|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
الهوية العربية و ثقافة التغيير ـــ أ.د.حسين جمعة لعل ما جرى من تطورات هائلة في القرن العشرين، ومن أحداث كبرى في الربع الأخير منه؛ وفي مطلع الألفية الثالثة ولا سيما بعد أحداث (11/9/2001م) يدعونا إلى وقفة تأملية للذات؛ ليس لاكتشافها فحسب؛ وإنما لضبط حركة الأمة وكيفية النهوض بالفعل النوعي المطلوب منها لتوظيف ما تملكه من قدرات ومقدرات مادية وبشرية وطبيعية وفكرية وإنسانية، وتسخير ذلك كله لمصالحها. إن سيرورة التاريخ الإنساني قد حددت هوية كل أمة؛ وميزت جوهرها بخصائص محددة الملامح تميزها من غيرها فإذا كان للهوية عدة معانٍ فقد انتهت تلك السيرورة إلى أنها تعبر عن الصفات الجوهرية للشيء أو الشخص أو الأمة باعتبار ما تحققه من وجود ذاتي يعبّر عن ماهية داخلية وخارجية؛ ومن ثم فهي منسوبة إلى الضمير (هو) كما ذهب إليه الفلاسفة(1) . وهذا الوجود يستلزم قدمه وبقاءه بذاته؛ ما يعني أن الهوية هي "الوجود المحض الصريح المستوعب لكل كمال وجودي شهودي"(2) تغدو (الأنا) فيه جزءاً من (هو) الممثل للجماعة وللآخر". أي أن انتماء الفرد إلى كل أكبر هو أساس الهوية القومية؛ فالأمة المثالية تتألف من الناس الذين توجد لديهم خواص عرقية واحدة؛ وثقافة واحدة؛ ولغة واحدة، وتقاليد تاريخية واحدة، ويسكنون في جزء متميز من الكرة الأرضية"(3) ومن ثم فإن " الدولة القومية أو الدولة الأمة بوصفها بنية اجتماعية سياسية هي اتحاد مكونين منفصلين هما الأمة والدولة. فالأمة هي مجموعة من الناس الذين يصلون عبر خبرة تاريخية مشتركة إلى إعطاء هوية مشتركة لأنفسهم بوصفهم مجموعة موحدة ويتكلم هؤلاء الناس عادة لغة مشتركة، ويشتركون ـ أيضاً ـ في العرق والثقافة والتقاليد التاريخية كما يسكنون في أرض تكون متصلة ولا يفصل بينها شيء"(4). وهذا يعني أن المكونات الأساسية للهوية تتصف بخصوصية تاريخية لكل أمة؛ وتشكل الثقافة أهم عناصرها. وتملك الأمة العربية كل المقومات التي تؤهلها إلى حيازة الصفات الكاملة للأمة والتي أشارت إليها وثيقة ( كامبل بنرمان) في العام (1907م)(5)، علماً أن هناك عدداً من الآيات القرآنية تشير إلى مثل تلك الصفات كقوله تعالى:" ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة" ( المائدة5/48) وقوله: " تلك أمة قد خلت" ( الأعراف 7/38) وقوله: " ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم" (الحج 22/34)، فضلاً عن أن لفظ الأمة ورد في القرآن بصيغة المفرد (49) مرة وبصيغة الجمع ( أمتكم) ثلاث عشرة مرة، وبمعانٍ مختلفة. وهذه الخصوصية تفرض علينا إعادة صياغة مفاهيمنا وحياتنا صياغة موضوعية معرفية ومنهجية وعلمية لبناء الذات العربية وبناء قدرتها الحيوية للوقوف في وجه حركة التغيير الماحقة التي تستهدفها على صُعُد شتى؛ بما فيها الوجود قبل الثقافة والتراث... فحركة التغيير التي هبت ريحها العاتية من الغرب منذ أمد بعيد تتركز اليوم بقيادة أمريكا الإمبريالية والصهيونية العالمية... وقد تسلّح كل منهما بفلسفة القوة الفائضة عسكرياً وتقنياً ومعرفياً وإعلامياً؛ وراح يعمل على تفكيك عناصر الهوية العربية عنصراً عنصراً لا يستثني واحداً منها من اللغة إلى الجغرافية والتاريخ والعقيدة... ومن ثم فالريح العاتية القادمة إلى الوطن العربي قد عصفت بأوتاد الخيام العربية المبعثرة التي تعمقت بتنافس الإرادات العربية القطرية للاحتفاظ بتلك الخيام الضعيفة والمتخلفة... وهي الخيام التي نشأت في الأصل إثر اتفاقية (سايكس ـ بيكو) في (15/5/1916م) ثم حافظت عليها الأنظمة الحاكمة مخلصة؛ وباركتها وسوقتها قرارات الهيئات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة...(6) ثم إن الأنظمة العربية عجزت عن الاستجابة الصادقة والفاعلة لمتطلبات الشعب العربي إذا لم نقل: إنها ظلت على الدوام لا تنتج إلا أشكالاً طفيلية وتابعة، تترعرع وتنمو في تربة التجزئة والتخلف، سواء منها تلك التي ظهرت بسبب الانقلابات العسكرية؛ أم التي وجدت باكتشاف الثروات الباطنية ولا سيما النفط... أم تلك التي زرعتها أوربا الاستعمارية في ديار العرب وغذّتها بكل الأدوات والوظائف، إذا أهملنا أثر الكيان الصهيوني الذي زرع في قلب الأمة العربية أداة إجرامية لإعاقة المشروع النهضوي للأمة. ومَن يمعن في قراءة التاريخ العربي في القرن العشرين يدرك أن تلك الأنظمة عجزت عن حماية مصالح شعوبها، ومن ثم هددت مفاهيمها ومبادئها ولا سيما مفهوم الهوية. ولهذا فإن صيحات بعض المفكرين والمثقفين والمخلصين من الساسة، والعديد من المؤسسات الثقافية والعلمية لم تستطع أن تفعل شيئاً لإيقاف حالة التدهور التي استمرت بعد انتكاسة المشروع النهضوي العربي الذي ظهر للوجود إبان عصر النهضة... ويمكننا في هذا المجال أن نشير إلى ما تبنته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (أليكسو) من وثائق تعزز مفهوم التعاون القومي، وكذا هي آراء مديرها السابق الدكتور محيي الدين صابر إبان الثمانينات؛ ومن آرائه(7): 1 ـ العمل القومي الثقافي التربوي: وهو عمل ينبغي أن يستند إلى مبدأ التعاون الفاعل والمتكامل بين الدول العربية لإحداث تنمية ثقافية وفكرية وتربوية لا تنشغل بالنزاعات المحدودة، ولا بالاختلاف الإقليمي؛ ولا بالتباين المذهبي أو الطائفي. 2 ـ التراث العربي والإسلامي: إن العناية بهذا التراث وإبرازه بأسلوب ناجح وجذاب باعتباره دافعاً لنهوض الأمة، وليس باعتباره مادة للاختلاف والفرقة يعد ضرورة لا مناص منها. 3 ـ اللغة العربية: إن نشر اللغة العربية في الداخل والخارج مهمة حيوية للأمة لإحداث التجانس الداخلي، ولإقامة حوار ثقافي معرفي وعلمي ومنهجي عالمي يستند إلى التكافؤ والمساواة... وهي قادرة على الوفاء بمتطلبات العلم والمعرفة... 4 ـ إقامة تعاون دولي حقيقي لتنمية الثقافة العربية والإسلامية مع الآخر وفق مفهوم الحوار الإيجابي... فهذه الثقافة بما تملكه من خصائص ذات بعد أخلاقي وإنساني يعترف بالآخر ويؤمن بتميزه... ولكن صيحة الدكتور صابر وأمثالها ذهبت أدراج الرياح، فقد ظلت التجزئة وكذلك التخلف والفقر والقهر سائداً أو مسيطراً على الشعب العربي على الرغم من كثرة الموارد التي تزخر بها أرض بلاده... بل ظلت العلاقات البدائية منهج التعاون والالتقاء بين الأنظمة العربية الحاكمة... ولسنا الآن في صدد الحديث عن هذا كله؛ وحينما نشير إليه فإننا نريد إيضاح ما آلت إليه حال الأمة في تهديد أبنائها لهويتها الجامعة بعد أن أسست الأجيال السابقة مفهوم الهوية والأمة بشكل واضح أمثال الشهرستاني (479 ـ 548هـ /1086 ـ1153م) الذي قسم الأمم إلى أربع وفق مفهوم اجتماعي تاريخي وهي ( العرب، والعجم؛ والروم والهند) ومن ثم وفق مفهوم ديني (مذاهب الأمة) و ( أئمة الأمة)(8). ثم تأصل المفهوم الاجتماعي الثقافي التاريخي عند ابن خلدون ( ت 808هـ/ 1406م)، إذ تتكرر لديه عبارة (الأمم والأجيال)(9). ثم حدد أنه لابد لكل " أمة من وطن هو منشؤهم ومنه وإليه ملكهم"(10)، ولهذا كان ينظر إلى دمشق وقِنّسرين وغيرهما باعتبارها أقاليم وأمصاراً من جسم الوطن فيقال: " جند قنسرين؛ جند دمشق، جند العواصم..."(11). فالوضع الفكري الثقافي لهذه الهوية قد انحلت عراه لعدم وجود رغبة حقيقية وصادقة عند عدد من الأنظمة الحاكمة لتغيير واقع الأمة؛ و(إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم( (الرعد 13/11). ولما أصبحت غالبية الأنظمة العربية الحاكمة المتمسكة بدولها القطرية إنجازاً استعمارياً منذ سايكس –بيكو، ثم إنجازاً عربياً وأمريكياً يقوم بتصريف المصالح الخاصة بتلك الأنظمة التابعة، ومن ثم حراسة المصالح الأمريكية.. ولما انتهت الأمة العربية إلى تمزق نفسي داخلي، وتصدّع فكري معرفي، وتشظٍّ وجودي جغرافي، ولما انتهى الشعب العربي إلى حالة الإذلال والفقر والجهل.. وهي حالة أدّت به إلى قابلية عجيبة للخنوع والرضا.. نقول: لما كان ذلك كذلك فإن تلك الأنظمة والعديد من المثقفين والمفكرين والساسة، والمنظمات الحزبية والشعبية قد أسرعت جميعها إلى السعي الجاد لمواكبة حركة التغيير التي تلبس لباس التغيير الطوعي الموضوعي.. فهناك عدد غير قليل من الدول العربية أخذت مواقف جديدة، وشرعت توجه مناهجها وعلومها وحياتها بما يتوافق وثقافة العولمة بحجة الإصلاح، وادعاءً بالحفاظ على كرامة الأوطان والشعوب.. وكأن أرباب هذه الدول قد استجهلوا الشعب العربي الذي لم يدرك هرولتهم إلى إرضاء أمريكا التي تفردت اليوم بالهيمنة على العالم، وإلى مهادنة الصهيونية العالمية التي سخرت أوربا من قبل لمخططاتها، ثم ها هي ذي تسخر أمريكا والعديد من دول العالم لغاياتها التي رسمتها بروتوكولات حكماء صهيون، وتعاليم تيودور هرتزل في كتابه ( الدولة اليهودية) وفي غيره. ولعل العديد من الأنظمة العربية الحاكمة لم تستشعر مدى الخطورة في كل ما تقوم به في جعل أوطانها تابعة مستعبدة لثقافة الهيمنة، ولأهداف الصهيونية العالمية؛ وكأني بهم لا يفرقون بين الوطنية والقومية وبين التبعية والعمالة وكأنهم صنيعة للثقافة الغربية والأمريكية، لا هم لهم إلا الحفاظ على مصالحهم الخاصة. لهذا فإن لم يسرعوا في إصدار الآليات المغيّرة للمفاهيم القديمة وطنية وقومية فإن ولاءهم لأسيادهم سيغدو مشكوكاً فيه.. هكذا أخذت غالبية الأنظمة العربية تروّج لكل ما هو قادم مع العولمة، وتتنافس في عملية الإصلاح والتحديث، وتسخر كل ما لديها من تقنيات وإعلام وأساليب لإجراء عملية تغيير تربوية وعلمية وثقافية للتخلي عن كثير من المفاهيم التي صاغتها بنفسها ذات يوم؛ أو لتحريف كثير من المفاهيم التي آمنت بها وتزييف جوهرها بعد أن أصبحت النفوس والعقول مسلوبة الإرادة والثقافة الحرة والمستقلة.. لهذا نراها تغير جلدها في كل وقت وحين لإيهام الشعب العربي بصحة ما تقوم به، ولا تخدع إلا نفسها. ومن ثم فما تسمعه آذان الشعوب من صيحات التغيير والإصلاح إنما هي صيحات مزيفة لن يكتب لها النجاح لأن الشعوب ليست مصابة بالصمم، وكذلك عيونها لم تبتلَ بالعمى لرؤية عظمة التزييف والإلغاء الذي يكتب على صفحات الصحف والمجلات، وفي بطون كتب عديدة و.. فإذا استطاعت الثقافة الأمريكية الجديدة أن تصل إلى شيء من أهدافها؛ حين أخذ بعض العرب على عاتقهم قلب الطاولة على رؤوسهم وهم فرحون ما داموا ينعمون بالطعام والشراب فإن هذا لن يطول ويستمر. ونتساءل ما الضَّيْر في أن يتخلى هؤلاء الحكام من أجل هذا عن الهوية العربية والمقاومة والتراث وكل قيم الخير والفضيلة ما دام ذلك يبقيهم في مواقعهم؟. لهذا كله لم ينتفع أغلب الأنظمة الحاكمة من كثرة انعقاد المؤتمرات السياسية والعلمية؛ والثقافية والإعلامية و... بما فيها مؤتمرات القمة العربية ولقاءات الوزراء والخبراء والمؤسسات العربية العديدة ويبدو أنه قد لحق بأمتنا العربية من جراء ثقافة التغيير تلك ما لم يلحق أي أمة أخرى على الصُّعُد كلها، أفراداً وجماعات. فالمشروع النهضوي القومي أخذ يتراجع إلى الخلف وبدأ يتلاشى على الرغم من وجود الأحزاب القومية، والحركات الوحدوية التي ظهرت في عقود النّصف الأول من القرن العشرين. وغدا الطعن في الهوية العربية ظاهراً للعيان، وطفقت الألسن تعبث بكل ما هو قومي؛ علماً أن "العروبة تعبّر عن الانتماء إلى الأمة. وهذه الأمة تكونت في الإسلام في إطار التاريخ، وعلى قاعدة اللغة والثقافة. فأساس القومية العربية ثقافي، فهي ليست عنصرية"(12)؛ ولا ضعيفة الخَلْق والماهية ـ وإن ضعف أبناؤها ـ وهي "حقيقة نابعة من أعماق الذات العربية ومن تفكير كل عربي وشعوره، أينما كان منزله. وهي تعبير عن شخصية الأمة العربية وأمانيها وحاجاتها ومصالحها؛ وما هو قائم بين أبناء العروبة من أواصر التاريخ والتراث الثقافي واللغة الواحدة والمصير المشترك"(13) فهي عند الأفغاني ومحمد عبده ( التوحيد)، وعند شبلي شميل ( المجتمع العضوي) وعند انطون سعادة ( الأرض) وعند الأرسوزي وساطع الحصري ( اللغة)(14). وعلى الرغم من هذا كله فقد انطلقت صيحات وكتابات في أزمات شتى وأماكن عديدة تتساءل عن مشروعية الهوية العربية وفوائدها، متناسية، أو غافلة، أو منكرة لجوهرها المشار إليه، وغير معترفة بما جاء في القرآن الكريم: (إن هذه أمتكم أمة واحدة( (الأنبياء 21/92 والمؤمنون 23/52) و(كنتم خير أمة أُخرجت للناس( (آل عمران 3/110).. وكذلك تتساءل عن فائدة الجامعة العربية وقيمتها وقيمة مؤسساتها المنبثقة عنها. ثم ما نفع كوننا ننتمي إلى أمة واحدة وبعضنا يمعن في العداوة للآخر، ويتآمر عليه؟ وما نفع الهوية العربية التي غيّبها أغلب الحكام العرب، إن لم يكونوا قد شوهوا صورتها الإنسانية لمزيد من المصالح الخاصة بالحفاظ على التجزئة والقطرية؟ وما نفع انتمائنا فكرياً وتاريخياً ولغوياً وثقافياً وحيّزاً جغرافياً إلى جوهر واحد؛ ونحن أبعد ما نكون عن العروبة في سلوكنا وحياتنا وسياستنا و... على حين أن أوربا شكلت بإرادة الآمال وحدتها الثقافية والمعرفية والسياسية على نحو متشابه، وإن لم يكن متطابقاً؟ وقيل إن العولمة تساعدنا كثيراً وفق مفاهيمها للتوحد الاقتصادي وتوحيد مفاهيمها الفكرية والفلسفية؛ ولهذا يتساءل أحدنا: ألا يمكن أن نأخذ منها ما يفيدنا في هذا المجال أو ذاك؟ أم أنكم ترغبون في استمرار التخلف والفقر والظلم؛ ودوام التجزئة، أكثر مما ترغبون في الوحدة؛ لأن التجمع ـ وفق الواقع الذي نعيش فيه ـ صار وهماً، والتشتت صار مبدأ لكم وطبيعة؟! ومن ثم لم يتحقق للقومية العربية أي نجاح في تكوين هويتها الواحدة حتى الآن؛ وإن شهدت أواخر الخمسينات (22/2/1958م) أول عمل وحدوي بين سورية ومصر؛ لكنه سرعان ما قضى الانفصال عليه في (28/9/1961م). أما التجارب الوحدوية الأخرى مثل اتحاد دول الخليج العربي، والاتحاد المغاربي فما زالت خطواتها متواضعة(15). ولا عجب بعد هذا أن يظهر في ديار العرب مثقفون يزعمون أن مفهوم الهوية العربية ليس إلا مفهوماً سكونياً؛ بل "إن الهوية وَهْم ينسجه السياسيون لكي تتماسك به الحقيقة المفككة"(16). ولعل من أطرف ما يجري في هذا المقام ما يقع من روح الاستهزاء بالقومية حين تنعت [بالقومجية] تحت دعاوى الإقليمية الضيقة، أو تحت مزاعم العمل على تغيير أنفسنا أو المحافظة عليها... وقد وقع تحت عيني في زاوية (أبجد هوز) في الصفحة الأخيرة من صحيفة (الثورة)، وبعنوان (قلب الطاولة) ما يشي بذلك كله فيما تضمنه ردّ كاتبته على مقال ما في إحدى المجلات... ومما ورد فيه قولها: "بينما تزخر المجلة بمقالات تدعو لمسايرة رياح التغيير تخرج علينا صفحتها الثقافية قومجية، لكن من حسابنا وعلى حسابنا كوننا سوريين"(17). فهذا الكلام وأمثاله يثبت لنا البعد الحقيقي لدلالة قلب الطاولة، فهو انقلاب مخيف على مفهوم القومية العربية في عاصمة العروبة (دمشق)، ودليل على تبني الروح القطرية، مهما كانت ذرائع الكاتبة في انتصافها لمبدع على آخر، أو ردّها على كاتب له وجهة نظر في مبدع من المبدعين. فلم يكن دفاعها عن (أدونيس) انتقاصاً من (ممدوح عدوان) بل تعزيزاً للمنطق الإقليمي ولا سيما حين تقول: "هل استكثر علينا الكاتب أن يمتدح أو يعجب بسوري دون أن يجعلنا ندفع من رصيدنا ضريبة هذا الإعجاب...؟". ونحن لا ننكر وجود الإثنية الممثلة بالوطنية الذاتية لسورية أو مصر أو السودان أو المغرب أو السعودية، وبالقومية الممثلة بالعروبة الجامعة لهذه الأقطار الوطنية ولكننا ننكر أن يجري الحديث عن العروبة بهذه الاتجاهات المنحرفة والضَّالة والمزيفة للتاريخ والمصير المشترك بين أبناء الشعب العربي... فإذا كانت الهوية العربية تواجه تحدياً خارجياً ضَاغطاً بأشكال شتى كالعولمة الأمريكية وأمثالها، تحدياً يسعى إلى تغير قسري ينتهي إلى حالة تزييف كبرى بحق العروبة ثم إلغائها فإن ما يجري في الداخل العربي من أبناء العرب أشد مرارة مما يجري من قبل العولمة الخارجية. فالهوية ـ وفق ما عرفها ألكس ميكشيللي ـ "مركب من العناصر المرجعية المادية والاجتماعية، والذاتية المصطفاة التي تسمح بتعريف خاص للفاعل الاجتماعي"(18) وهذا أكثر انطباقاً على الهوية العربية من غيرها. وفي ضوء ذلك كله وجدنا إشكالية كبرى أخذت تنداح في ديار العروبة حول ماهية الوحدة الجامعة للشعب العربي باعتباره أمة واحدة... ولعل فيما قاله الدكتور طيب تيزيني ما يفيدنا في هذا الاتجاه، ومنه "إذا ما حددنا هوية شعب أو أمّة ما بالفضاء اللغوي والبنية الاثنية العامة والنظم السوسيو ثقافية ـ وهي ذات انتماء تاريخي مفتوح ومتحرك ـ فإن الهوية الثقافية العربية هي تجلٍّ ثقافي خصوصي لتلك القومية العامة. ومن ثم فإن من يعرض لهذه يعرض لتلك ضمن آلية التجادل بين العام والخاص. ومن هنا يصحّ القول بأن التحدي الذي تواجهه الثقافة العربية هو كذلك تحدّ للهوية القومية العربية، وذلك أنها ـ أي الأولى ـ تمثل الوعي الذاتي للثانية. من هنا وفي ضوء ذلك نلاحظ أن أكبر تحدّ تواجهه الثقافة العربية راهناً يقع منها في العمق، أي في هويتها"(19). وبناء على ما تقدم يثبت لنا أن الهوية العربية تواجه تحدياً كبيراً في حركة التغيير الثقافية التي تتزعمها مفاهيم العولمة، تحدياً في الوجود المادي والفكري على الرغم من كل ما تحوزه من خَصائص جامعة كالتاريخ واللغة والتراث والثقافة والآمال والآلام المشتركة، وتعيش في حيّز جغرافي واجتماعي متشابك ومتماثل... أي إنها هوية تفاعلت وتتفاعل مع الزمان والمكان، والمجتمع واللغة والعاطفة والمصير المشترك؛ لأنها تكونت وتتكون بالممارسة والسلوك والعاطفة والثقافة، ونمت في بيئة الصفاء والنزوع الإنساني الذي يعلي من قيمة الإنسان؛ وكذا هي الهويات الحية الأخرى التي لا نتنكر لها وفق خصائصها المكونة لها... ومن ثم فإن العولمة التي تؤجج مفهومها وتصوغه بأشكال جذابة، إنما تعد شكلاً من أشكال صهر الهويات الثقافية في بنيته رغماً عنها. لهذا كله فالهوية العربية ليست إقليمية محلية؛ وليست خرافة، أو وهماً؛ وليست مفاهيم سكونية جامدة؛ ولا يمكن للنكسات الحادة التي عانت منها الأمة أن تنال منها؛ وهي لا تشيخ بشيخوخة أبنائها، أو شيخوخة الجنس البشري، ولا تتحول إلى غيرها أياً كانت المحاولات التي تتعرض لها ابتداء بمحاولات الاستشراق الاستعماري ونشر مدارسه التبشيرية؛ ومحاولات الاستعمار الأوربي، وباكورتها اتفاقية سايكس ـ بيكو التي وزعت الوطن العربي غنائم بيده؛ وانتهاء بمنطق الهيمنة الأمريكية الذي يسعى جاهداً لزرع الوهم والإشكاليات في جوهر القومية العربية مسخراً كل ما لديه من إمكانات للقضاء عليها؛ ومستغلاً حال الأمة البائس، وقابلية كثير من أبنائها للتحول والتلون والتغيير. ولا شيء أدل على الوضع الفكري الثقافي السياسي من تلك الهزائم الساحقة التي لحقت بالأمة فضلاً عن ازدياد الفقر والجهل والقهر؛ ابتداء بنكبة فلسطين التي احتلها الصهاينة، وأعلنوا فيها كيانهم في (15/5/1948م) واعترفت به أمريكا والاتحاد السوفييتي ـ آنذاك ـ، وكان إنشاء هذا الكيان بقرار من هيئة الأمم المتحدة؛ وهو الكيان الوحيد الذي أنشئ بقرار أممي... وانتهاء باحتلال أمريكا للعراق في (9/4/2003م) إثر حرب همجية بدأتها في (20/3/2003م) بمساندة بريطانيا وإسبانيا وأوستراليا وقلة قليلة من دول العالم هنا وهناك. وهي حرب لم تؤيدها الأمم المتحدة وعدد من دول الغرب مثل فرنسا وألمانيا وبلجيكا... كما وقفت غالبية دول العالم ضدها، ولم ينفعها شيء.. وبناء على سيرورة الأحداث التاريخية للوطن العربي المشار إليها وغيرها تأكد لنا أن الاستشراق الاستعماري(20) قد قام بمهمة التمهيد للاستعمار الأوربي، وهذا وذاك أنبت ثقافة غربية مركزية ترى نفسها فوق الثقافات... ثم استلمت الولايات المتحدة زمام قيادة هذه الثقافة؛ وقد تضخمت لديها القوة الفائضة مادياً ومعرفياً وتقنياً وإعلامياً، واقتصادياً؛ في الوقت الذي تضخمت في الوطن العربي أفكار التجزئة بأيدي غالبية الأنظمة الحاكمة على حساب الهوية العربية... ولهذا برز الانتماء الوطني الضيّق بأشكال ومظاهر عديدة؛ كالحرص على الانتماء الخاص وعدم إذابته في العالم المتشابه... أو الحرص على التنمية وتطويرها في أحد الأقطار ليصبح في مصافِ من هو أكثر منه تطوراً، أو الخوف من الأخ الآخر؛ على حين لو تأمل أحدنا ـ نحن العرب ـ لما وجد فرقاً بين الانتماء الوطني والقومي على اعتبار مجموع العناصر المشتركة بين الانتماءين، وكلها تقع في صميم الهوية الواحدة. وإذا كانت الهوية العربية ذات كيانٍ خاصٍ مركبٍ مادياً وروحياً، ولم تعد مجرد تصوّر ذهني لأنها غَنيت بالتجارب الخاصة للأمة فإن التحديات التي تواجهها اليوم لم تعد مجرد صراعات سياسية وثقافية واجتماعية و... بل أضْحَت تغييراً مدروساً منهجياً ومعرفياً، إعلامياً وتقنياً، نقدياً وأدبياً و.. يستند إلى فلسفة ثقافة القوة المهيمنة المحمية بالأصولية المتعصبة التي يمثلها المحافظون الجدد في البيت الأمريكي. لنصْغ – جيداً – إلى كلمات (جون غولد فليتشر) في مقالته (الشرق والغرب) فهو يذهب إلى أن الحرب العالمية الأولى (1914 –1918م) أوضحت بما لا يقبل الشك أن "شرقاً يحيا تحولات سريعة، يمنح نفسه حق منازعتنا في أسبقيتنا الحضارية، وهو جاهز لتملّك آلياتنا، وأسلحتنا، ودبلوماسيتنا؛ وأساليبنا في إدارة الأعمال.. بغية إلحاق هزيمة بطموحاتنا في أن نكون أسياد العالم"(21). ومن ثم فإننا نشير إلى أن الخطاب العنصري ـ الغربي والأمريكي الذي يجدد نزعة التفوق والتسلط على الآخرين، إنما ظهر في بداية القرن العشرين مع (ولت وايتمان) مؤلف كتاب (أمريكا المسيحية العظمى) ومما قال فيه: "طبيعة أمريكا هي قدر محتوم يسير إلى الأمام، لا يقاوَم ولا ينخرق في وسط التهديدات وصياحات المناوئين"(22). لهذا قال ريتشارد نيسكون إبان حرب فيتنام : "إن الله مع أمريكا، إن الله يريد أن تقود أمريكا العالم"(23). ثم لننظر في كتاب (أوريا فلاتشي) الذي ظهر من بعد في نيويورك سنة (2001) بعد أحداث (11 /9/ 2001م) وفيه رمت الكاتبة بكل حقدها العُنصري على العرب والمسلمين باعتبارهم أصل الشر والتوحش الذي يتهدد الغرب، ومما قالته: "يخطئ من يتصور أن الخطر الإسلامي قادم من أفغانستان فقط إذ لا يوجد أفغاني واحد بين الانتحاريين التسعة عشر في عمليتي نيويورك وواشنطن. إن انتحاريي المستقبل لديهم مناطق أخرى يتدربُون فيها؛ وجحور أخرى يحتمون بها. انظر جيداً إلى الخارطة؛ جنوب أفغانستان توجد باكستان؛ شمالاً ثمة الدول المسلمة التي كانت ضمن الاتحاد السوفييتي، وغرباً ثمة إيران، قرب إيران ثمة العراق، قرب العراق هناك سورية؛ قرب سورية ثمة لبنان الذي أصبح مسلماً؛ قرب لبنان يوجد الأردن المسلم، قرب الأردن توجد العربية السعودية المفرطة في الإسلام، ومن الجانب الآخر للبحر الأحمر توجد القارة الأفريقية بكل دولها الإسلامية بدءاً بمصرها وليبياها وصومالها. وكل هذه البلدان شيباً وشباباً يصفّقون منادين بالجهاد. إن الحرب بيننا وبينهم ليست عسكرية، إنها حرب ثقافية وفكرية ودينية وأخلاقية وسياسية. وهي المعركة التي يجب أن تكون بين الدول الديمقراطية والدول الاستبدادية"(24). لهذا كله فهم –ووفق زعم (ريتشارد بيرل) –يعيشون مع إسلام متخلف همجي؛ استبدادي وقدره أن يعيش في هذا العالم الذي يوجد فيه الإسلام.. لذا عليهم أن يتكيّفوا مع الواقع لهزيمة التخلف كما قال في برنامج لقناة الجزيرة بتاريخ الخميس (26 /5/ 2005م) وهو أحد اليهود المنظرين لحرب العراق.. ومن هنا نجد أن ثقافة التغيير الأمريكية قد طالت المحرمات الفكرية والدينية عند العرب والمسلمين.. إنها ترفض كل ما لدى الآخر من مفاهيم، بما فيها السيادة الوطنية التي أضحَت عائقاً بكل نظمها أمام العولمة سياسياً وثقافياً واجتماعياً واقتصادياً. أما الهوية القومية فهي الخطر الماحق الذي تسعى العولمة إلى تصفيته من الأذهان، وكذا يقال في أمور مفاهيم العقيدة، وكلها عائق أمام التغيير. ولن يستطيع العرب اللحاق بركب العالم الحر والمتمدن إلا أن يقوموا بأنفسهم بعملية التغيير التي تواكب مفاهيم النظام العالمي الجديد تحت دعاوى حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية، والإصلاح الاقتصادي والتربوي والعلمي و.. هكذا يحشر الشعب العربي ومثقفوه وقادته المناضلون في اتجاه ثقافة العولمة، ولا بد لهم من القيام بعملية تغيير يراد منها أن تبدو حركة تغيير ذاتية طوعية لما نؤمن به، أما إذا فكر أحد منهم برفض مبادئ فلسفة ثقافة القوة، لضعْف الإرادة في التغيير المطلوب أو للعجز عنه؛ أو ممانعته لأمر ما يكمن في المصالح الخاصة لبلدهم فإن الاتهامات جاهزة ومعدَّة مسبقاً كتهمة الإرهاب، والاستبداد، والتخلف، والاعتداء على الجيران، والبشرية.. (25) ولمّا كانت أمريكا تقود العالم إلى تعزيز مفهوم القرية الكونية الصغيرة تحت دعاوى النظام العالمي الجديد أو العولمة كان الوطن العربي يغُط في أحلام الوهم والتمزق والتخلف والفقر والجهل، وكل ما استمرأه حكامه لـه لضمان استمرار سيطرتهم عليه... ومن ثم غدا القوميون ـ في نظر بعض الحكام والمثقفين ـ مدعاة للاستهجان وصارت القومية مادة تسخر لنوازعهم بما فيها قضاياها الكبرى كقضية فلسطين.. ولم يدرك هؤلاء الحكام والمثقفون أنهم قد عززوا في شعوبهم قابلية التبعية والخنوع والذل والفساد والنفاق... وهي قابلية كانت تسعد أعداء الأمة، ولا سيما أمريكا والصهيونية العالمية. في مثل هذا المناخ كانت مفاهيم العولمة الأمريكية تتعزز في السيطرة على موارد العالم، ولا سيما حين سيطرت على الهيئات المالية الدولية كالبنك الدولي وعلى غيره من المنظمات الدولية... فالشركات الاحتكارية الكبرى والمالكة لرأس المال هي التي تسيطر على الثقافة المركزية الغربية اليوم، وهي التي صممت على أن تجعل هذه الثقافة مسيطرة على العالم لإذابته في طبيعتها؛ ما حدا بها إلى تبني مفهوم العولمة الذي تزينه للشعوب بوجوه براقة وجذابة، واعتماد مبدأ (وحّد تسد) بعد أن كانت تعتمد مبدأ (فرّق تسد) في مرحلة من المراحل الاستعمارية وتسخير ما تمتلكه من أدوات الاتصال والمعلوماتية لتحقيق مراميها... ولذلك كان بريجنسكي يؤكد أمركة العولمة فيقول: "يمارس النفوذ العالمي الأمريكي من خلال نظام عالمي مصمم أمريكياً، وفق التجربة الأمريكية"(26). وبناء على ما تقدم سعى أقطاب فلسفة العولمة الأمريكية وارثو فلسفة الثقافة الغربية المركزية؛ وفلسفة الاستشراق الاستعماري إلى السيطرة المباشرة على العالم بوساطة توزيع القوة العسكرية الفائضة على مراكزه المحورية فاختاروا (البلقان) لأنها تمثل قلب أوربا، و(أفغانستان) لأنها قلب آسيا، و(الوطن العربي ـ العراق وفلسطين) لأنه قلب آسيا وأوربا وأفريقيا... وهذه المراكز مليئة بالخامات الأولية التي تحتاجها أمريكا وشركاتها الاحتكارية؛ في الوقت الذي تغدو شعوبها أرقاماً استهلاكية لما تنتجه الآلة الصناعية لتلك الشركات. فأمريكا لم تنظر يوماً ما إلى الأنظمة العربية نظرة تقدير على الرغم مما تقدمه لها؛ ومن ثم لم تنظر إلى العرب والمسلمين إلا باعتبارهم الحلقة الأضعف في منظومة ما تبنته من مفاهيم العولمة؛ فضلاً عن أنها تراهم خطراً عليها... أما نحن فإننا نرى أن الخطر الأكبر والشر الحقيقي إنما يتمثل في العولمة بكل وجوهها على إعجاب المعجبين بها من المثقفين العرب... فالعولمة بمعناها الاصطلاحي مشروع مركزة العالم في فلسفة فكرية ومادية واحدة؛ على اعتبار تعريف (رولاند روبرتسون) لها بأنها "تشكيل وبلورة العالم بوصفه موقفاً واحداً، وظهور حالة إنسانية واحدة"(27). فهي بدلالة كونها إشارة "إلى ظاهرة توحيد العالم، أو حركة تدويل الاقتصادات والمجتمعات (28)" ليست إلا منظومة من التسلط على الشعوب والتحكم بمقدراتها وإلغاء ثقافتها، وفق مفهوم الدمج والإلغاء، وفي أحسن الأحوال الدمج والإلحاق... ومن ثم هي الصورة البارزة للهيمنة الأمريكية على التجارة العالمية التي نسجت خيوطها الشركات الأمريكية الاحتكارية الكبرى، والتي أخذت تنتظم أخيراً في منظمة التجارة العالمية (WTO)... وقد أصبحت هذه المنظمة كالقدر المحتوم لدول العالم التي ينبغي أن تكيف سياستها وفق مصالحها الخاصة بها. فالعولمة بصياغتها الجديدة الفكرية والاقتصادية تندفع كسيل جارف للقضاء على الثقافة العربية ومفاهيمها تحت تأثير فلسفة الثقافة الغربية المتصاعدة التي اكتسبت خبرة، وقدرة على التلوّن والتزييف والخداع... وتسلحت بأدوات وتقنيات لم تتوافر للاستعمار القديم أو للاستشراق الاستعماري... إنها تعصف بالهويات والثقافات باسم تحرير الشعوب وإعطائها الحقوق الإنسانية التي تبنتها في (إعلان حقوق الإنسان) المنبثق عن ثقافتها وفلسفتها. ولذا فما من ثقافة إلا أخذت تتغير تحت طرقات الثقافة الجديدة التي تأخذ تقاليد متنوعة، وتثرى منهجاً ومعارف... ومن ثم وقع الخلط في إدراك مفهوم العولمة وملحقاته؛ وهو الذي انتهى في أذهان غالبية العرب وكثير من أبناء البشرية إلى التناقض والاضطراب... فحين تمارس العولمة عملية الدمج في ثقافة واحدة؛ هي حتماً الثقافة الأمريكية؛ فإنما تمارس عملية إلغاء الآخر... وهي بما تنطوي عليه من عناصر متنوعة وثرية في السياسة والاقتصاد والفكر والتقنية والإعلام... إنما تؤدي لدى أبناء الوطن العربي إلى تناقض فكري اجتماعي، وثقافي علمي؛ ونفسي روحي... إنها تحدث خللاً بعيداً في الذات الفردية الوطنية والقومية على السواء؛ لأنها لا تحصل بمعزل عن الإنتاج المادي والفكري والسياسي لأرباب فلسفة ثقافة القوة الأمريكية، هذه الفلسفة التي تنطلق من مركز واحد هو (واشنطن)، بعد أن استثمرت أحسن استثمار انتصارها في الحرب الباردة؛ حين أسقطت ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي سنة (1991م).(29) وبهذا كله فالعولمة التي أخذت تزحف بقوة إلى عدد من مناطق العالم؛ وتتسلل إلى نفوس أبنائها إنما تسعى إلى تثبيت مفاهيمها الفكرية السياسية والاجتماعية. وما تقدم كله يشير إلى أن العرب مهددون بثقافة العولمة التي تريد ابتلاع ثقافتهم؛ وهو ابتلاع يستند إلى منهج علمي مدروس، ويلبس مسوحاً جميلة قد تبدو أخلاقية لكنها لا تحمل في جوهرها ذرة من القيم والأخلاق... فالعولمة الأمريكية تجسد ثقافة التغيير الحقيقية التي ترمي إلى إلغاء ثقافة الآخر بعد تزييفها وتشويهها، وقد سخرت في عملية التغيير كل ما من شأنه أن يجعل العولمة ذات بعد أخلاقي لإشاعة الحرية والديمقراطية في الوطن العربي وجعله يلحق بركب العالم المتمدن، من خلال مفاهيم الحوار وقبول الآخر المقابل والمتغاير، لا المقابل المتشابه... وقد أسهمت التقنيات الإعلامية والفضائية المنتشرة والموزعة على الكرة الأرضية بدقة، وكذلك عناصر القوة المعرفية والعلمية للخطاب الأمريكي، والقوة العسكرية الفائضة في إنتاج خطاب ثقافي أمريكي ذي مفاهيم قادرة على النفاذ إلى النفوس والعقول لتعمل فيها التغيير الطوعي أو القسري لكل ما تؤمن به وتمارس في حياتها وعقيدتها وثقافتها، فانضوى البعد السياسي للعولمة تحت إهاب البعد الثقافي وغيره... لقد أدرك أصحاب الثقافة الأمريكية التي تزيَّت بالعولمة، والقابضة ـ في الوقت نفسه ـ على مراكز القرار العالمي والهيئات الدولية كالأمم المتحدة والحلف الأطلسي أن التغيير النفسي والاجتماعي والسياسي والثقافي والتربوي و... لا يمكن أن يتحقق إلا بنشر المفاهيم التي تنتجها وجعلها ثقافة للشعب العربي؛ وحين تصبح ثقافة له فإنه سرعان ما يتخلى عن كل ما لديه؛ ولا سيما إذا ترافقت بأصباغ مُغرية من ألوان اقتصادية واجتماعية تؤسس لعادات وسلوكات يومية؛ فضلاً عما تتزين به من مبادئ إنسانية تدغدغ عواطف المرء وعقله. فهي تصور نفسها على أنها الأمل المنتظر الذي ينقذ الشعوب مما هي فيه من تناقضات وتخلف. وقبل أن نناقش هذا كله قد يتساءل أحد أنصار العولمة أو النظام العالمي الجديد قائلاً: هل يعقل أن يحمل هذا النظام الشر دون الخير؟ أليس وحده من حمل التقنيات المتعددة إلى الشعوب كالإنترنت وأجهزة الاتصالات الفردية والجماعية؟ بل أليس التغيير الذي تنادي به العولمة إنما يعدُّ انطلاقاً إلى آفاق التقدم والوحدة، عوضاً عن التخلف والتجزئة، وإلى آفاق الحرية والديمقراطية بدل الاستعباد والظلم الذي تمارسه الأنظمة العربية القبلية والعسكرية والملكية؟ وهناك مَنْ يرى أن طاغوت الاستكبار الأمريكي قد مَدَّ ظله في الأرض، ونحن ضعفاء متخلفون مجزؤون مقهورون تأصلت فينا قابلية الذل والتبعية ولا قدرة لنا على إنتاج القوة الرادعة... ومن ثم فالقوة العسكرية ظلم للذات الوطنية والقومية. ولهذا كله علينا أن نغيّر أنفسنا من الداخل بمنهج الصدق والعدل والثبات على الحق واستثمار عقولنا للإفادة مما تملكه العولمة الأمريكية من أدوات وتقنيات ومعارف وعلوم... أما إذا نشدنا القوة المادية المسلحة فإنها لن تجرّ لنا سوى الويلات والدمار... لهذا علينا أن نسلّم للعولمة بكل ما ترغب فيه، وعلينا في كل ما تتيحه لنا أن نعمل على بناء ذاتنا...(30). ونرى أن عملية التغيير الحرة والإنسانية والفاعلة والمتكاملة مع الآخر هي هدف كل عربي مخلص، وهي السبيل الحر والأمثل للانتقال من الواقع الاجتماعي والسياسي الموضوعي المجزأ والمتخلف والبائس والمهموم بالقهر والجهل إلى رحاب الهوية العربية الإنسانية... ومن ثم فأشكال التقدم والعدل والحرية والعروبة لا تتناقض مع ثقافة التغيير التي تعزز كرامة الإنسان ورفاهيته وحريته... فالتغيير بهذه الخَصائص ضرورة عصرية، والعرب أحوج ما يكونون إليه للتفاعل مع الآخر وفق مبدأ الحوار الإنساني المتبادل والمتكافئ؛ لأنهم أكثر حاجة من غيرهم إلى تحولات نوعية في الفكر والثقافة، والعلم والأدب، والفن والإعلام و... إنهم بحاجة إلى تغيير مثمر ومنتج في النظم الإدارية والتربوية التطبيقية. إنهم مطالبون بإلحاح بمراجعة شاملة لحياتهم وعاداتهم ومفاهيمهم لتحطيم آثار التخلف والتجزئة، والجهل والفقر؛ والظلم والاستعباد. ولن يتحقق لهم هذا كله إلا بتبني مناهج علمية ومعرفية وتقنية متقدمة تلبي جميع حاجاتهم النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. إنهم بحاجة إلى تغيير الذات من الداخل وبنائها على أساس عقلي؛ وهو الذي يفرض عليهم عدم التفريط في الجانب المادي والعسكري على حساب الجانب المعرفي والتقني والإعلامي، والاجتماعي والروحي. إن إقامة التوازن بين الجوانب المتعددة يفرض علينا ـ نحن العرب ـ ألا نبقى متلقين لكل ما يفد إلينا من العولمة كما هو حاصل اليوم، أو كما حصل من قبل في استيراد النظريات الغربية في العديد من المجالات وإحلالها محل كل ما لدينا من نظرات تراثية معينة أو رؤى معاصرة موضوعية... ولعل هذا كله لا ينسينا أن أي مفهوم غربي أو نظرية أو إنتاج إنما يعزز على نحو ما فلسفة الثقافة الغربية المركزية التي ترى في الآخر تابعاً لها شاء أم أبى. فإذا كنا ـ نحن العرب والمسلمين ـ صادقين في رغبتنا للتكامل مع الثقافة الغربية لإحداث التفاعل معها من أجل حركة تغيير حقيقية ونافعة فإن الغرب ما زال يعمل على إخصاء عقول من لا يدخل في نظام ثقافته وحياته. فأي عقل مبدع لا ينضوي في منظومة العولمة مهدد بالإلغاء؛ ما جعل إخصاء العقول أعظم جريمة من خصاء الفحولة التي مارسها السادة في القديم بحق عبيدهم لئلا يفكروا في التطلع إلى نسائهم. إن الثقافة الأمريكية تدرك أن الثقافة شيء وصناعتها شيء آخر، وتريدنا متلقين لثقافتها لا صناعاً للثقافة. ولعل السبب وراء ذلك كله يكمن في أن كثيراً منا لا يكتشف أسرار البعد السياسي والاجتماعي للعولمة بعد أن رُوّج لها بأنها ذات بعد اقتصادي وإعلامي وتقني مفيد للشعوب. فأصحاب فلسفة ثقافة التغيير الأمريكية يعتمدون على القوة العسكرية والإعلامية والمعرفية الفائضة؛ في الوقت الذي يرون أن هذه القوة قادرة على إنتاج الأفكار والمبادئ الملبية لمصالحهم. وأي منهج يتمثل بهذه الفلسفة يعني أنه يؤسس لمبادئ جديدة من جنس ما تنتجه، وعلى الضعيف أن يتبناها لأنه بحاجة إليها، ومن ثم لا بد لـه أن يتخلى عن حقه وعاداته ومبادئه، فالقوة فوق الحق كما انتهى إليه مكيا فيلي في كتابه الذي سماه (الأمير)(31). إن المفاهيم الكونية الجديدة للعولمة الأمريكية تحرّم على العقول حرية الاختيار؛ أو التصرف، أو إعادة بناء حياة أصحابها البناء الذي يجعلها مستقلة لأنها تقف أمام عجلة سيطرتها الدائمة... أما إذا صارت ثقافة الشعوب مادة استنساخ لكل ما تنتجه العولمة فهو الأمل المرتجى، ولا ضير عليها لكي تصل إلى حالة الاستنساخ هذه أن تُغرى بدعاوى الانفتاح على الآخر الحر، على اعتبار أنها تحاول اللحاق به بعد أن تتبنى مفاهيم الحرية الغربية وديمقراطيتها؛ لأن كل ما تملكه هذه الشعوب وتؤمن به متخلف منحرف مشوه فاسد، عدواني، ضعيف عاجز. ولعل أعظم خطر على الأمة أن يصبح مجتمع الصفوة ـ إذا صحت التسمية ـ وأصحاب العقول مادة استنساخ لثقافة الآخر المهيمن. إذاً العولمة مشروع تغيير ثقافي اقتصادي سياسي، وله آثار عظيمة في العقيدة والحياة والعادات. وقد أخذ يحظى بمنزلة كبرى في نفوس أفراد وجماعات، بل إن عدداً من الدول والأمم شرعت تراجع ما آمنت به في تاريخها وحياتها من مفاهيم وتراث وعادات وعقائد؛ باعتبار أن العولمة ثورة متكاملة على صُعُد كثيرة. حقاً إن ثقافة التغيير الحاملة لفلسفة قوة العولمة لم تنتج لدى عقول بعض الأنظمة العربية والمثقفين إلا مزيداً من البلبلة في فهم الهوية؛ ومزيداً من تبعية حكامها؛ وعجزاً في عملية الارتقاء الإنساني لفهم حقيقة الوجود وسيرورة التاريخ.. ولكنها زادت من تمسك الشعوب بهويتها. ولا شيء أدل على هذا كله من قابلية تلك العقول لتغيير قسري للمفاهيم التي آمنت بها؛ باعتبار ما رُبيّت عليه من قابلية الرضا بالأمر الواقع، حرصاً على وجود مُرّ، وقاس مُغَمس بالقهر والعبودية وإن ظهر للوهلة الأولى أنه حفاظ على المصالح والمنافع، وتزيَّن بالدعوات الوطنية والقومية. أما قابلية الشعب العربي بالرضا لكل ما يروّج لـه فهي حالة مؤقتة وزائلة، على اعتبار أنه مدرك لما يجري حوله، وإن كان غير قادر اليوم على تغييره، ولكن المستقبل له.. إنّ التغيير فعل دلالي إرادي يحدث غالباً بفعل خارجي، وندر أن يكون داخلياً، فما يستعمل للداخل هو مصطلح التغيّر الذي يعد ضرورة حتمية لمتطلبات الحياة والثقافة والمعرفة.. فإذا كانت الثقافة تعد جملة الأفكار والمعتقدات والعادات والآداب والفنون لشعب ما؛ فإن هدف ثقافة التغيير يصبح إحلال منظومة ثقافية متكاملة مكان منظومة أخرى.. وهذا ما تقوم به العولمة الأمريكية في عالم اليوم في نشر ثقافاتها لاقتلاع ثقافة الآخر؛ علماً أننا نرغب في أن يكون التغير الحقيقي تغيّراً يرتقي بنا حياة ومعرفة وتقنية، ويسهم في تنمية الأفراد والمجتمعات لتكوين الرؤى الدقيقة للتقدم، وأن يكون تغيراً ذاتياً ينفتح على الآخر وثقافته دون أن ينصهر فيهما، تغيراً ينطلق من حاجة الأوطان والأمم لا مما يفرض عليها لتغيير هويتها ومناهجها وثقافتها.. (1) انظر: المعجم الفلسفي 2/525 و 529 ـ 532ـ جميل صليباـ دار الكتاب اللبناني ـ بيروت ـ 1989م. (2) المرجع السابق 2/530. (3) النظام العالمي الجديد: الحاضر والمستقبل 161 ترجمة نافع أيوب لبّس ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق ـ 2000م. (4) النظام العالمي الجديد: الحاضر والمستقبل 161. (5) انظر: حقائق الصراع وأوهام التسوية 159. (6) انظر: منابع الإرهاب 201ـ 205. (7) انظر: العمل الثقافي العربي المشترك – د. عبد الله أبو هيف – صحيفة تشرين – دمشق – عدد 9249 – الأحد 15 /5/ 2005م. (8) انظر: الملل والنحل ـ للشهرستاني ـ دار المعرفة ـ بيروت ـ 1975م ـ 1/14 و15 و24 و28. (9) مقدمة ابن خلدون ـ تحقيق علي عبد الواحد وافي ـ طبعة لجنة البيان العربي ـ 1957 ـ 1962م ـ ص 207 و208 و211 و248 و 252 و 253 و258 و425. (10) المصدر السابق 882. (11) المصدر السابق 426. (12) انظر: الهوية الثقافية العربية والتحديات التي تجابهها –ص 113 –ضمن كتاب (النهضة العربية الثانية: تحديات وآفاق) تحرير غسان عبد الخالق –مؤسسة عبد الحميد شومان –عمّان –2000م. (13) أعمال المؤتمر الثالث للأدباء العرب –ص 293 –القاهرة –9- 15 /12/ 1957م. (14) انظر: أفكار لزمن قادم ـ منصور إبراهيم ـ دار الشموس ـ دمشق ـ 1999م ـ ص33. (15) انظر: أفكار لزمن قادم 38 ـ 51. (16) انظر: هوامش على موضوع الحرية –د. علي عقلة عرسان –جريدة الأسبوع الأدبي –كلمة أولى –اتحاد الكتاب العرب –دمشق –عدد 958 –السبت 21 /5/ 2005م. (17) انظر: الصفحة الأخيرة (16) من صحيفة الثورة –دمشق –العدد 12711 –الاثنين 23 /5/2005م – قلب الطاولة –ديانا جبور. (18) الهوية –ألكس ميكشيللي –ترجمة علي واصف –دار الوسيم –دمشق –1993م ص 169. (19) التحديات التي تواجه الثقافة العربية راهناً د. طيب تيزيني –جريدة البيان –عدد (6105) –تاريخ (6 /3/ 1997م). (20) انظر: أفكار لزمن قادم 86 ـ88 و 142 ـ 148 وانظر من الاستشراق إلى العولمة – د. حسين جمعة – مجلة بناة الأجيال – عدد 53. (21)الهوية القومية في الخطاب الحداثي العربي –72 –د. محمد لطفي اليوسفي –مجلة الكاتب العربي (انظر رقم 4). (22) أمريكا المستبدة –60– ترجمة د. حامد فرزات –اتحاد الكتاب العرب –دمشق –2001م. (23) أمريكا المستبدة –194 –ترجمة د. حامد فرزات –اتحاد الكتاب العرب –دمشق –2001م. (24) الهوية –ألكس ميكشيللي –ترجمة علي واصف –دار الوسيم –دمشق –1993م ص 169. (25) التحديات التي تواجه الثقافة العربية راهناً د. طيب تيزيني ـ جريدة البيان ـ عدد (6105) ـ تاريخ (6/3/1997م). (26) الهويات والتعددية اللغوية –عز الدين المناصرة –دار مجدلاوي للنشر – عمان 2004م –ص 22. (27) انظر: العولمة والهوية الثقافية –سليمان خلف –المجلة العربية للعلوم الإنسانية –عدد 16 –1997م. (28) انظر: مقاومة العولمة –ص 99 –مجلة الكاتب العربي –الاتحاد العربي –الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب –عدد (65 –66) –تموز /كانون الأول –2004م، والطوفان 131 –156 –(عولمة الاقتصاد) –خالد محمد غازي –دار الهدى للنشر –القاهرة –ط1 –2000م. (29) انظر: النظام الدولي الجديد ـ سعد حقي توفيق ـ الأهلية للنشر والتوزيع ـ بيروت ـ 1999م ـ ص 40- 42 و 128. (30) ذلك رأي يتبناه بعض المفكرين العرب أمثال جودت سعيد؛ وقد أكده غير مرة وآخرها في مقابلة له مع برنامج (الشريعة والحياة –قناة الجزيرة القطرية –يوم الأحد 22 /5/ 2005م)، وانظر كتابه (حتى يغيروا ما بأنفسهم –28 –47) دار الفكر المعاصر –بيروت –ط7 –1993م. (31) انظر: الأمير – ميكافيلي – ضمن أمهات الكتب السياسية – وزارة الثقافة دمشق – د1 /32 و52 و54. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |