مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد20 السنة السابعة خريف 2004
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

العقلانية منهجاً وإسلاماً ـــ عبد الوهاب محمود المصري

يقول(1) الفيلسوف رينيه ديكارت، الذي يعتبره الكثيرون أب الفلسفة الحديثة: "العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس" (1)، ويضيف: "لا يكفي أن يكون للمرء عقل، بل المهم هو أن يحسن استخدامه"(2).‏

والعقلانية شيء وقر في أذهان الناس على أنه شيء إيجابي وواجب، والكل يلاحظ، في هذه الأيام خاصة، تزايد الدعوة إلى العقلانية على أنها أحد المقومات الرئيسة اللازمة لأي مشروع نهضوي قادر على إنعاش هذه الأمة ودفعها نحو التقدم والازدهار.‏

وسنبحث، هنا، في العقل والعقلانية عموماً، ثم نبحث في العقل والعقلانية من منظور إسلامي، ونختم بالخلاصة والنتائج، مستندين في ذلك كله (أساساً) إلى شهادات أهل الذكر من العلماء والمفكرين..‏

1 ـ في العقل والعقلانية عموماً‏

العقل، كما يرى العالم أبو الحسن الماوردي، أس الفضائل وينبوع الآداب (3). والعقل، كما يرى الكثيرون، فارق نوعي بين الإنسان والمخلوقات الأخرى.‏

وسنبحث في هذا الجزء (الأول) من بحثنا في مفهوم كل من العقل والعقلانية، وفي ملكات العقل وعملياته وقوانينه، وفي حدود العقل، وفي العقل بين الغريزة والضمير، وننهي هذا الجزء بالبحث في العقل المستقيل.‏

1ـ 1 ـ في مفهوم العقلانية‏

عندما نسمع كلمة "العقلانية"، يتبادر إلى الذهن (مباشرة) الالتزام باستخدام العقل والحجة بعيداً عن الدوغما والسحر والخرافة والعاطفة والأسطورة.. الدوغما أو "الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقديه" (4)، والسحر الذي هو "تعليل الأحداث بغير أسبابها الطبيعية" (5)، والخرافة التي هي "رواسب معتقدات دينية قديمة لا تجد لها اليوم سنداً من المعتقدات الدينية السائدة أو من الحقائق المقررة" (6)، والعاطفة التي هي "مصدر للانفعالات ومقابل العقل" (7)، والأسطورة التي هي "قصة خيالية تنتقل بواسطة الرواية وترد حول الآلهة والأحداث الخارقة" (8).‏

وللعقلانية كمذهب مدلولان اثنان.. المدلول العام وهو رد كل ما هو موجود إلى مبادئ عقلية، والمدلول الخاص وهو الاعتداد بالعقل ضد الدين، بمعنى عدم تقبل المعاني الدينية إلا إذا كانت مطابقة للمبادئ المنطقية والنور الفطري" (9).‏

والعقلانية، من ناحية أخرى، هي "التيار الفكري الذي يجعل للعقل الأولوية في تحصيل المعرفة، وذلك في مقابل التجريبية التي تجعل الحواس مصدر المعرفة الأول"(10).‏

ويوصف الإنسان من قبل علماء الاقتصاد بالعقلانية، عندما "يسعى إلى تحقيق غايات منسجمة فيما بينها، ويستخدم وسائل تتلاءم والغايات المرجوة"(11).‏

1 ـ 2 ـ في مفهوم العقل‏

يقول العلامة الجرجاني في كتاب التعريفات: "العقل عند أهل اللغة مأخوذ من عقال البعير، يمنع ذوي العقول من العدول عن سواء السبيل" (12).‏

وللعقل عند أهل النظر تعريفات كثيرة.. منها (مثلاً)، أن العقل هو "قوة طبيعية للنفس متهيئة لتحصيل المعرفة العلمية" (13). والعقل أيضاً "قوة الإصابة في الحكم، أي تمييز الحق من الباطل، والخير من الشر، والحسن من القبيح" (14). والعقل أيضاً هو "قوة تجريد" (15).‏

ويرى أستاذ الفلسفة الدكتور سعيد مراد، أن تعريفات العقل، ومهما اختلفت وتضاربت أو تداخلت، تلتقي جميعاً أمام نقطة إحداثية مشتركة هي: اعتبار العقل حامل معرفة، وطاقة تجريد، ومركز التفكير والأحكام، وملكة متعالية شكلت التفوق النوعي للإنسان بوصفه كائناً فكرياً Homo Sapins (16).‏

وعندما يتحدثون في هذه الأيام عن "العقل العربي"، فإنهم يقصدون إما أداة إنتاج الأفكار (وبلغة قدماء الفلاسفة: القوة المدركة)، أو الأفكار نفسها (وبلغة قدماء الفلاسفة: المعقولات) (17).‏

1 ـ 3 ـ العقل.. ملكاته وعملياته‏

للعقل عدة ملكات، وأبرزها: ملكة الإدراك (أي الإحساس بالأشياء الواقعية والشعور بالأفكار الذاتية)، وملكة الحافظة (وهي وجود حافظة لحفظ الأفكار المسبقة عن الأشياء)، وملكة الذاكرة (أي تذكر الأفكار الموجودة في الحافظة) (18).‏

ومن أبرز العمليات العقلية:‏

* التصور: وهو إدراك مفردات الأشياء والمعاني (طعام، حجر، طيب، فاس).‏

* التصديق: وهو إدراك العلاقة أو النسبة بين مفردين أو أكثر. (الطعام طيب، الحجر قاس).‏

* التحليل: وهو رد الشيء إلى عناصره الأولية.‏

* التركيب: وهو الانتقال من المعاني البسيطة إلى المعاني المركبة.‏

* الاستنتاج: وهو الانتقال من الكلي إلى الجزئي.‏

* الاستقراء: وهو الانتقال من الجزئي إلى الكلي، ومن المعلوم إلى المجهول، ومن الظواهر إلى القوانين، وهو أساس المعرفة العملية (19).‏

1 ـ 4 ـ في قوانين العقل‏

يقول الدكتور محمد عابد الجابري: "الضرورة العقلية عند الفلاسفة تحكمها مبادئ أربعة تسمى قوانين الفكر الأساسية (= قوانين العقل)، وهي:‏

"1 ـ مبدأ الهوية: الذي يقرر أن طبيعة الشيء تبقى ثابتة مهما تغير أو تحول، وبالتالي يبقى هو هو، فالحديد يبقى حديداً مهما كان شكله أو وضعه.... الخ‏

"2 ـ مبدأ عدم التناقض: ويقرر أنه لا يجوز الجمع بين النقيضين، بمعنى أنه لا يجوز الحكم قط على شيء وسلب هذا الحكم عنه في الوقت نفسه والمعنى عينه، كأن تقول مثلاً: سقراط حكيم وليس بحكيم.‏

"3 ـ مبدأ الثالث المرفوع: ويقرر امتناع رفع النقيضين معاً، بمعنى أن الحكم على شيء يجب أن يكون هو أو نقيضه صواباً.. فسقراط إما حكيم أو غير حكيم.‏

"4 ـ مبدأ السببية: ويقرر أنه لا شيء يحدث بدون سبب، وأن العلاقة بين السبب والمسبَّب ثابتة لا تختلف، بحيث كلما وجد السبب وجد المسبَّب، كلما وجدت النار احترق القطن‏

مثلاً"(20).‏

1 ـ 5 ـ حدود العقل‏

يلاحظ أن بعضهم قد أصبحوا "مدمني عقل".. إنهم يريدون الإقلاع عنه، ولكنهم (كما يقول الطبيب النفساني الدكتور وليم الخولي) لا يستطيعون، ومثلهم في ذلك كمثل "مدمني الأفيون" (21)!!! إنهم الذين يعتمدون مقولة الفيلسوف كانط "لا سلطان على العقل إلا العقل"، وينصبون العقل إلهاً" قادراً على كل شيء، ويصفون أنفسهم بأنهم "مستنيرون" (22)، ويعيبون على الإسلاميين أو مثقفي التيار الديني (= الذين يعتمدون العقل والحي كليهما) أنهم غيبيون أو ميتافيزيقيون، وأنهم ـ بالتالي ـ ظلاميون (23)!!!‏

ويتمثل "كعب أخيل"، أو نقطة الضعف القاتلة، لدى الذين يؤلهون العقل، في حقيقة أن العقل كثيراً ما يخطئ، وحقيقة أن العقل ـ بحكم تكوينه ـ ذو طاقة محدودة.. فالمشاعر الصادرة عن الغرائز الفطرية (كما في حالات الفزع الشديد والحب الشديد) والغلو الديني، قد تشوه الإحساس وتضلل العقل (24). وكذلك، فإن كثيراً من العلماء والمفكرين يقررون أن العقل ليس قادراً على كل شيء، ومن ذلك على سبيل المثال:‏

* يقرر ابن خلدون في مقدمته أن "العقل ميزان صحيح وأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال. ومثال ذلك: رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب، فطمع أن يزن به الجبال. وهذا لا يدل على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن العقل قد يقف عنده، ولا يتعدى طوره، حتى يكون له أن يحيط بالله وصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه" (25).‏

* ويعترف الفيلسوف ديكارت بوجود حدود للعقل.. "ففي كتابة مقال في المنهج، وبعد أن عرض ديكارت قواعد المنهج الأربع، قام أيضاً بوضع استثناءات لا يطبق فيها المنهج، ويتم التسليم بها بناء على الأخلاق الموقتة.. فقد استثنى ديكارت من حكم العقل: العقائد والكنيسة والكتاب المقدس والعادات والتقاليد والأخلاق ونظم الحكم، فقصر تطبيق أحكام العقل على موضوعات الفكر فحسب، الرياضيات والعلوم، دون الواقع الأخلاقي والاجتماعي والسياسي" (26).‏

* كذلك، فإن الفيلسوف عمانوئيل كانط، الذي خلق عالماً فلسفياً جديداً طبع الفلسفة الأوروبية كلها بطابعه، يعترف أيضاً بأن "العقل عاجز عن حل نقائض العقل الأربعة: هل العالم له أول في الزمان أم ليس له أول؟ هل ترد الجواهر المركبة إلى جواهر بسيطة أم لا ترد؟ هل قوانين الطبيعة لا حتمية؟ وهل الطبيعة ضرورية أم حادثة" (27).‏

* ويقول العالم الفيزيائي المرموق ألبرت أنشتاين: "إن العقل البشري، ومهما بلغ من عظم التدريب وسمو التفكير، عاجز عن الإحاطة بالكون.. فنحن أشبه الأشياء بطفل دخل مكتبة كبيرة ارتفعت كتبها حتى السقف فغطت جدرانها، وهي مكتوبة بلغات كثيرة. فالطفل يعلم أنه لابد أن يكون هناك شخص قد كتب تلك الكتب، ولكنه لا يعرف من كتبها، ولا كيف كانت كتابته لها. وهو لا يفهم اللغات التي كتبت بها. ثم إن الطفل يلاحظ أن هناك طريقة معينة في ترتيب الكتب ونظاماً خفيفاً لا يدركه هو ولكنه يعلم بوجوده علماً مبهماً" (28).‏

* ويقول المؤرخ ول ديورانت: "يكفي أن نأخذ أنفسنا بقليل من التواضع وشيء من الأمانة، لنتأكد من أن الحياة والعالم في غاية التعقيد والدقة، وبحيث يصعب على عقولنا الحبيسة إدراكهما. وأكبر الظن أن أكثر نظرياتنا تبجيلاً قد يكون موضع السخرية والأسف عند الآلهة العليمة بكل شيء.. فكل ما نستطيع أن نفعله، هو أن نفخر باكتشاف مهاوي جهلنا! وكلما علمنا قلت معرفتنا، لأن كل خطوة نتقدمها تكشف عن غوامض جديدة وشكوك جديدة" (29).‏

وبذلك، يتضح تهافت مقولات الغلاة الذين يؤلهون العقل فيجعلونه قادراً على كل شيء، وقد تثبت ضرورة إعانة العقل بمصدر آخر للمعرفة هو الوحي الإلهي.‏

ونود، في ختام هذه الجزئية عن حدود العقل، أن نهمس في آذان الذين يؤلهون العقل، بأن واحداً من أكبر فلاسفة العلم المعاصرين (وهو كارل بوبر) يلاحظ في كتابه "أسطورة الإطار" أن "العلماء العظام كثيراً ما يستلهمون حدوساً غير عقلانية" (30)، والحدس، كما هو معروف، هو "الإدراك المباشر دون استدلال عقلي" (31). وأكثر من ذلك، أن المفكر الدكتور مراد وهبة يلاحظ في "المعجم الفلسفي"، أن الكوجينو (أنا أفكر إذن أنا موجود) الذي جاء به أبو الفلسفة الحديثة رينيه ديكارت، إنما هو حدس وليس استدلالاً عقلياً، والصياغة فقط هي التي توحي بأنه استدلال عقلي (32). ويقول المفكر الدكتور علي حرب: "الحدس هو مبدأ الرهان عند أرسطو، وأصل العلم عند ابن سينا ولهذا، فالتصور خاوٍ من دون حدس عند كانط، والفكرة شارحة له عندها يدغر. فالحدس، إذن (حسب علي حرب) هو الأصل، وما الاستدلال إلا شرح للحدس، وإثبات لما انكشف، ومحاولة لعرضه وبسطه للغير بغية إقناعه وحمله على التصديق" (33).‏

1 ـ 5 ـ العقل بين الغريزة والضمير‏

من المعروف أن السلوك البشري يخضع لما يمكن أن يسميه "الثلاثي الموجه"، ونعني العقل (موجهاً مباشراً)، والغريزة والضمير أو الوجدان (موجهين غير مباشرين). وسنعمد، هنا، وبعد عرض مفهوم كل من الغريزة والضمير أو الوجدان (حيث كنا قد عرضنا مفهوم العقل في مكان سابق من هذا البحث)، إلى تحديد دور كل عضو في ذلك الثلاثي..‏

آ ـ في الغريزة:‏

جاء في معجم علم النفس للدكتور فاخر عاقل: "الغريزة مصطلح وصفي يطلق على استجابة تكيفية معقدة وغير متعلمة، أو على نمط من الارتكاسات غير متعلم. أما إذا كانت العملية التكيفية متعلمة فهي عادة" (34).‏

وجاء في معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية للدكتور أحمد زكي بدوي: "الغريزة هي الدافع الحيوي الأصلي لنشاط الكائن الحي، حفظاً لبقائه وإشباعاً لحاجاته" (35).‏

والغريزة قوة محركة في اتجاه محدد. وليس لهذه القوة إمكانية التوازن، بمعنى أنها لا تعرف دائماً حدود ما يجب أن تقف عنده. وليس من صفاتها الموازنة الذاتية لتبقى ضمن الحدود المرغوب فيها. لذلك، فهي في عملها، قد تكون ضمن الحدود، وقد تكون خارج الحدود.. فهي عندما تكون داخل الحدود يكون أثرها العملي إيجابياً، ولكنها عندما تكون خارج الحدود يكون أثرها سلبياً وإن كانت غايتها إيجابية. إن الغاية في الأساس هي المحافظة على الوجود، ولكن هذه الغاية في تأثيرها العملي تختلف من مرحلة إلى أخرى، ومن حالة إلى أخرى. وهنا، يمكن أن تتكون حالة تكون الغاية فيها المحافظة على الذات، إلا أن أثرها العملي يمكن أن يكون غير ذلك ألا وهو تحطيم الذات عندما تتجاوز الغرائز حدوداً معينة وتدخل في مرحلة الاصطدام بالآخرين. إن الدافع هو حفظ الذات، إلا أن النتيجة العملية يمكن أن تكون تحطيم الذات.. ففي الإنسان غرائز تدفعه إلى السعي للحصول على وسائل العيش من أجل البقاء والاستمرار، إلا أن الغريزة ـ بسبب فقدان قوة التوازن في جوهرهاـ يمكن أن تدفع الإنسان إلى أبعد مما يحتاجه فعلاً لتحقيق تلك الغاية، فيخرج نشاط الغريزة عن نطاق الحدود، فيصطدم بالآخرين، ويقف موقف الضد من القانون والعرف الاجتماعي، فيؤدي ذلك إلى نتائج سلبية بالنسبة له أو بالنسبة للآخرين، وهذا هو معنى الجريمة (36).‏

ب ـ في الضمير‏

هناك رأي شائع في علم الأنثروبولوجيا يقول أنه لا توجد أمة لا تعرف الضمير، وإن هذه المقولة صحيحة حتى في الأمم أو الشعوب البدائية (37). ومن المسلم به على نطاق واسع، أن "قوة الضمير موجودة في كل إنسان، وأن تباينت من وقت لآخر، ومن إنسان لآخر، ومن حالة لأخرى. فالشعور بالمثل العليا والدافع الأخلاقي يكون في أقوى حالاته عند الأنبياء، ولفي أضعف حالاته عند عتاة المجرمين. أما بقية الناس فتتراوح مواقفهم بين هذين القطبين ويعني ذلك أنه حتى كبار المجرمين لا تخلو نفوسهم من الضمير مهما كانت درجة فعاليته وقوته في السيطرة على مجموع الشخصية" (38). فالضمير موجود لدى كل إنسان، وهو قبس من روح الله تعالى (39)، وهو فارق نوعي بين الإنسان والحيوان. إنه موجود دائماً، ولكنه يتوقف، مؤقتاً، عن العمل لسبب ما، كالرشوة أو الإحساس بظلم فادح، فترة قد تطول أو تقصر (40).‏

والضمير، حسب معجم علم النفس للدكتور فاخر عاقل، هو "منظومة المبادئ الأخلاقية أو مبادئ السلوك التي يتقبلها الإنسان الفرد" (41). وفي معجم المصطلحات الاجتماعية للدكتور أحمد زكي بدوي: "الضمير هو الأداء المتكامل لدى الفرد من معايير خلقية ترضى عما يقوم أو يود القيام به من أفعال أو تنكرها، والضمير هو الجانب الشعوري للوظيفة التي تقوم بالحكم على ما يقوم به صاحبها أو ما يعتزم القيام به من فعل، والتي تتمثل في الأنا الأعلى" (42).‏

ويمكن القول إذن: إن الضمير هو معمل لتصنيع المبادئ الأخلاقية (أو المثل العليا أو القيم الاجتماعية) التي هي القواعد (أو المعايير أو الضوابط) التي توجه السلوك البشري، وتختلف من مجتمع إلى آخر، فتجسد هوية المجتمع وخصوصيته كما تفعل بصمة الإصبع بالنسبة للفرد، وتعبر عن ثقافة المجتمع التي تكون مبثوثة في طريقة حياته.‏

جـ ـ في أدوار الغريزة والضمير وبينهما العقل‏

ثمة صراع بين الغريزة والضمير مستمر ودائم، ويحدث في كل لحظة (تقريباً) من أوقات اليقظة، والفائز منهما بعد كل مواجهة بينهما هو الذي يرسل "المعيار" الخاص به إلى العقل، كي يستخدمه في توجيه السلوك، واضعاً معارفه وملكاته في خدمة الفائز، لأن العقل حيادي بمعنى ما، ومثله كمثل القاضي، لا يسن القوانين، ولكنه يحكم في ضوء قوانين سبق أن سنها مشرعون.. ففي حالة فوز الغريزة، يكون المعيار (أو القانون) المعتمد لدى العقل هو "المصلحة الخاصة"، وتكون النتيجة سلوكاً هو أقرب إلى "الجريمة". وفي حالة فوز الضمير، يكون المعيار (أو القانون) المعتمد لدى العقل هو "المصلحة العامة"، وتكون النتيجة سلوكاً هو أقرب إلى "التضحية". وتنتهي أغلبية المواجهات بين الغريزة والضمير، عادة، إلى التوافق بين المصلحتين الخاصة والعامة، أي حالة لا غالب ولا مغلوب، وتكون النتيجة سلوكاً عادياً، أو وضعاً وسطياً يتراوح بين قطبي الجريمة والتضحية.‏

ولكن المشكلة الكارثية، هي أن الضمير يخوض في العصر الحاضر صراعات غير متكافئة، وهي، من أسف، صراعات مشوهة بفعل فاعل.. ذلك أن الكثيرين في هذه الأيام براغماتيون (أو ذرائعيون أو واقعيون)، فهم ـ سواء كانوا ليبراليين أو ماركسيين ـ يزعمون أن المبادئ الأخلاقية (أو القيم) ليست ثابتة، ولكنها نسبية يصنعها البشر أنفسهم، وتختلف حسب الزمان والمصلحة، فالصادق اليوم قد يصبح غير صادق في المستقبل (43)، والصادق ـ حسب الفيلسوف البراغماتي الأمريكي جون ديوي ـ هومايفيد (44).. فهم يخلطون بين "المبادئ الأخلاقية" الثابتة والمطلقة، و"أساليب السلوك" المتغيرة والنسبية (45)، ويعتبرون أن من ينجح فهو على حق، ولو كان نجاحه على جماجم الآخرين، لأن معيار الأخلاق عندهم ذاتي وينبع من الغريزة التي تتفيأ المصلحة الخاصة، وليس معياراً موضوعياً (أو أخلاقياً) ينبع من الضمير الذي يتفيأ المصلحة العامة، وبذلك، ينحدر البراغماتيون (شاؤوا أم أبوا) إلى خدمة القوة على حساب الحق، والتضحية بالمبدأ على مذبح المنفعة، وتسويغ الوسيلة في سبيل الغاية، وينحدرون (بالتالي) إلى تسويغ الأنانية والعنصرية والاستعمار والاستيطان والعولمة، وينشرون "المظلة الأخلاقية" فوق كل شر في هذا العالم!!!‏

ونحن، إذا ما استنكرنا أن الشعار الأساسي لمشروع الحداثة الغربي (كما يلاحظ المفكر السيد ياسين) هو أن "العقل هو معيار الحكم على الأشياء" (46)، وأن الحداثة (كما يلاحظ المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري) ليست مجرد استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا، "بل هي استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا المنفصلة عن القيمة" (47)، لأدركنا المصداقية العالية التي يتمتع بها قول المفكر الدكتور محمد عابد الجابري بأن الهيمنة والاستعمار والاختراق الثقافي تمثل الوجه الآخر للحداثة" (48)!!!‏

ويستذكر المفكر علي عزت بيجوفيتش قول أفلاطون في محاورة فيدون بأن "الأخلاق ليست إمكانية طبيعية للإنسان، ولا يمكن إقامتها على العقل"، ويرى (بيجوفيتش) أن العقل يدعو إلى تحقيق "المنفعة"، ولكن الأخلاق تدعو إلى تحقيق "الكمال الروحي".. فالعقل يدعو (مثلاً) إلى تدمير الخصوم، ولكن الأخلاق تدعو إلى التسامح الديني والسياسي والعرقي والوطني. وهذا التسامح ليس نافعاً بالمعنى المعتاد للكلمة. بل إن العقل قد يدعو ـ طلباً للمنفعة، وفي غياب الأخلاق ـ إلى ارتكاب الجريمة، ويشرح بيجوفيتش هذه المقولة فيقول: "طبقاً لتقرير بوليس شيكاغو لسنة 1951، فإن أكثر من 90% من جرائم السطو لم يتم التوصل إلى مرتكبيها. وكشف استبيان كيفوفر أن المجرمين الأمريكيين ينتهبون ملايين الدولارات، ويتمتعون بغنائمهم عادة بلا وازع من ضمير، وهكذا نرى أن الجريمة مربحة كما استنتج علماء الجريمة، وهي مربحة على الأخص بالنسبة لأولئك الذين يشرفون على تنظيمها ولا يقومون بارتكابها بأنفسهم، مثل عصابات المافيا وغيرها من العصابات الإجرامية. وقد أكد أحد علماء الجريمة الأمريكيين قائلاً: "يبدو أنه كلما زاد الربح من وراء جريمة قتل، قلت الفرصة للقبض على المجرم ومعاقبته". وهنا يبرز السؤال: وماذا عن ربحية الجرائم المقننة كالفن الإباحي، والكتابات الداعرة، واستعراضات العرايا، وقصص الجرائم وما شابه ذلك؟ لقد وجد (وفقاً لاستبيان أجري في باريس عام 1976) أن فيلماً داعراً أرخص في إنتاجه عشر مرات من إنتاج فيلم عادي، وأن أرباحه تزيد عشر مرات عن أرباح الفيلم العادي. ولعل أوضح مثال على الجرائم المقننة، كما يرى بيجوفيتش، تلك الجرائم التي ترتكب على نطاق واسع، كاضطهاد الأقليات، والحروب العدوانية، واحتلال الدول (لاحظ احتلال الصهاينة لفلسطين، واحتلال أمريكا وبريطانيا للعراق). ويتساءل بيجوفيتش: هل نستطيع أن نقول إن الأسبان لم يربحوا من القضاء على الهنود الحمر في المكسيك وفي وسط أمريكا وجنوبها؟ أو أن المستوطنين البيض لم يستفيدوا من الإبادة المنظمة لسكان أمريكا الشمالية من الهنود؟ أو أن القوى الإمبريالية لم تكتسب باستغلال ونهب الدول المحتلة منافع مادية؟!؟ (49).‏

ونحن نخلص في ختام البحث في "العقل بين الغريزة والضمير"، إلى أن الأزمة في العالم كله عامة، ليست أزمة معرفة، وليست أزمة موارد، وليست شيئاً آخر سوى أنها أزمة تناسب بين عقل متورم (بشكل سرطاني) يعمل لحساب الغريزة، وضمير ضعيف إلى درجة غاب فيها دوره بشكل ملحوظ!!!‏

1 ـ 6 ـ في العقل المستقيل‏

في ظننا، أن أول من استخدم تعبير "استقالة العقل" هو المفكر الفرنسي ر. ب فستوجيير R.P.Festugiere (الذي يعتبره الدكتور محمد عابد الجابري أكبر دارسي الهرمسية)، في كتابه "رؤى هرمس مثلث الحكمة" الصادر في أربعة مجلدات خلال الفترة 1944 ـ 1949. (50). وقد استخدم التعبير من قبل الدكتور الجابري في كتابه "تكوين العقل العربي" الصادر عام 1984، فقدم لنا فيه فصلين، أحدهما تحت عنوان "العقل المستقيل في الموروث القديم"، وثانيهما تحت عنوان "العقل المستقيل في الثقافة العربية الإسلامية".‏

والعقل المستقيل، حسب الجابري، هو "اللامعقول العقلي" (51) الذي جوهره "عجز العقل البشري عن تحصيل أية معرفة عن الله من خلال تدبر الكون، الشيء الذي ينتج عنه أن معرفة الإنسان للكون يجب أن تمر عبر اتصاله المباشر بالحقيقة العليا: الله" (52).‏

ويلاحظ الجابري أن أبرز ممثل للعقل المستقيل في الموروث القديم هو تيار "الهرمسية"، الذي نشأ في الإسكندرية، في القرنين الثاني والثالث للميلاد، على أيدي أساتذة يونانيين، أو أساتذة قبطيين يعرفون اليونانية (53).‏

والهرمسية نسبة إلى هرمس "المثلث بالحكمة" كما هو شائع في المؤلفات العربية، أو "المثلث بالنبوءة والحكمة والملك" كما ورد في كتاب المبشر ابن فاتك، أو "العظيم ثلاث مرات" كما يردد في المراجع الأجنبية ترجمة لكلمة Trismegiste الملازمة لاسمه المميزة له عن باقي الهرامسة، فيقال Hermes Trismegiste. وهرمس في الأصل اسم لأحد آلهة اليونانن المرموقين عندهم، وقد طابقوا بينه وبين إله مصري قديم هو الإله طوط Thoth، كما طابق بعض اليهود بين هرمس طوط هذا وبين النبي موسى... أما في الأدبيات العربية الهرمسية فقد كان هرمس يقدم على أنه النبي إدريس المذكور في القرآن الكريم، وأنه أول من علم الكتابة والصنعة والطب والتنجيم السحر... الخ(54).‏

وقد تمكن المستشرق الفرنسي لوي ماسينيون، بعد دراسته للكتب والرسائل الهرمسية، من تحديد ثلاث علامات اعتبرها مرشداً في الحكم على هرمسته نص ما من النصوص العربية القديمة، ثم أضاف إليها الدكتور الجابري علامتين اثنتين، فأصبح المجموع خمس علامات نوجز مضمونها فيما يلي:‏

* القول بإله واحد لا يعبر عنه بوصف، ولا يدرك بعقل، وإنما يتوصل إليه بالزهد والتطهير، ومواصلة الدعاء والتبتيل.‏

* القول بترابط العالم السفلي والعالم العلوي، وعدم إقامة أية فواصل بين السماء والأرض، وتفسير ذلك نظرياً باتصال آفاق الكائنات بعضها مع بعض (أفق المعادن يتصل بأفق النبات، وأفق النبات متصل بأفق الحيوان، وأفق الحيوان متصل بأفق الإنسان، وأفق الإنسان. متصل، بواسطة النفس، بأفق الملائكة أو الكائنات العلوية)، وتوظيف ذلك تطبيقاً في "التجارب" التي يقوم بها كل من المنجم والكيميائي والساحر الخ...‏

* القول بسلاسل الأسباب غير المنتظمة (الأسباب التي يغلب فيها "الشذوذ" على الإطراد، وتخضع لتقلبات التجربة وليس للضرورة العقلية)، وهذا في نظر ماسينيون ما يميز النزعة الهرمسية عن نزعة أرسطو المنطقية (55).‏

* القول بالأصل الإلهي للنفس، وهبوطها إلى البدن عقاباً لها، وإمكانية عودتها إلى أصلها للاندماج في الله. "والنفس ـ كما يقرر نص هرمسي ـ منزل إن لم يسكنه الله سكنه الشيطان"، وهذا ما يؤسس طريقة "التصوف بالانكفاء"، أو نظرية "الحلول" الهرمسية.ولهذا الحلو ( أو جعل النفس منزلاً لله لا للشيطان) منهجان: أحدهما منهج غير مباشر يتطلب وقتاً، وقوامه اعتزال الناس والعيش في خلوة تامة، وثانيهما منهج مباشر وهو الجمع، والمقصود بالجمع عند المتصوفة في الإسلام هو تحقيق الوحدة داخل الذات، ومن ثم تحقيق وحدتها مع الله، وذلك بالإمساك عن الكلام، والتوقف عن كل نشاط جسماني، وتجاهل كل إحساس، إلى أن يتحقق للإنسان ميلاد جديد، ويتم داخل الزواج بين النفس والله أو الاتحادية (56).‏

* القول بدمج العلم في الدين والدين في العلم، ومن تجليات ذلك الدمج ربط الكيمياء بالتصوف (57). ويقول فستوجيير: "إن أبرز سمات الفكر الهرمسي هو أنه فكر لم يعد فيه الفصل بين العلم والدين كما كان من قبل. وكما هو معروف، فإن الفصل الصارم بين هذين الميدانين (العلم والدين) والتمييز الواضح بين ما يؤول أمره إلى المعرفة بالعالم وما يرجع أمره إلى المعرفة بالله، وانتشال نظام المعقولية من الشوائب الميثولوجية، تلك كانت إحدى المنجزات العظيمة للفلسفة الإغريقية منذ فلسفة سقراط. أما هنا في الفكر الهرمسي، فإن هذين الميدانين (العلم والدين) قد اختلطا من جديد. لقد اختلطا في مبدئهما ومصدرهما نفسه.. ذلك لأنه لم يعد من الممكن الطموح إلى الحصول على المعرفة، أية معرفة، إلا من عند إله أو عند نبي يوحي إليه ويقدم المعرف للناس وحياً (لا بالبرهان)، تلك هي الواقعة الأساسية التي يتوقف عليها كل ما سواها" (58). ويرى الدكتور محمد عابد الجابري أن "دمج العلم في الدين والدين في العلم علامة من العلامات البارزة التي يكشف فيها "العقل المستقيل" عن نفسه وهويته.. إنه يطلب أن "يعقل عن الله" حتى تلك الأمور التي تركها الله للإنسان كي يعقلها مباشرة عن الطبيعة، فيسخرها لمصلحته، أو يتخذ منها دليلاً وهادياً إلى إثبات وجود الله نفسه، هذا فضلاً عن تلك الأشياء التي قال فيها نبي الإسلام (: أنتم أدرى بشؤون دنياكم" (59).‏

ويلاحظ الدكتور الجابري أن الهرمسية دخلت الثقافة العربية الإسلامية من خلال تعامل الأخيرة مع الموروث القديم على المستوى العالِم في عصر التدوين (من أواسط القرن الثاني الهجري إلى أواسط القرن الثالث الهجري). وقد كان موطن ذلك الموروث، وعلى مدى عشرة قرون قبل ذلك: الإسكندرية، إنطاكية، أفامية (قلعة المضيق)، حران، الرها، ونصيبين ثم بغداد، ومن قبلها جميعاً بابل ومصر واليمن(60).‏

وكان أول ما نقل من الموروث القديم، علوم الكيمياء والتنجيم والطب، على أيدي خالد بن يزيد بن معاوية وجابر بن حيان وغيرهما. أما في ميدان العقائد، فيذكر الدكتور الجابري طيفاً واسعاً من المواقع والأشكال التي احتلتها الهرمسية في الثقافة العربية الإسلامية.. "فمن الغلاة الأوائل، إلى الرافضة والجهمية وبعض التيارات المجسمة، إلى مؤسسة التصوف النظري الأوائل، إلى رسائل إخوان الصفا والفلسفة الإسماعيلية (61)، إلى التيارات الصوفية الباطنية والفلسفة الإشراقية، مروراً بأصحاب الحلول وأصحاب وحدة الشهود في القرن الثالث الهجري... إلى امتدادات أخرى، كفلسفة ابن سينا المشرقية، وتصوف الغزالي، وحكمة الإشراق للسهر وردي الحلبي (62)".‏

ويرى الدكتور الجابري أن العقل المستقيل على الطريقة الهرمسية قد كرس نظاماً معرفياً طرح نفسه في الثقافة العربية بديلاً عن النظام البياني العربي، جاعلاً من "المعرفة اللدنية" أو "العرفان"‏

بديلاً عن القياس الذي يعتمده البيان العربي. ويسمي الدكتور الجابري هذا البديل الجديد "النظام العرفاني"(63)، ويقول عن الخلاف بين العرفانيين والبيانيين: "لما كان الفقهاء والأصوليون البيانيون قد استخرجوا من دراسة القرآن، كنص لغوي، طريقة عربية بيانية لفهمه واستنباط الحكام منه، ولما كانت هذه الطريقة البيانية الفقهية القياسية لا تؤدي قط، ولا يمكن أن تؤدي إلى تلك المضامين التي صرح بها الباطنيون من الإسماعيلية والشيعة والمتصوفة بوصفها "الحقيقة" التي تقف وراء "الشريعة" (64)، فإن الفقهاء اعتبروا التأويل الباطني، شيعياً كان أو صوفياً، دخيلاً على الأفق القرآني، معارضاً وأحياناً مناقضاً لظاهر النصوص، ومن هنا، ذلك العداء المستحكم بين الفقهاء والمتصوفة. إنه عداء يعكس تعارض نظاميين معرفيين.. أحدهما يقوم على "الاستدلال"، أي يربط المعرفة بـ "الحد الأوسط"‏

الذي هو "العلة" عند الفقهاء، والآخر يقوم على "الوصال"، أي على الاتصال المباشر و"المعرفة اللدنية" (65).‏

2 ـ العقل والعقلانية من منظور إسلامي‏

منذ بدايات خلق الكون، عرض الله تعالى الأمانة (أي أمانة الإرادة الحرة أو حرية الاختيار) على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها (خوفاً من مسؤوليتها)، وحملها الإنسان. فالإنسان (وحده دون سائر المخلوقات) هو الذي رضي بحمل أمانة "حرية الاختيار" وتحمل تبعات ذلك، أي تحمل مسؤولية اختياراته.‏

ولما كان ذلك كذلك، صار الإنسان بحاجة إلى أداة يستخدمها في الاختيار.. اختيار البديل الأفضل من ضمن بدائل السلوك المتاحة، فكان أن منح الله تعالى الإنسان (وحده دون سائر المخلوقات) نعمة "العقل"، إذ ما حاجة المخلوقات التي لا تختار إلى "العقل"؟‏

وسنبحث، هنا، في العقل والعقلانية من منظور إسلامي، تحت العناوين التالية: العقل في مقاصد الشريعة، والعقلانية فريضة إسلامية، معالم العقلانية الإسلامية، تكامل وتوافق العقل والنقل، دور العقل، وننهي هذا الجزء من البحث بشهادات غريبة وشرقية في العقلانية الإسلامية.‏

2 ـ 1 ـ العقل في مقاصد الشريعة‏

يرى علماء الأصول أن كل الشرائع السماوية قد جاءت لتحقيق مصالح البشر في الدنيا والآخرة، أي تحقيق سعادتهم في الدارين، بواسطة حفظ خمسة أمور كلية وكليات أو مقاصد عليا، رتبت تنازلياً حسب أهميتها وفقاً لما اتفق عليه جمهور علماء الأصول على الوجه التالي:‏

الدين، فالنفس، فالعقل، فالنسل، فالمال (66).‏

ويقول الدكتور الشيخ وهبة الزحيلي: "بما أن للعقل الأهمية الكبرى في توجيه الإنسان وتصحيح سلوكه في الحياة، فقد اهتمت الشرائع الإلهية به اهتماماً كبيراً من طريقين: طريق تحقيقه وإيجاده، وطريق المحافظة عليه.. فتحقق العقل يكون بهبة من الله للإنسان، يجعله به نعمة كبرى تستوجب التقدير وعرفان الجميل. والمحافظة عليه تكون بمنع الإنسان من تناول ما يضره، كالخمر وبقية المسكرات، وتعاطي المخدرات كالحشيش والأفيون والقات(67).‏

وتكون أيضاً بمعاقبة المخالف الذي لم يتمثل للخطر الشرعي. قال الفقهاء: شرع حد شرب الخمر أو المسكر حفظاً للعقول عن الطيش والاختلال، بل إنه زيادة في الاحتياط، حرم الشرع كل ما يكون وسيلة إلى الحرام، كتحريم تناول القليل من المسكر، سداً للذريعة إلى الكثير، ومنعاً من فتح الباب لتعلق النفوس بهذه المشروبات أو المخدرات الضارة، وإن أوجدت نشوة أو طرباً، لأن مضارها المادية والمعنوية أكثر مما يخيل من وجود منافع لها" (68).‏

ومن المفارقات الكبرى في هذا الزمان، أن أكثر الناس تعصباً للعقل، هم أكثر الناس تناولاً للمسكرات التي تُذهب العقل!!!‏

2 ـ 2 ـ العقلانية فريضة إسلامية‏

من الثابت لدى علماء الدين أن "العقل" عماد التكليف، لأن التكليف خطاب من الله تعالى يطلب التقيد بالأحكام التكليفية (=الواجب، المندوب، المباح، المكروه والحرام). ولا يتلقى ذلك الخطاب الإلهي إلا من يعقل ويدرك معناه (69). لذلك، فقد رفع التكليف، ورفعت بالتالي المسؤولية، عن الصبي (أي غير البالغ) وعن المجنون.‏

والقرآن الكريم، وهو خطاب من الله تعالى، زاخر بالحض على استخدام العقل، والدعوة إلى استخدامه، بل والأمر باستخدامه. ويتواتر ذلك في القرآن إلى درجة تسوغ القول بأن "استخدام العقل هو الهاجس الأول في القرآن الكريم" إن صَح التعبير.‏

ولقد ذكر القرآن الكريم فعل "عَقَلَ" وما اشتق منه (خاصة) حوالي خمسين مرة، وأشار (عامة) إلى العقل ومشتقاته ومعانيه المختلفة في أكثر من ثلاثمائة آية، مستخدماً لذلك كل الألفاظ التي تدل عليه أو ترشد وتشير إليه من قريب أو من بعيد.. من التفكير، والتدبر، والتذكر، والحكمة، واللب، والنظر، والرشد، والرأي، والعلم، والقفه... إلى غير ذلك من الألفاظ التي تدور حول الوظائف العقلية على اختلاف معانيها وخصائصها، مما يعتبر تصريحات واضحة، وإيحاءات قوية، بدور العقل وأهميته للإنسان، وضرورة استخدامه في كل شؤون الدنيا والآخرة(70).‏

ويلاحظ الفيلسوف أو الوليد محمد بن أحمد بن رشد أن "القرآن كله إنما هو دعاء إلى النظر والاعتبار، وتنبيه إلى طرق النظر" (71). وأكثر من ذلك، أن القرآن الكريم يقرر أن الذين يعطلون العقل، إنما يتجردون من إنسانيتهم، وينزلون إلى مستوى البهائم، فيستحقون (في النهاية) جهنم وبئس المصير. ففي القرآن الكريم: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها (=لهم عقول لا يستخدمونها)، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام، بل هم أضل، أولئك هم الغافلون( (72).‏

ويرى الشيخ محمد عبده أن التقليد القائم على إهمال العقل، حتى في العمل الديني الصالح، ليس من شأن المؤمنين، "إذ المرء لا يكون مؤمناً إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به. فمن ربي على التسليم بغير عقل، والعمل ـ ولو صالحاً ـ بغير فقه فهو غير مؤمن. لأنه ليس القصد من الإيمان أن يذلل الإنسان للخير كما يذلل الحيوان، بل القصد أن يرتقي عقله وتتزكى نفسه بالعلم بالله والعرفان في دينه، فيعمل الخير لأنه يفقه الخير النافع المرضي لله، ويترك الشر لأنه يفهم سوء عاقبته ودرجة مضرته في دينه ودنياه، ويكون فوق هذا على بصيرة وعقل في اعتقاد" (73).‏

وهكذا، فالعقلانية، بما هي استخدام العقل فيما ينفع الناس في الدنيا والآخرة، إنما هي فريضة إسلامية.‏

2 ـ 3 ـ معالم العقلانية الإسلامية‏

يرى الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي أن العقلانية الإسلامية عقلانية علمية، ويقول في ذلك: "العقلانية مشتقة من مادة العقل، فإذا كانت عقلانية علمية، فالإسلام يرحب بها ويدعو لها، بل يعتبرها فريضة، لأن الإسلام يريد من المسلم أن يكون ذا عقلية علمية.. عقلية ترفض الخلافات، وترفض الأباطيل، وترفض الأشياء بغير برهان من الله، فلابد من هذه العقلية (74)".‏

ويرصد الدكتور القرضاوي سبعة معالم للعقلانية الإسلامية كما رسمها القرآن الكريم، وهي: 1 ـ رفض الظن في موقع اليقين (75). 2 ـ عدم اتباع الأهواء والعواطف في مجال العلم. 3 ـ رفض التقليد الأعمى للآباء والأسلاف. 4 ـ رفض التبعية للسادة والكبراء. 5 ـ رعاية سنن الله في الكون والمجتمع. 6 ـ التعبد بالنظر العقلي. 7 ـ لا تقبل دعوى بغير برهان.‏

ففيما يتعلق بالبرهان (مثلاً)، يقول الدكتور القرضاوي: "من معالم العقلية العلمية في القرآن، أنها لا تقبل أي دعوى تدعى بغير برهان علمي، يشهد لها، ويدل على صحتها وصدقها. وما لم يوجد دليل يثبت الدعوى أو القضية المطروحة، فهي في نظر العقل السليم مرفوضة ساقطة.‏

"لقد رفض القرآن ما شاع لدى كثير من أرباب الديانات السابقة من قبول الدعاوى العريضة، والمعتقدات الموروثة، دون برهان يدل على صحتها، ولم يرض بمسلك الذين قالوا: "اعتقد وأنت أعمى"‍ أو "أغمض عينيك ثم اتبعني"!‏

"إن كل مؤمن بعقيدة مطالب بإقامة البرهان على صدقها، أو التسليم لمن يدعوه إلى عقيدة غيرها يؤيدها الدليل والحجة".‏

"وبهذا قرر القرآن هذه القاعدة الجليلة: أن لا دعوى بغير برهان.‏

"نقرأ في ذلك حديث القرآن عن دعاوى أهل الكتاب وتعقيبه عليها: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، تلك أمانيهم، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين( (76)‏

وبعد أن يستشهد الدكتور القرضاوي بكثير من الآيات الأخرى التي تتحدث عن ضرورة البرهان، يلاحظ أن القرآن يسمي الحجة سلطاناً (لأنها ـ حسب ابن القيم ـ توجب تسلط صاحبها واقتداره، فله بها سلطان على الجاهلين)، ويقرر (القرضاوي) أن الشرك جهل لأنه دعوى برهان، ثم يرصد أربعة أنواع من البراهين أرشدنا إليها القرآن الكريم.. البرهان الحسي، البرهان السمعي، البرهان التاريخي، والبرهان النظري أو العقلي، وفيما يلي بعض التفصيل في تلك الأنواع الأربعة للبرهان:‏

"* البرهان الحسي: ونعني به ما يدل عليه للحس كالمشاهدة ونحوها. نقرأ في ذلك:‏

(وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، أشهدوا خلقهم، ستكتب شهادتهم ويسألون( (77).‏

"* البرهان السمعي: ونعني به البرهان المسموع من الوحي، الذي ثبت بقواطع العقل، والناطق بأوامر الرب ونواهيه. فإذا ثبتت نبوة نبي بالآيات القاطعة الدالة على أنه لا يمثل نفسه، وإنما يمثل إرادة الله الجليل، وجب الأخذ منه، والتلقي عنه، في كل ما يتعلق بأمور التشريع والأمر والنهي، والتحليل والتحريم ونحوها، ولا يقبل من أحد دعوى شيء من هذا إلا ببرهان وعلم من عند الله. وفي هذا يقول القرآن الكريم للذين حرموا وحللوا الأنعام من عند أنفسهم: (نبئوني بعلم إن كنتم صادقين( (78).‏

"* البرهان التاريخي: وهو البرهان الذي يقوم على أساس الرواية الموثقة عن أحداث سبقت، أو عن مشاهدة للآثار التي خلقها أهلها في الأرض، المعبرة بلسان الحال عما كانوا عليه من قوة وسطوة وعمارة للأرض. نقرأ في ذلك: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد. إرم ذات العماد. التي لم يخلق مثلها في البلاد. وثمود الذين جابوا الصخر بالواد. وفرعون ذي الأوتاد...( (79).‏

"* والبرهان النظري أو العقلي: وهو البرهان الذي طالب القرآن به المشركين أن يقيموه على صحة شركهم. (أم اتخذوا من دونه آله، قل هاتوا برهانكم( (80). و(أإله مع الله، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين( (81)‏

وينهي الدكتور القرضاوي الحديث عن ضرورة البرهان بتبيين أن القرآن الكريم نفسه يقيم الأدلة على القضايا العقدية الكبرى: وجود الله، التنزيه عن المولد، إنزال الكتب والرسل، والبعث والجزاء (82).‏

2 ـ 4ـ في تكامل وتوافق العقل والنقل‏

يقرر الدكتور وهبة الزحيلي أن "الهداية الربانية بالرسل والكتب السماوية (=الوحي أو النقل) خير مكمل لما يعجز عنه العقل، أو يضل في تحديده، أو يتجاوز سلطانه، ليتحقق الخير والسعادة للناس في الدنيا والآخرة" (83).‏

وفي تحديده للعلاقة التكاملية بين الشرع والتعقل، يقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي:‏

"إن الشرع الإلهي المعصوم هو وحده الذي يعرف الناس بربهم، بعيداً عن أساطير الخرافة، وأباطيل الكهانة، ويبين لهم الطريق إلى مرضاته، ويحذرهم من المسالك التي تجلب عليهم سخطه (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل( (84). كما أن مهمة الشرع الإلهي أن يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه من قضايا، وما تنازعوا فيها من المعتقدات والقيم والأفكار والأعمال، فيكون قوله الفصل وحكمة العدل، كما قال تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه( (85).‏

وقال تعالى: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله( (86).‏

"ويقول علماء الأصول: إن العقل أساس النقل، يعنون أن الوحي إنما ثبت بطريق العقل، فالعقل هو الذي دل على إمكان الوحي للبشر، ودلل على الحكمة فيه، ودلل على وقوعه بالفعل، وأقام البرهان على صحة نبوة (() وصدق رسالته، فلو فقدنا الثقة بالعقل لانهار النقل أيضاً، إذ لم يثبت إلا به. (...) ولكن العقل بعد أن يقيم الأدلة القاطعة على نبوة محمد، وأنه رسول الله حقاً، وأن الكتاب الذي جاء به إنما هو من عند الله ليس له فيه إلا التلقي والحفظ ثم التبليغ إلى الناس، بعد ذلك يعزل العقل نفسه كما قال الإمام الغزالي (في: المستصفي من علم الأصول)، ليتلقى بعد ذلك عن الوحي ما يخبر الله بن من حقائق الوجود وعوالم المغيب، وما يأمر به وينهى عنه من أحكام العبادات والمعاملات وشؤون الحلال والحرام في مجالات الحياة كلها. فمهمة العقل (بعد التصديق بالنبوة والإيمان بالرسالة)، أن يقول‏

فيما جاء به الوحي الإلهي من أخبار: آمنا وصدقنا، ويقول فيما جاء به الوحي من أحكام: سمعنا وأطعنا" (87).‏

ونحن نرى أن العلاقة بين العقل والشرع تشبه العلاقة بين المريض والطبيب.. فالمريض يبحث ويفتش ويتحرى كثيراً للوصول إلى الطبيب الذي يرى في علمه واختصاصه وخبرته وخلقه ما يؤهله لتشخيص المرض المعني ومعالجته بالكفاءة المطلوبة. ولكن، عندما يزور المريض ذلك الطبيب، فإنه يقبل، ودون مناقشة، "الوصفة الطبية" التي يوصي بها الطبيب المختار، مسلماً بجودتها وكفاءتها وقدرتها على جلب الشفاء بإذن الله.‏

أما عن التوافق بين العقل والنقل، فيلاحظ الفيلسوف ابن رشد توافق الحقيقة الفلسفية (وأساسها البرهان العقلي) والحقيقة الدينية (وأساسها الوحي الديني).. فهو يقول: "تعلم على القطع أنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له... ونحن نقطع قطعاً أن كل ما أرى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع، أن ذلك الشرع يقبل التأويل على قانون التأويل العربي. وهذه القضية لا يشك فيها مسلم، ولا يرتاب بها مؤمن. وما أعظم ازدياد اليقين بها عند من زاول هذا المعنى وجربه، وقصد هذا المقصد من الجمع بين المعقول والمنقول" (88).‏

ويؤكد الفقيه أحمد بن تيمية عدم تعارض العقل والنقل، فيقول: "المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط. وقد تأملت ذلك في عامة الناس فيه، فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع، وهذا ما تأملته في مسائل الأصول الكبار، كمسائل التوحيد، والصفات، ومسائل القدر، والنبوات، ؟ غير ذلك. ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، بل السمع الذي يقال إنه يخالفه، إما حديث موضوع أو دلالة ضعيفة، فلا يصلح أن يكون دليلاً لو تجرد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إذا خالفه صريح المعقول" (89)؟‏

ويفسر الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي ما يبدو للناس أنه تعارض بين العقل والنقل، فيقول: "إذا رأينا تعارضاً، فلابد أن ما ظنناه نقلاً ليس صحيحاً، أو ما ظنناه عقلاً ليس صريحاً، لأن العقل أثر من آثار رحمة الله بالإنسان وفضله عليه، والنقل هو وحي الله للإنسان، فكيف تتعارض آثار الله بعضها مع بعض. لا يمكن أن يحدث هذا التعارض إلا من الناحية الظاهرية الشكلية، ولكن عند التأمل، لا يمكن أن يوجد تعارض، ولابد أن يكون هناك توفيق بين ما يظن من التعارض، أو أن أحدهما ليس صحيحاً" (90).‏

ولعل من أخطر الأمور أن العلمانيين (الذين هم الدعاة إلى تأليه العقل، وبالتالي إلى سياسة الدنيا بغير الدين) يتذرعون ـ بصورة غير مشروعة ـ بما يقوله العالم الأصولي نجم الدين الطوفي (المتوفى عام 716 هـ /1316م)، أو ما قاله ابن القيم الجوزية (المتوفى عام 751 هـ/ 1350م)، ليشرعنوا تقديم المصلحة على النص أو الشريعة، وبالتالي تقديم القوانين الوضعية على ما جاء به الوحي..‏

* ففيما يتعلق بالطوفي: يزعمون أنه يقدم المصلحة على النص في حال تعارضهما، على أساس أن المصلحة تخصص النص. ولكن تهافتهم يتأكد عندما يعلم أن الطوفي ـ كما يلاحظ الدكتور القرضاوي ـ لم يحدد المراد بالنص الذي تخصصه المصلحة: هل هو مطلق النص من الكتاب أو السنة وإن كان ظنياً، أو المراد النص القطعي في ثبوته ودلالته؟ والأول هو اللائق بأن يصدر عن عالم أصولي، والثاني لا دليل عليه في كلامه، بل في كلامه ما يفيد العكس.. فقد استثنى المقدرات والعبادات مما قاله، وما ذاك إلا لأن التقديرات قد حددها الشارع بوضوح فلا تقبل احتمالاً آخر، مثل: تحديد أنصبة الورثة، ومقادير الواجب في الزكاة، ومدة المعدة للمرأة المطلقة والمتوفى عنها زوجها، وعدد الجلدات في الحدود ونحوها. كما أن العبادات المحضة يجب أن تؤخذ بالتسليم. أما إن كان يراد بالنص الذي يخصص بالمصلحة: النص القطعي، فهو لم يذكر لنا مثالاً واحداً يظهر فيه المتعارض بينهما" (91).‏

* وفيما يتعلق بابن القيم: إنهم ينسبون إليه القول "حيث توجد المصلحة فثم شرع الله". ويقرر الدكتور القرضاوي أن "إطلاق هذه الكلمة عن ابن القيم أو شيخه ابن تيمية لم يثبت عنهما، ولا يتصور منهما، وهما أشد الناس تمسكاً بالنصوص ودعوة إلى الاتباع. وإنما تقبل هذه الكلمة "حيث توجد المصلحة فثم شرع الله" فيما لا نص فيه، أو فيه نص يحتمل تفسيرات عدة ترجح أحدهما المصلحة" (92). ونحن، إذا عدنا إلى ما يقوله، فعلاً، ابن القيم حول الشرع والمصلحة، نجده في كتابه "الطرق الحكمية" يقول: "إن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات. فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه" (93). ويقول في كتابه "أعلام الموقعين" نحو ذلك أيضاً، إذ يقول: "إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل" (94). وهكذا، فإنه يمكن الاستنتاج منطقياً مما ورد أعلاه عن ابن القيم (ومن حقيقة أن تقدير المصلحة قد يخضع للهوى)، أنه "حيث يوجد شرع الله فثم مصلحة الناس"، وهذا عكس ما يزعمه العلمانيون لغاية في نفس يعقوب!!!‏

2 ـ 5 ـ دور العقل‏

إن وجود النص الإلهي المقدس ليس عائقاً أمام العقل يمنعه عن التحليق والإبداع.. فقد ترك الوحي للعقل مجالات عدة يثبت فيها ذاته ويبرز قدراته، ومنها:‏

أ ـ ترك الوحي للعقل في مجال العقيدة أن يهتدي إلى أعظم حقيقتين في هذا الوجود..‏

* الحقيقة الأولى: وجود الله تعالى ووحدانيته.. فالفطرة السلمية والنظر الصحيح (في آيات الآفاق والأنفس)، كلاهما، يهديان إلى "الإيمان" بوجود الله ووحدانيته. والإيمان عملية عقلية هي التصديق وحالة نفسية هي الاطمئنان.. فالإيمان عملية تصديق بالقلب الذي هو العقل، مسبوقة بالتصور والاستنتاج والحكم وكلها من أعمال العقل. ويتبع هذا التصديق، بالضرورة، اطمئنان النفس وثقتها بمصداقية الله تعالى، من حيث أنه يقودها إلى بر الأمان في الدنيا والآخرة. وهكذا، فالنفس المطمئنة هي النفس المؤمنة (95).‏

* الحقيقة الثانية: ثبوت الوحي والنبوة والرسالة.. فالعقل هو الذي يثبت إمكان ذلك ووقوعه بالفعل، وأن هذا الشخص المعين رسول من عند الله. العقل هو الحكم الأول والأخير في هذه القضية، ولا مدخل هنا للاستدلال بالنقل ونصوص الوحي.. إذ كيف يستدل بما لم يثبت بعد؟‏

ب ـ وترك الوحي للعقل في مجال التشريع، أن يجول ويصول في فهم النصوص.. فيفرع على الأصول، ويقيس على الفروع، ويستنبط الأحكام، ويكيف الوقائع، ويرى القواعد في جلب المصالح ودرء المفاسد، ورفع الحرج وتحقيق اليسر، وتقدير الضرورات بقدرها، واعتبار العرف، ورعاية ظروف الزمان والمكان... الخ‏

جـ ـ ثم ترك الوحي للعقل بعد ذلك، أن يجول في آفاق هذا الكون العريض ما شاء، صاعداً إلى الأفلاك، وهابطاً إلى الأرض، ومتأملاً في النفس. (قل انظروا ماذا في السموات والأرض((96)، (وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون( (97). ترك له أن يكشف من ظواهر هذا الكون ما استطاع، وأن يسخر ما قدر عليه، فكل ما فيه سخره الله لمنفعته(وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون( (98).‏

د ـ وترك الوحي للعقل أن يبتكر ويخترع، في وسائل الحياة وأمور الدنيا، ما شاء، مادام ملتزماً حدود الحق والعدل (ولا تنس نصيبك من الدنيا( (99). و(أنتم أعلم بدنياكم(.‏

هـ ـ وترك الوحي للعقل أيضاً، أن يستفيد من تجارب الآخرين، وينتفع بتراث السابقين ومعارف اللاحقين. (فاعتبروا يا أولي الأبصار((100)، (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون( (101)‏

ويتبين مما سبق، أن الوحي الإلهي لم يشل العقل البشري ولم يجمده، بل إنه يهديه ويعينه في بعض المجالات، ويترك له الحرية الكاملة والاستقلال المطلق في مجالات أخرى، وأنها لكثيرة ورحيبة(102).‏

2 ـ 6 ـ شهادات في العقلانية الإسلامية‏

نورد فيما يلي ست شهادات في العقلانية الإسلامية موجزة، ثلاث أدلى بها مفكرون من الغرب، وثلاث أدلى بها مفكرون من الشرق..‏

* يقول المستشرق الألماني البروفسور شقيفان فيلر: "إن ايمانوئيل كانت رائد التنوير في ألمانيا قال: التنوير يؤسس من خلال استخدام العقل البشري بجرأة في كل المجالات. ونحن نرى أن للحضارة الإسلامية تراثاً تنويرياً قد أغفله النقاد والمؤرخون. ومن الأمثلة على ذلك: علم أصول الفقه في إطار علم الاجتهاد، وعلم الكلام في تقبله لفلسفة أرسطو، وعلم الطبيعة كوسيلة لاكتشاف قوانين الطب والنظم الرياضية وعلم الفل"(103).‏

* ويقول المفكر الفرنسي جاك بيرك، الذي ترجم معاني القرآن الكريم وقضى في ذلك أكثر من عشرين عاماً: "لقد أقنعتني الدراسة المعمقة للقرآن بالمكانة الكبيرة التي يفسحها دينكم للعقل البشري" (104).‏

* ويقول الروفسور جوزيف شاخت في دراسته عن الشريعة الإسلامية: "بالرغم من أن التشريع الإسلامي قانون ديني، فإنه من حيث الجوهر لا يعارض العقل بأي وجه من الوجوه" (105).‏

* ويقول الدكتور أحمد ماضي، رئيس الجمعية العربية للفلسفة: "إن القرآن والحديث يدعوان بإلحاح إلى إعمال العقل" (106).‏

*ويقول الدكتور زكي نجيب محمود: "إذا نظرنا إلى الإسلام، لوجدنا أن منطق العقل كانت له الأولوية الأولى عند الباحثين المسلمين على اختلاف ميادينهم التي يجولون فيها" (107).‏

* ويقول الدكتور حسن حنفي: "لقد رفع الإسلام قيمة العقل، وحض على النظر، ووجه الإنسان إلى الطبيعة للسيطرة على قوانينها... ويهدف الإسلام إلى تحرير المجتمعات الإنسانية من الطغيان، والإيمان بوحدة الإله، والاستماع إلى صوت العقل، ومقاومة كل سيطرة على الأجسام والأرواح" (108).‏

الخلاصة والنتائج‏

يقول الفيلسوف ديكارت: لا يكفي أن يكون للإنسان عقل، ولكن المهم أن يحسن استخدامه.‏

إن العقل شيء يختص به الإنسان، وهو يتمتع بعدة ملكات مثل: الإدراك والحافظة والذاكرة، ومن أبرز عملياته: التصور والتصديق، والتحليل والتركيب، والاستنتاج والاستقراء. وتحكم تلك العمليات أربعة مبادئ، وهي: مبدأ الهوية، مبدأ عدم التناقض، مبدأ الثالث المرفوع، ومبدأ السببية.‏

والعقل منحة من الله تعالى للإنسان، ليستخدمها في ممارسة "الأمانة" التي هي حرية الاختيار.. الاختيار المؤدي (عادة) إلى اتباع طريق الحق والعدل الذي هو طريق الإيمان، الذي يؤدي (بالضرورة) إلى تحقيق مصلحة البشر في الدنيا والآخرة.‏

وفي ظننا، أن العقل من منظور الإسلام هو الوسط بين تطرفين، أحدهما تطرف بالتفريط، وثانيهما تطرف بالإفراط..‏

* فالتطرف بالتفريط يجسده "عقل مستقيل" لدى العرفانيين من الشيعة والمتصوفة وغيرهم، أي عقل عاجز عن تحصيل المعرفة.. فالله لا يعرف بالعقل، ولكنه يعرف بتطهير النفس فالفناء في الله، ولا عبرة في استنباط الأحكام الشرعية للإجماع والقياس (وهما أصلان عقليان)، والقول ما يقوله إمام معصوم أو ولي محفوظ.‏

* والتطرف بالإفراط يجسده "عقل إله" لدى العلمانيين من الليبراليين والماركسيين وغيرهم من مؤلهة العقل. إنهم يعتبرون العقل قادراً على كل شيء، وبما في ذلك إنتاج القيم وكل أنواع المعرفة، رغم حقيقة أن العقل قد يخضع للغرائز (كما في حالات الفزع الكبير والحب الشديد) والغلو الديني، ورغم اعتراف مفكرين وعلماء مرموقين (مثل: ديكارت وأنشتاين وابن خلدون وول ديورانت) بمحدودية العقل وتناهيه. وهكذا، فالقوانين الوضعية (عند العلمانيين) بديل للشريعة كفء وكاف، ولا حاجة للبشر بأي مصدر للقيم ولا بأي مصدر للقيم ولا بأي مصدر آخر للمعرفة غير العقل والحواس، ولا فرق بين القيم أو المبادئ وأساليب السلوك المجسدة لها، والقيم ليست مطلقة يصنعها الضمير لتحقيق الكمال الروحي بتحقيق المصلحة لإشباع الغريزة. وهكذا فهم يرفضون حاكمية الوحي أو حاكمية الضمير، ويخضعون لحاكمية العقل أو حاكمية المصلحة التي هي في جوهرها حاكمية الغريزة (بل إن بعضهم يقبلون حاكمية السوق أو حاكمية السوق أو حاكمية البنك الدولي وصندوق النقد الدولي سيئي الذكر)!!! وهم يعتبرون أنفسهم "مستنيرين" ودعاة تقدم وتنوير، بينما يعتبرون الذين يؤمنون بحاكمية الوحي والمبادئ "ظلاميين" ودعاة تخلف ورجعية وعودة إلى القرون الوسطى (التي كانت، في حقيقة الأمر، للغرب "عصر ظلمات"، بينما كانت للحضارة العربية الإسلامية عصر ازدهار وسيادة على العالم)!!! وينتهي الأمر بمؤلهة العقل، شاؤوا أم أبوا، إلى تسويغ الجرائم التي ترتكب لإشباع الغريزة في غياب الضمير، مثل: استعمار الشعوب ونهب خيراتها (كتسويغ كارل ماركس لاستعمار الهند، وتسويغ فريدريك انغلز لاستعمار الجزائر)، وإحداث المشكلات البيئية المدمرة (كالتلوث والتصحر)، وممارسة الاستبداد السياسي والفساد المالي والإداري. وهكذا، فالذين قدسوا العقل ـ ما يلاحظ الدكتور علي حرب ـ وقعوا ضحيته (109)!!!‏

والحق أن العقل هو أداة (من ضمن أدوات أخرى) لتحصيل المعرفة، وهو الأداة للحكم على الأشياء. والعقلانية منهج أكثر منها رؤية، وهي استخدام العقل لإصدار الحكام في ضوء معايير (أو قيم أو قوانين) ينتجها الضمير. وهي معايير تتفيأ سلوكاً يحقق مصلحة البشر في الدنيا والآخرة. ويمكن القول: إن تشغيل العقل، ضمن حدوده، في ضوء معايير الضمير، هو المعادل الموضوعي لحسن استخدام العقل الذي أكد على ضرورته الفيلسوف ديكارت. فالعقلانية، إذن، ظاهرة تخص الفكر والعمليات العقلية، لا السلوك والممارسات العملية...‏

وهكذا، يكون"الحكم" الذي يصدره العقل "عقلانياً"،إذا كان متخذاً في ضوء المعايير التي ينتجها "الضمير" لخدمة مصلحة البشر في الدنيا والآخرة، بينما يكون "الحكم" غير عقلاني إذا ان متخذاً في ضوء معايير تنتجها "الغريزة" التي عادة ما تؤدي إلى إلحاق الضرر بمصلحة البشر في الدنيا والآخرة. فالحكم إذن (في هذه الحالة الأخيرة)غير عقلاني رغم أنه صادر عن العقل.‏

وحيث أن السلوك الأخلاقي هو السلوك الذي يخدم مصلحة البشر في الدنيا والآخرة، فإن الحكم العقلاني يفرز (بالضرورة) سلوكاً أخلاقياً، بينما يفرز الحكم غير العقلاني (وبالضرورة أيضاً) سلوكاً غير أخلاقي. وهكذا..‏

* فكل سلوك يدعم الظلم والباطل على حساب العدل والحق، هو سلوك من مخرجات اللاعقلانية، ولو كان نتيجة حكم صادر عن العقل نفسه.‏

* وكل سلوك يحقق المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة، هو سلوك من مخرجات اللاعقلانية، ولو كانت نتيجة حكم صادر عن العقل نفسه.‏

* وكل سلوك يبتغي الدنيا فحسب ويتجاهل الآخرة، هو سلوك من مخرجات اللاعقلانية، ولو كان نتيجة حكم صادر عن العقل نفسه.‏

ومن الواضح أن السلوك اللاأخلاقي قد يمارس نتيجة لاستخدام العقل، وقد يمارس أيضاً في غياب العقل، كما في حالة كون الإنسان طفلاً أو مجنوناً.‏

وحيث أن للعقل هذا الدور المركزي في حياة الإنسان، فقد جعل "حفظ العقل" من المقاصد العليا للشرائع السماوية كلها، وجعلت العقلانية فريضة إسلامية.‏

ومن معالم العقلانية الإسلامية: رفض الظن في موضع اليقين، وعدم اتباع الأهواء والعواطف في مجال العلم، ورفض التبعية للسادة والكبراء، والتعبد بالنظر العقلي، ورعاية سنن الله في الكون والمجتمع، وعدم قبول دعوى بغير برهان. والبرهان في القرآن الكريم على أربعة أنواع: برهان حسي، وبرهان سمعي، وبرهان تاريخي، وبرهان نظري أو عقلي.‏

وللعقل، من منظور إسلامي، أدوار كبيرة يقوم بها (بل يجب أن يقوم بها) في مجالات العقيدة (إثبات وجود الله ووحدانيته، فإثبات الوحي والنبوة والرسالة)، وفي مجالات كثيرة أخرى، مثل الاجتهاد في الفقه، والإفادة من تجارب الآخرين، وتسخير المخلوقات الأخرى للإنسان.‏

والأصل في العلاقة بين العقل والنقل التكامل والتوافق، ولا تعارض بين المنقول الصحيح والمعقول الصريح، لأن كليهما من آثار الله تعالى، ولأن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له. وعندما يبدو للمرء تعارض بين المعقول والمنقول، فإن هذا التعارض يكون ناشئاً إما عن خطأ ما في العمليات العقلية، أو خطأ ما في فهم أو عمليات النقل، فلابد من المراجعة والفحص والتدقيق.‏

ولا وجه شرعياً لتقديم المصلحة على النص أو الشرع (عندما يبدو التعارض)، والقول بوجود الشرع حيثما توجد المصلحة. ولما كان الله تعالى أدر من مخلوقاته بمصلحتهم، وكان تقدير المخلوقات للمصلحة عرضة لأن يصدر عن الهوى، فإن الحق أن يقال: حيثما يوجد شرع الله فثم مصلحة الناس.‏

وآخر الكلام وزبدة القول: العقل هو أداة لتحصيل المعرفة، وهو الأداة للحكم على الأشياء والعقلانية حسب الفيلسوف ديكارت هي حسن استخدام العقل. والعقلانية: من منظور إسلامي، هي تشغيل العقل، ضمن الحدود المرسومة له، وفي ضوء معايير الضمير الذي هو قبس من روح الله تعالى. ويمكن تشخيص المرض العضال الذي يعاني منه العالم في هذا العصر بأنه: تضخيم في العقل مع ضمور في الضمير‍‍.‏

الهوامش والمراجع:‏

(1) ذكره: الدكتور حسن حنفي، مقدمة في علم الاستغراب، (القاهرة،الدار الفنية، 1991)، ص 284.‏

(2) ذكره: الدكتور عبد العزيز المقالح، بالعقل وحده يحيا الإنسان ويتقدم، جريدة "الراية"، الدوحة، 11/10/2003.‏

(3) أبو الحسن الماوردي، أدب الدنيا والدين، تحقيق الدكتور مصطفى السقا، (دمشق، دار الفكر، الطبعة الثالثة، دون ذكر تاريخ)، ص 19.‏

(4) الدكتور مراد وهبة، المعجم الفلسفي، (القاهرة، دار الثقافة الجديدة، الطبعة الثالثة 1979)، ص 279.‏

(5) الدكتور زكي نجيب محمود، المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري، (القاهرة، دار الشروق، دون تاريخ)، ص 437.‏

(6)الدكتور أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية (بيروت، دار العلم للملايين، 1977)، ص 415.‏

(7) الدكتور مراد وهبة، المعجم الفلسفي، المرجع الأسبق، ص 260.‏

(8) الدكتور أحمد زكي مبردي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، المرجع الأسبق، ص 277.‏

(9) الدكتور وهبة، المعجم الفلسفي، المرجع الأسبق، ص 279.‏

(10) كامل زهيري (مراجع)، موسوعة الهلال الاشتراكية، (القاهرة، دار الهلال، الطبعة الاولى، يوليو 1968)، ص 353.‏

(11) موريس غودولييه، العقلانية واللاعقلانية في الاقتصاد، ترجمة عصام الخفاجي، (دمشق، وزارة الثقافة، 1995)، ص 67.‏

(12) العلامة علي بن محمد السيد شريف الجرجاني، كتاب التعريفات، تحقيق الدكتور عبد المنعم الحفني، (القاهرة، دار الرشاد، 1991)، ص 173.‏

(13) و(14) الدكتور جميل صليبا، المعجم الفلسفي، (بيروت، الشركة العالمية للكتاب، 1982)، ج1، ص 86.‏

(15) الدكتور وهبة، المعجم الفلسفي، المرجع الأسبق، ص 274.‏

(16) الدكتور سعيد مراد، العقل الفلسفي في الإسلام، (القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1993)، ص 31.‏

(17) انظر: الدكتور محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية وجماعة الدراسات العربية والتاريخ والمجتمع، الطبعة الثالثة 1988)، ص 12.‏

(18) باختصار عن: عبد الجبار الوائلي، العقل والنفس والروح، (بيروت، منشورات عويدات، 1982)، سلسلة "زدني علماً"، العدد 162، ص ص 9 ـ 20.‏

(19) عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، ضوابط المعرفة، (دمشق، دار القلم، الطبعة الثالثة، 1988)، ص 18.‏

(20) الدكتور محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية 1987)، ص 217 و218.‏

(21) الدكتور وليم الخولي عبيد، العقل نوع من الإدمان، مجلة "العربي" ـ الكويت، العدد 176، يوليو/تموز 1973، ص 64و65.‏

(22) يحذرنا الفكر الدكتور جلال أمين من "تجار التنوير" في هذه الأيام، فيقول:‏

"خلال الحرب الباردة ضد الشيوعية ـ كان الشعار المعلن هو حماية الدين من الشيوعية. أما الآن، فإن الشعار المرفوع هو حماية حرية الرأي من الدين!!! كانت التهمة الفظيعة التي توجه إلى الداعية إلى أي نوع من العدالة الاجتماعية هي تهمة الكفر. أما الآن، فقد أصبحت التهمة الفظيعة هي العكس بالضبط، وهي الإسراع باعتبار الآخرين كفاراً!!! وبعبارة أخرى، كانت التهمة في الماضي هي أن الإيمان لم يكن قوياً بالدرجة الكافية. أما الآن، فالتهمة هي أن الإيمان أكثر من اللازم.‏

"إن كثيرين جداً ممن يرفعون شعار التنوير اليوم هم الوارثون المباشرون لمن كانوا يرفعون منذ خمسين عاماً شعار الدفاع عن العالم الحر، ولم يكن يهم هؤلاء ولا أولئك، لا السابقين ولا اللاحقين، لا الحرية ولا التنوير في الحقيقة، والمهم فقط هو إعلان ولائهم للجواد الرابح!!!‏

"كان المدافعون والمروجون للسياسة الأمريكية منذ خمسين عاماً يذرفون دموع التماسيح من الخطر الذي يهدد الإسلام. أما الآن، فهم يذرفون دموع التماسيح أيضاً من الخطر الذي يهدد التنوير!!!...‏

"لقد أدركوا أن أربح تجارة الآن هي "الاتجار بالتنوير"، إذ أن الولايات المتحدة وأنصارها في الغرب لا يظهرون الآن من الكرم والأريحية إزاء مثقفي العالم الثالث، وعلى الأخص المثقفين العرب والمسلمين، مثلما يظهرون لدعاة "التنوير". وإسرائيل تظهر لهم نفس الدرجة من الرضا والترحيب"!!! (د. جلال أمين، موسم التجارة بالتنوير، جريدة "العربي" ـ القاهرة، 25/11/2001.‏

(23) الحق هو أننا، كلنا، غيبيون أو ميتافيزيقيون، ولكن بعضهم يعترفون بذلك، بينما لا يعترف الآخرون.. فالإسلاميون أو مثقفو التيار الديني لا يخفون أنهم يؤمنون بالغيب، ولا يرون في إيمانهم بالغيب مشكلة من أي نوع، بل إنهم يدعون إلى الإيمان بالغيب لأن الإيمان بالغيب هو الأساس في الدين الذي يدعون إلى اعتماده موجهاً للسلوك الفردي والجماعي والمجتمعي في هذه الحياة. ولكن الماركسيين والليبراليين ـ كما يلاحظ الدكتور جلال أمين ـ غيبيون أو ميتافيزيقيون ولكنهم لا يعترفون بذلك..‏

* ففيما يتعلق بالماركسيين، يرى الدكتور أمين "إمكان وصف كثير من المواقف الماركسية بالميتافيزقية، بمعنى الالتجاء إلى إصدار الأحكام العينية أو القيمية التي لا يمكن الجزم بصحتها أو خطئها بالرجوع إلى الواقع. فمن الممكن الزعم (مثلاً) بأن الفلسفة المادية الماركسية هي على قدم المساواة مع الموقف الديني من حيث اعتمد كل منهما على موقف ميتافيزيقي مسبق من قضية أسبقية المادة على الفكر أو الفكر على المادة. ومن الممكن (أيضاً) الزعم بأن كثيراً من الأفكار الفلسفية الماركسية عن التناقض وحتمية الصراع والتطور الكمي والكيفي، وإن كانت تقدم نظرة خصبة ومثيرة إلى العالم والتاريخ، فهي لا تزيد عن كونها نظرة خاصة إلى الواقع ليس هناك أي سند علمي لها، وقد تكون أقرب إلى الشعر منها إلى العلم. والماركسية، وإن كانت قد قدمت خدمة جليلة بتأكيدها على أهمية العامل الاقتصادي في التاريخ، رددت تحيزاتها الخاصة وهي تقسم التاريخ إلى مراحل حتمية، أو هي تحاول فرض مفهوم جامد للاستغلال والقهر على كل مراحل التاريخ السابقة واللاحقة. لا نريد أن نغمط الماركسية فضلها في كل هذه المجالات، ولكننا نريد فقط أن نؤكد على أنها، سواء في الفلسفة أو التاريخ أو الاقتصاد، قد التزمت بأحكام قيمية مسبقة صادرة عن موقف أخلاقي أو سياسي قد نشاركها فيه أو لا نشاركها، ولكننا لا يمكن الزعم بأنه جاء نتيجة حتمية لاستقراء صارم للواقع. فللماركسية، إذن، ألف سبب للتردد قبل أن توجه سخريتها إلى السلفيين والتراثيين والميتافيزيقيين، فهي بدورها سلفية وتراثية وميتافيزيقية، وسر جاذبيتها ليس هو بالضبط التزامها الصارم بالروح العلمية، بل موقفها الأخلاقي والسياسي المناصر للغالبية من بسطاء الناس".‏

* وفيما يتعلق بالليبراليين، يرى الدكتور أمين أن "من الممكن توجيه الانتقاد نفسه إلى العلماني الليبرالي على الرغم من زهوه المفرط بتخلصه من غيبيات الدين والماركسية على السواء.. ففي مجال "العلوم" الاجتماعية والإنسانية، يحق للمرء أن يتساءل عن مدى نجاح التراث الغربي في التخلص من الأحكام المسبقة التي لا سند لها من العلم، وعما إذا كان يدأب على تقديم ثمرات أحكامه وقيمه النابعة من ثقافة المغرب الخاصة ونظرته الخاصة إلى الله والإنسان والطبيعة وكأنها ثمرات تقدم الفكر الإنساني المجرد. على أي أساس من العلم (مثلاً) يستند الفصل الذي أجراه ميكيافيلي بين السياسة والأخلاق، أو التقليد الديمقراطي الغربي في اعتبار الناس جميعاً متساوين بالطبيعة، وأن للفرد صوتاً واحداً بصرف النظر عن دخله أو مركزه الاجتماعي، أو أن حق الملكية الفرد لا يجوز المساس به، أو أن حق الفرد في استهلاك ما يشاء لا يجوز تقييده، أو أن حق المنتج في تكييف رغبات المستهلكين لا يجوز تقييده أيضاً؟ وعلى أي أساس من العلم يستند تبني الدولة لهدف تعظيم معدل النمو، أو إنتاج الطائرة الأسرع من الصوت أو غزو الفضاء قبل سد الحاجات الأساسية؟وما هو الأساس العلمي للاعتقاد بأن التكنولوجيا الحديثة كفيلة بحل المشكلات الناجمة عن التكنولوجيا القديمة، وأن تاريخ الإنسان هو تاريخ التقدم البشري، وأن كل مرحلة تاريخية هي بالضرورة "أعلى" من سابقتها، وأنه كلما ازدادت درجة اليقين في التنبؤ بالمستقبل ازدادت سعادة الإنسان، وأنه كلما اتسع نطاق حرية الاختيار المتاحة للفرد ازدادت رفاهيته؟ وعلى أي أساس من العلم (أيضاً) تستند فلسفة التربية القائمة على إتاحة أكبر قدر من الحرية للطفل في التعبير عن أهوائه، وتنمية روح الاستقلال لديه، أو اعتبار زيادة ساعات الفراغ الموجهة لممارسة النشاط الرياضي أو حتى لمجرد تشجيعه، أكثر تحقيقاً للرفاهية بالضرورة من القيام بنشاط إنتاجي؟ أو اعتبار النضج المادي المتولد عن تطبيق التكنولوجيا الحديثة أكبر بالضرورة من أية خسارة اجتماعية أو نفسية قد تترتب عليه؟ إن من الممكن مضاعفة هذه الأمثلة إلى ما لا نهاية، للتدليل على أن ما يقدم إلينا على أنه من ثمرات التقدم العلمي أو من سمات مرحلة "أعلى" من التطور، لا يزيد في كثير من الأحيان على أن يكون تعبيرات عن مواقف أخلاقية، أو قيمية، أو ميتافيزيقية، ليس لها أدنى صلة بالعلم، ولكن المفتونين بحضارة الغرب يصرون مع ذلك على نقل كل ذلك باسم "نقل العلم الغربي والتكنولوجيا الغربية"، وهم بهذا لا ينقلون ثمرات التقدم البشري، بل ينقلون تراثاً خاصاً جداً لثقافة بعينها. إنهم لا يضحون بالتراث من أجل العلم، وإنما فقط يستبدلون تراثاً بتراث"!!!‏

وبعد انتهاء الدكتور جلال أمين من إثبات أن كل أتباع التيارات النهضوية العربية ميتافيزيقيون، يتساءل، بحق: "فمن أين تأتي أحدنا الجرأة أن يرمي الآخرين بحجر"؟!؟ (انظر: الدكتور جلال أحمد أمين، التراث والتنمية العربية، في: التراث وتحديات العصر في الوطن العربي ـ ندوة"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى 1985، ص ص 753 ـ 774.‏

(24) انظر التفاصيل في: الدكتور نايف معروف، الإنسان والعقل، (بيروت، دار سبيل الرشاد، 1995)، ص ص 206 ـ 214.‏

(25) عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، المقدمة، (بيروت، دار القلم، الطبعة الخامسة 1984)، ص 460.‏

(26)و(27) الدكتور حسن حنفي، مقدمة في علم الاستغراب، المرجع الأسبق، ص 251 و292.‏

(28) ذكره: الدكتور نضال قسوم، مكانة الإنسان في الكون، مجلة "عالم الفكر" ـ الكويت، المجلد 27، العدد الأول، يوليو/ سبتمبر 1998، ص 288.‏

(29) ول ديورانت، مباهج الفلسفة. (نقلاً عن: الدكتور يوسف القرضاوي، المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة، القاهرة، مكتبة وهبة، 192،ص 339).‏

(30) كارل بوبر، أسطورة الإطار، ترجمة الدكتورة يمنى طريف الخولي، سلسلة "عالم المعرفة"، الكويت، العدد 292، ابريل ومايو 2001، ص 27.‏

(31) الدكتور زكي نجيب محمود والدكتور محمد مصطفى حلمي، في: الموسوعة العربية الميسرة، (إشراف محمد شفيق غربال)، (القاهرة، دار الشعب ومؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، الطبعة الثانية 1972)، ص 692.‏

(32) الدكتور مراد وهبة، المعجم الفلسفي، المرجع الأسبق، ص 354.‏

(33) علي حرب، ما يتهافت في الفلسفة ليس فلسفة، مجلة "الفكر العربي" ـ بيروت، السنة العاشرة، العدد 57، أيار ـ آب 1989، ص ص 152 ـ 154.‏

(34) الدكتور فاخر عاقل، معجم علم النفس، (بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الرابعة 1985)، ص 58.‏

(35) الدكتور بدوي، معجم المصطلحات الاجتماعية، المرجع الأسبق، ص 220.‏

(36) الدكتور سعدون حمادي، العقل والضمير.. نظرات في الإنسان والتطور، (بيروت، دار الطليعة، 1997)، ص 19و20.‏

(37) الدكتور أحمد محمود صبحي، في: توبي أ. هاف، فجر العلم الحديث (الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ابريل/نيسان 1997)، سلسلة "عالم المعرفة" ، العدد 220، ج 2، ص 49.‏

(38) الدكتور حمادي، العقل والضمير، المرجع الأسبق، ص 23.‏

(39) يقرر المفكر الدكتور طه عبد الرحمن أن "الفلاسفة يعترفون جميعاً بأن ظهور الدين مقرون بظهور الإنسان. ومتى صح وجود هذا الاقتران بين الدين والإنسان في الأصل، فإنه يكون من العبث الشك في أن ملكات الإنسان قد أشربت بالروح الدينية إلى حد بعيد، وحتى إنه لا يكاد يصدر عن هذه الملكات فعل من الأفعال يخلو من أثر قريب أو بعيد لهذه الروح. والأخلاق إنما هي أول الأفعال التي تصدر عن ملكات الإنسان، فتكون أكثر من غيرها تغلغلاً في الحقيقة الدينية، وبحيث لا مجال للانفكاك عنها". (د. طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2000، ص 25).‏

ويلاحظ الدكتور طه عبد الرحمن أيضاً أن فلاسفة اليونان قد أخذوا في تنظيم مدينتهم الفاضلة بفضائل عقلية أربع ظلت إلى هذا الزمان تهيمن على الفكر الأخلاقي بأجمعه، وهي: العفة والشجاعة والروية (أو الحكمة) والعدل، ويمكن أن يطلق على تلك الفضائل الأربع اسم واحد جامع هو "فضائل العدل". (انظر: د. طه عبد الرحمن، المرجع السابق، ص 32) والعدل (الذي هو الاعتدال والاستقامة أو هو الميل إلى الحق، حسب كتاب التعريفات للجرجاني ـ ص 171، أو هو وضع الأمور في نصابها وإعطاء كل ذي حق حقه) هو "أم القيم" في الدين الذي بدأ مع آدم واكتمل برسالة محمد عليهما الصلاة والسلام، والذي هو الإسلام. (في القرآن الكريم: إن الدين عند الله الإسلام ـ آل عمران: 19). ويقول الفقهاء في مقومات الدين الثلاثة: العقائد تقوم على الإقناع، والعادات تقوم على الإتباع، والمعاملات تقوم على العدل.‏

ويرى كثير من علماء الاجتماع أن النظام الديني ذو تأثير أساسي وقيادي في المجتمع. وقد توصل، مثلاً، العالم الألماني المرموق ماكس فيبر، بعد دراسته للمسيحية بكافة حركاتها والأديان الشرقية كالهندية والصينية، إلى أن "النظام الديني هو الذي يصوغ الموجهات القيمية Kolue orientations". (الدكتور نبيل محمد السمالوطي، الدين والبناء الاجتماعي، جدة، دار الشروق، 1981، ج2، ص 129). لذلك فإنه ليس غريباً أن أغلبية تصنيفات القيم تضع القيم الدينية في أعلى هرم القيم.. فقد وضع شلر (مثلاً) أربعة مستويات للقيم، أدناها مستوى القيم الطبيعية الحسية وأعلاها مستوى القيم الدينية التي اعتبرها (شلر) أساس القيم كلها، واعتبر لافيل القيم الروحية أو الدينية تاج القيم جميعاً أما لوسين، فقد اعتبر قيمة الدين أكثر القيم اتصافاً بالصفة الصحيحة. (انظر: الدكتور عادل العوا، العمدة في فلسفة القيم، دمشق، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1986، ص ص 426 ـ 441). بل إن بعضهم اعتبر أن الدين ليس قيمة، ولكنه حامي القيم. (انظر: أنطون رحمة ومعروف زريق، موجز دروس الفلسفة، دمشق، المكتبة الحديثة، دون تاريخ نشر)، ص25)‏

وهكذا نتأكد مصداقية القول بأن الضمير (الذي يصنع القيم والمثل العليا) هو قبس من نور الله تعالى أو وكيل عنه.‏

(40) الأصل في الضمير أنه موجود دائماً، ولكننا لا نرى تفسيراً لما يمعن البعض في ارتكابه من ممارسات شريرة (كالهيمنة والاستعمار والاستيطان والإبادة والنهب والاستغلال) تجاه الشعوب الأخرى، أفضل من القول بأن مرتكبي تلك الممارسات الشريرة قد أخضعوا أنفسهم (عن طيب خاطر) لعملية استئصال للضمير كما تستأصل الزائدة، فأصبحوا "جنساً" قائماً بذاته، يملك عقلاً متضخماً بصورة سرطانية ولكنه لا يملك ضميراً.. أصبحوا "الجنس الثالث".. (حيث الجنس الأول هو الذي يملك أفراده عقولاً وضمائر في آن معاً، ويمثله البشر. أما الجنس الثاني فهو الذي لا يملك أفراده عقولاً ولا ضمائر، وتمثله الحيوانات)!!!‏

(41) الدكتور عاقل، معجم علم النفس، المرجع الأسبق، ص 28.‏

(42) الدكتور بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، المرجع الأسبق، ص 80.‏

(43) الدكتور صليبا، المعجم الفلسفي، المرجع الأسبق، ج1، ص 204.‏

(44) ذكرها: الدكتور زكي نجيب محمود (مراجع ومشرف)، الموسوعة الفلسفية المختصرة، (بيروت، دار القلم، دون تاريخ نشر)، ص 203.‏

(45) يقول المفكر الدكتور زكريا إبراهيم: "إن الدفع بالقيم الأخلاقية جميعاً إلى دوامة التغير والنسبية لن يلبث أن يصيب الحقيقة الخلقية في الصميم، وبالتالي فإنه لن يلبث أن يؤدي إلى بلبلة الرأي العام الأخلاقي. هذا إلى أننا لو سلمنا بأن الأخلاق "علم"، وإذا اعترفنا في الوقت نفسه بأن من شأن كل علم أن ينطوي على مجموعة من الحقائق العامة التي تتصف بالصدق، فلابد من التسليم بأن "علم الأخلاق" ينطوي على مجموعة من الأحكام الأخلاقية التي لا تصدق بالنسبة إلى فرد واحد بعينه، بل تصدق بالنسبة إلى الأفراد جميعاً في كل زمان ومكان".‏

ويرجع الدكتور إبراهيم القول بنسبية المبادئ الأخلاقية (وبالتالي القول باختلاف الشرائع الأخلاقية من أمة إلى أخرى، ومن زمن إلى آخر)، إلى وجود خلط مستمر في أذهان الكثيرين بين "مبادئ الأخلاق" من جهة، و"القواعد النسبية المتغيرة" من جهة أخرى. ومن الأمثلة التي يقدمها الدكتور إبراهيم لتوضيح الفرق بين "المبادئ الأخلاقية" و"أساليب السلوك"، مثل المبارزة... فقد أقلع الناس منذ القرن السابع عشر عن ممارسة المبارزة سلوكاً للدفاع عن الشرف أو الكرامة، ولكن ذلك الدفاع عن الشرف أو الكرامة مازال حتى الآن مبدأ مسلماً به. كذلك (وكمثال آخر)، يلاحظ الدكتور إبراهيم أن نساء الهند في هذه الأيام قد أقلعن عن حرق أنفسهن بجوار أزواجهن المتوفين تعبيراً عن وفائهن لهم، ولكن وفاء الزوجة لزوجها مازال فعلاً أخلاقياً مطلوباً.‏

ويخلص الدكتور زكريا إبراهيم إلى أنه "لابد للقائمين على شؤون التربية من مساعدة النشء على التمييز بين "المبادئ" التي إن صدقت فلابد أن تصدق في كل زمان ومكان، و"قواعد السلوك" التي هي قواعد نسبية يمكن ـ بل يجب ـ أن تتغير حسب الظروف".‏

(انظر: الدكتور زكريا إبراهيم، المشكلة الخلقية، (القاهرة، مكتبة مصر، 1969)، ص ص 60 ـ 64).‏

ومن هنا، فإن القول باختلاف "القيم" من أمة إلى أخرى، يجب أن يعني أمرين اثنين.. أولهما الاختلاف في مدى الاقتراب من "المبادئ الأخلاقية" الثابتة والمطلقة، وثانيهما الاختلاف في "أساليب السلوك" لتطبيق مبدأ أخلاقي ما (أو أكثر) يكون مشتركاً بين أمتين أو أكثر.‏

(46) السيد ياسين، اكتشاف الآخرة، جريدة "الأهرام" ـ القاهرة، 10/1/2002.‏

(47) الدكتور عبد الوهاب المسيري، الحداثة ورائحة البارود، جريدة "الأهرام"، 1/2/2003.‏

(48) الدكتور محمد عابد الجابري، المستبد العادل، جريدة "الاتحاد" ـ أبو ظبي، 4/6/2002.‏

(49) علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة محمد يوسف عدس، مجلة "النور" الكويتية ومؤسسة "بافاريا" الألمانية، 1994، الطبعة الأولى، ص 202.‏

(50) انظر: الدكتور محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، المرجع الأسبق، ص 167.‏

(51) وفقاً للخطاب القرآني، كما يلاحظ الدكتور محمد عابد الجابري، فإن المعقول هو التوحيد، واللامعقول هو الشرك. (الجابي، تكوين العقل العربي، ص 136). ويتحدد المعقول الديني العربي بثلاثة عناصر أساسية هي:‏

" * القول بإمكانية (بل بوجوب) معرفة الله من خلال تأمل الكون ونظامه (دلالة الشاهد على الغائب).‏

" * والقول بوحدانية الله، أي نفي الشرك عنه، وبالتالي فلا خالق ولا مدبر للكون إلا هو (الشيء الذي يعني عدم الاعتراف بأي تأثير سواء للكواكب أو السحر الخ...).‏

" * والقول بالنبوة، بمعنى أن الاتصال بالله، وبالتالي بالحقيقة، ليس ميسراً لكل الناس، بل إن الله يصطفي من بين عباده من يشاء ليبعثه رسولاً إليهم. والنبي الرسول محمد هو خاتم الأنبياء والمرسلين (وإذن، فالاتصال بالحقيقة العليا، الله، لم يعد ممكناً قط، ولذلك يجب أن ينصرف الاهتمام إلى القرآن، فهو وحده مستودع الحقيقة: عقيدة وشريعة). (الجابري، المرجع السابق، ص 140).‏

ويتحدد ما يسميه الجابري "اللامعقول العقلي" أو "العقل المستقيل". بما يناقض هذه العناصر أو الأسس الثلاثة..‏

" * فالمانوية بقولها بمبدأين اثنين (= إلهين أحدهما للنور والآخر للظلمة)، وبالتطهير والخلاص (=الاستغناء عن النبوة) تتعارض بشكل صريح مع مبادئ الإسلام، التوحيد والخلق والنبوة.‏

" * أما آراء الصائبة، وهي ما يعرف في تاريخ الأديان وتاريخ الفلسفة بـ "الهرمسية"، فإنها بتصويرها الله في صورة إله لا يصدق عليه الوصف ولا يعلم الكون ولا يدبره، ثم إن قولها، بالتالي، بـ "متوسطات" إليها يرجع الاختراع والإيجاد وتصريف الأمور، ثم إن إنكارها الصريح للنبوة... كل ذلك يجعلها تتعارض على طول الخط مع المبادئ التي يقوم عليها الدين الإسلامي.‏

" * وأخيراً، فإن إلهيات الأفلاطونية المحدثة منحولة للحكماء السبعة (الذين يعتبرهم الشهرستاني أساطين الحكمة، وهم: تاليس الملطي، وأناكساغوراس، وأنكسيمانس، وأنبادوقليس، وفيثاغورس، وسقراط، وأفلاطون) تسير هي الأخرى في وفاق تام مع الهرمسية، وبالتالي، تتعارض مع "المعقول" الديني العربي). (الجابري، المرجع السابق، ص 156و15).‏

(52) الدكتور الجابري، المرجع السابق، ص 159.‏

(53) الدكتور الجابري، المرجع السابق، ص 175.‏

(54) الدكتور الجابري، المرجع السابق، ص 174 و175.‏

(55) الدكتور الجابري، المرجع السابق، ص 193.‏

(56) الدكتور الجابري، المرجع السابق، ص 180 و181.‏

(57) يقول الدكتور محمد عابد الجابري: "وحدة الكون،الترابط بين أجزائه، تبادل التأثير بينها بالتجاذب والتنافر.. تلك هي الأسس التي يقوم عليها التصور الهرمسي للكون والذي يؤسس في ذات الوقت العلوم "السرية" الهرمسية من كيمياء وتنجيم وسحر. وكما يقول فستوجيير، فلا شيء يعبر عن هذا التصور والمبادئ التي تحكمه مثل ذلك التشبيه المشهور الرائج جداً في الأدبيات الهرمسية "تشبيه العالم بالإنسان والإنسان بعالم صغير". إن هذا المبدأ إذ يبرز ترابط أجزاء العالم على غرار ترابط أجزاء الجسم الإنساني، يؤكد سريان قوة واحدة فيه ككل وأجزاء مثلما تسري الحياة في جميع أجزاء الجسم البشري، مما يجعل تبادل التأثير بين أجزاء الكون قانوناً أساسياً من قوانينه، بل قانونه الأسمى. وعلى أساس هذا التصور، تنبني العلوم السرية الهرمسية وفي مقدمتها "الكيمياء". فبمعرفة كيفية التجاذب والتنافر في المعادن يمكن تحويل الخسيس منها إلى ذهب بواسطة الصنعة والتدبير. والمبدأ الايبيستيمولوجي الذي يحكم هذا النوع من الكيمياء هو تلك العبارة المنسوبة إلى والد استانس الساحر المجوسي والتي تلخص في "كلمات قليلة كل الكتاب" أي كل العلم، علم الكيمياء كما يقول نص هرمسي، هذه العبارة هي "ما من طبيعة إلا وهي مجذوبة بطبيعة أخرى، وما من طبيعة إلا وهي مقهورة لطبيعة أخرى، وما من طبيعة إلا وهي تهيمن على طبيعة أخرى". وإذن، فللحصول على معدن راق، لابد من تحريره من الطبائع الدنيا، طبائع المعادن الخسيسة التي تلابسه وتستحوذ عليه، ويكون ذلك باستعمال "طبيعة" أخرى أقوى تسمى "الأكسير" الذي يقوم بعملية "التطهير" والتحويل. وهذا الذي يمكن تحقيقه على مستوى العالم الكبير مستوى الطبيعة يمكن تحقيقه أيضاً على مستوى العالم الصغير: الإنسان. فقد "تصدأ" نفس الإنسان نتيجة ارتباطها بالجسم حتى نفقد طبيعتها الشريفة أو تكاد. غير أنه يمكن صقلها والرجوع بها صافية نقية إلى أصلها الإلهي. وهنا أيضاً، لابد من "صنعة"، لابد من "تدبير"، لابد من "أكسير".. إنه "التطهير". ومن هنا ذلك الترابط العضوي بين الكيمياء والتصوف في الأدبيات الهرمسية، وهو ترابط يعكس إحدى الخصائص الأساسية لهذه الأدبيات، وأعني بذلك: دمج العلم في الدين والدين في العلم". (الدكتور الجابري، المرجع السابق، ص 182).‏

(58) ذكره: الدكتور الجابري، المرجع السابق، ص 183.‏

(59) الدكتور الجابري، المرجع السابق، ص 183 نسها.‏

(60) الدكتور الجابري، المرجع السابق، ص 192.‏

(61) يقول الدكتور الجابري: "فالمجهود العقلي الذي بذله الاسماعيليون وعلى رأسهم أحمد حميد الدين الكرماني (المتوفى عام 411 هـ ، وصاحب كتاب "راحة العقل" الذي هو أرقى ما أنتجه الفكر الإسماعيلي على صعيد المذهب)، إنما كان من أجل بيان أن المعرفة ليست سبيلها العقل، بل لابد من "معلم" هو "الإمام". ومن هنا، يهاجم الإسماعيليون (والشيعة عامة ماعدا الزيدية) طرق الاستدلال، من القياس الفقهي والكلامي إلى القياس الأرسطي. أكيد أن هذه الفلسفة الإسماعيلية/ الأيديولوجيا، هي من عمل العقل، عقل رفيع المستوى، ولكن هدفها ليس إقرار سلطة العقل وتسويدها على كل سلطة، بل إن هدفها هو بالعكس من ذلك، نفي العقل.. إنها تبدو في صورة مجهود عقلي جبار من أجل تبرير وتكريس استقالة العقل".‏

(د. الجابري، المرجع السابق، ص 204 و206و207).‏

(62) الدكتور الجابري، المرجع السابق، ص 212.‏

(63) يميز الدكتور الجابري بين ثلاثة أنظمة للمعرفة في الثقافة العربية الإسلامية، هي: البيان، والعرفان، والبرهان..‏

" * فالبيان يتخذ من النص والإجماع والاجتهاد سلطات مرجعية أساسية، ويهدف إلى تشييد تصور للعالم يخدم عقيدة دينية معطاة هي العقيدة الإسلامية، أو بالأحرى نوعاً من الفهم لها.‏

" * والعرفان يتخذ من الولاية، وبكيفية عامة من "الكشف"، الطريق الوحيد للمعرفة، ويهدف إلى الدخول في نوع ما من الوحدة مع الله، وهذا هو موضوع المعرفة عند أهل العرفان.‏

" * والرهان يعتمد قوى الإنسان المعرفية الطبيعية، من حس وتجربة ومحاكمة عقلية، وحدها دون غيرها، في اكتساب معرفة بالكون ككل وكأجزاء، لا بل لتشييد رؤية للعالم يكون فيها من التماسك والانسجام ما يلبي طموح العقل إلى إضفاء الوحدة والنظام على شتات الظواهر، ويرضي نزوعه الملح والدائم إلى طلب اليقين". (د. الجابري، بنية العقل العربي، المرجع الأسبق، ص 383 و384.‏

وعند تمييزه بين البيان والعرفان خاصة، يرى الجابري أن الفعل العقلي المنتج للمعرفة (أو الآلية الذهنية عموماً) يتجه في النظام المعرفي البياني من اللفظ إلى المعنى، ويتم ذلك عن طريق جسر أو قرينة. أما في النظام المعرفي العرفاني، فتتجه الآلية الذهنية من المعنى إلى اللفظ أو من الباطن إلى الظاهر. ويتم ذلك بالكشف، وبدون واسطة، فيكون التأويل هنا نوعاً من "التضمين". وجوهر التضمين هو وجود آراء جاهزة يراد صرف معنى النص إليها وجعله ينطق بها. (انظر: الجابري، بنية العقل العربي، المرجع السابق، ص 291).‏

(64) يقول الدكتور الجابري: "إن العرفانيين لا يتعاملون مع الأساطير كما هي، بل يوظفونها توظيفاً دينياً، فيجعلون منها "الحقيقة" التي وراء "الشريعة"، و"الباطن" الذي وراء "الظاهر". وبما أنهم يجعلون من الزوج ظاهر/ باطن حقيقة كلية، فيميزون في الطبيعة والسلوك والدين، وفي كل شيء، بين ظاهر وباطن، وبما أن الباطن عندهم هو "الحقيقة"، وهذه الأخيرة هي في نهاية الأمر ما ترويه الأساطير الدينية القديمة، فإن "الحقيقة عندهم ليست الحقيقة الدينية، ولا الحقيقة الفلسفية، ولا الحقيقة العلمية، بل "الحقيقة" عندهم هي: الرؤية السحرية للعالم التي تكرسها الأسطورة. أجل، الرؤية السحرية للعالم هي المضمون الأول والأخير للعرفان كموقف وللعرفان كنظرية". ويخلص الجابري إلى أن "العرفان يلغي العقل". (د.الجابري، بنية العقل العربي، المرجع السابق، ص 378 و379).‏

(65) الدكتور الجابري، تكوين العقل العربي، المرجع الأسبق، ص 214.‏

(66) انظر: أبو اسحق الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، (بيروت، دار المعرفة، دون ذكر تاريخ نشر)، ج2، ص 10.‏

(67) ونحن نضيف إلى أمثلة المخدرات: التبغ والتنباك، فهما ـ من الوجهة الطيبة ـ مخدران خفيفان، وقد نهى الرسول محمد ( عن كل مخدر ومفتر.‏

(68) الدكتور وهبة الزحيلي، الأصول العامة لوحدة الدين الحق، (دمشق، مكتبة العباسية، الطبعة الأولى 1973)، ص ص 142 ـ 144.‏

(69) انظر: الإمام محمد أبو زهرة، أصول الفقه، (القاهرة، دار الفكر العربي، 1958)، ص 328.‏

(70) منى توتنجي، منزلة العقل في الإسلام، جريدة "اللواء" ـ بيروت، 28/7/1995.‏

(71) محمد بن أحمد بن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، في: فلسفة ابن رشد، (القاهرة، دار العلم للجميع والمكتبة المحمودية التجارية، الطبعة الثانية 1925). ص 63.‏

(72) القرآن الكريم، الأعراف: 179.‏

(73) ذكره: الدكتور محمد عمارة، الإسلام وقضايا العصر، (بيروت، دار الوحدة، 1980)، ص 141.‏

(74) الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي، في حوار أجرته معه جريدة "القبس" ـ الكويت، 10/2/1995.‏

(75) فيما يتعلق بالظن، جاء في تعريفات الجرجاني: "الظن هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، ويستعمل في اليقين والشك، وقيل: الظن أحد طرفي الشك بصفة الرجحان". (الجرجاني، كتاب التعريفات، المرجع الأسبق، ص 165).‏

وقد وضع الفلاسفة فيما قبل سقراط الإحساس عند مستوى الظن بدعوى أن موضوعات الإدراك الحسي مستبعدة من عالم الوجود الحقيقية، وبالتالي فهي ليست موضوعات لمعرفة الحقيقة. وعند أفلاطون: الظن معرفة غير مربوطة بالعلة، فلا يعلّم للغير، لأن التعليم تبيان الأمور بعللها، أي أن الظن موضوعه الوجود المتغير، ولهذا فهو تخمين. وإلى نفس هذا المعنى ذهب الفيلسوف كانط في "نقد العقد الخالص". وعند أرسطو: الظن استدلال مقدماته ممكنة". (الدكتور مراد وهبة، المعجم الفلسفي، المرجع الأسبق،‏

ص 257).‏

وعند علماء أصول الدين: "الظن هو إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح، والوهم هو إدراك الشيء مع احتمال ضد راجح، والشك هو إدراك الشيء مع احتمال ضد مساوٍ. (محمد صالح العثيمين، الأصول من علم الأصول، (بيروت ـ مؤسسة الرسالة والرياض ـ مكتبة الرشد، الطبعة الثالثة 1986)، ص 19.‏

وفيما يتعلق باليقين، يقول الجرجاني في تعريفاته: "اليقين في اللغة العلم الذي لاشك معه، وفي الاصطلاح: اعتقاد الشيء بأنه كذا، مع اعتقاد بأنه لا يمكن إلا كذا، مطابقاً للواقع، غير ممكن الزوال. والقيد الأول جنس يشتمل على الظن أيضاً ـ والثاني يخرج الظن، والثالث يخرج الجهل، والرابع يخرج اعتقاد المقلد المصيب. وعند أهل الحقيقة (=أهل العرفان): اليقين هو رؤية العيان بقوة الإيمان، لا بالحجة بالبرهان، وقيل: هو مشاهدة الغيوب بصفاء القلوب، وملاحظة الأسرار بمحافظة الأفكار. وقيل هو طمأنينة القلب على حقيقة الشيء. يقال: يَقُن الماء في الحوض، إذا استقر فيها. وقيل: اليقين رؤية العيان، وقيل تحقيق التصديق بالغيب بإزالة كل شك وريب. وقيل: اليقين نقيض الشك. وقيل: اليقين رؤية العيان بنور الإيمان. وقيل: اليقين ارتفاع الريب في مشهد الغيب، وقيل: اليقين العلم الحاصل بعد الشك". (الجرجاني، التعريفات، المرجع الأسبق، ص 290).‏

ويقول الدكتور مراد وهبة في المعجم الفلسفي: "اليقين سيكولوجياً: طمأنينة النفس لحكم تراه حقاً، ويقابل الشك. وقد يذعن المرء لما هو في الواقع خطأ. واليقين منطقياً: كل معرفة لا تقبل الشك، ومنه حدسي كاليقين ببعض الأوليات، أو استدلالي غير مباشر ينتهي إليه المرء بعد البرهنة. ومنه ذاتي يسلم به المرء ولا يستطيع نقله إلى غيره، أو موضوعي يفرض نفسه على العقول كاليقين العلمي. وقد يسمى التسلم بأمر ظاهر أو راجح يقيناً اقتناعياً، أو شبه يقين. واليقين عند المتصوفة:‏

1 ـ علم اليقين: تصور الأمور على ما هي عليه.‏

2 ـ عين اليقين: ما أعطته المشاهدة والكشف.‏

3 ـ حق اليقين: فناء العبد في الحق والبقاء به علماً وشهوداً.‏

(د. مراد وهبة، المعجم الفلسفي، المرجع الأسبق، ص 475).‏

ويقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي: "علم اليقين" للخبر الصادق، و"عين اليقين" للمشاهدة والعيان، و"حق اليقين" أشبه باللمس والذوق. وقد مثلوا المراتب الثلاث بمن أخبرك أن عنده عسلاً طبيعياً مصفى حلو المذاق، صفته كذا وكذا، وأنت لا تشك في صدقه. ثم أراك إياه فازددت يقيناً، ثم قدمه إليك قذفته وأكلت منه. فالأول: "علم اليقين" والثاني "عين اليقين"، والثالث: "حق اليقين".‏

(د. القرضاوي ـ العقل والعلم في القرآن الكريم، (القاهرة، مكتبة وهبة، 1996)، ص 121.‏

(76) القرآن الكريم، البقرة: 111.‏

(77) القرآن الكريم، الزخرف: 19.‏

(78) القرآن الكريم، الأنعام: 143.‏

(79) القرآن الكريم، الفجر: 6 ـ 10.‏

(80) القرآن الكريم، الأنبياء: 24.‏

(81) القرآن الكريم، النمل: 64.‏

(82) انظر: الدكتور يوسف القرضاوي، العقل والعلم في القرآن الكريم، المرجع الأسبق، ص ص 249 ـ‏

274.‏

(83) الدكتور وهبة الزحيلي، الأصول العامة لوحدة الدين الحق، المرجع الأسبق، ص 147.‏

(84) القرآن الكريم، النساء: 165.‏

(85) القرآن الكريم، البقرة: 213.‏

(86) القرآن الكريم، الشورى: 10.‏

(87) الدكتور يوسف القرضاوي، المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة، (القاهرة، مكتبة وهبة، 1992)، ص ص 340 ـ 342.‏

(88) محمد بن أحمد بن رشد، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، في: فلسفة ابن رشد، المرجع الأسبق، ص 15.‏

(89) أحمد بن محمد بن تيمية، موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، ص 86. (نقلاً عن: الدكتور محمد حسني الزين، منطق ابن تيمية ومنهجه الفكري، (بيروت، المكتب الإسلامي، 1979)، ص 201).‏

(90) الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي، في حوار أجرته معه جريدة "القبس" ـ الكويت، 10/2/1995.‏

(91) الدكتور القرضاوي، المرجعية العليا في القرآن والسنة، المرجع الأسبق، ص 358.‏

(92) الدكتور القرضاوي، المرجعية ...، المرجع السابق، ص 359.‏

(93) ذكره: الدكتور القرضاوي، المرجعية، المرجع السابق، ص 359.‏

(94) ابن قيم الجوزية، أعلام الموقعين عن رب العالمين، (بيروت، دار الكتاب العربي، 1996)، ج3، ص 7.‏

(95) انظر: عبد الوهاب محمود المصري، نظرية الأمن والإيمان، (بيروت ـ مؤسسة الرسالة ـ ودمشق ـ الدار المتحدة، 1993)، ص ص 161 ـ 184.‏

(96) القرآن الكريم، يونس: 101.‏

(97) القرآن الكريم، الذاريات: 20 و21.‏

(98) القرآن الكريم، الجاثية: 13.‏

(99) القرآن الكريم، القصص: 77.‏

(100) القرآن الكريم، الحشر: 2.‏

(101) القرآن الكريم، الأنبياء: 7.‏

(102) باختصار، عن: الدكتور القرضاوي، الخصائص العامة للإسلام ـ (بيروت ـ مؤسسة الرسالة، الطبعة الثامنة 1993)، ص ص 61 ـ 66.‏

(103) البروفسور شتيفان فيلد، صموئيل هانتنغتون وابن رشد، مجلة "الفكر العربي" ـ بيروت، السنة 16، العدد 81، صيف 1995، ص 32.‏

(104) جاك بيرك، في مقابلة أجرتها معه جريدة "الأهرام" ـ دمشق ـ 14/7/1995.‏

(105) البروفسور جوزيف شاخت، الشريعة الإسلامية، في: شاخت وبوزورث، تراث الإسلام، (الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ديسمبر/ كانون الأول 1978)، سلسلة "عالم المعرفة"، العدد 11، ج2، ص 150.‏

(106) الدكتور أحمد ماضي، معالم في الطريق لسيد قطب، في: دورية "قضايا فكرية"، القاهرة، أكتوبر 1989، ص 43.‏

(107) الدكتور زكي نجيب محمود، الإسلام والنظرة العقلية، مجلة "الهلال" ـ القاهرة، يناير/ كانون الثاني 1979، ص 18.‏

(108) الدكتور حسن حنفي، الوطن والعروبة والإسلام.. قراءة مصرية لعلال الفاسي، جريدة "الحياة" ـ لندن، 21/12/1993.‏

(109) الدكتور علي حرب، في مقابلة أجرتها معه جريدة "الشرق الأوسط" ـ لندن، 3/5/2004.‏

(1) ـ في الأصل محاضرة ألقيت في مركز الدراسات الإسلامية بدمشق بتاريخ 26/4/2004م، ثم أجريت عليها تعديلات تناسب المقام.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244