|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
من أجل مدرسة عربية في الأنثروبولوجيا النقدية ـــ د.عز الدين دياب* كثيرة هي العلوم والتقنيات والصناعات التي يحتاج إليها الوطن العربي من أجل أن ينهض ويتقدم. فالنهوض لا يتم من فراغ، وإنما لا بد من أدواته أو آلياته واحتياجاته. وإذا، كان الوطن العربي بحاجة ماسة إلى التقنية بكل أبعادها من أجل أن يظفر بمعركة المستقبل، فإنه بحاجة ماسة أن يفهم نفسه، وأن يتعرف على مشكلاته وأن يعي وعياً منهجياً أن العلاقة بين الوطنية والقومية علاقة عضوية وجدلية لا تنفي إحداهما الأخرى. بل أن الوطنية هي القومية، والقومية هي الوطنية. غير أن هذه العلاقة بين الوطنية والقومية، وما بينهما من تناوب أدوار حضارية واعتمادات وظيفية متبادلة بين الأبنية الاجتماعية العربية بحاجة إلى فهم شعبي، وإلى وعي علمي ومنهجي جامعي "أكاديمي" بها حتى تصبح مفهومة ومدركة ومعروفة إيجابياتها، وما هو كائن وما يجب أن يكون. إلا أن هذه المعرفة تحتاج إلى أدواتها وعلومها وأبحاثها ودراساتها. وفي ظني أن العلم الأنثروبولوجي هو أحد أهم هذه العلوم النظرية التي يحتاج إليها الوطن العربي في معرفة نفسه، لأنه العلم الذي يدرس الإنسان العربي، ويتناول بالتحليل ظروفه البيئية والاجتماعية والسياسية والثقافية والقيمية... إلخ. والعلم الأنثروبولوجي هو الذي يدرس التأثير المتبادل بين الثقافة العربية والشخصية العربية، لأن الثقافة في التحليل الأخير هي مرآة المجتمع التي يرى فيها نفسه. وما دام العلم الأنثروبولوجي على هذا النحو فإننا سنحاول أن نلقي نظرة على أقسامه أو فروعه، أو قل بشكل أصح الموضوعات التي يدرسها. وسنجعل النظر يقرأ عناوين العلم الأنثروبولوجي وفروعه مثل: الأنثروبولوجيا الطبيعية التي تدرس الإنسان من حيث تكوينه العضوي وما حدث لهذا التكوين من تكور وتغير. وإنتاج الإنسان المادي خلال المراحل التاريخية المتعاقبة. والأنثروبولوجيا الاجتماعية التي تدرس وتحلل وتنقب في البناء الاجتماعي أياً كان مستواه وبعده الوطني والقومي. والأنثروبولوجيا الثقافية التي تدرس العلاقة المتبادلة بين الشخصية والثقافة وما ينتج عنهما من سلوك اجتماعي وسياسي ونفسي ومعالم وملامح... إلخ. وأنثروبولوجيا التنمية التي تدرس الواقع الاجتماعي وتتعرف على محدداته الثقافية والاجتماعية ومشكلاته، والصعوبات التي يعانيها، والخطط والبرامج اللازمة حتى يتجاوز مشكلاتها. والأنثروبولوجيا العامة التي تتضمن أنواع عدة من مواضيع الأنثروبولوجيا فتبدأ بدراسة أصل الإنسان، وتمر بتاريخ الأنثروبولوجيا، وتنتهي بالمدرسة الأنثروبولوجية النقدية أو العلم الأنثروبولوجي النقدي. وسنتوقف قاصدين ومؤكدين، أمام العلم الأنثروبولوجي النقدي باعتباره العلم الأنثروبولوجي الذي أخذ على عاتقه دراسة تاريخ الأنثروبولوجيا. أي بداياته ومراحله مروراً حتى هذه اللحظة. ويوجه هذا العلم النقد إلى تراث العلم الأنثروبولوجي، وخاصة المدرسة الأنثروبولوجية التي نشأت في ظل الاستعمار وخدمته، وقدمت له المعلومات اللازمة حتى يتمكن من السيطرة على الشعوب المستعمرة وتحقيق مصالحه على حسابها وحساب مستقبلها. واستمرت الحركة النقدية حتى أتت بالنقد على المدرسة البريطانية والأمريكية. وخاصة التوظيف الاستعماري للعلم الأنثروبولوجي، والمركزية الأوربية(1) ((وصياغة إشكالية الأنثروبولوجيا في عالم ما بعد الاستعمار، وتأسيس آراء جديدة تتسم بالنقد والطابع التحرري والمسؤولية الإنسانية)). إنّ القراءة المتأنية للأنثروبولوجيا النقدية. أو ما يسميه بعض علماء الأنثروبولوجيا الاتجاه النقدي في الأنثروبولوجيا وتظهر أن النقد انطلق من أعماق الدراسات والأبحاث الأنثروبولوجية، لما في هذه الدراسات من تحوير للمفاهيم، وقسر للمقولات والمصطلحات. وكان النقد موجهاً في الأساس لا إلى فكر البدايات، وإنما إلى استعمالات هذا الفكر وتوظيفه من قبل المدرسة الاستعمارية، وخدمة لأغراضها المعادية لمصالح الشعوب، وحقها في تقرير مصيرها. وإذا، كان تاريخ العلم الأنثروبولوجي لا ينكر على الإطلاق أن المدرسة الاستعمارية، وخاصة تلك الموجودة في ردهة من ردهات الخارجية البريطانية لعبت دوراً مهماً في تأسيس العلم الأنثروبولوجي، ومن ثم تطويره. إلا أن بعض علماء هذا العلم كانت تتنازعهم رغبة التحرر من هذه المدرسة، والانطلاق إلى دراسة المجتمعات مدفوعين بغايات إنسانية ومنهجية، من أجل أن يفهم العالم نفسه، وما له وما عليه، وما هو المطلوب منه حتى يظفر بالتقدم وخاصة المجتمعات الأقل تطوراً وتقدماً في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا. وكانت بداية النقد موجهة إلى الاتجاه الوظيفي وإلى استعمالاته المنهجية، وأيضاً إلى المغالاة في وظيفة الثقافة، وكأنها واحدة من أقدار الشعوب. مثلها في ذلك مثل الحتمية التي قالت بها المدرسة أو الاتجاه الماركسي. وتمكن النقد الأنثروبولوجي من القول بالنسبية الثقافية التي ترى أن الثقافات متعددة ومتنوعة بتنوع الأمم. وهي أيضاً متنوعة(2) داخل الأمة الواحدة، لأن الثقافة في الأساس ليست ثابتة، وإنما هي في حالة تغير وتبدل وتطور. وإن المقارنة بين ثقافة مجتمع وآخر لا تعني على الإطلاق أن ثقافة مجتمع (أ) أفضل من ثقافة مجتمع (ب). وهذا معناه مناهضة المركزية الأوربية الثقافية، والابتعاد عن الغلو في استعمال معايير ثقافية مُعَدّة لإدانة ثقافة أخرى والقول بأنها "متخلفة" أو "بدائية" أو "راكدة" لأن الحتميات قد خضعت للمراجعة والتحليل والنقد من قبل العلم الأنثروبولوجي النقدي، بحيث جعلها تقف أمام نفسها من أجل أن تعرف نقاط ضعفها. وكذلك تخطي النزعة الحتمية المبالغ فيها، أو تلك التي تُبسِّط أوضاع الكثير من القضايا الاجتماعية. كما واجه بحدة الأنثروبولوجيا النقدية في تحذير العلم الأنثروبولوجي والعاملين في حقله من ضغط الحكومتين الأمريكية والبريطانية، اللتين أرادتا أن تضعا العلم الأنثروبولوجي في خدمة أغراضهما. وخاصة تلك الدراسات التي تمت عن الشخصيات الاجتماعية، ووضعت في مراكز البحث الأمريكي الإمبريالي ومختبراتها الثقافية بحثاً عن طابع النزعات والانقسامات في الشخصية حتى يتم التغلب عليها. ومن جملة المواقف النقدية التي وقفتها الأنثروبولوجيا النقدية أمام الخلاف الذي دار بين أكثر من اتجاه أنثروبولوجي حول السؤال الإشكالي الهام الذي يدخل في عمق الفكر الأنثروبولوجي وهو: أين يكمن الضعف والخلل في العلم الأنثروبولوجي؟ هل في الباحثين الأنثروبولوجيين أم في النسق المعرفي؟ أم في أسلوب توظيف العلم الأنثروبولوجي خلال دراسة المجتمعات غير الأوربية؟ وكان جواب الأنثروبولوجيا النقدية واضحاً في أن الفكر الأنثروبولوجي يحتاج إلى المزيد من المراجعة النقدية من أجل إغناء نسقه المعرفي بالمفاهيم والمصطلحات والأطروحات التي تجعله أكثر علمية ومنهجية، مثله في ذلك مثل العلوم الاجتماعية التي لم تصل حتى هذه اللحظة في دقة نسقها المعرفي وسلامته إلى مستوى العلوم الطبيعية والرياضية، الأمر الذي جعل العلم الأنثروبولوجي في كثير من دراسته لا يفهم ولا يرى الواقع المدروس من قبله فهماً علمياً ومنهجياً. وهذا سببه في رأي بعض الباحثين الأنثروبولوجيين يعود إلى النسق المعرفي وآليات التحليل الموجودة في بعض الاتجاهات الأنثروبولوجية التي تقرر بعض الأحكام التي لا تنطبق على الواقع. أما الرأي الآخر الذي يراه بعض الأنثروبولوجيين فإنه يتعلق بأخلاقيات البحث العلمي التي يمارسها بعض الباحثين الأنثروبولوجيين والمتمثلة بنزوعهم إلى إضفاء بعض النتائج على أبحاثهم المخالفة أصلاً للواقع المدروس من قبلهم. وكان للأنثروبولوجيا النقدية وقفتها الرصينة والمنهجية أمام الأنثروبولوجيا الثقافية، وخاصة الاتجاه الوظيفي الذي استعمل استعمالات واسعة من قبل هذا العلم في دراسة ثقافة الشعوب والعلاقة الموجودة بين الثقافة والشخصية، وما يتمخض عنها من تأثير متبادل بين الطرفين. وكانت البداية في هذا النقد القول: إنه لا توجد ثقافة "بدائية"، وإنما توجد ثقافات محكومة في وجه من وجوهها بالتخلف التاريخي، وبأنها لم تنل حقها في التطور والتقدم، وبالتالي توجد فيها عناصر ثقافية خرافية ومناقضة للعلم وقوانينه. إلا أنها لا تقبل أن يقال إن التأخر والتخلف قدرها، وإنما يمكن ردهما إلى عوامل داخلية وخارجية. وفي الحالة الأخيرة يمكن للأنثروبولوجيا النقدية أن تضع أصابعها على الكثير من العوامل والأسباب الخارجية التي جعلت ثقافة أمة ما تدور في حلقة مفرغة، ولا تخرج الخروج الكافي من شرنقة التخلف. وتؤكد الأنثروبولوجيا النقدية أن الاستعمار بكل مراحله وجهاته هو حصراً تلك الجهة الخارجية. ولذلك قالت الأنثروبولوجيا النقدية: إن من حق الأنثروبولوجيا أن تؤكد على أهمية التنوع الثقافي والجغرافي والموقع والمكان، وإمكانات كل ثقافة في التحديث والتجديد والتطور. وحرصت على وجهة نظرها التي ترى بأن محور الخلاف يجب أن يكون محصوراً في آليات البحث الحلقي وبعض الاتجاهات الأنثروبولوجية التي تقود البحث أو الدراسة. وثمة وجهات نظر تدعو إلى تجديد منطلقات ومفاهيم العلم الأنثروبولوجي ومدارسه وتياراته، وتحويله إلى مرشد لحركات التحرر في كل من أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، ومناصرتها من أجل تجاوز التخلف والاستغلال الإمبريالي الأمريكي، والنهوض بثقافات هذه الأمم حتى تكون عوناً لها في معركة التقدم والتطور والنهضة. اتجاهات الأنثروبولوجيا النقدية: عندما نشأت الأنثروبولوجيا النقدية في مطلع أواخر عقد الستينات والسبعينات من القرن المنصرم، نشأت موسومة وممهورة بالتنوع داخل اتجاهاتها ومناهجها النقدية. وكان هذا كله ثمرة طبيعية للفكر التحرري الذي أخذت دائرته تتسع في كل أنحاء العالم، وخاصة في الأمم والشعوب المقهورة. الأمر الذي أدى إلى ولادة علم أنثروبولوجي كفاحي يناهض وينتقد المفاهيم والأطروحات الكلاسيكية المتحيزة للنزعة الاستعمارية والمركزية الأوربية من جهة، وفي الوقت نفسه يعمل على تحليل حال الأمم تحليلاً علمياً قائماً على الدراسات الحلقية التي تأخذ مفاهيمها وفروضها من خلال حركة الواقع وجدله، ومن وجهات نظر العلم التاريخي والأدب والعلوم الاجتماعية والإنسانية التي تساعد في إغناء المفهومات والمصطلحات التي تمكن الأنثروبولوجي من تحليل البناء الاجتماعي في هذه الأمم تحليلاً يراعي خصوصياتها ومصالحها وآمالها وآلامها وتجاربها الاجتماعية والتاريخية. وبات معروفاً لمن يريد أن يؤرخ تاريخ الأنثروبولوجيا النقدية أن الاتجاه التحرري في هذا العلم عمل على تحقيق جملة من الإجراءات والممارسات والمهام الأنثروبولوجية، أهمها الآتي: 1ـ تخليص الأنثروبولوجيا من المدرسة الاستعمارية التي وظفت الأنثروبولوجيا في خدمتها. 2ـ نقد المفهومات والمصطلحات والتعريفات النظرية والإجرائية التي استعملتها الأنثروبولوجيا الكلاسيكية، بتوجيه من الدوائر الاستعمارية، بشأن الشعوب المستعمرة مثل مفهوم "الشعوب البدائية" و"الثقافة البدائية" و"المفاهيم والنظريات الأنثروبولوجية العرقية.... إلخ. وذلك من أجل مفاهيم ومصطلحات بديلة نابعة من تجربة وتاريخ تلك الشعوب وحركة أبنيتها الاجتماعية. 3ـ متابعة المدارس الأنثروبولوجية التي لا تزال ترهن دراساتها وأبحاثها خدمة للإمبريالية ومصالح الشركات العابرة القارات من أجل تعميق الانقسامات والنزاعات داخل الأبنية الاجتماعية التي للإمبريالية وشركاتها ورأس مالها مصالح وأطماع فيها، وتوظيف تلك الدراسات في خدمة الحروب. 4ـ استخدام الأنثروبولوجيا النقدية في التحديث والتنمية والتحرر الوطني. إن الأنثروبولوجيا النقدية عندما تعاملت مع قضايا التنمية وضعت في حسابها أن الأمم تقاس بمستويات تقدمها وتطورها وأن هذه المستويات ليست حكراً على أمة من الأمم. بل إن كل أمة بمقدورها أن تبلغ التقدم والرفاه الاجتماعي، إذا تمكنت من امتلاك عوامل وضروريات التقدم. ولذلك قالت الأنثروبولوجيا النقدية بوجود عوالم، منها المجتمعات السائرة على طريق النمو، والمجتمعات المتقدمة. وعلى هذا الأساس قامت الأنثروبولوجيا النقدية بدراسة نظريات التنمية من أجل أن تتعرف على وجهة نظرها بشأن تحقيق التنمية، ورؤيتها للطرق التي تمر بها التنمية، وآفاقها القريبة والبعيدة، والآليات التي تستخدمها في إنجاز التحولات الاقتصادية والاجتماعية. والمعروف أن الأنثروبولوجيا النقدية تعرضت للنقد من قبل اتجاهات عدة اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية. وكانت نقاط الاختلاف تتمحور حول المتغيرات في عملية التنمية. وأكثر هذه الاتجاهات تشدداً في نقد الأنثروبولوجيا النقدية التنموية هي الجهات المالكة للرأسمال العالمي وللشركات عابرة القارات، وورثة المدرسة الاستعمارية، وقوى الاحتلال بـ (الإملاءات) التي تريد من الدول التي تسعى إلى التنمية وإحراز التقدم أن تدور في فلكها. وقاد الاختلاف بين الأنثروبولوجيا النقدية التنموية والاتجاهات الأنثروبولوجية والاجتماعية التي تعارضها إلى استحداث طرائق وأنساق فكرية، ونظريات تعالج قضايا التنمية، وتنظيرها على ضوء مصالحها وخصوصيتها الوطنية والقومية، وإمكاناتها الاقتصادية وثرواتها المادية. وقالت هذه النظريات بالطرق القومية إلى النهضة فكان لها قواسمها المشتركة التي يمكن حصرها بمفاهيم "التقدم" و"التطور" و"النهضة" والمستوى الذي تحرزه المجتمعات على طريق التقدم، والقفز من فوق النماذج المستعارة والمنسوخة من قبل تجارب اجتماعية أخرى ليس لها نفس القواسم المشتركة. وثمة نتيجة قادت إليها أو أفرزتها تلك الطرق، وهي التحرر من فكرة المركزية الأوروبية(3) الأمر الذي قاد أمة مثل الصين إلى أن يكون لها تجربتها الخاصة في التصنيع والنهضة وقد حاولت عدة بلدان أن يكون لها نموذجها في التصنيع وامتلاك أساسيات التقنية مثل النمور الآسيوية، وخاصة ماليزيا. ودعَّمت المدرسة الأنثروبولوجية النقدية وجهات نظرها في التنمية والتحديث بفتح حوار مع النظرية الماركسية والاتجاهات اللاهوتية الحديثة في أمريكا اللاتينية ومع الاتجاه الإسلامي والقومي في الوطن العربي، وفي بلدان أفريقية كثيرة. لأن هذه النظرية كان لها منطلقها الخاص في رؤية التغير والتطور والرفاه الاجتماعي والتصنيع وبلوغ التقدم. وكان لها أيضاً عمقها النظري في تحليل أثر التفاوت الاجتماعي على الصراع الاجتماعي والسياسي. ومع ذلك فإن المدرسة الأنثروبولوجية النقدية وقفت موقفاً نقدياً من بعض الأطروحات الماركسية مثل مقولة: الصراع الطبقي والطبقة العاملة كطبقة قائدة. الحزب البروليتاري القائد. ومفهوم الماركسية للدين، وموقفها السلبي منه. وأطروحات (مورجان) حول الأسرة، والمراحل التي مرت بها. وتقييم استنتاجاته التي تبناها (إنجلز)، والتي تم دحضها من قبل الدراسات والأبحاث الأنثروبولوجية الحديثة. كما شدّدت على مسألة الأخذ بخماسية مراحل التطور واعتبارها قدر البشرية. ونبهت إلى الأخطار التي يمكن أن تنتج من تلك التغيرات والآراء والأطروحات خلال التطبيق على الأرض، أو داخل البنى الاجتماعية. ودعت الأنثروبولوجيا النقدية إلى قراءة المراحل والتاريخ الاجتماعي، وتجاربه على ضوء حركة تاريخ هذه المجتمعات الخاص والعام، واستنباط مفاهيم ومصطلحات وأطروحات من أعماق التجارب الاجتماعية، ومعالجة هذه التجارب على ضوء القوانين العامة والخاصة دون التدخل لصالح هذا القانون أو ذاك، وإنما بناء على حضوره وأثره في تلك التجارب. ونبهت الأنثروبولوجيا النقدية إلى أهمية نقد النماذج الجاهزة والوصفات المعدة سابقاً. الخلاصة والنتائج: عندما دعونا إلى علم أنثروبولوجي يتخصص في قضايا الوطن العربي بكل مستوياتها ومضامينها وأنساقها البنائية، كنا ننظر إلى التجربة الاجتماعية التاريخية العربية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وفي مستوياتها الوطنية والقومية بعيون مستقبلية، ترى أنّ هذه التجربة يجب أن تقرأ قراءة أنثروبولوجية نقدية قوامها سلسلة من المفاهيم والمصطلحات والأطروحات المستخلصة من الجدل الاجتماعي للحياة العربية. وعلى فهم علمي ومنهجي لكل ما يدور في هذه الحياة من وقائع وأحداث وتغير بناء على القوانين التي تحكمه، والاعتماد الوظيفي المتبادل بين كل عناصر هذه الحياة المادي منها والاجتماعي والروحي والفكري والسياسي والاقتصادي. إلخ. وأن تعيد الأنثروبولوجيا النقدية قراءة الواقع العربي وما جرى فيه من تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية وما طبق فيه من تجارب وخطط تنمية، وما استحدث من نظم سياسية، قراءة نستخلص منها الدروس والعبر المستفادة ونستخلص منها أيضاً أهمية أن تكون النهضة أو التنمية نابعة من حاجات الوطن العربي وإمكانياته. وخصوصياته الوطنية والقومية، ملتزمة بالأطروحة ـ القانون الذي يقول: إن الوطنية في الوطن العربي في كل تجلياتها هي القومية، وإن القومية هي الوطنية بكل ما في هذه الأخيرة من ألوان الطيف الثقافي والاجتماعي والسياسي. وأن تُعلن الأنثروبولوجيا النقدية في مدرستها العربية أن زمن التعامل الأعمى مع التاريخ الاجتماعي ـ السياسي للوطن العربي بمفاهيم علم الاجتماع الغربي أو الماركسي، والمنقاد في أحيان كثيرة لمنطق الرغبة وإملاءات الولاء العقائدي الحرفي أو القَبْلي، قد مضى وأصبح في ذمة التاريخ. وإن التعامل مع الأحداث والوقائع والانقسامات والمنازعات التي تجري في قلب الحياة العربية، لا بد أن تكون منقادة بمفهومات وأطروحات ومقولات تستخلصها الأنثروبولوجيا من خلال قراءة وطنية وقومية مهتدية بالفكر القومي الذي يشكل السند المنهجي للمدرسة العربية في العلم الأنثروبولوجي. وثمة أمثلة كثيرة يمكن أن نأخذها من الوطن العربي بعضها من النسق السياسي، وبعضها الآخر من النسق الاجتماعي والاقتصادي. ومن هذه الأمثلة (النظرية الانقسامية العربية) التي عالجت مسألة الانقسام داخل البنى الاجتماعية العربية على أساس أنَّ رابطة القربى الدموية انقسامية بطبيعتها لأنها تقوم على أساس ميكانيزمات أو نوازع العصبية، وتسلسل مستويات القربى. وتجاهلت هذه النظرية أن علم الاجتماع الخلدوني قال بأن للعصبية نزعة في الالتحام، ونزعة في الانقسام. وفي السياق ذاته يمكن أن ندعو المدرسة العربية في العلم الأنثروبولوجي النقدي، ونعيد قراءتها للمسألة الثقافية في الوطن العربي بناء على أهمية التنوع الثقافي الجهوي والمحلي والوطني في هذه الثقافة، وأهمها وأبرزها أن التنوع في كل حالاته السابقة يغني الثقافة العربية ويزيدها حيوية، ويُضفي على الشخصية الوطنية بعض السمات الخاصة التي تحقق إضافات إيجابية للشخصية القومية. وهذا معناه في العلم الأنثروبولوجي أن الحالة المحلية والجهوية والوطنية لها حضورها الثقافي داخل الحالة العربية، في كل أبعادها وأوجهها الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ويؤكد التداخل العضوي والجدلي بين الحالات السابقة ضرورة أن يأخذ العلم الأنثروبولوجي في اعتباره أهمية تنوع الشخصيات الاجتماعية والثقافية، المحلية والجهوية والوطنية داخل الشخصية القومية، وهو يدرس وينقب ويحلل ويفسر التجربة الاجتماعية العربية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها بناء على الاعتماد الوظيفي المتبادل القائم بين هذه التنوعات، بكل ما فيها من مضامين وفعاليات. وعلى ما بين المحلي والجهوي والوطني والقومي من تبادل أدوار داخل الجدل الاجتماعي في حالته القومية، سواء أكانت هذه الأدوار سياسية وثقافية واقتصادية... إلخ. إن العلم الأنثروبولوجي النقدي في مدرسته العربية عندما يرد الاعتبار للعوامل المحلية والوطنية في تفسير الحياة العربية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها يستطيع أن يرى بوضوح لا لبس فيه أن الوحدة العربية تمثل حالة مستقبلية قائمة وموجودة داخل الحياة العربية. فهي مرة تشكل حاجة للتخلص من التخلف التاريخي. وهي مرة ثانية تشكل استجابة للتخلص من هذا التخلف وتجاوزه. وهي أيضاً تمثل حالة وطنية عندما يحتاج أي قطر عربي للمساعدة والعون من قطر عربي إلى آخر أو من الأقطار العربية في مجموعها. وهي مرة أخرى تمثل حالة قومية عندما يجد الوطن العربي أنه يشكل حالة اقتصادية وسياسية وثقافية متكاملة، وأن مقومات هذا التعامل قائمة بكل أصنافها ومضامينها داخل الحياة العربية. وفي هذه الحالات جميعها تمثل الوحدة العربية الشرط الأساس لبلوغ هذه العوامل فعلها الحضاري في قلب الحياة العربية، خاصة أنَّ الألفية الثالثة قالت كلمتها الأخيرة بأن لا حياة في هذه الألفية والألفيات القادمة إلاّ للتجمعات الكبرى. والوحدة العربية هي التجمع الكبير الذي يمثل قدر هذه الأمة. إذاً يمكن القول إن الحالة الوطنية مثلت مرة حاجة ومرة ثانية استجابة، وهكذا فإن القومية مرة شكلت حاجة ومرة شكلت استجابة، لأن الحالتين الأولى والثانية بينهما مستويات من الاعتماد الوظيفي المتبادل والأدوار الحضارية ما يغني الحياة العربية، ويقرر أن الوحدة العربية تمثل على الدوام حالة مستقبلية. ومن هذه الحالة يبدأ العلم الأنثروبولوجي النقدي مهمته النقدية للخطط والبرامج التنموية التي تجاهلت التداخل الجدلي بين الحالة الوطنية والقومية داخل سيرورة الوحدة العربية في مشهدها المستقبلي. وفي الوقت نفسه نقد وجهات النظر التي قفزت من فوق الحالة الوطنية. وتصاففاً مع ما بين الحالة الوطنية والحالة القومية من استجابة وتحد فإن المدرسة العربية في العلم الأنثروبولوجي النقدي مدعوة إلى قراءة النسق الثقافي العربي في كل مستوياته: المحلية والوطنية والقومية، ومتابعة ما جرى فيه من تحولات ثقافية، من أجل تأسيس ثقافة سياسية واقتصادية واستراتيجية تتابع هذه التحولات، وتحللها على ضوء قانون التخلي والاكتساب، حتى تتمكن من التحكم في تلك العمليات، وقيادتها على نحو تضعف فيه العمليات العفوية والعمليات الموجهة من الخارج. لأن هذه العمليات إذا استمرت منقادة بتأثير العامل الخارجي فإن الثقافة العربية ستسير على مفترق الطرق. وستتغير ميكانزمات الحاجة والاستجابة. وسيضعف تبادل الأدوار الحضارية بين الأقطار العربية، وستتعزز النزعات الانعزالية التي تدمج أو تساوي عن قصد وسوء نية بين الوطني والقطري، وتنزع من الحالة الوطنية كل تجسداتها القومية. وفي مقدمة الإجراءات التي يجب أن يقوم بها العلم الأنثروبولوجي النقدي في مدرسته العربية، تحديد الأهداف الاستراتيجية للنهضة أو التنمية الثقافية المطلوبة للوطن العربي، لأن هذا العلم له سنده في الفكر القومي الذي يحدد هذه الأهداف حسب أولوياتها. والهدف الأول يتمثل في امتلاك التقنية الحديثة: ثورة المعلومات والاتصالات والمواصلات والهندسة الوراثية. فالتقنية بكل مفرداتها هي طريق الأمة العربية لتحقيق نهضة حضارية وثقافية تعزز التنوع والوحدة داخل الثقافة العربية. وتطيح بكل مفردات الأنثروبولوجيا الاستعمارية وعلمها المتخصص في المنازعات والانقسامات والحروب التي تقوي عوامل التخلف التاريخي العربي، وتجهض محاولات النهضة. ونزعم بأن العلم الأنثروبولوجي النقدي في حالته العربية لا بد أن يعيد النظر في الدراسات والأبحاث التي جرت في مجال التنمية الإنسانية، لأن هذه الدراسات لم تنظر بعين فاحصة إلى كنه الحالة المستقبلية للوحدة العربية، بحيث تعيد على أساسها تقييم وتقويم الأسس والمنطلقات النظرية، التي اعتمدت عليها تلك الدراسات، والخلطة المفاهيمية التي يستخدمها في رؤية المحددات الثقافية، والاجتماعية والمعوقات التي جعلت التنمية الإنسانية في الوطن العربي تفشل في مهمتها وترتد إلى الوراء. إن المعيار الأساسي في قواميس التنمية لا بد أن يكون الإنسان العربي من أجل مواطن عربي جديد يقدر عالياً الرابطة المصيرية بين وطنيته وقوميته، وأن يتماثل في ثقافته وأخلاقه مع أهدافه المستقبلية المتمثلة في الوحدة العربية على اختلاف مستوياتها، بداية من العمل العربي المشترك، ومروراً بالسوق العربية المشتركة، والاتحاد العربي، وانتهاء بالوحدة العربية الاتحادية أو الفدرالية أو الاندماجية. وعندما ندعو إلى مدرسة عربية في العلم الأنثروبولوجي النقدي فإننا نقصد جملة من العلوم الأنثروبولوجية المتخصصة في كافة جوانب الحياة العربية، مثل الأنثروبولوجيا المستقبلية والأنثروبولوجيا السياسية، والأنثروبولوجيا الاجتماعية، والثقافية، وأنثروبولوجيا النهضة أو التنمية. وهذا معناه نقد المناهج الأنثروبولوجية المستخدمة من أجل بناء واستحداث مناهج جدية قادرة على قراءة وتحليل الواقع العربي بكل ما فيه من وقائع وأحداث قراءة للحاضر ورؤية للمستقبل. ونؤكد بأن العلم الأنثروبولوجي النقدي الذي نريده للوطن العربي هو العلم الذي يقدر عالياً العلم الأنثروبولوجي النقدي الموجود في كل أنحاء المعمورة، وخاصة الأمم التي تطور فيها هذا العلم على يد نخبة من العلماء الأنثروبولوجيين المناضلين الذين نظروه وطوروه، من أجل تحرير أوطانهم، والخلاص من التبعية والتخلف وامتلاك إرادة النهضة. إن العلم الأنثروبولوجي النقدي الموجود في أمريكا اللاتينية وفي آسيا وأفريقيا لا بد أن يشكل معيناً للعلم الأنثروبولوجي النقدي الذي نريده للوطن العربي، وهو يعيد قراءة الحدث السياسي، والواقعة الاجتماعية، والحالة الثقافية... إلخ. وأن لا يدير ظهره للتراث الأنثروبولوجي العالمي في ماضيه وحاضره ومستقبله. بل يحاوره ويقرأه جيداً، ويتبصر بدراساته وأبحاثه ورؤيته ومعالجته لقضايا البناء الاجتماعي، وذلك حتى يستعين به استعانة نقدية. ويظل أمام العلم الأنثروبولوجي النقدي في مدرسته العربية دراسة الحياة السياسية في المدن والأرياف العربية على ضوء الحقائق التي أعلنتها هذه الدراسات، حتى تتعرف على سيرورة هذه الحياة خلال انتقالها من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل. وكثيرة هي الأحداث والوقائع العربية التي تطرح نفسها أمام العلم الأنثروبولوجي النقدي من أجل دراستها وتحليلها بآليات وفروض ومفهومات نابعة من الواقع العربي، كل ذلك بانتظار تأسيس هذا العلم في مدرسته العربية. والدعوة إلى مدرسة عربية في الأنثروبولوجيا النقدية لها مقاصدها ودواعيها، وتتمثل بواكيرها في مواجهة نقدية للمفاهيم والمصطلحات الأجنبية المنقولة نقلاً شائهاً إلى الفكر الاجتماعي العربي، وخاصة الدراسات الأنثروبولوجية التي تمت في مشرق الوطن العربي ومغربه عن الانقسامات السياسية اعتماداً على النظرية الانقسامية التي ترى أن الانقسام في البنى الاجتماعية محصلة لروابط قربى الدم(4). وهذا معناه الآن المباشرة في اختيار المصطلحات الأنثروبولوجية النابعة من حقائق الحياة العربية. كما أن هذا المطلب يمثل الخطوة الصحيحة على طريق تأسيس المدرسة الأنثروبولوجية العربية النقدية. وعندما تتم المباشرة الفعلية في دراسة البناء الاجتماعي العربي في كل مستوياته المحلية والوطنية والقومية من قبل العلم الأنثروبولوجي النقدي، فلا بد أن يكون القانون القومي: الحالة الوطنية هي القومية، والقومية هي الحالة الوطنية في كل تجلياتها. هو القانون الذي يوجه الدراسات الأنثروبولوجية النظرية والحقلية في الوطن العربي، ويضمن تطبيق المنهج العلمي في الدراسات الأنثروبولوجية الحقلية. ويوجب القانون القومي السابق على العاملين في الحقل الأنثروبولوجي، سواء في الدراسات النظرية أو الحقلية الاعتماد على مشاهداتهم للظواهر داخل مجالها الجغرافي والبشري والزمني متأملين ومستفسرين ومعللين، ومتابعة ذلك بالملاحظة الدقيقة للوقائع والأحداث التي تستدعي من الباحث الأنثروبولوجي طرح الفروض في حالتها المحلية والوطنية والقومية من أجل تأييدها أو نفيها وصولاً إلى القوانين الاجتماعية في الحدود الممكنة والمعقولة، وأن تحمل تلك القوانين درجة عالية من الصدق في التعبير عن تلك القضايا والوقائع الاجتماعية والسياسية التي تمكن الباحث الأنثروبولوجي العربي من الإسهام الفعال والموضوعي في بناء التاريخ الاجتماعي ـ الثقافي العربي. وخاصة تاريخ الفعل الشعبي الذي تتكرر أحداثه وظواهره وتتوافر معطياته في الأحداث المصيرية المتعلقة بالمستقبل العربي، وما في تلك الأحداث من تشابه وتداخل في الزمان والمكان، بقصد تأكيد القانون القومي الذي يفسر الأحداث السياسية النضالية التي تتكرر على الأرض العربية من وقت إلى آخر ونصه: أن النضال من أجل الوحدة العربية، يؤدي إلى وحدة النضال العربي. أو "لا يحقق الشعب العربي وحدة النضال ما لم يمارس نضال الوحدة". وختاماً فإن النظرة القومية إلى الوقائع والأحداث العربية هي التي تمكن المدرسة العربية في الأنثروبولوجيا النقدية من التعامل السليم والصحيح مع ما يجري في الحياة العربية. الهوامش والمراجع: (1)ـ د. أحمد زايد ـ علم الاجتماع بين الاتجاهات الكلاسيكية والنقدية ـ دار المعارف ـ القاهرة 1981. (2)ـ د. عز الدين دياب ـ التحليل الاجتماعي لظاهرة الانقسام السياسي في الوطن العربي ـ مكتبة مدبولي 1993. (3)ـ موسوعة علم الإنسان ـ مجموعة من العلماء ـ إشراف الدكتور محمد الجوهري. (4)ـ د. عز الدين دياب ـ مقاربة من مفهوم الدور الحضاري في الفكر القومي ـ مكتبة دياب ـ بيروت ـ 2000. * أستاذ الدراسات الأنثروبولوجية في جامعة دمشق، وباحث في القضايا العربية. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |