابط إيجابية بين المتغيرين الأساسيين في المشروع كما يتضح من الفقرة التالية في نص المشروع "وطالما تزايد عدد الأفراد المحرومين من حقوقهم السياسية والاقتصادية في المنطقة، سنشهد زيادة في التطرف والإرهاب والجريمة الدولية والهجرة غير المشروعة".

بعبارة أدق، توجد أربعة متغيرات هي: التطرف والإرهاب، والجريمة الدولية والهجرة غير المشروعة تابعة لمتغير مستقل واحد هو تزايد عدد الأفراد المحرومين من حقوقهم السياسية والاقتصادية. غير أن المعلومات المتوفرة حول الإرهاب تشير إلى أن الكثيرين من مقترفي الأعمال الإرهابية ليسوا عاطلين عن العمل، وليسوا أميين بل هم حازوا على قسط معتبر من التعليم، كما أن عددا معتبرا منهم ينحدر من أسر ميسورة الحال أو غنية نسبيا. من الممكن أن نقبل جدلا رغبة شباب عاطلين عن العمل في الهجرة "غير المشروعة" لكن الأكثرية لا يتحولون إلى متطرفين أو إرهابيين لمجرد أنهم لم يحصلوا على أعمال مناسبة تؤمن لهم مستوى معيشيا لائقا. فلا بد، والحال هذه، من دراسة الترابط القائم بين الميل إلى الإرهاب والعنف والأحداث السياسية التي تجري في "الشرق الأوسط الكبير"، في فلسطين والعراق وأفغانستان، إلخ. إن الأحداث التي مرت "بالشرق الأوسط الكبير" وما زالت تلقي ظلالها على سكانه، تشكل التربة الخصبة لتقبل التطرف والإرهاب والانغماس فيهما كأفكار وعقائد وممارسات عنيفة.

لقد كان من الضروري منهجيا أن يوجه سؤال في (إطار البحث الميداني للتقرير حول التنمية الإنسانية العربية) حول صورة الولايات المتحدة الأمريكية في أذهان العينة: أولئك الذين يرغبون بالهجرة من بلادهم (51 بالمائة)، والبقية الذين لا يرغبون. فإن دلت البيانات على أن صورة واشنطون عند من يرغب في الهجرة، وعند من لا يرغب فيها سلبية، فهذا يعني أن توجها للإرهاب قائم عند الجميع سواء هاجروا أم لم يهاجروا. فمن أشد ما يخشى أن لا تؤدي الإصلاحات المقترحة، بعد تنفيذها فعلا، إلى انخفاض محسوس في نسبة انتشار التطرف والإرهاب وذلك لأن عوامل أخرى تكمن خلف الإرهاب، لم يتطرق المشروع إليها أو يأخذها بالحسبان. فمن مآسي البحث العلمي أن تقتل الفرضيات الحلوة بالوقائع المرة.

التجانس واللاتجانس

خلا نص المشروع من أية إشارة أو تلميح إلى أن المنطقة المحددة بمصطلح: الشرق الأوسط الكبير تتميز بوجود خصائص غير متجانسة ذات أهمية كبرى، على الرغم من كون معظم سكانه يدينون بالإسلام، واللغة العربية هي اللغة الأكثر انتشارا إلى جانب الإيرانية والتركية والأردية وغيرها.

في الحقيقة إن الإصلاح المنشود يتكون من قضايا وضعية ذات أبعاد بنيوية ووظيفية وأيديولوجية ترتكز على تصورات للواقع المتخلف في الشرق الأوسط الكبير. غير أن درجة التخلف والإمكانات الطبيعية والبشرية المتاحة لمكافحته ليست متكافئة في البلدان المعنية بالمشروع.

إن المعطيات والبيانات المروعة التي وردت في المشروع تعزز الاعتقاد لدى القارئ العربي بأن ثمّة رسالة موجهة إلى العرب فحواها أنهم ليسوا متخلفين فحسب، بل هم أيضا عاجزون تماما عن معالجة تخلفهم. يبدو وكأن تقريري الأمم المتحدة اللذين سبق ذكرهما يهدفان أصلا إلى بث مزيد من الشعور باليأس عند العرب خاصة وسكان الشرق الأوسط الكبير عامة.

إن اعتبار البلدان العربية كلها أفقر من أسبانيا يطمس وجود النفط العربي، كما يلغي القوة المالية التي يملكها العرب والتي قدرت بحوالي 800 مليار دولار، والمودعة في مؤسسات مالية واستثمارية في الولايات المتحدة وأوربا، والتي لا تملك أسبانيا ما يماثلها، إن سحب الودائع العربية أو مجرد نقلها من بلد إلى آخر يمكن أن يحدث هزة ضارة بالمصالح الاقتصادية الأمريكية والأوربية. لذا كان من اللازم أن يتضمن المشروع إشارة إلى أن وضعا اقتصاديا عالميا يتميز بهذه السمة يؤكد على أن العرب يملكون إمكانات لمعالجة التخلف والتأثير على مسار سياسة مجموعة الثماني لا نظير لها في الوقت الراهن.

هذا ويتعزز الاعتقاد بوجود نية غير طيبة تهدف إلى إشاعة الإحباط في الشرق الأوسط الكبير من خلال ذكر أن ثلث سكانه يعيش على دولارين للفرد الواحد في اليوم دون التطرق إلى معدلات الدخل العالية القائمة عند فئات في الثلثين الآخرين من جهة، والفروق القائمة في أسعار السلع والخدمات بين بلدان العالم من جهة أخرى. إن القوة الشرائية لمبلغ دولارين لشخص واحد في بلد عربي قد تعادل القوة الشرائية للمبلغ ذاته مضروبا بأربعة إلى ثمانية في أحد بلدان مجموعة الثماني.

فماذا تفعل أيها القارئ إذا كان لديك دولاران؟

إذا كنت في نيويورك أو باريس أو لندن أو برلين يمكنك بهذا المبلغ أن تشتري نصف ساندويش شاورما تقريبا، أو تدفع ثمن تذكرة لوساطة نقل عمومية لتنقلك من محطة للقطارات، قريبة نسبيا، إلى وسط المدينة. أمّا إذا كنت في دمشق مثلا فالدولاران (يعادلان أكثر من 100 ليرة سورية) يمكنك من تناول صحن حُمّص (طعام شعبي سوري) مع رغيفين من الخبز وبعض السلطة المجانية الملحقة بالصحن، مع فنجان قهوة تحتسيه في مقهى متوسط المستوى، بالإضافة إلى اقتناء كيلو غرام من البرتقال ومشاهدة فيلم في سينما عمومية، وأخيرا أن تدفع أجرة النقل إلى بيتك بحافلة عمومية إذا كنت تقيم في محيط دمشق. كما يحتمل أن يبقى لديك بعض الليرات لشراء جريدة يومية. بعبارة أخرى، إن أسرة دخلها 10 دولارات يوميا مكونة من خمسة أفراد يمكن في بلد عربي أن تتمتع بمستوى معيشي أعلى من أسرة تماثلها في مدينة أمريكية أو أوربية يبلغ دخلها حوالي 60-100 دولار في اليوم.

غير أن هذه الفروق في قيم السلع والخدمات لا تكفي وحدها للإحاطة بالتباينات القائمة في الأوضاع الاقتصادية لبلدان الشرق الأوسط الكبير، وكذلك موقع هذه البلدان بالنسبة للعلاقات والتبادلات الاقتصادية فيما بينها من جهة، ومع الدول الصناعية المتطورة من جهة أخرى. لذا لا بد من التوكيد على أنه ليس من مصلحة دول الشرق أبدا أن يبقى التبادل التجاري فيما بينها لا يتعدى الـ 6 بالمائة من مجموع ميزانها التجاري كما جاء في نص المشروع. كما أنه ليس من الحكمة في شيء أن تبقى بلدان الشرق مجرد دول مبعثرة على المحيط ، تدور كلها في فلك واحد حول المركز المكون من دول صناعية متطورة.

ننتقل الآن إلى نقطة أخرى.

لقد اعتمدنا في نقاشنا على مسلمة تتعلق بوجود فروق بين دول الشرق الأوسط الكبير. يمكن حصر ودراسة هذه الفروق (والتشابهات إن وجدت) من خلال أربعة متغيرات كبرى وحسب درجات ثلاث: قوية ـ متوسطة ـ ضعيفة، لكل متغير:

ـ الموارد البشرية           ـ الموارد الطبيعية

ـ الموارد المالية            ـ الخبرات العلمية والتكنولوجية.

تشكل هذه المتغيرات لدى تفاعلها مع بعضها: أنموذجا افتراضيا Hypothetical Model يمكننا من تصنيف كل دولة على حدة حسب البيانات والمعطيات المتوفرة كماً ونوعاً. لنحاول الآن تطبيق الأنموذج افتراضيا ريثما يتم جمع معلومات كافية لاختبار مدى صدقه بدقة:

الدولة

الموارد البشرية

الموارد الطبيعية

الموارد المالية

الخبرات

ـ أفغانستان موريتانيا

ضعيفة

ضعيفة

ضعيفة

ضعيفة

ـ مصر

قوية

متوسطة

متوسطة

قوية

ـ الكويت

متوسطة

قوية

قوية

متوسطة

ـ تونس/لبنان سورية

متوسطة

متوسطة

متوسطة

متوسطة

ـ العالم العربي

متوسطة

قوية

قوية

متوسطة

إن نظرة تلقى على هذا الجدول تكشف السمات الكامنة للتكامل الاجتماعي ـ الاقتصادي، والعلمي ـ التكنولوجي في العالم العربي، باستثناء إسرائيل. فوضعيتها التفضيلية من قبل الغرب، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية التي تمولها بمساعدات خاصة في المجالات الأربعة سابقة الذكر، تجعلها في وضع شاذ، لا نظير له في تاريخ العلاقات الدولية.

من جهة أخرى، لا بد من التنويه بتوكيد المشروع على أمور هامة مثل مبادرات مشاريع الأعمال الصغيرة وتشجيعها، وضرورة العمل في سبيل إزالة الحواجز والعراقيل القائمة الآن في سبيل تطوير التجارة بين الدول العربية، وبين هذه الدول من جهة وبقية العالم من جهة أخرى، من خلال فتح أبواب المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية أمّام بلدان الشرق كي يتم دمجها في الاقتصاد العالمي.

بين الأنترنيت والبحث العلمي

تطرق المشروع إلى الثغرة الكومبيوترية في الشرق الأوسط الكبير من خلال نسبة الـ 1.6 بالمائة من السكان الذين يستعملون الانترنت، لكن ثمّة ثغرة أخرى أكبر منها، إنها ثغرة البحث العلمي التي لم يرد ذكرها في المشروع. من الممكن التغلب على النقص في انتشار الكومبيوتر عن طريق تخفيض أسعار أجهزة الكمبيوتر وتسهيل الاشتراك بالانترنت، لكن القدرة على القيام بالبحوث العلمية لا تشترى، مع أنه يمكن تشجيعها بوساطة رفع نسبة المخصصات المالية لها في الميزانيات العامة.

يلاحظ في هذا السياق أن برامج تكوين الباحثين المرشحين لنيل درجات علمية في أكثر الجامعات العربية تدل على أن وضع كم هائل من المعلومات تحت تصرفهم لا يعني بالضرورة تطوير القدرة لديهم على التعامل بصورة منهجية مع هذه المعلومات، لا سيما أنهم أصلا من خريجي منظومات تربوية ـ تعليمية تؤكد على الحفظ الصم وتخزين المعلومات، بكلمات أخرى، فإن أي مشروع لإصلاح الشرق الأوسط الكبير ينبغي أن يتضمن برنامجا محددا لتكوين الفكر العلمي والقدرة على البحث العلمي واستخدام المعلومات والبيانات المناسبة لتنظير البحث وصياغة فرضياته، ومن ثمّ التوجه نحو اختبارها بصورة دقيقة في إطار المقولة: العالم يشك، والجاهل يؤكد والحكيم يتروى. إن مدرسة الاكتشاف التي سبق ذكرها والتي أنشئت في الأردن تشكل تجربة رائدة يمكن أن يستفاد منها في إطار تكوين الفكر العلمي.

من المفيد في هذا المجال بحث اقتراح لإنشاء مركز كبير للبحوث العلمية في أحد البلدان العربية، تكون مهمته بالدرجة الأولى استقطاب عناصر من النخبة المتفوقة من الطلاب والباحثين في محاولة لوقف النزيف في الكفاءات العلمية ـ العربية. من المواضيع الملحة التي ينبغي للمركز أن يبحثها، نذكر: التكنولوجيا الملائمة لحاجات وإمكانات البلاد العربية، بحوث حول الزراعة في المناطق الصحراوية، مشكلات البيئة والتلوث، المشكلات السكانية (الديموغرافية) والهجرة، فضلا عن مواضيع تتعلق بحل الصراعاتConflict Resolution ذات الطابع اللغوي أو الاثني أو الثقافي. إن مجموعة الثماني مدعوة لتقديم المشورة الفنية والعلمية في هذا المجال.

قضية المرأة

يتضمن المشروع ملاحظات حول المرأة من خلال عرضه لنسبة الـ 3.5 بالمائة من النساء في البرلمانات العربية، بالإضافة إلى توجهات نحو تشجيعهن على ممارسة أنشطة قيادية، وعلى القيام بمبادرات للأعمال والإسهام في التربية والتعليم.

بعيدا عن الجزئيات هذه، لا بد من التطرق إلى أن الإطار العام الذي تنشط وتعيش المرأة العربية ضمنه يتضمن نوعين من الضغوط المباشرة وغير المباشرة: الأول، يتعلق بتشجيعها على التماهي بالمرأة في الغرب، والثاني، يهدف إلى إبقائها في وضعيتها التقليدية حسب درجة تحرر كل بلد من البلدان العربية. في كلتا الحالتين تعتبر المرأة وكأنها كائن بشري بدون إرادة، عاجزة عن اتخاذ موقف بنفسها ولنفسها.

باختصار، إن وضعية المرأة في الشرق تتطلب القيام ببحوث ميدانية تهدف إلى التعرف إلى سلم القيم لديها بعيدا عن ضغوط الحداثة وضغوط التخلف. بذلك يمهد الطريق للكشف عن إرادتها الحقيقية دون خوف أو رياء.

لماذا؟

ـ لأن إرادة الله شاءت أن يقضي كل منا الشهور التسعة الأولى في رحم المرأة.

ـ لأن إرادة الله شاءت أن يكون غذائنا الأول من دم امرأة.

ـ لأن إرادة الله شاءت أن تكون المرأة مصدرا للحب والجمال والحياة.

ونظرا لأن إرادة الله شاءت هذه القضايا يجب أن نحترم إرادة المرأة واختياراتها.

أنا على يقين أننا لسنا بحاجة  لمشروع الشرق الأوسط الكبير ليذكرنا بما أراده الله لنا.

الديمقراطية والحرية

اختارت واشنطون أن يتضمن مشروعها إشارات إلى وجود نبضات ديمقراطية في المنطقة برزت إلى الوجود من خلال الحروب التي تخوضها في أفغانستان والعراق. واعتبرت ذلك تحديا وفرصة فريدة للمجتمع الدولي كي يسهم معها في العمل في سبيل تنفيذ إصلاحات ديمقراطية.

إن مفهوم الولايات المتحدة للديمقراطية ينطلق أساسا من الحرية وحقوق الإنسان التي استمدت أصلا من شعارات الثورة الفرنسية: الحرية، المساواة والإخاء. غير أن المؤسسين الأولين للولايات المتحدة همشوا المساواة والإخاء، وركزوا على الحرية وحدها، ونصبوا تمثالا لها في نيويورك.

من المحتمل أن يكون وراء هذا التوجه مخاوف أيديولوجية من أن أي اعتراف بالإخاء قد يستجر اعتبار الهنود الحمر، سكان أمريكا الأصليين، إخوة أو ما يقرب من ذلك؛ واعتبار السود الذين جيء بهم من إفريقيا للعمل مساوين للبيض.

بناءً على هذه الأرضية التاريخية يغدو واضحا لماذا اعتبرت إسرائيل في نص المشروع الدولة الوحيدة الحرة تماما في الشرق الأوسط الكبير، أي أنها حرة في أن تمارس ما يحلو لها خارج إطار مبادئ المساواة والإخاء من جهة، وإطار الشرعية الدولية من جهة أخرى.

لا ريب أن هذا الموقف الذي يعزز تكوين ونمو الشخصية السياسية الشوفينية والمتزمتة عن الإسرائيليين، والتي تجعل إقصاء الفلسطينيين أمراً عادياً، يعمق الهوة بين اليهود والعرب بسبب عدم وجود مرجعية إيديولوجية تتضمن شكلا من أشكال المساواة، ومن ثمّ فالموقف هذا يسهم في تمييع أية محاولة لإحلال سلام عادل من خلال إقامة دولة فلسطينية وإرجاع الجولان إلى سورية.

***

لقد تمّ تحضير المشروع في غياب تام للعرب على كل المستويات. غير أن تقريري الأمم المتحدة حول التنمية الإنسانية العربية سبق أن شارك أكاديميون ومثقّفون عرب في إعدادهما. بعبارة أخرى، تستعين واشنطون بالعرب لجمع معلومات عن العرب، لكنها ترفض الاستعانة بأي عربي أو مشاركته في تحضير مشروع يتعلق بإصلاح شعبه وأمته وغيرهم من سكان الشرق الأوسط الكبير، لقد هرولت إلى ذهني، وأنا أقلب هذا الأمر، قاعدة فقهية مفادها: إن ما بني على باطل فهو باطل!

ترى هل خشيت واشنطون أن يكشف الباحثون العرب، فيما لو شاركوا، الباطل الذي بني عليه المشروع؟

إن مشروعا يحضر بطريقة غير ديمقراطية هدفه نشر الديمقراطية بأساليب بعيدة عن الديمقراطية، لهو مشروع ينقصه الثقة بالآخر والصدقية.

السلام

في حين سيطر مفهوما التطرف والإرهاب وإعداد العدة لمحاربتهما من خلال المشروع، فهو خلا من أية إشارة إلى السلام.

لقد كان من الأفضل أن تدمج خارطة الطريق والمشروع في وحدة متكاملة داخل رؤية شاملة للسلام، باعتبارها مشروعا مستديما ينطلق من التعاون الكامل بين واشنطن والأمم المتحدة والاتحاد الأوربي وحكومات الشرق الأوسط الكبير الذي يعاني هو نفسه من الإرهاب.

لكن يبدو أن هذا أمر مستبعد الآن وفي المستقبل القريب، لأن الولايات المتحدة (وإسرائيل) بحاجة إلى مشروع آخر لإصلاحهما للتخلص من عمى القلوب. لديهما الكثير من العلم والكثير من القوة، لكن ينقصهما الكثير من الحكمة التي كان الشرق وما زال مهداً لها.

لو تصورنا حدوث معجزة  في هذا العصر ذي المعجزات التكنولوجية، معجزة تخلص قلب واشنطون من عماه، وترد إليه بصيرته، لتمت صياغة مقدمة مشروعها كالآتي:

"يمثل الشرق الأوسط الكبير تحديا وفرصة فريدة للمجتمع الدولي ليتعاون وينسق مع شعوب وقادة المنطقة بهدف تحقيق السلام والازدهار فيه. لهذا آلت الولايات المتحدة الأمريكية على نفسها، وبالتنسيق مع مجموعة الثماني أن تبذل قصارى جهدها لتحقيق هذا الهدف. لقد مضى حين من الدهر عانى سكان الشرق الأوسط الكبير من الحروب والعنف والإرهاب. ثمّة مؤشرات عديدة مشجعة على أنه آن الآوان لفتح صفحة جديدة في العلاقات السلمية بين شعوب المنطقة بغية العمل معا للتغلب على مشكلات الإرهاب والفقر والجهل والمرض مهما بدت هذه المشكلات مستعصية.. إلخ..إلخ"

لو كان ليبلينغ حيا لأعاد صياغة عبارته التي وردت في مقدمة هذه القراءة لتصبح:

آه، إن الشرق شرق

والغرب غرب

وفروق كبيرة بينهما

هنا العلم والتكنولوجيا

وهناك الوحي وخلاص الإنسان

يمكن أن يلتقيا

في مشروع إنساني للسلام.



(*)جامعة عنابة/ الجزائر.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244