مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 21 السنة الثامنة شتاء 2005
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

كتاب أهل الإسلام ـــ محمد قرانيا

من الجميل أن يعترف المفكرون الغربيون بحضارتنا وتراثنا العربي والإسلامي، ومن ثم يُعملون فكرهم للوقوف على معطيات هذه الحضارة وهذا التراث، ويقفون بأنفسهم على ما فيها من كنوز وجواهر، يمكن للإنسانية جمعاء أن تستفيد منها، فيما لو أعطتها حقها من الرعاية والاهتمام.‏

المؤلف والكتاب:‏

مؤلف الكتاب " لويس غارديه" مفكر فرنسي معاصر تخصص بالفكر والحضارة الإسلامية، واهتم بالمجتمع الإسلامي، وله في ذلك عدة مؤلفات بالفرنسية (الحاضرة الإسلامية) و(الإسلام دين وجماعة) وقد زار أقطاراً عربية، وحاضر في عدد من جامعات المغرب والجزائر والقاهرة.‏

يشتمل الكتاب على دراسة موسّعة لعالم الإسلام، يثبت فيها أن هذه العقيدة هي الخلاص للبشرية التائهة المعذبة، وأن الدين الإسلامي يصلح لكل زمان ومكان وهو (دين ودنيا) والكتاب فوق ذلك يبحث في طريقة عيش المسلمين مع قيمهم الروحية خلال تاريخهم الطويل، وكيفية تجسيد هذه القيم في عالم الواقع الحي المتطّور بتطور الظروف الاجتماعية والاقتصادية.‏

يحتوي الكتاب على أربعة أقسام مطوّلة، يبدؤها المؤلف بسؤالٍ هام هو: هل في قِيم الإسلام ادّعاء بعقلية مشتركة، وحسب أيّ خطوة مميزة؟ وللإجابة عن ذلك يعود إلى التاريخ القديم، فينبش الركام عن بوارق ذهبية زاهية ساعدت على تهيئة المناخ المناسب لانبثاق عصر الرسالة الإسلامية، وظهور رجال عملوا على حمل الرسالة، ورفع مشاعل الفتوح، لينيروا للبشرية الطريق، ثم يعود المؤلف ليؤكد على هذه الفكرة، فيرجع إلى كتابات ابن خلدون والباحثين العرب القدامى، وينظر في المعلقات فيرى فيها وجهاً أدبياً مضيئاً للعرب، وفي محتوياتها تبرز الخصال العربية الكريمة؛ كالحلم والشجاعة والمروءة والعزة والكرامة ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف والضيافة... وتلعب المرأة دوراً بارزاً في الحياة الجاهلية، ويتضح هذا الدور في العصر الإسلامي، حيث برزت بعضهن ممن اشتهرن بإصابة الحق وسداد الرأي وصدق النظرة... ويرى المؤلف في ذلك أن الإسلام جاء ليحتضن الخصال الحميدة وينمّيها في الفرد المسلم، وأنه باحتضانه العروبة أولاً ثم سريانه إلى بقية الشعوب ومعاملتها بالأخوّة والمساواة، غدا الإسلام (عالمياً) وقد أعطى المواليَ منذ اللحظات الأولى للرسالة حقوقَ العيش والحرية والحياة الكريمة.‏

لقد ولج المسلم التاريخ، ومع أنه مخلوق ضعيف هلوع مخلوق من طين، فقد أعلت الآيات الكريمة من شأنه (ولقد كَرَّمنا بني آدم( كل ذلك ليكون خليفة الله في الأرض، يعمرها بالإيمان والتوحيد، ويدعو إلى العلم والتعلّم، وإعمال الفكر والبصيرة في الكون وآياته.‏

ثم احتضنت الشعوب الأخرى ـ من غير العرب ـ رسالةَ السماء فتعلّم، أبناؤها اللغة العربية، وسكن العديد منهم ديار العرب، وخلال مدةٍ معينة كانت اللغة العربية هي اللغة الرسمية للفرس المسلمين، كما كانت معرفة اللغة العربية ضرورية لأبناء تلك الشعوب من فرس وهنود وأتراك وغيرهم، لأداء الصلوات وقراءة القرآن الكريم، ومن ثم الاتصال بالدوائر الحاكمة.‏

تطور الذهنيات الاجتماعية والثقافية:‏

حفلت الحياة العربية الإسلامية في العصر العباسي بألوان النشاط الاقتصادي والثقافي والفكري، وأصبحت بغداد لأول مرة في التاريخ أنموذجاً للعواصم الدولية في العالم، فنشطت فيها العلوم الإنسانية الباهرة، واستفادت من علوم الأمم المجاورة ذات الحضارات القديمة ومعارفهم، كما استفادت من مجالس العلم وحلقات الدرس والمناقشات التي كانت تُعقد بمعرفة الخلفاء، ويشارك بها في بعض الأحيان أناس من غير المسلمين، فيناقشون وهم متأثرون بماضيهم الفكري. كاليهود والمسيحيين الذين وقف الإسلام منهم موقفاً إنسانياً خالداً، باعتبارهم (أهل كتاب) وكان أن دخل بعض دواوين الدولة عددٌ من أهل الذمة كموظفين، فعوملوا معاملة حسنة، لكن قدوم الحملات الصليبية ـ فيما بعد ـ لغزو الشرق العربي الإسلامي، جعل المسلمين يغيّرون نظرتهم إلى الذميين، حيث اعتبروا النصارى بمنزلة الحلفاء الطبيعيين للغزاة، وزاد في الريبة أن المغول ـ الذين اعتنقوا الإسلام من بعد ـ اعتمدوا على المسيحيين في أثناء غزوهم سورية والعراق، وزاد الأمر سوءاً أن المبشرين الصليبيين قد لاقوا مع المستعمرين الأوربيين في العصر الحديث تسهيلات كثيرة بسبب الدور الذي لعبه هؤلاء في تهيئة الأجواء المناسبة داخل العالم الإسلامي.‏

الرقّ:‏

وُجد الرق في المجتمع الجاهلي، وجاء الإسلام فعمل على تحرير الرقيق، واعترف للعبيد بحق الزواج والسكن، وغير ذلك من الحريات الاجتماعية والأخلاقية، وعاملهم بالحسنى، واعتبرهم من أفراد العائلة، وأباح لهم الحق في تسلّم الوظائف التنفيذية والإفتاء، وعندما يُعتق العبد يتمتع بجميع حقوقه المدنية والسياسية، ويغدو مواطناً كامل الصفة، إذا كان من أهل الكتاب، وقد ضمن له العصر الأموي أن يلحق بالأسرة، وتُضمن له الحماية والأمن، حتى إن عدداً من العبيد تبدّلت أحوالهم الاجتماعية بعد العتق، واحتلوا مراكز أعلى من مراكز أسيادهم.‏

نصرة الفنون والآداب:‏

أدى استقرار الدولة إلى ازدهار العلوم فيها، وظهورِ عددٍ لا يحصى من الكتّاب والفقهاء والأدباء والعلماء والفلاسفة الذين لاقوا عنايةً فائقةً من رجال البلاط، مما ساعد على إعلاء قيمة العمل الفكري والثقافي والترجمة، لكن هذه الرعاية أدّت ببعضهم إلى الانحراف والميل إلى اللهو وحياة الترف والبذخ، فظهرت في القصور الجواري والقيان، الأمر الذي أدّى إلى وجود الدسائس، وسيطرة الحريم في بعض الأحيان، وتدخلهن في شؤون الحكم.‏

الشعب:‏

ويشمل عالم الطلبة في الجوامع التي كانت بمنزلة جامعات عامة، والمدارس التي تعلّم العلوم الدينية وعلم الكلام والنحو والحساب والفلك، حيث يتخرج الشباب فيكونون علماء أو كتبة أو أدباء أو ورّاقين أو معلمين في الكتاتيب أو المكاتب الخاصة، وقد كان عدد كبير من طلاب العلم من أصل فقير يجد في العلم خلاصاً من الفاقة والفقر.‏

وهناك أصحاب المهن والدكاكين الذين يشكّلون العنصر الجوهري في الحياة المدنية، وقد شارك بعضهم في النشاطات الاجتماعية والسياسية، وكثيراً ما كانت مذاكرات هؤلاء تدور حول الهموم الأكثر يومية، وقد تتعرض لانتقاد رجال الحكم، والحديث عن ارتفاع الأسعار وفقدان السلع.‏

ولم ينظر المجتمع الإسلامي إلى أصحاب المهن إلاّ نظرة التقدير والاحترام، فالمهنة كريمة شريفة في ذاتها، وكان الفخر بالعمل المنجز مستحبّاً.‏

ولم يكن الجيش صنفاً اجتماعياً في الحواضر الإسلامية، فقد كان مؤلفاً في البداية من العرب، ثم من غالبية خراسانية، ثم دخله المرتزقة والأرقاء الذين اعتبروا (جسماً أجنبياً) محصوراً في دسائسه الخاصة.‏

الرحّالة:‏

اتسعت مجالات الحياة العامة في الدولة الإسلامية، فازدهرت التجارة، واتسعت آفاقها، فمخرت السفن العربية عباب البحار إلى بلاد فارس والهند وبيزنطة، ونمت الموانئ، واستقبلت وفود الزوّار والتجار والحجاج، وحفظت لنا الرواياتُ العربية نموذجاً للمسافر في طلب العلم، الذي يعبر الجبال والسهول والبحار والبوادي ليقابل (محدّثاً) موثوقاً.‏

وكثُر الرحالة وتعدّدت الأغراض من حب المعرفة والاغتراب، وطلب العلم والتجارة والسفارة، مما ساعد على وجّود تآليف في الجغرافيا والبلدان والروايات التي تحكي عن الاكتشافات المعرفية والبلاد الجديدة والبعيدة.‏

التفرقة:‏

فرّق الإسلام بين الدين بمعناه الصحيح وبين الدخيل على الأصول المحددة في القرآن الكريم والحديث الشريف، فوقف موقفاً متشدداً من الأمور التالية:‏

1ـ الكفر، وكان التكفير من أخطر الاتهامات الممكن توجيهها للعدو.‏

2ـ الشرك، أي المسّ بوحدانية الله.‏

3ـ البدعة، وهي التي تنحرف بالعقيدة وتقدّسها حسب اختيارات شخصية لا تترسّخ جذورها في القرآن الكريم والسنة النبوية.‏

وقد كان كل من الكفر والشرك والبدعة أسلحة تُشهر في وجوه أصحاب الفرق والمذاهب التي وجدت فيما بعد.‏

المذاهب والاتجاهات:‏

يعتمد المؤلف في كتابه على دراسة التاريخ الإسلامي من منظور أهل السنة، التي تأخذ بالنصوص القرآنية والسنة النبوية، ويذكر بعض الخصائص لمذاهبها، فيرى في:‏

الحنفية: بعض توسّع في القياس المبني في نظرها على (العلة) المبرّرة للحكم المصدر.‏

المالكية: يبرز فيها السعي إلى توحيد (إجماع فقهاء العصر) و(القياس) و(الرأي) والرجوع المحتمل إلى (العرف) حرصاً على (المصلحة العامة).‏

الشافعية: تعتمد على (الإجماع) لكنها سترتاب في (الرأي) وستشدد على (القياس).‏

الحنبلية: وتدعو إلى الالتزام (بمذاهب السلف الصالح) ولا تقبل بغير (إجماع) صحابة رسول الله، وهو ما لا يخالف مطلقاً نوعاً من حرية التحري، حيث لا نص يسترشد به في التقدير.‏

والورع الصارم من صفات الحنبلية التي ستزداد حظوتها الشعبية، ونسبتها تعود إلى أحمد بن حنبل؛ العربي الأصل الذي عاش في العراق، والذي ترك مجموعة عقائد مستمدة من آثار السنة النبوية في (مسنده) وقد اضطهده الخليفة المأمون إبان انتصار المعتزلة، لكنه ما لبث أن استعاد اعتباره في عهد الخليفة المتوكل، وسيظل أنموذج المسلم الملتزم بنهج السلف الصالح.‏

الإصلاح:‏

مع إطلالة عصر النهضة، وجد العالم العربي والإسلامي نفسه محاصراً بالأطماع الاستعمارية الأوروبية، ولما كانت الدولة العثمانية تعاني حشرجات الموت، فقد نهض بعض دعاة الإصلاح في أكثر من صقع ينادون بالتحرر والإصلاح، فقامت في الجزيرة العربية جماعة (توحيدية) بدعوة من داعيتها (محمد بن عبد الوهاب) الحنبلي المتحمس لآراء ابن تيمية، ونادى بالعودة إلى (الأصول).. إلى إسلام نقي مطهّر من كل (البدع المنكرة) التي علقت به من توالي الأجيال، وقد ساعد في انتشار هذه الدعوة تبنّيها من قبل الأسرة السعودية المالكة. يقول المؤلف: "وسيصبح ابن سعود ـ زعيم الدرعية ـ وولده عبد العزيز، القوة الزمنية لابن عبد الوهاب، دفيين له حتى ما بعد الوفاة، وبعد حروب دامية ضد السلطة العثمانية أسّس السعوديون في نجد مملكةً عاصمتها "الرياض" وحافظ (التوحيديون) خلال العصرين الأخيرين من عهد الانحطاط على أقصى مطاليب العقيدة والفكر الإسلاميين، ويشمل حكم الأسرة الآن كامل الجزيرة العربية متمسكاً بدعوة ابن عبد الوهاب... وقد صبغت الوهابية بدرجة أو بأخرى العديد من اتجاهات الإصلاح متجاوزة حدود شبه الجزيرة العربية، فانتشرت في الهند في القرن التاسع عشر..."‏

خاتمة:‏

ويمرّ المؤلف مروراً عابراً بالحركات الإصلاحية التي قامت على أيدي كل من جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وعبد الرحمن الكواكبي، والفاضل بن عاشور، وعلال الفاسي، حيث ارتبطت دعوات هؤلاء بالاتجاهات الوطنية التي عملت على النهوض بالأوطان من رقداتها، وبعثت العقيدة حية في النفوس، والتخلّص من الاستعمار الأوربي وأطماعه المتنوعة.‏

ثم يعرض المؤلف للتجديد وتحوّل الذهنيات، فيرى أن تنوع ذهنيات أهل الإسلام وسلوكهم اليوم أكبر منه في أيّ زمن مضى، فهناك تحولات وتناقضات وصراعات متعددة، بعضها يدور بين المسلمين أنفسهم، وبعضها الآخر يدور بينهم وبين العدو الإسرائيلي الصهيوني، وقد حدثت انقلابات جذرية سياسية وأيديولوجية واجتماعية واقتصادية، وظهرت الثورة الفلسطينية المسلحة إلى الوجود وأثبتت المقاومة المسلحة جدواها فوق الأرض المحتلة، وغدت هذه الثورة إلى جانب (الأصالة) فكرة وقوة متميزة...‏

ثم ينتهي الكتاب بخاتمة قصيرة، يتساءل فيها المؤلف من جديد عما إذا كان الإسلام باعثاً أو مساعداً على تكوين نموذج إنساني، أم أنه يتدخل كعامل اختمار روحي لا يغيّر من الذهنيات الأساسية والسلوك اليومي.‏

ويجيب المؤلف عن ذلك، بأن الإسلام دين سماوي يحمل قيماً لا مثيل لها من العقيدة، والثقافة والحضارة، وأن الذهنية الإسلامية يغذّيها موقف واحد مشترك نحو الله، ثم المجتمع والعالم..‏

ويستشهد بقول الفيلسوف المسيحي (أوليفيه لاكومب) الذي يرى أن أوربا المنزوعة الإيمان لا بد من أن تتفكر ملياً، وتنظر إلى الرسالة الإسلامية التي هي جوهر الحياة والإنسان، هذه الرسالة السماوية التي يجب نشرها وتعميمها بعد تخليصها من البدع.. لكي تكون خلاصاً ومنقذاً للبشرية المتخبطة في دياجير الظلام.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244