|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
التشريع الشوروي في الإسلام مجالاً وضوابط ـــ عبد الكريم مطيع الحمداوي لعل مما يؤخذ على الفقه السياسي لدى المسلمين، عدم تأسيسه قواعد محددة ومدونة وملزمة، تنظم علاقات أفراد المجتمع، تنظيماً يكفل سير مرافق الدولة ومؤسساتها على وتيرة واحدة متناسقة، تضمن الحريات الفردية و المصالح الخاصة والمشتركة والعامة، بما يحقق العدالة والمساواة والكرامة، ويبني دولة الإسلام التي يراد لها أن تقيم الشهادة وتظهر كلمة التوحيد، وتسعد الناس ديناً ودنيا؛ واكتفاءه باجتهادات فردية غير ملزمة، يمكن تصنيفها ضمن فلسفة فقهية مستنبطة في بعض جوانبها من مبادئ الشريعة ونصوصها وقواعدها، وفي البعض الآخر من التراث البشري الثقافي والسياسي والاجتماعي، ومن الأهواء والولاءات، وظروف الاضطرار والخوف. ولئن كانت الشورى نظام تدبير شامل للبلاد وأهلها، وأداء جاداً للمسؤولية بفعالية، وسلوكية سوية وإنتاجية مضبوطة، وضماناً للحرية والعدالة والمساواة، على نهج قاصد وصراط مستقيم، لرقي الأمة وازدهارها وظهور أمر دينها؛ وليست مجرد تبادل للرأي والنصيحة غير ملزم؛ فإن توفير قواعد لبناء هذا الصرح الشوروي العام، يعد اللبنة الصلبة للتشييد، والأساس المتين الذي يقوم عليه كيان الدولة وتنظم على هديه المصالح، وتضبط به التصرفات، وتحدد بواسطته الأهداف والغايات، وترتكز عليه مبادئ العدالة والأمن والاستقرار والرفاهية والقوة. إلا أن تأسيس هذه القواعد ينبغي أن تتقدمه عملية تحديد الينابيع التي لنا أن تستقي منها الأحكام، والمصادر التي يجوز أن نعود إليها ونتخذها مورداً ومرجعاً. وغني عن البيان، بصفتنا نؤسس لدولة إسلامية، أن ماله في الكتاب والسنة وأدلة الفقه تشريع ثابت، تنحصر مهمة الدولة إزاءه في إعادة الفهم والتطبيق، بما يلائم الزمان والمكان والحال؛ لأن الالتزام بهذه الأحكام هو ما يضفي عليها صفة الإسلام، ويجعل طاعتها والتعاون معها ملزمين. أما القواعد التي تتعلق بقضايا دنيوية ولم يرد في شأنها تشريع من الكتاب والسنة، وما يستند إليهما من الإجماع أو يحمل عليهما بالقياس، فهي مما ينبغي استقصاء مصادره وموارده، دينية كانت أو عرفية أو تاريخية أو إنشائية محدثة لا أصل لها. وتغطي هذه القضايا مساحات شاسعة من أمور السياسة والاجتماع والاقتصاد والتجارة والمالية والتعليم والقضاء والتخطيط السوقي والتعبوي لكل مرافق الدولة ومصالحها، مما لم يرد فيها أحكام عملية، ولكنها خاضعة بحكم انتسابها لدولة إسلامية إلى مبادئها الدينية، وإلى ضرورة عدم معارضة قواعدها، آذنة كانت أو آمرة، لنظام الإسلام عقيدة وشريعة وأسلوب حياة. لاشك في أن التشريع الشوروي بهذه الصفة يتخذ صبغة إنشائية، لأن الأمة هي التي تنشئه، سواء كان تدبيراً وضبطاً للشأن العام والخاص شكلاً ومضموناً، أو تقريراً في قضايا الحرب والسلم، أو تنفيذاً ومراقبة للأجهزة، أو ترشيداً للتصرفات والتوجهات. إلا أن هذا التشريع قد يواجه بعدد من الاعتراضات والتساؤلات التي ينبغي النظر فيها والإجابة عليها. أول هذه الاعتراضات أن التشريع الإسلامي متكامل، غير محتاج إلى قواعد مستحدثة أو مناهج جديدة لتنزيلها على مستجدات الحياة؛ لأنه مستمد من الكتاب والسنة، لقوله تعالى: (مافرطنا في الكتاب من شيء( ـ الأنعام 38، (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء( ـ النحل89. والاعتراض الثاني أن مصطلح "مصادر التشريع" ليس إلا تعبيراً مرادفاً لمصطلحي "أدلة الأحكام" و"أصول الفقه". وكلها تعني مراجع ملزمة هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وما يتبعها من أمارات للاستنباط والاستقراء والاستدلال. واللائق أن نكتفي بالمصطلح المتداول "أدلة الفقه وأصوله" بدل استحداث مصطلح جديد يربك الاجتهاد، ويشيع اللبس والغموض. وثالث الاعتراضات أن التشريع الشوروي يعد عملية وضع لأحكام جديدة ملزمة، لم ترد في الكتاب والسنة ولا تحمل عليهما. وهو بذلك حكم بغير ما أنزل الله عز وجل (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله( ـ الشورى 19، (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله( ـ التوبة 31. بالنسبة للاعتراض الأول، نحن على يقين تام بأن الله عز وجل لم يفرط في الكتاب من شيء من أمور الدين والدنيا. وقد بين كل شيء مفصلاً أو مجملاً، حكماً واضحاً، أو نهجاً لمعرفة الحكم واستنباطه، ووزع المهام وجهة الاختصاص وجهة التكليف بما لا لبس فيه ولا خلط؛ فخص القرآن بالمجمل في أحوال وبالمفصل في أحوال أخرى، وخص السنة بتبيان المفصل وتفصيل المجمل، والتشريع لما لم يذكر في الكتاب مفصلاً أو مجملاً. من ذلك أحكام العبادات، كالصلاة والزكاة والحج والصوم والصدقات، مما ورد في القرآن مجملاً، وترك للسنة بيان تفصيله (خذوا عني مناسككم ـ صلوا كما رأيتموني أصلي). ومن ذلك أحكام الأسرة، زواجاً وطلاقاً ومصاهرة، ورضاعاً وميراثاً وعلاقات اجتماعية؛ حيث تكفل القرآن بتفصيلها بما لم يفصل به غيرها من الأحكام، ولم يترك للسنة النبوية إلا حيزاً يسيراً للبيان والتفصيل. ومن ذلك أحكام المعاملات المالية التي أجمل القرآن أسس الإباحة والتحريم فيها (وأحل الله البيع وحرم الربا( ـ البقرة 274، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين( البقرة 277، (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون( البقرة 187، ثم ترك للسنة النبوية أمر تفصيل مجملاتها تحريماً للغش والرشوة والاحتكار والاستغلال، وبياناً لما يعد ربا ومالا يعد، وتوضيحاً لأحكام العقود وشروطها، صحيحها وفاسدها وباطلها. ومن ذلك أحكام التدبير العام مما لم يجمله ولم يفصله القرآن والسنة، من قضايا النشاط السياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي عاماً وخاصاً، وجعله مجالاً آخر للابتلاء والاختبار، وليس ذلك تفريطاً أو غفلة أو إهمالاً. ذلك أن الحياة الدنيا في شقيها الإلزامي والطوعي تعبيد وعبادة؛ ولئن كانت الأحكام الشرعية العملية موضوعة لاختبار الطاعة والامتثال الحرفي للأوامر والنواهي، مما يجعلها تعبيداً تنفيذياً ملزماً، فإن التكليف بواسطة حرية التنظيم الذاتي للنشاط الدنيوي المسكوت عنه، وبوضع قواعد تدبيره وتنميته، ابتلاء آخر طوعي تبرهن به الأمة على صدق استعدادها ورغبتها في تعبيد هذا الصنف من النشاط لربها، بإقامة أمر الإسلام العام، الذي يتم به نوره ويمكن به لأوليائه؛ فتكون بذلك حياة الأمة ذات شقين متكاملين، شق العبادة التنفيذية للأحكام الشرعية، وشق العبادة التصرفية المرسلة؛ على أن يخدم الشقان معاً هدفاً واحداً تتم به العبادة الكلية، التي هي إقامة خير أمة أخرجت للناس، ضمن دولة شاهدة، وخلافة على نهج النبوة. إن التشريع الإلهي لم يفرط أو يهمل أو يغفل شيئاً، ولكنه وزع مهام البلاء المتعلقة بالعبادة بين جهات الاختصاص؛ فماكان منه تعبيداً بمجرد الامتثال في مجال العقيدة والأحكام جعل عليه القرآن والسنة دليلاً، وماكان تعبيداً اختيارياً لابتلاء الإرادة والرشد والنوايا في القضايا الدنيوية المسكوت عنها، جعله من أمر الأمة تسلط عليه،وتقرر فيه بمقتضى قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم( الشورى 35. إن هذا الصنف من الابتلاء نهج قرآني في التربية والتأهيل، مثال ذلك التصرف في مال اليتيم، فلا يعطي ماله إلا إذا علمت نجابته وتمام ضبطه ورشده، بأن يدفع إليه شيء من ماله يباح لـه التصرف فيه وتنميته، فإن أحسن الإنفاق والكسب وجب على الوصي تسليم ماله كله إليه. وهذا ما يبينه القرآن الكريم بقوله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبدارا أن يكبروا( النساء 6. وقد نزلت هذه الآية في ثابت بن رفاعة وفي عمه، ذلك أن رفاعة توفي وترك ابناً له صغيراً، فأتى عم ثابت إلى النبي ( فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله؟ ومتى أدفع إليه ماله؟، فأنزل الله هذه الآية. أما عن الاعتراض الثاني فإن مصطلح "مصادر التشريع" قد استعمل فعلاً مرادفاً لمصطلح "أدلة الأحكام"، من قبل عدد من الفقهاء المعاصرين، مثل الشيخ عبد الوهاب خلاف في كتابيه "علم أصول الفقه" و"الاجتهاد والتقليد والتعارض والترجيح"، والشيخ عمر عبد الله في كتابه "سلم الوصول لعلم الأصول"، والشيخ مصطفى شلبي في "الإسلام عقيدة وشريعة". إلا أن هؤلاء الفقهاء لم يميزوا تمييزاً دقيقاً في إطلاقهم مصطلح "مصادر التشريع" بين ما هو خاص بالأحكام العملية وما هو خاص بأحكام السياسة والاقتصاد والإدارة والتدبير العام فيما لم يرد به نص أو إجماع ولا مجال للقياس فيه والاستنباط. وقد لاحظنا أن بين المصطلحين "أدلة الأحكام" و"مصادر التشريع" فرقاً جوهرياً لابد من اعتباره عند استعمال كل منهما. ذلك أن المقصود من المصطلح الأول "أدلة الأحكام" هو الأحكام الشرعية العملية بالإيجاب والندب والإباحة والتحريم والكراهة. ولفظ "أدلة" مفرده "دليل"، أي: حجة ملزمة. والمصطلح بجزأيه يعني أن صوابه مطلق، لأن له مميزات خاصة، من أهمها": القطيعة لاستناده إلى أصل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو القرآن الكريم؛ والثبات والأبدية والمرونة، بحيث تتغير الظروف والأماكن والأزمان والأحوال فلا يتغير؛ والإلزام التام إلا عند الاضطرار المبيح للترخص، لأن له جزاء في الدنيا حدودا وتعزيزا، وجزاء في الآخرة مساءلة وعقابا. أما بالنسبة لمصطلح "مصادر التشريع"، فينبغي أن نلاحظ أولاً أن لفظ "مصادر" لا يحمل أي معنى يفيد الإلزام أو الثبات أو القدسية أو مطلقية الصواب فهو مجرد مرجع يقصده المرء باختياره وتمام حريته، يستفيد منه إن كان فيه من فائدة، ويغرف منه إن كان فيه من معين. ثم يصدر عنه بكامل إرادته وحريته في الاستنباط والأخذ والترك. كما أن ما يستخلص من هذه المصادر حلولا وآراء وخططا وقواعد ليس له ما لأدلة الفقه من حدية أو ثبات أو أبدية أو إلزام؛ وإنما هو خاضع لظروف الزمان والمكان والحال والمصلحة والمقاصد، صوابه غير مطلق وثباته غير قار واحتمالات تحقيقه ما يرجى منه متأرجحة بين السلب والإيجاب، وعنصر الإلزام فيه راجع إلى اتفاق الأمة بالأغلبية أو الإجماع على تبنيه، من غير أن يبقى ملزماً لها إن غيرت رأيها أو اقتضت مصلحتها تعديلاً له أو إلغاء أو استبدالا. لكل هذه الاعتبارات، نحبذ استعمال مصطلح "مصادر التشريع الشوروي" في مجال القضايا الدنيوية التي لم يرد في شأنها نص أو حمل على نص، على أن يختص مصطلح "أدلة الأحكام" بالأحكام الشرعية العملية، لأنه أقوى حجية وأشد إلزاماً. أما الاعتراض الثالث حول التشريع بغير ما أنزل الله تعالى في قوله عز وجل: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله( الشورى 21، وهو محرم قطعاً ومؤد إلى الكفر إن لم يكن الكفر بعينه، فإن مفهوم المخالفة في هذه الآية الكريمة يبين أن في الأمر تشريعين إنشائيين، أحدهما محرم هو ما لم يأذن به الله، وآخر مباح هو ما أذن فيه بقوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم( الشورى 35. وقد روى الأعمش وسفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال: سئل حذيفة عن قول الله عز وجل: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله( هل عبدوهم؟ فقال: لا، ولكن أحلوا لهم الحرام فاستحلوه، وحرموا عليهم الحلال فحرموه. وروى الترمذي عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي ( وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "ما هذا يا عدي؟ اطرح عنك هذا الوثن"، وسمعته يقرأ من سورة براءة: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم(، ثم قال: "أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكن كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرموه". لاشك أن عملية التشريع الشوروي وضع لقوانين وإنشاء لقواعد، ولكن هذه العملية في ميدان سكت عنه الشرع وفوض للأمة أمر تدبيره. فإذا تقيد هذا التشريع بالشورى الجماعية الآذنة فيه، دخل في صميم النهج الإسلامي الرشيد، متميزاً تميزاً كاملاً تاماً عن التشريع بغير ما أنزل الله تعالى. إن مجال الابتلاء الدنيوي بهذا الاعتبار يشمل ثلاث مناطق تشريعية هي: ـ منطقة التشريع الملزم وهو المستمد من الكتاب والسنة وما يحمل عليهما. ـ منطقة التشريع المأذون فيه، وهو الموضوع بواسطة الشورى الجماعية، بمقتضى قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم( الشورى 35. ـ منطقة التشريع المحرم، وهي ما سوى المنطقتين السابقتين. إلا أن تعيين مصادر التشريع الشوروي أو عملية بنائه، تتقدمهما حتماً مرحلة تحديد مجاله وضوابطه وحدود عمله، وطبيعة القواعد التي ينشئ والعلاقات التي ينظم. ولما كان من منهج الإسلام مبدأ التيسير ورفع الحرج عن الفرد والجماعة، فقد وضع للحياة نظامين متكاملين أحدهما شامل مطلق هو أصل الدين وعماد الدنيا، يتعلق بالعقيدة والتصور الإيماني للخالق والمخلوق، مصدره نصوص قطعية الثبوت واضحة الدلالة؛ والثاني متعلق بالأحكام الشرعية العملية في ميداني العبادة والمعاملة، مصدره الكتاب والسنة والإجماع المستند إليهما، والحمل عليهما بالقياس، وكافة الأدلة التبعية الأخرى؛ كما ترك في هذا المجال التصرفي هامشاً واسعاً، أو منطقة فراغ تشريعي في كثير من القضايا الدنيوية، وكل أمر البث فيه لجميع المسلمين، يكيفونه بكامل حريتهم في إطار العقيدة وأحكام الشريعة، بما يحقق أهداف الأمة، ويضمن التعايش السليم والمساواة في التكاليف والمنافع، ويكفل التعاون والعدالة والحرية. هذا الهامش التصرفي، أو نطاق الفراغ التشريعي، هو مجال التشريع الشوروري؛ وما سواه محكوم بالكتاب والسنة مباشرة. ولئن كنا بصفتنا مسلمين، نميز بين منطقتي حاكمية الأحكام الشرعية العملية وحاكمية الشورى العامة، فإن المشرعين الوضعيين قد جرت عادتهم بأن لا يميزوا بين هاتين المنطقتين في أي ميدان من ميادين الحياة، أو ضرب من ضروب النشاط البشري، وأن يضعوا للأمة تشريعاً يعد "القانون الأم" يطلق عليه عادة "الدستور" ينظم أسس الدولة ويضبط قنواتها ضمن قواعد مجملة وعامة، تتفرع عنها مختلف القوانين والنظم الخاصة والعامة؛ ومن ثم وردت مصطلحات: النظام الدستوري، المراقبة الدستورية، دستورية القوانين. إلا أن النهج الدستوري تعترضه في النظر الإسلامي مآخذ، تجعله غير ذي جدوى. من هذه المآخذ: ـ أن لفظ "دستور"، وهو فارسي معرب، معناه قوانين الملك وضوابطه. وقد لقب به أولاً الوزير الكبير الذي يرجع إليه في أمور الملك. ثم أطلق تجوزاً على الذي يدير أمور الملك. واللفظ بذلك ذو نشأة تحكمية استبدادية تلقي بظلالها على طبيعته الحالية. إذ الدستور يعد حاكماً مسطوراً على الأمة، والذي يضعه أوله حق تعديله وتغييره واستبداله هو الحاكم الفعلي، سواء كان ملكاً أو رئيساً أو مجلساً. ـ أن الدستور منشؤه الأصلي والحالي بشري، خاضع لأهواء واضعيه ومصالحهم وأهدافهم. وقد ابتدعه أرسطو الوثني، وتطور في بيئة غير مسلمة. ولذلك لم يفلح في المجتمعات الإسلامية التي عملت بنظامه، ولم ينسجم مع التشريعات الإسلامية عقدية كان أو عملية؛ إذ الازدواجية التشريعية التي نشأت عن تبنيه، وأدت في كثير من الأحيان إلى التنافي المطلق بين القوانين الوضعية والتشريع الإسلامي، أكدت للمتبصرين أن الأخذ بهذا النظام كما ورد في الفكر اليوناني أو كما طوره الغرب حالياً، وكما يهرف به حكام بعض المسلمين المعاصرين ومعارضوهم الديمقراطيون، عامل تخريب وتمزيق وفتنة وإهدار للطاقات. ـ إن الدستور في جوهره ومبناه ينطلق من قاعدة تلغي وتعارض كل دور للتشريع الإسلامي، وإن اعترف أحياناً مسايرة وتجنباً للإثارة بدور للأديان في الحياة. إلا أن نقدنا للنظم الدستورية لا يعني أننا نقر مختلف ضروب الاستبداد والحكم الفردي التي عرفها المسلمون منذ سقوط الخلافة الراشدة؛ فالاستبداد دائماً هو الاستبداد، مهما أطلق عليه من ألقاب أو كيل لـه من مديح وتقريظ. وإنما يلزمنا أن نعمل بجد وعزم لنخرج إلى النور البديل السياسي الإسلامي الحق، ذا النزعة العملية القابلة للتطبيق. ولن نحقق هذا الهدف إلا بأن نغادر أولاً مرحلة التغني والتبشير العاطفي، ونتحرر من سجن التراث السياسي لفقهاء القصور، إلى رحاب التفكير العلمي المنضبط بالكتاب والسنة، منهجية بحث، وملاحظة وتحليلاً ومقارنة، وتجريداً وتوثيقاً وتبياناً لمختلف العوائق والصعاب، وتوضيحاً لطرق تنزيل النظم والقواعد. أول خطوات هذه الاندفاعة التشريعية تقتضي التمييز الواضح بين مجال الأحكام العملية المحتاجة إلى مزيد تطوير لفهمنا وتصرفاتنا كي نرتفع إلى مستواها، ونستطيع تنزيل أحكامها على ما يستجد من قضايا العصر؛ ويبين مجال التشريع الشوروي الذي هو في أشد الحاجة إلى بذل الجهد من أجل استقصاء جوانبه، واستجلاء غوامضه، لأنه يغطي كل جوانب الحياة التي تركت مهمة تنظيمها للأمة؛ فهو يعني بوضع القواعد التي تبين أسس الدولة وشكلها، وطبيعة علاقاتها بمؤسساتها، وكيفية توزيع السلطات التدبيرية فيها، وطريقة إنشاء الهيئات التي تباشر هذه السلطات، والإجراءات التي تؤدي إلى اتخاذ القرارات وتنفيذها والمحاسبة عليها، كما يعني بوضع القواعد المنظمة لعلاقة الدولة فيما بينها وبين مواطنيها والأجانب فيها، أو بينها بين غيرها من الدول في حالات الحرب والسلم والمهادنة والقواعد المنظمة لعلاقات الأفراد الطبيعيين والمعنويين فيما بينهم، وحدود حقوقهم وحرياتهم، ومساحات نشاطهم وجزاءات مخالفاتهم. كما أن من صميم اختصاصه وضع النظم والتصاميم والمشاريع التي تضمن سيراً جاداً للأمة بمرافقها ومؤسساتها نحو المقصد الأسمى الذي أخرجت له وأمرت بتحقيقه. إننا إذ نملأ دائرة الفراغ التشريعي بالقواعد المستندة إلى الشورى العامة نكون قد غادرنا مرحلة الشفوية والعفوية، والإعجاب الساذج بتراثنا السياسي الوضعي، والارتجالية المزاجية التي طبعت تصور كثير من الفقهاء لعلمية الشورى، والتصرفات السلطانية المبررة بمختلف ضروب الاستنباط الفقهي المغرض. إلا أن هذه المجالات التي ترتادها القواعد الشوروية الإنشائية، ينبغي أن يتوفر لها المناخ الإسلامي الرشيد الذي تؤسسه العقيدة بأحكامها ومقاصدها من إخراج هذه الأمة للناس، مرشدة وهادية وشاهدة؛ وأن يسير التشريع الشوروي فيها على نهجين متوازيين: ـ نهج ترتيب بيت الدولة الإسلامية بالقواعد والنظم والقوانين المأذون فيها. ـ ونهج يضع المشاريع والبرامج والخطط الكفيلة بتطوير الأمة ورفع مستواها على جميع الصعد، وتوجيهها نحو المقصد الأسمى الذي خلقت له وأمرت بتحقيقه. ويغطي النهج الأول مجالات الحقوق والواجبات المتعقلة بالنظام العالمي الذي هو عماد كيان الدولة بنوعين من التشريع هما: 1 ـ التشريع العام الداخلي بما ينظم علاقات الدولة بالإفراد سياسياً وإدارياً ومالياً وقضائياً وجنائياً.. الخ. 2 ـ التشريع الخاص الذي هو مجموعة القواعد المنظمة لعلاقات الأفراد فيما بينهم، سواءً كان تشريعاً مدنياً كقوانين التجارة وقوانين الشغل، أو إجرائياً كالمساطر وتنازع القوانين وتنازع الاختصاص. كما يغطي النهج الثاني كل ما يتعلق بتطوير المرافق وأوجه النشاط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والعسكري والصناعي والزراعي والعلمي، بما يحقق السير السليم السوي المتوازن، ويرعى ويطور ما هو موجود من المؤسسات، ويستحدث ما هو مفتقد من المرافق والوسائل والأدوات، من أجل حفظ المقاصد الفردية لأعضاء المجتمع التي هي الضرورات الخمس بحاجياتها وتحسيناتها، وتجنيدها لتحقيق المقصد الأسمى للأمة. قد يعترض على هذا المنحى بأن في الكتاب والسنة قواعد ومبادئ مجملة عامة تغطي هذا المجال، ونحن لا نستبعد هذه الضوابط السلوكية المشار إليها، فهي مصدر أساسي للتشريع الشوروي؛ إلا أنها باستثناء الحدود والتعازيز مفتقدة إلى ما يجعلها ملزمة، وليس لها من قوة جزائية دنيوية خارجية تمنع وتردع، وعنصر الإلزام فيها مكتسب من مجرد ورع المرء وتقواه؛ كما أنها لا تغطي مساحات كثيرة من ضروب النشاط الإداري والسياسي والاقتصادي والتجاري والعسكري والثقافي.. الخ. لقد أثبتت سلفاً تجربة الحكم الراشدي أن الاكتفاء بالشفوية في التشريعات الإنشائية، وعدم تحويلها إلى مدونة ملزمة ذات جزاء، لا يوفر لمؤسسات الدولة ضمانات الاستمرار والمناعة ضد الانهيار. وقد ظل تسيير الشأن العام طيلة التاريخ الإسلامي إلا في حالات نادرة، شفوياً وخاضعاً للاجتهاد الآني، الذي سارع إلى الضمور والتقلص بمجرد ما التحم في العصور المتأخرة بالفكر القانوني العلماني المعقلن، فاضطر المسلمون إلى تعريب الدساتير والقوانين الوافدة، ومحاولة أسلمتها وإقحامها في التشريع الإسلامي. ثم عندما لم تثمر هذه النبتة في ديار المسلمين، عادوا على الإسلام نفسه باللائمة ودعوا إلى التحلل من تعاليمه؛ وغاب عنهم أن الخلل المؤدي إلى عقم المستوردات الغربية في أرضنا ومجتمعنا ليس إلا في منهج تفكيرهم، واضطراب طريقة تعاملهم مع واقع أمتهم. ذلك أن الفكر الغربي بحكم نشأته وتطوره في بيئته وتاريخه وتصوراته الدينية والفلسفية، يصبح لأهله وفي وطنه سهل الفهم معروف المقاصد، مرناً قابلاً للتعديل والتطوير، لاعتماده على مخزون ذاكرته التاريخية وتراث ماضيه، ورصيد مخيلته وتصوره لمستقبله وأهدافه. إلا أن هذه المميزات الإيجابية تغيب وتفتقد عند نقله إلى أمة أخرى مختلفة التاريخ والتجارب والبيئة والدين والفلسفة والأهداف، حينئذ يكتسب الفكر المنقول الرتابة والجمود، لانفصاله التام عن ماضي البيئة الجديدة وحاضرها ومستقبلها، ورصيد تجربتها وضميرها ومشاعرها وجاذبية آمالها. إن بلورة نظام سياسي وتدبيري رشيد مدون وملزم، بواسطة التشريع الشوروي المتكامل أمر ضروري لقيام دولة الإسلام الشاهدة. إلا أن لهذا التشريع قيوداً وضوابط لابد من توفرها ليكون مأذوناً فيه، أي منتسباً إلى الكتاب والسنة مرتبطاً بهما بآصرة الإذن الوارد في قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم( الشورى 35. من أهم هذه الضوابط والقيود: 1 ـ أن تعلن فيه الحاكمية لله تعالى، لأنه هو الآذن بإنشائه واتخاذه والعمل به؛ فلا يحرم حلالا أو يحل حراماً، ولا يعود على الدين عقيدة أو شريعة أو أخلاقاً أو مبادئ وتعاليم وأهدافاً ومقاصد بالمعارضة أو التنافي أو الإبطال. 2 ـ ألا يتحول إلى تشريع ديني، أو يتدخل في الأحكام الدينية بالزيادة أو النقص أو التعديل، وأن تسد كل الذرائع المؤدية إلى ذلك. 3 ـ ألا يقتبس من تشريع ديني، وضعياً كان أو سماوياً منسوخاً؛ لأن في ذلك شبهة تحاكم إلى غير الإسلام، وذريعة لتمييع الولاء وتعتيم التصور الإيماني الذي ينبغي أن يبقى صافياً واضحاً سليماً، ومحجة بيضاء ليلها كنهارها. 4 ـ أن يكون تشريعاً مصدره مؤسسة الشورى الجماعية العامة، وليس الأمزجة والمصالح الفردية أو الفئوية أو الحزبية أو الطبقية أو الأجهزة التنفيذية. 5 ـ ألا يحتكر توجيهه والتأثير في نشأته بيد حاكم أو فئة أو قبيلة أو عائلة، وإنما يكون حقاً عاماً لكل أعضاء المجتمع المسلم المتساكنين في أرض الشورى، لا فرق بين أسود وأحمر وأبيض، ذكراً كان أو أنثى، مواطناً مقيماً أو زائراً أو عابر سبيل إذ الأمر للإسلام والإسلام للجميع. 6 ـ ألا يتحول إلى قواعد ثابتة جامدة غير قابلة للتعديل والتغيير، فتتوقف بذلك حركة تطور المجتمع ورقيه؛ بل يبقى مجرد نظم وقواعد وخطط وبرامج للأمة حق تعديلها وإلغائها واستبدالها كلما اقتضت ذلك مصلحتها. 7 ـ أن يجلب للأمة منفعة ويفتح لها ذريعة إلى منفعة، أو يدفع عنها مفسدة ويسد ذريعة إلى مفسدة. 8 ـ أن يرفد تيار الأمة الإسلامية الساعي إلى تحقيق مقاصد الشرع من تعبيد الأفراد، ومقاصده من إخراج خير أمة للناس. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |