مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 24 السنة الثامنة 2006
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

حق العودة والقانون الدولي ـــ د.غازي حسين

أقر المؤتمر الصهيوني الأول أن استعمار فلسطين العربية وتهويدها الهدف الاستراتيجي للحركة الصهيونية. وزعم القادة المؤسسون الصهاينة أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وإنها وطن جميع اليهود في العالم.‏

وقررت الحركة الصهيونية ترحيل الشعب العربي الفلسطيني. وشكلت الوكالة اليهودية بفلسطين أو لجنة للترحيل عام 1937. ووضعت الهاغاناه خطة أدت في الأربعينات من القرن العشرين لترحيل أصحاب البلاد الأصليين وسكانها الشرعيين من مدنهم وقرانهم من منطقة الدولة اليهودية إلى البلدان العربية المجاورة لفلسطين.‏

نشأت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وبالتالي حق العودة بسبب الأطماع والمخططات الصهيونية في الأرض والثروات العربية، وبسبب المخططات العدوانية والتوسعية للصهيونية العالمية، وبسبب قرار التقسيم رقم 181 غير الشرعي، وإقامة "إسرائيل" بموجبه، وبسبب الحرب العدوانية التي أشعلتها إسرائيل عام 1948 والمجازر الجماعية التي ارتكبتها وترحيلها (900) ألف من مدنهم وقراهم.‏

حق العودة من الحقوق الطبيعية للفرد والجماعة‏

إن حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي رحلوا منها حق شرعي وعادل ومقدس، وحق أساسي من حقوق الإنسان كرسته العهود والمواثيق والقرارات الدولية، ومنها القرار 194 والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949، والعهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 وعشرات القرارات أكدت فيها الأمم المتحدة على القرار 194.‏

وينبع حق أيضاً العودة من حق تقرير المصير وقدسية الملكية الخاصة وعدم زوالها بالاحتلال أو بتغيير السيادة، وهو حق طبيعي، لا تجوز فيه النيابة أو التمثيل، ولا تلغيه اتفاقات الإذعان، لذلك لا يجوز للمنظمات أو الحكومات أو حتى مؤتمرات القمم العربية والدولية التنازل عنه، لأنه يتعلق بقاعدة آمرة في القانون الدولي.‏

وانطلاقاً من قواعد القانون الدولي يتصف هذا الحق بأنه حق فردي يملكه اللاجئ نفسه أولاً، وبأنه حق جماعي في الوقت نفسه انطلاقاً من حق الشعوب والأمم في تقرير المصير الوارد في ديباجة الميثاق. ويتضمن قرار الأمم المتحدة رقم 194 حق العودة والتعويض عما أصاب ولحق باللاجئين من خسائر بشرية ومادية ونفسية ومعنوية وتعليمية واجتماعية بفعل حروب ومجازر "إسرائيل" الجماعية واستغلالها أراضيهم وأملاكهم وثرواتهم. ويكمّل استعادة الأملاك والتعويض حق العودة ويرتبط به ارتباطاً وثيقاً انطلاقاً من العديد من العهود والاتفاقيات الدولية التي تكرست ومنها اتفاقية بوتسدام التي وقعها الحلفاء عام 1945 حول ألمانيا واتفاقية التعويضات الألمانية ـ الإسرائيلية لعام 1952 وملحقاتها حتى سقوط جدار برلين واستعادة اليهود لأملاكهم في القسم الشرقي من ألمانيا على الرغم من التعويضات التي قبضوها ثلاث مرات، مرة من ألمانيا النازية بموجب اتفاقية هافارا، وأخرى من اتفاقية التعويضات عام 1952 وحتى 1966 وقبضت "إسرائيل" والمؤتمر اليهودي العالمي واليهود تعويضات ألمانية زادت عن (350) مليار مارك، والمرة الثالثة عندما استعادوا أملاكهم في برلين الشرقية بعد انهيار ألمانيا الشرقية.‏

جرت الأعراف والتقاليد حتى قبل تأسيس الأمم المتحدة وقبل الموافقة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن حق كل شخص في العودة إلى منزله في وطنه واحد من حقوق الإنسان الأساسية. وكان فقهاء القانون الدولي يولون تأمين حق أي شخص في مغادرة بلده بحرية اهتماماً خاصاً واعتبار أن الحق في العودة إلى منزله نتيجة طبيعية لحق المواطن الأساسي في حرية التنقل والعودة. واعتبر الفقهاء أن العودة للأفراد الذين يرغمون على مغادرة وطنهم بسبب قوة قاهرة كالحرب ملزمة، ولا مجال للطعن في حقهم في العودة إلى منازلهم. وكان هذا المبدأ من المبادئ الطبيعية للإنسان ولحقه الأساسي في الحياة. ويعتبر هذا الحق من الحقوق الشخصية للفرد، ولكنه يصبح جماعياً إذا ما تعرضت مجموعة كبيرة من شعب من الشعوب للترحيل من ديارها ومحاولة إجبارها على التوطين خارج وطنها وإحلال غرباء عن المنطقة دخلاء عليها محلهم.‏

نتجت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين عن مخطط الترحيل الصهيوني الذي وافق عليه المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرون في مدينة زوريخ وشكلت الوكالة اليهودية في نفس العام أول لجنة للترحيل، لترحيل الفلسطينيين من وطنهم وإحلال المهاجرين اليهود محلهم، وإقامة إسرائيل على أساس عنصري استعماري، كدولة لجميع اليهود في العام وكمركز لليهودية العالمية.‏

حق العودة في قرار التقسيم رقم 181‏

تضمن قرار التقسيم أحكاماً لتأمين حقوق الأقليات التي كان يتوقع أن يسفر عنها تقسيم فلسطين، إذ كان من المتوقع أن يكون عدد اليهود في الدولة اليهودية مساوياً لعدد العرب فيها 498 ألف يهودي مقابل 497 ألف عربي. وبما أن إسرائيل أقيمت بموجب قرار التقسيم فإنها ملزمة بتطبيق الأحكام والمسؤوليات تجاه العرب فيها بموجب الحدود التي رسمها القرار. وبالتالي فإن ترحيل أو تهجير هؤلاء لا يمكن أن يعفي إسرائيل من مسؤولياتها بصورة آلية من تمكين اللاجئين الفلسطينيين من ممارسة حقهم في العودة ودفع التعويضات لهم بموجب القانون الدولي.‏

ينص الفصل الثاني من قرار التقسيم تحت عنوان "الحقوق الدينية وحقوق الأقلية" على ما يلي:‏

"2 ـ لا تمييز بين السكان من أي نوع، على أساس العرق أو الدين أو اللغة أو الجنس.‏

3 ـ يكون لجميع الأشخاص الخاضعين لولاية الدولة الحق في حماية القانون بالتساوي.‏

8 ـ لا يسمح بمصادرة أي أرض تخص عربياً في الدولة اليهودية، أو يهودياً في الدولة العربية، إلاّ للمنفعة العامة، وفي جميع الحالات المصادرة يدفع تعويض كامل عنها قبل نزع الملكية، كما تحدده ذلك المحكمة العليا".‏

كان من المقرر أن تورد هذه الأحكام الأساسية حول حقوق الأقليات وعدم التمييز على أساس العنصر أو الدين أو اللغة أو الجنس والمساواة أمام القانون وعدم مصادرة الأراضي إلاّ للمنفعة العامة ودفع التعويضات الكاملة عما تتم مصادرته قبل نزع الملكية في القوانين الأساسية للدولتين العربية واليهودية، بحيث لا يجوز لأي قانون أو مرسوم أو إجراء رسمي يتعارض مع هذه الأحكام الأساسية، كما لا يجوز لأي قانون أو إجراء رسمي داخلي أن يعلو عليها.‏

ولكن إسرائيل ضربت بهذه الأحكام الأساسية بعرض الحائط وتمارس العنصرية والتمييز العنصري في قوانينها وممارساتها ومصادرة الأراضي في الأراضي الفلسطينية المحتلة في عامي 1948 و1967.‏

لقد نتج عن الحرب العالمية الثانية نشوء قضية اللاجئين، لذلك بذلت الأمم المتحدة الجهود لإقرار مبدأ حق العودة للاجئ (المشرد) إلى وطنه، حيث أقر المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة في 21 حزيران 1946 في ديباجة ميثاق المنظمة الدولية للاجئين ما يلي:‏

"فيما يتعلق بالمشردين، تتمثل المهمة الرئيسية الواجب تنفيذها في التشجيع على عودتهم المبكرة إلى بلدهم الأصلي والمساعدة على ذلك بكل طريقة ممكنة".‏

وجاءت المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 تنص على أنه "يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه".‏

حق العودة والأمم المتحدة‏

نص قرار التقسيم رقم 181 على إقامة دولة عربية وأخرى يهودية في فلسطين. وكان عدد الفلسطينيين في الدولة اليهودية يعادل عدد اليهود فيها. قررت "إسرائيل" طردهم من مدنهم وقراهم داخل حدود الدولة اليهودية لجعلها دولة يهودية عنصرية خالصة.‏

فارتكبت حوالي (80) مجزرة جماعية وأشعلت حرب عام 1948 وحققت التطهير العرقي جراء الحرب العدوانية التي أشعلتها وقات بترحيل (900) ألف من ديارهم لإحلال مهاجرين يهود محلهم.‏

إذاً نشأت قضية اللاجئين من قرار التقسيم غير الشرعي وغير العادل الذي تم على حساب الحقوق الوطنية والقومية والدينية للشعب الفلسطيني، وجراء عدم لالتزام بنصوص قرار التقسيم، وجراء المجازر والحرب العدوانية التي قادت إلى تأسيس الكيان الصهيوني كمحطة أولى على طريق تحقيق المشروع الصهيوني.‏

كان تقسيم فلسطين العربية مجحفاً وغير قانوني، حيث جاء المهاجر اليهودي وأخذ من الفلسطيني بالقوة منزلـه وأرضه ووطنه وممتلكاته ورحّله خارجه لاستقبال المزيد من المهاجرين اليهود وزرعهم في فلسطين. واستغلت الصهيونية جرائم النازية ضد اليهود غير الصهاينة لتبرير اغتصاب 78% من فلسطين وترحيل شعبها والسعي لإجبار البلدان العربية على توطينهم فيها.‏

وجاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 في دورتها الثالثة بتاريخ 11 كانون الأول 1948 ليصحح الظلم الذي سببته الأمم المتحدة في قرار التقسيم ونص على حق اللاجئين في العودة والتعويض.‏

إن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم حق أساسي من حقوق الإنسان، نابع من حرمة الملكية الخاصة، وحق غير قابل للتصرف ولا يسقط بالتقادم، وهو حق شخصي لا تجوز فيه النيابة أو التنازل، وحق جماعي أيضاً انطلاقاً من حق الشعوب والأمم في تقرير المصير.‏

وعندما تقدمت إسرائيل بطلب للانضمام إلى عضوية المنظمة الدولية رفض الطلب في المرة الأولى، لأن بعض الدول الأعضاء ومنها كندا اشترطت على إسرائيل تنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بفلسطين بما فيها القرار 194 الذي ينص على حق العودة والتعويض.‏

وكعادة "إسرائيل" في التضليل وعدم الصدقية في تنفيذ الاتفاقات الموقعة وقعت بروتوكول لوزان وتعهدت بموجبه بتنفيذ القرار 194 بالسماح للاجئين في العودة إلى ديارهم. وتقدمت بطلبها الثاني لقبولها في عضوية الأمم المتحدة، ووافقت الجمعية العامة بالقرار 273 في 11 أيار 1949 على قبول "إسرائيل" في عضويتها شريطة تنفيذ القرارين 181 و194 وجاء فيه:‏

"إن الجمعية العامة إذ تشير إلى قراريها الصادرين في 29 تشرين الثاني رقم 181 وفي 11كانون الأول رقم 194، وإذ تحيط علماً بالتصريحات والإيضاحات التي صدرت عن ممثل حكومة إسرائيل أمام اللجنة السياسية المؤقتة فيما يتعلق بتطبيق القرارات المذكورة فإن الجمعية العامة تقرران تقبل إسرائيل عضواً في الأمم المتحدة".‏

ولكن بعد أن دخلت في عضوية الأمم المتحدة تنكرت على الفور للتعهدات والالتزامات التي قطعتها على نفسها أمام المنظمة الدولية ورفضت العودة إلى حدود التقسيم والسماح للاجئين بالعودة إلى ديارهم وممتلكاتهم.‏

حق العودة والوسيط الدولي الكونت برنادوت‏

عينت الأمم المتحدة بموجب قرار الجمعية العامة رقم 186 بتاريخ 14 أيار 1948 الكونت برنادوت وسيطاً دولياً لفلسطين بعد أن سمته لجنة مكّونة من مندوبي الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن.‏

وخوّلته القيام بالخدمات العامة الضرورية لسلامة سكان فلسطين ورفاهيتهم وتأمين حماية الأماكن المقدسة وتشجيع إيجاد تعديل سلمي على مستقبل الوضع في فلسطين.‏

جاء في التقرير الذي وضعه برنادوت للأمم المتحدة عن وضع اللاجئين الفلسطينيين جراء الحرب التي أشعلتها إسرائيل ما يلي:‏

"كانت من نتيجة أعمال القتال في فلسطين تشريد عدد هائل من الأشخاص عن ديارهم.... وقد جاء معظم هؤلاء اللاجئين من أرض كان من المقرر، بمقتضى (القرار 181) أن تشملها الدولة اليهودية.‏

وكان نزوح العرب الفلسطينيين نتيجة للفزع الذي أثاره نشوب القتال في مدنهم وقراهم، وعن إشاعات تتصل بادعاءات حقيقية أو مزعومة عن قيام أعمال إرهابية أو عمليات طرد".‏

انطلاقاً من الوثائق الصهيونية قررت الوكالة اليهودية وبعدها إسرائيل طرد جميع الفلسطينيين من أراضي الدولة اليهودية لاقامة غيتو يهودي عنصري خالص من أهم المناطق الاستراتيجية والمدن والقرى الفلسطينية الأساسية كمدينة يافا واللد والرملة وغيرها من البلدان والقرى الفلسطينية.‏

ويستنتج من هذه العبارة الواردة في تقرير برنادوت أن المجازر الجماعية كمجزرة دير ياسين لعبت دوراً بل دوراً أساسياً في عملية الترحيل وتهجير الفلسطينيين إلى الأردن وسورية ولبنان.‏

وجاء في تقريره أنه "منذ البداية، تمسكت برأي ثابت مفاده أنه ينبغي تثبيت حق هؤلاء اللاجئين في العودة إلى ديارهم في أبكر تاريخ ممكن عملياً. قدمتُ إلى وزير خارجية حكومة إسرائيل المؤقتة في 26 تموز 1948 اقتراحاً جاء فيه "دون مساس بمسألة الحق النهائي في عودة جميع اللاجئين العرب إلى ديارهم في فلسطين الواقعة تحت السيطرة اليهودية إذا رغبوا بذلك، أن يتم القبول بمبدأ السماح لعدد محدود من بين من قد يرغبون في العودة، وهو عدد يحدد بالتشاور مع الوسيط، بالعودة إلى ديارهم اعتباراً من 15 آب 1948".‏

رفضت إسرائيل النظر في توصيات الوسيط الدولي حول تطبيق حق العودة ويورد تقرير برنادوت سبب الرفض الإسرائيلي ويقول أن الحكومة الإسرائيلية رفضت مقترحاته وأشارت أنه "لا يمكن للحكومة أن تنظر في هذه المشكلة إلا حين تكون الدول العربية مستعدة لعقد معاهدة صلح مع دولة إسرائيل". وبالتالي لجأت "إسرائيل" كعادتها في الكذب والتضليل والخداع وكسب الوقت وربطت بين تنفيذها لحق العودة بعقد الدول العربية معاهدات صلح معها، وذلك لكسب الوقت وتخليد الاحتلال والاستعمار الاستيطاني والأمر الواقع بمرور الزمن. ولكن الوسيط الدولي السويدي الجنسية أصر على وجوب تثبُّت الأمم المتحدة بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم، وجاء في تقريره الذي وافقت عليه الأمم المتحدة بعد اغتياله ما يلي: "بالرغم مما أعربتْ عنه حكومة إسرائيل المؤقتة من آراء، فإن رأيي الثابت هو وجوب تأكيد حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم في أبكر تاريخ ممكن عملياً".‏

ومضى الوسيط الدولي يقول: "بيد أن مما لا يمكن نكرانه أن أي تسوية لا يمكن أن تكون عادلة وكاملة إذا لم يتم الاعتراف بحق اللاجئ العربي في العودة إلى الدار التي أخرجته منها مخاطر واستراتيجية النزاع بين العرب واليهود في فلسطين". وتابع برنادوت يقول:‏

"وإنها ستكون إساءة إلى مبادئ العدالة الأساسية إذا ما أنكر على هذه الضحايا البريئة للنزاع حق العودة إلى ديارها في حين يتدفق المهاجرون اليهود على فلسطين، بل الواقع أنه يهدد بالتشريد الدائم للاجئين العرب الذين استقرت جذورهم في هذه الأرض طيلة قرون".‏

وتجلى صدق وعدالة وإيمان برنادوت بمبادئ الأمم المتحدة بتأكيده في التقرير حقيقة المعاناة التي عاشها الشعب الفلسطيني و حمّل "إسرائيل" المسؤولية التاريخية عن مشكلة اللاجئين وقال:‏

"لقد وصلت تقارير عديدة من مصادر موثوق بها عن وقوع عمليات سلب ونهب واختلاس واسعة النطاق، وحالات كانت تدمر فيها القرى دون ضرورة عسكرية ظاهرة. ومسؤولية حكومة "إسرائيل" المؤقتة عن إعادة الممتلكات الخاصة إلى أصحابها العرب وعن التعويض على هؤلاء المالكين عن ممتلكاتهم التي دمرت باستهتار مسؤولية واضحة. "وبالتالي حمّل الوسيط الدولي "إسرائيل" المسؤولية عن الإضرار وطالب بإلزامها بدفع التعويضات.‏

وأكّد الوسيط الدولي مسؤولية الأمم المتحدة في التأكيد على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة وجاء في توصياته للمنظمة الدولية:‏

"وينبغي للأمم المتحدة أن تؤكد حق اللاجئين العرب في العودة إلى ديارهم في الأراضي الواقعة تحت السيطرة اليهودية في أبكر تاريخ ممكن عملياً، كما ينبغي للجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة أن تقوم بالإشراف والمساعدة في إعادتهم إلى وطنهم، وإعادة تأهيلهم وتوطينهم وتأهيلهم اقتصادياً واجتماعياً، ودفع تعويض كاف عن ممتلكات من يختارون عدم العودة".‏

دفع الوسيط الدولي حياته ثمناً لتأكيده وجوب قيام الأمم المتحدة بحمل "إسرائيل" على تنفيذ حق العودة اللاجئين الفلسطينيين والتعويض عن الخسائر التي سببتها. ووافقت على موقفه من حق العودة وثبتته رسمياً بعد اغتياله في قرار الجمعية العامة رقم 194.‏

إسرائيل واغتيال برنادوت بسبب موقفه من حق العودة‏

قدم الوسيط الدولي مقترحاته حول الوضع في فلسطين إلى الأمم المتحدة في 27 حزيران 1948 ونصت النقطة التاسعة من التقرير على حق اللاجئين في العودة واسترجاع ممتلكاتهم وجاءت حرفياً على الشكل التالي:‏

"لسكان فلسطين إذا غادروها بسبب الظروف المترتبة على النزاع القائم الحق في العودة إلى بلادهم دون قيد واسترجاع ممتلكاتهم". وتضمنت مقترحاته ضم القدس والنقب للدولة الفلسطينية.‏

رفضت إسرائيل مقترحات الوسيط الدولي وأيدتها بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية.‏

وأنجز برنادوت صيغة معدلة عرفت باسم "مشروع برنادوت" وبعثه قبل اغتياله بأيام إلى الأمين العام للأمم المتحدة. غضبت إسرائيل مجدداً من مشروعه وزعمت أنه فعل ذلك خدمة لبريطانيا وهو عميل لها. وشن الصهاينة حرباً إعلامية شرسة عليه. وأرسل برنادوت مشروعه إلى الأمم المتحدة وتوجه في 17 أيلول من مطار بيروت إلى مطار قلندية العربي في القدس. ثم إلى رام الله. واجتمع مع قائد القوات الأردنية، الذي أمر بتأمين حراسة مصفحة له إلى القدس حتى الشطر الغربي الذي احتلته إسرائيل. وتسلمت حراسته مجموعة إسرائيلية ورافقه ضابط الاتصال الإسرائيلي الكابتن هيلمان الذي جلس في السيارة الأولى من الموكب المؤلف من ثلاث سيارات وجلس الكولونيل الفرنسي سيرو، رئيس المراقبين الدوليين في القدس بجانب برنادوت في السيارة الثالثة. مرت القافلة من نقطتين إسرائيليتين للتفتيش داخل الشطر الغربي من القدس المحتلة ولم تتوقف، لأن الإسرائيلي هيلمان كان يطل من السيارة الأولى ليتعرّف الحرس الإسرائيلي عليه.‏

فوجئ الموكب بسيارة جيب إسرائيلية تقف في عرض الطريق. وتحدث هيلمان مع المسلحين وأخبرهم‏

بأنها قافلة الوسيط الدولي برنادوت. طلب المسلحون الإسرائيليون هويات الركاب في القافلة.‏

وعندما عرفوا شخصية برنادوت أطلقوا عليه الرصاص فمات على الفور، وأصيب الكولونيل سيرو بجراح خطيرة توفي على أثرها.‏

ثبت فيما بعد أن المجرمين هم من عصابة شتيرن الإرهابية التي كان يرأسها السفاح اسحق شامير، رئيس الوزراء الإسرائيلي فيما بعد.‏

سادت موجة غضب واستنكار شديدين في أوساط أعضاء مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، ولكن اليهود كعادتهم في الكذب والتضليل أعلن بن غوريون، رئيس الوزراء الإسرائيلي "إن العملية الإجرامية التي قامت بها عصابة شتيرن المتمردة والخارجة عن القيادة الإسرائيلية باغتيال برنادوت لاقت أشد الألم والاستنكار لدى الحكومة وأنها ستعاقب القتلة".‏

ألقت إسرائيل القبض على القتلة، وأعلن بن غوريون أن المحكمة الإسرائيلية حكمت على القتلة بالسجن المؤبد وسيقضي هؤلاء المجرمون حياتهم بين قضبان الزنازين.‏

أمضى الإرهابيون اليهود عدة أشهر بالسجن ثم أصدرت حكومة بن غوريون قراراً بالعفو عنهم.‏

وكافأهم الشعب الإسرائيلي على جريمتهم باغتيال الوسيط الدولي بانتخاب ناتان فريدمان قائد المجموعة الإرهابية عضواً في الكنيست في أول انتخابات جرت عام 1949.‏

وهكذا انتهت مقترحات برنادوت حول حق العودة والقدس والنقب بمقتله.‏

على إثر جريمة الاغتيال عقد مجلس الأمن الدولي في 18 أيلول 1948 جلسة خاصة واتخذ القرار 57 الذي يعرب عن الصدمة العنيفة التي أصيب بها مجلس الأمن جراء اغتيال برنادوت وطالبها الإسراع بتقديم التقرير.‏

وهكذا انتهت جريمة اغتيال الوسيط الدولي برنادوت الذي اختاره مجلس الأمن الدولي وعينته الأمم المتحدة بتنكر إسرائيل تنفيذ قرارات مجلس الأمن وتخاذل مجلس الأمن إزاء موقفها، وذلك للحيلولة دون تنفيذ القرار 194 المتضمن حق العودة للاجئين الفلسطينيين. إلى ديارهم وممتلكاتهم.‏

حق العودة ولجنة التوفيق الدولية.‏

شكلت الأمم المتحدة بموجب القرار 194 لجنة التوفيق الدولية الخاصة بفلسطين من الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا.‏

وطلبت منها العمل على تسهيل عودة اللاجئين الفلسطينيين وإعادة توطينهم وتأهيلهم اقتصادياً واجتماعياً ودفع التعويضات لمن لا يرغب في العودة.‏

ويشكل التعويض عن الخسائر والأضرار التي لحقت بالممتلكات والتعويض عن الممتلكات للذين يختارون عدم العودة جزءاً أساسياً من جوهر حق العودة.‏

وقامت لجنة التوفيق الدولية بتفسير فحوى الفقرة 11 من القرار 194 على الشكل التالي:‏

"أرست الجمعية العامة مبدأ حق اللاجئين (الفلسطينيين) في ممارسة اختيار حر من العودة إلى ديارهم مع تعويضهم بصورة مناسبة عن قيمة الممتلكات التي خلفوها. وثمة مبدأ يبرز كنتيجة طبيعية للخيار الأخير، وهو أن اللاجئين الذين يختارون عدم العودة إلى ديارهم سيكون لهم الحق في إعادة توطينهم في مكان آخر. وتنطبق هذه المبادئ بالقَدْر نفسه على اللاجئين العرب الذين فروا من الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل وعلى اللاجئين اليهود الذين تركوا الأراضي التي احتلها العرب أثناء القتال في فلسطين. وذلك يستتبع في رأي اللجنة، كون مسألة التعويض جزءاً لا يتجزأ من حل مشكلة اللاجئين على أساس الاختيار بين العودة إلى الوطن وإعادة التوطين على النحو الذي ارتأته الجمعية العامة.‏

أما دفع التعويضات للاجئين العائدين إلى وطنهم عن فقدان ممتلكاتهم أو عن الضرر اللاحق بها فهي مسألة ذات تعقيدات قانونية كبيرة ترى اللجنة لا ضرورة للخوض في تفاصيلها إلى أن تصبح عودة اللاجئين أمراً محتمل التحقيق عملياً".‏

وبالتالي حسمت لجنة التوفيق الدولية إشكالية الموقف الإسرائيلي من القرار 194 والذي تزعم إسرائيل أنه يعني العودة أو التعويض، للتنصل من مسؤوليتها عن الأضرار التي ألحقتها بممتلكات الذين سوف يعودون إلى ديارهم ويؤكد القرار حقهم في التعويض عن هذه الأضرار وعن الخسائر التي لحقت بهم منذ عام 1948 وحتى اليوم.‏

شكلت لجنة التوفيق الدولية بعثة استقصائية اقتصادية عهد إليها عدة مهام منها تسهيل إعادة اللاجئين وإعادة توطينهم وتأهيلهم اقتصادياً واجتماعياً ودفع التعويضات لهم.‏

وقدم رئيس البعثة التوصيات التالية:‏

"1 ـ ينبغي حث الحكومة الإسرائيلية على قبول المبدأ القائل بأن دفع التعويضات عن الممتلكات المهجورة ينبغي أن يكون مستقلاً عن إقرار تسوية سلمية عامة مع الدول العربية: ... إن مبدأ التعويض عن ممتلكات اللاجئين غير العائدين هو مبدأ أقرته بوضوح الجمعية العامة واعترفت به أساساً إسرائيل.‏

2ـ إن معظم اللاجئين من الإقليم الإسرائيلي لم يكونوا من مواطني الدول العربية وقت نزوحهم، ولذلك ينبغي عدم الخلط بين حقهم في التعويض وبين المطالبات والمطالبات المعاكسة القائمة بين الدول المتنازعة ورعاياها.‏

3ـ إن دفع التعويضات للاجئين غير العائدين بصورة مبكرة سيكون حافزاً لهم على أن يختاروا التوطين من جديد خارج الإقليم الإسرائيلي، مما يتفق مع الرغبة التي أعربت عنها الحكومة الإسرائيلية".‏

وأصرت إسرائيل على أن عودة العرب الفلسطينيين، بما في ذلك مسألة التعويضات، لا يمكن النظر فيها إلا في المفاوضات النهائية بشأن التسوية، السلمية الشاملة.‏

وقامت إسرائيل بتدمير أكثر من 485 قرية فلسطينية وأقامت مئات المستعمرات اليهودية على أنقاضها وأسكنت المهاجرين اليهود في الأماكن التي لم يتم تدميرها وبشكل خاص في المدن الفلسطينية.‏

وعملت على خلق واقع يجعل من الصعب تنفيذ حق العودة والمماطلة بالمفاوضات والخداع والتضليل والكذب في التصريحات لكسب المزيد من الوقت لتخليد الأمر الواقع الناتج عن استخدام القوة وتحقيق الاستعمار الاستيطاني والقضاء على الهوية الحضارية العربية والإسلامية للمناطق الفلسطينية واستنتجت لجنة التوفيق الدولية من مقابلة أجرتها مع بن غوريون، مؤسس إسرائيل، إن عودة اللاجئين الفلسطينيين مرهونة بإقرار السلم، فما دامت الدول العربية ترفض عقد صلح مع دولة إسرائيل، لا يمكن لإسرائيل أن تعتمد على التصريح الذي قد يدلي به اللاجئون العرب بشأن نيتهم في العيش في سلام مع جيرانهم. ولم يستبعد بن غوريون إمكانية قبول إعادة عدد محدد من اللاجئين العرب، ولكنه أوضح أن حكومة إسرائيل ترى أن الحل الصحيح للجزء الأكبر من مسألة اللاجئين يكمن في إعادة توطين اللاجئين في الدول العربية.‏

وقدمت لجنة التوفيق الدولية في تشرين الثاني 1951 مقترحات حول تنفيذ القرار 194 جاء فيها:‏

"أن توافق حكومة إسرائيل على إعادة عدد محدد من فئات اللاجئين العرب التي يمكن إدماجها في اقتصاد دولة إسرائيل وممن يرغبون في العودة والعيش في سلم مع جيرانهم، وأن تقبل الالتزام بدفع مبلغ إجمالي، يعتمد على التقدير الذي يتوصل إليه مكتب اللاجئين التابع للجنة، تعويضاً عن الممتلكات التي هجرها اللاجئون الذين لم تتم إعادتهم".‏

أكدت وفود الدول العربية في مؤتمر باريس للأمم المتحدة أنه لا يمكن وضع القيود على عودة اللاجئين، لأن ذلك ينتهك القرار 194 الذي لم يضع أي حد لحق اللاجئين في العودة، فوضع القيود يستهين بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ويشجع إسرائيل على مواصلة سياستها في الهجرة الجماعية، مضاعفاً بذلك أسباب الاضطرابات في الشرق الأوسط. وما دامت إسرائيل ترفض السماح بعودة اللاجئين فلا يمكن أن يقوم سلم في المنطقة.‏

وينبغي أن تتخذ اللجنة فوراً التدابير العملية الكفيلة بعودة اللاجئين.‏

أشرفت لجنة التوفيق الدولية على عقد مؤتمر لوزان الذي اتفقت فيه إسرائيل والدول العربية المجاورة لفلسطين على توقيع بروتوكول لوزان الذي تضمن تحقيق أهداف القرار 194 وقرار التقسيم.‏

وتم توقيع اتفاقات الهدنة في نفس العام نفسه. وحرمت إسرائيل اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى وطنهم.‏

أنشأت الأمم المتحدة بموجب القرار 302 في 8 كانون الأول عام 1949 وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من أجل تقديم الإغاثة للاجئين الفلسطينيين ومساعدتهم في محنتهم، "مع عدم الإخلال بأحكام الفقرة 11 من القرار 194.‏

وأخذت الجمعية العامة تجدد ولاية الأونروا سنوياً وتكرر في قرار التمديد الإعراب عن أسفها الشديد لعدم إعادة اللاجئين إلى وطنهم أو التعويض عليهم، والتأكيد على المبدأ القائل بأن إعالة الشعب الفلسطيني المنفي من دياره لا يخل بحقه في العودة المنصوص عليه في الفقرة 11 من القرار 194.‏

وزادت من محنة اللاجئين وعددهم حرب حزيران العدوانية عام 1967.‏

وقامت الجمعية العامة في كانون أول 1968 بإنشاء اللجنة الخاصة المعنية بالتحقيق في الممارسات الإسرائيلية التي تمس حقوق الإنسان لسكان الأراضي المحتلة انطلاقاً من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمؤتمر الدولي لحقوق الإنسان الذي أكد حقوق اللاجئين غير القابلة للتصرف في العودة إلى ديارهم.‏

وعادت الجمعية العامة وأكدت عام 1969 أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين ناشئة عن إنكار حقوقهم غير القابلة للتصرف المقررة في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأكدت حقوق شعب فلسطين غير القابلة للتصرف والتمست من مجلس الأمن اتخاذ التدابير الفعالة لتأمين تنفيذ قراراتها.‏

إن مسؤولية الأمم المتحدة تجاه قضية فلسطين وحقهم في العودة والتعويض هي مسؤولية تاريخية وقانونية وثيقة الارتباط بالقرارين 181 و194 وقرار قبول "إسرائيل" في عضوية المنظمة الدولية.‏

وتزداد مسؤولية الأمم المتحدة بعد توقيع العهدين الدوليين عام 1966 العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، حيث ينص العهد الأول في المادة 12 على أن "يكون كل إنسان حراً في مغادرة أي بلد بما في ذلك بلده.. لا يجوز تحكماً حرمان أي إنسان من دخول بلده".‏

ووافق المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة عام 1973 على مبادئ بشأن حق كل شخص مغادرة أي بلد بما فيها بلده وفي العودة إليه وقرر:‏

"أ - يحق لكل شخص، دون تمييز أياً كان نوعه، سواء على أساس العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي السياسي أو غير السياسي أو الأصل القومي أن يعود إلى بلده.‏

ب - لا يحرم أحد، تعسفاً من جنسيته أو يرغم على التخلي عنها وسيلة لتجريده من حق العودة إلى بلده.‏

ج - لا يحرم أحد، تعسفاً، من حق دخول بلده.‏

د- لا ينكر على أحد حق العودة إلى بلده على أساس أنه لا يملك جواز سفر أو وثيقة سفر أخرى."‏

وهكذا تؤكد آراء فقهاء القانون والعهود والمواثيق الدولية والأمم المتحدة وقراراتها حق العودة الطبيعي كأحد قواعد القانون الدولي الأساسية، ما يزيد من مسؤولية الأمم المتحدة في إبقاء قضية اللاجئين حتى الآن من دون تطبيق حق العودة والتعويض، وبالتالي ألحق أفدح الأضرار بالأجيال الفلسطينية وعرقل التنمية والتطور والتعليم والصحة وحتى أبسط أشكال الحياة اليومية للشعب الفلسطيني.‏

وعلى أثر بروز الموجة الثانية من اللاجئين الفلسطينيين جراء حرب حزيران العدوانية عام 1967 التي أشعلتها إسرائيل اتخذ مجلس الأمن الدولي القرار 237 في 14 حزيران 1967 وينص على عودة اللاجئين وجاء فيه أن مجلس الأمن "يدعو حكومة إسرائيل إلى تأمين سلامة وخير وأمن سكان المناطق التي جرت فيها عمليات عسكرية، وتسهيل عودة أولئك الذين فروا من هذه المناطق منذ نشوب القتال. "وأكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في القرار 2252 بتاريخ 4 تموز 1967 على نفس القرار الذي اتخذه مجلس الأمن رقم 237، أي حق اللاجئين الذين شردتهم إسرائيل جراء حربها العدوانية بالعودة إلى ديارهم.‏

وهكذا تلزم قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة "إسرائيل" بتنفيذ حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم وتعويضهم عن الخسائر والأضرار التي ألحقتها بممتلكاتهم. ولكن الأمم المتحدة فشلت حتى اليوم في حمل إسرائيل على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية بما فيها عودة اللاجئين إلى ديارهم.‏

حق العودة و"إسرائيل"‏

تعهدت إسرائيل في بادئ الأمر لقاء موافقة الأمم المتحدة على قبول عضويتها في المنظمة الدولية تنفيذ قرارات الأمم المتحدة بما فيها القراران 181 و194، ولكنها سرعان ما تنصلت من هذا التعهد وأعلن بن غوريون موافقته فقط على عودة عدد محدود من اللاجئين ثم تخلت نهائياً عن ذلك وترفض تنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة في هذا الموضوع وتطالب الدول العربية بتوطينهم فيها.‏

بدأت إسرائيل بإصدار قوانين عنصرية تحول دون تنفيذ حق العودة للاجئين الفلسطينيين وتحوّل فلسطين العربية إلى غيتو يهودي كبير في قلب المنطقة العربية والإسلامية: وكان قانون العودة من أول هذه القوانين التي تعمل على إقامة دولة لليهود في فلسطين وينص في فقرته الأولى على أن كل يهودي (في العالم) له الحق في العودة إلى إسرائيل كيهودي عائد. وبالتالي قضى هذا القانون على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم.‏

ويقود قانون العودة إلى تجميع أكبر عدد ممكن من يهود العالم في فلسطين لإقامة إسرائيل العظمى.‏

ويعتبر هذا القانون من أكثر قوانين إسرائيل عنصرية ومصدراً أساسياً لعنصرية إسرائيل والذي استبعد اللاجئ الفلسطيني من العودة إلى وطنه. وجاء قانون الجنسية ليقصر الجنسية على اليهود.‏

وينطلق قانون الجنسية من الدين اليهودي للحصول على الجنسية، وبالتالي فإن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي أقامت قانون الجنسية على أساس الدين، وهكذا يقوم جوهره على أساس عنصري، ويعتبر قانوناً مغرقاً في العنصرية والتمييز العنصري. فالجنسية عن طريق العودة المزعومة تقتصر على اليهود فقط.‏

وجاء موقف الصندوق القومي اليهودي في الوثيقة التي نشرها عام 1949 يتماشى مع موقف الحكومة الإسرائيلية إلا أنه اعترف بالحق القانوني للاجئين في أرضهم وممتلكاتهم في إسرائيل، وجاء في الوثيقة ما يلي:‏

"يملك الصندوق القومي اليهودي والملاكون اليهود الأفراد ما تقل مساحته عن مليوني دونم (من مجموع مساحة فلسطين البالغة 27 مليون دونم). أما جميع الأراضي الباقية تقريباً فتعود للمالكين العرب الذين غادر كثير منهم البلد.‏

وسوف تتم تسوية مصير هؤلاء العرب حين توضع نهائياً شروط معاهدات الصلح بين إسرائيل وجيرانها العرب. وأياً كان المصير النهائي لهؤلاء العرب، فإن من الواضح أن حقهم القانوني في أرضهم وممتلكاتهم في إسرائيل، أو في قيمتها النقدية، لن يزول، كما أن اليهود لا يودون تجاهل هؤلاء العرب. إن الحصول على الأراضي بصورة قانونية هو عامل قوي في تعيين حدود وسيادة دولة من الدول. ولكن الحصول عليها بقوة السلاح لا يمكنه أن يبطل قانونياً أو أخلاقياً، حقوق المالك الشرعي في ملكه الشخصي".‏

واتخذت حكومة إسرائيل موقفاً واضحاً من القبول بمبدأ التعويض وأعلنت مفهومها للتعويض إلى لجنة التوفيق الدولية التي تشكلت بموجب القرار 194 وأسندت إليها الأمم المتحدة مهمة تسهيل عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وجاء فيه:‏

"إن إسرائيل، مساعدة منها في تحويل مشاريع إعادة التوطين في البلدان العربية المجاورة، مستعدة لدفع تعويضات عن الأراضي الموجودة في إسرائيل والتي هجرها العرب الذين فروا. وكما سبق القول، فإنه لا يمكن تسوية هذا الأمر إلا بوصفه جزءاً من تسوية سلمية عامة. وذلك أن دفع إسرائيل للتعويضات عن الأراضي التي هجرها العرب لن يكون البند المالي الوحيد الذي ستجري مناقشته لدى التفاوض بشأن الصلح. فإسرائيل ستطالب الدول المعتدية بالتعويض عن الأضرار التي أصابتها نتيجة عدوانها وعن العبء الساحق للمصروفات الحربية التي ألقي على عاتق سكانها. (وإن حكومة إسرائيل) تقبل مبدأ التعويض عن الأراضي المهجورة والتي كانت مزروعة في السابق وتعترف الحكومة بحقوق ملكية اللاجئين لأغراض هذا التعويض."‏

إن قرار التقسيم رقم 181 ضمن للفلسطينيين المساواة التامة في الحقوق مع اليهود في الدولة اليهودية، وضمن لليهود المساواة التامة مع الفلسطينيين في الدولة العربية.‏

ويسعى بعض أصحاب المناصب في السلطة الفلسطينية إلى ترويج موقف إسرائيل بالدعوة إلى عودة بعض اللاجئين إلى الدولة الفلسطينية المزمع إقامتها عن طريق الولايات المتحدة وموافقة إسرائيل أي استبدال حق العودة إلى الديار بقيام دولة فلسطينية مقطعة الأوصال ومسلوبة السيادة والإرادة وعودة اللاجئين إليها. وبالتالي حرمانهم من حق العودة إلى ديارهم كمقدمة لترحيل بقية الفلسطينيين من الجليل الغربي وبقية الأراضي المحتلة عام 1948 لإحضار المزيد من المهاجرين وتوطينهم في أماكنهم لجعل إسرائيل دولة خالصة لليهود.‏

وبذلك تُّحقق الصهيونية التطهير العرقي تجاه الفلسطينيين سكان فلسطين الأصليين وأصحابها الشرعيين.‏

وتلجأ إسرائيل كعادتها في الكذب والخداع والتضليل إلى تبرير رفضها تنفيذ حق العودة تطبيقاً لقرارات الشرعية الدولية، فتزعم أن اللاجئين الفلسطينيين باعوا أراضيهم وتركوها بمحص إرادتهم تلبية لنداءات الدول العربية.‏

من المعروف أن مساحة فلسطين تبلغ 26.300.000 دونم، يملك اليهود حتى قيام إسرائيل 1.5 مليون دونم أي أقل من 6% من مساحتها، والبقية الباقية يملكها الشعب الفلسطيني.‏

لقد عشتُ الهجرة وكان عمري حوالي (10) سنوات وبالتالي معايشتي لها ولما كنت اسمعه من والديّ وإخوتي وأخواتي وأقاربي وأصدقائي وشهادات اللاجئين تكذب إدعاء إسرائيل.‏

إن ارتكاب المجازر الجماعية كمجزرة دير ياسين والقصف المستمر بالمدافع والطائرات ومحاصرة القرى وتدميرها قاد إلى ترحيل الشعب الفلسطيني. وكان تهجير أهالي اللد والرملة والقرى المحيطة بهما من أقسى وأمر ما شاهدته في حياتي.‏

وتؤكد شهادات المراقبين الدوليين والقناصل الأجنبية والكتاب من بريطانيا والولايات المتحدة وحتى المؤرخين الإسرائيليين الجدد أن إسرائيل هي التي أجبرت الفلسطينيين على الهجرة ولا تزال تجبرهم على الهجرة من الأراضي التي احتلتها في الحرب العدوانية عام 1967 بما فيها القدس وإقامة المستعمرات اليهودية فوق أراضيهم لإذابة الشعب الفلسطيني وترحيله وإبادته وتوطينه والوصول إلى التطهير العرقي الذي يعتبر في القانون الدولي جريمة حرب.‏

شردت "إسرائيل" اللاجئين الفلسطينيين تطبيقاً لمخططاتها في الترحيل وباستخدام القوة العسكرية وارتكاب المجازر الجماعية. وثبتت في المناهج الدراسية وفي أجهزتها الإعلامية على أن أولئك اللاجئين غادروا مدنهم وقراهم طوعاً ودون إكراه من اليهود تنفيذاً لنداءات الحكام العرب.‏

وجاء المؤرخون الجدد في إسرائيل وعكفوا على دراسة وتحليل الوثائق الصهيونية وخرجوا برأي هزّ العدو الإسرائيلي وأعلنوا "أن ترحيلاً جماعياً قسرياً قد ارتكبته "إسرائيل" بحق الشعب الفلسطيني عام 1948".‏

إذاً ترحيل الفلسطينيين من ديارهم ورفض حقهم في العودة إليها وإقامة المستعمرات اليهودية عليها هي من أفظع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني.‏

إنني أتساءل أحياناً هل هؤلاء اليهود الذين نظموا وينظمون المجازر الجماعية والحروب العدوانية ويقيمون المستعمرات اليهودية ويطردوننا من ديارنا وأراضينا ووطننا هل هم بشر مثلنا أم وحوش كاسرة؟‏

إن ما يؤلمني حقاً سماع بعض العرب يقولون إن اللاجئين باعوا أراضيهم وجاؤوا إلينا على الرغم من الغبن والظلم والخسائر البشرية والمادية والمعنوية التي لحقت وتلحق بنا منذ عام 1948 وحتى اليوم.‏

طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من حكومة إسرائيل عام 1970م أن تتخذ فوراً ودون مزيد من التأخير خطوات فعّالة لإعادة المشردين (اللاجئين).‏

واتخذت الجمعية العامة عام 1974 قراراً قوياً جاء فيه: "إن الجمعية العامة: 1 ـ تؤكد من جديد حقوق الشعب الفلسطيني، غير القابلة للتصرف وخاصة: أ) الحق في تقرير مصيره دون تدخل خارجي. ب) الحق في الاستقلال والسيادة الوطنيين.‏

2 ـ تؤكد من جديد أيضاً حق الفلسطينيين، غير القابل للتصرّف في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شرّدوا عنها واقتلعوا منها وتطالب بإعادتهم".‏

وقدّمت اللجنة المعنية بحقوق الفلسطينيين التي شكلتها الأمم المتحدة عام 1974 أول تقرير لها في أيار 1976 تناول الحق في العودة وجاء فيه:‏

"إن حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف في تقرير للمصير لا يمكن أن تمارس إلاّ في فلسطين... وتبعاً لذلك فإن ممارسة الحق الفردي للفلسطينيين في العودة إلى دياره هي شرط لا غنى عنه لممارسة هذا الشعب لحقوقه في تقرير المصير وفي الاستقلال الوطني والسيادة".‏

وهكذا ربطت الأمم المتحدة حق العودة للاجئين الفلسطينيين بالحق الأساسي للشعب الفلسطيني في تقرير المصير على أرض فلسطين.‏

وجاء في تقرير لجنة الأمم المتحدة أيضاً حول مسؤولية إسرائيل في تطبيق حق العودة ما يلي:‏

"إن على إسرائيل واجباً ملزماً بالسماح بعودة جميع اللاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا نتيجة للأعمال الحربية في 1948 و1967. وهذا الواجب نابع من موافقة إسرائيل موافقة لا تحافظ فيها على احترام الالتزامات المترتبة عليها بموجب ميثاق الأمم المتحدة، ومن تعهدها الصريح، لدى تقديمها طلب الانضمام لعضوية الأمم المتحدة، بتنفيذ قراري الجمعية العامة 181 (د ـ 2) الذي يقضي بصيانة حقوق العرب الفلسطينيين داخل إسرائيل و194 (د ـ 3) المتعلق بحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم أو اختيار التعويض عن ممتلكاتهم. وقد انعكس هذا التعهّد أيضاً بوضوح في قرار الجمعية العامة 273 (د ـ 3). إن هذا الحق ينبغي أن يكون مطلقاً لكل الفلسطينيين، ويجب أن تكون له الأولوية على أي شكل آخر من أشكال الترتيبات البديلة، مثل التعويض. ويجب أن يمنح الفلسطينيون أوسع الفرص العملية لممارسة حقّهم في العودة، سواء من حيث عنصر الزمن أو من حيث الشروط الإجرائية".‏

واقترحت لجنة الأمم المتحدة برنامجاً على مرحلتين:‏

المرحلة الأولى: السماح للفلسطينيين الذين نزحوا عام 1967 بالعودة إلى الأراضي الخاضعة للاحتلال العسكري الإسرائيلي منذ عام 1967. ووفقاً لقرار مجلس الأمن 237 ينبغي أن تكون عودة هؤلاء الفلسطينيين فورية وغير معلّقة على أي شرط آخر، واتخاذ ترتيبات معيّنة من أجل المرحلة الثانية في البرنامج.‏

المرحلة الثانية: عودة اللاجئين الفلسطينيين الذين شرّدوا عام 1948.‏

ناقش مجلس الأمن تقرير اللجنة في حزيران 1976 وتمّ تقديم مشروع قرار حول ذلك، ولكن الولايات المتحدة استخدمت الفيتو.‏

حق العودة والسلطة الفلسطينية‏

اعتمدت القيادة الفلسطينية بشأن حق العودة على موقفين سياسيين، أحدهما تطرحه في الغرف المغلقة والثاني تخاطب به الشعب الفلسطيني، إلا أنه بعد وصول أبو مازن إلى موقع الرئاسة في السلطة الفلسطينية تخلّى عن هذا الأسلوب، وسلكَ موقفاً واحداً خاطب به الشعب الفلسطيني والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.‏

تناول أبو مازن في برنامجه الانتخابي لرئاسة السلطة في 9/1/2005 "عودة اللاجئين إلى الوطن"؛ وكلمة وطن بالنسبة لاتفاق أوسلو هي الضفة الغربية وقطاع غزة وليست أرض فلسطين من البحر حتى النهر. وبالتالي يكون أبو مازن قد التزم بخارطة الطريق وباتفاق أوسلو، بالرؤية الإسرائيلية الأمريكية للتسوية، وتجاوز القرار 194 ووافق على توطين اللاجئين في الدولة الفلسطينية المزمع إقامتها بدلاً من العودة إلى ديارهم وأراضيهم كما تنص العهود والمواثيق وقرارات الشرعية الدولية.‏

ويعبّر هذا الموقف عن موقف اللجنة المركزية لحركة فتح، حيث جاء في بيان اللجنة المركزية لفتح الصادر في عمّان بتاريخ 2/7/2005م الدعوة إلى "حل مشكلة اللاجئين وفق قرارات الشرعية الدولية والقمم العربية، كما ورد في مكان آخر من البيان" التوصّل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين وفق قرار الأمم المتحدة رقم 194.‏

ويمكن الاستنتاج أن حركة فتح تخلّت عن حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم وتوافق على عودتهم إلى أراضي الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع وتوطين البقية الباقية في أماكن تواجدهم.‏

بدأت التحولات في موقف قيادة فتح من حق العودة في الظهور العلني منذ مؤتمر مدريد حين وافقت القيادة الفلسطينية على استبعاد قضية اللاجئين خلافاً لقرارات المجلس المركزي لمنظمة التحرير.‏

قام خطاب الدعوة الأمريكية لمؤتمر مدريد على أساس إدراج قضية اللاجئين في نطاق المفاوضات المتعددة الأطراف وبين الدول العربية وإسرائيل.‏

وانبثق الوفد الفلسطيني المفاوض من المسار الأردني بعد أن أشرف اسحق شامير رئيس الوزراء الإسرائيلي وجيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي على اختيار أسماء أعضاء الوفد الفلسطيني من قائمة تضمّنت (30) اسماً قدّمها ياسر عرفات. واستبعد اللاجئون من التمثيل في الوفد الفلسطيني المفاوض. واعتمدت الخطة الأمريكية إلى مؤتمر مدريد عام 1991 على مسارين للتفاوض المباشر:‏

الأول: المفاوضات الثنائية. والثاني: المفاوضات المتعددة الأطراف. وتشكّلت خمس لجان بما فيها لجنة اللاجئين.‏

حاول الوفد الفلسطيني المفاوض في واشنطن اعتماد القرار 194 كمرجعية، إلا أن الوفد الإسرائيلي رفض هذا الموقف رفضاً مطلقاً. فأخذ الوفد الفلسطيني يتحدث بالعموميات مطالباً تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه الوطنية المشروعة بما فيها حقه في تقرير المصير.‏

تجسّد الموقف الإسرائيلي في المفاوضات الثنائية في واشنطن بالتشديد على أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين مشكلة إقليمية ولا يسمح بإثارتها أو إدراجها على جدول الأعمال. وأصرّ على أن هدف المفاوضات الثنائية هو التوصل إلى حل لمشكلة الضفة والقطاع على أساس القرارين 242 و338.‏

ولا يزال بعض قياديي فتح يتحدثون بلغتين حول حق العودة ولكنهم يتفقون أن مشكلة حق العودة لا تحل إلا بالاتفاق مع إسرائيل.‏

إن الشعب الفلسطيني يؤمن "باستحالة تحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة، دون تحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وعلى رأسها ضمان حق العودة لجميع اللاجئين" ودفع التعويضات.‏

ويعتقد أن قضية اللاجئين تمثِّل العمود الفقري للقضية ولمنظمة التحرير الفلسطينية، وأن هناك إجماعاً وطنياً أن لا حل للصراع إلاّ بتطبيق حق العودة والتعويض كما ورد في القرار 194.‏

وافق المفاوض الفلسطيني تنفيذاً للشروط الإسرائيلية واستجابة للضغوط الأمريكية على استبعاد القرار 194 من جدول أعمال المفاوضات المتعددة الأطراف، والاكتفاء بمناقشة القضايا الإنسانية للاجئين.‏

ونص اتفاق أوسلو على تحويل حق العودة أي مشكلة اللاجئين إلى مفاوضات الحل النهائي، وأسقط القرار 194 من بنود الاتفاق كمرجع حل مشكلة اللاجئين.‏

حق العودة واتفاق أوسلو‏

وقّع ياسر عرفات والجنرال اسحق رابين بحضور الرئيس الأمريكي بيل كلنتون في 13 أيلول 1993 في احتفال دولي مسرحي لا مثيل له في تاريخ البيت الأبيض على اتفاق أوسلو.‏

أهمل الاتفاق ذكر القرار 194 وقرار مجلس الأمن رقم 237 الصادر عام 1967 وينص على الاختلاف الفلسطيني والإسرائيلي حول تفسير القرار 242. فالطرف الفلسطيني يؤكد أن ما ورد في القرار حول إيجاد حل عادل لمشكلة اللاجئين يعني جميع اللاجئين الفلسطينيين الذين هجّرتهم إسرائيل في عامي 1948 و1967، أما "إسرائيل" فتفسِّر القرار على أنه يعالج فقط مشكلة النازحين عام 1967 والمقصود باللاجئين اليهود من البلدان العربية والشعب الفلسطيني، ولم تنفذ إلى الآن حتى قرار مجلس الأمن رقم 237، ولا تريد حل مشكلة اللاجئين، كي تفسح المجال أمام استيطان مهاجرين جدد.‏

ونجحت إسرائيل في فرض تصوراتها في مفاوضات أوسلو الظالمة والمظلمة، وحَصَرتْ الاتفاق في فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة.‏

وتزعم "إسرائيل" إن منظمة التحرير الفلسطينية تخلّت في الاتفاق عن مطلبها بحق العودة، وهذا التخلّي يشكل إنجازاً لنا (على حد قول رابوينو فيتش، رئيس الطاقم الإسرائيلي للمفاوضات مع سورية) بالغ الدلالة في هذه المفاوضات.‏

واستغلّت الولايات المتحدة اتفاق أوسلو للتخلّص من موافقتها على القرار 194، وبدأت عام 1995 لأوّل مرّة بالامتناع عن التصويت لصالح القرار المذكور في الجمعية العامة للأمم المتحدة.‏

وطالبت اليهودية أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية في كلمتها أمام الأمم المتحدة على ضرورة إسقاط القرارات الدولية المثيرة للخلافات التي عفا عليها الزمن. وأجّل أوسلو قضية اللاجئين إلى مفاوضات الحل النهائي.‏

حدد اليهودي دينس روس، المنسق الأمريكي لعملية السلام الموقف الأمريكي الجديد من القرار 194، كما جاء في مشروع الرئيس كلنتون قائلاً: "لم ينظر إلى القرار كمرجعية. ومؤتمر مدريد لم يأت على ذكره. ومدريد هو المرجعية القائمة على القرارين 242 و338. وهما قراران ليسا للتطبيق، وإنما للتفاوض عليهما".‏

وهكذا نجحت إسرائيل عن طريق الراعي الأمريكي إبعاد قرارات الشرعية الدولية وتجاوزها والتي تشكل الحد الأدنى الذي تطالب به الحكومات العربية، كخطوة أولى لشطبها ومسحها من الوجود كما فعلت بقرار الأمم المتحدة رقم 3379 الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية، وأحلّت محل القرارات الدولية مرجعية المفاوضات. وترفض "القرارات الدولية" اغتصاب الأرض والحقوق الفلسطينية والعربية، وتدعو إلى تفكيك المستوطنات (المستعمرات) واعتبرت قرارات الضم والتهويد في القدس والجولان وبقية الأراضي المحتلة باطلة وغير شرعية ولاغية.‏

إن الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود بموجب اتفاق أوسلو دون اعتراف إسرائيل بمسؤوليتها التاريخية عن نشوء مشكلة اللاجئين وحقهم في العودة وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير ودون الالتزام بتنفيذ حتى قرارات الشرعية الدولية يعني تحويل حق العودة وتقرير المصير من حقوق شرعية غير قابلة للتصرف إلى مجرد مطلب فلسطيني تجري المساومة عليه.‏

وجاء إلغاء أو تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني ليعبّر عن الاعتراف الفلسطيني بشرعية المشروع الصهيوني في أرض فلسطين العربية.‏

جاءت التنازلات الفلسطينية في الوقت الذي لا تزال إسرائيل ترفض تنفيذ قرارات الشرعية الدولية والاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني بما فيها حقه في العودة إلى وطنه.‏

وقاد اتفاق أوسلو إلى تحويل قضية اللاجئين من مرجعيتها الدولية القائمة على قرارات الجمعية العامة رقم 181 و194 و273 وقرارات مجلس الأمن الدولي رقم 89 تاريخ 17 تشرين الثاني 1950 ورقم 93 تاريخ 18 أيار 1951 إلى قضية إقليمية عربية ـ إسرائيلية، بين إسرائيل ومصر والأردن والسلطة الفلسطينية، وذلك للتوصل إلى حل إقليمي دعامته توطين اللاجئين والتشطيب النهائي على حقهم في العودة إلى ديارهم.‏

إن الأمم المتحدة تتحمّل مسؤولية خاصة تجاه قضية اللاجئين الفلسطينيين لتقاعسها في إجبار إسرائيل على تنفيذ قرار التقسيم وقرار العودة بالإضافة إلى قرارها رقم 302 حول تأسيس الأنروا وحصر مهمتها بتقديم المساعدة للاجئين الفلسطينيين إلى حين تنفيذ القرار 194 الذي ينص على عودتهم.‏

وجاءت معاهدة وادي عربة بموجب المادة الثانية الفقرة 2/حـ تنص على توطين اللاجئين والنازحين.‏

ويعود التوطين إلى تحقيق هدف أساسي من أهداف المشروع الصهيوني بإلغاء حق العودة وإلغاء الوضع القانوني والسياسي للاجئين، أي إلغاء الالتزام الدولي بقضية اللاجئين وبحقهم في العودة والتعويض. وبالتالي يلحق التوطين أفدح الأخطار بماضي وحاضر ومستقبل حوالي خمسة ملايين لاجئ فلسطيني وبمصيرهم الوطني وحقوقهم القومية والدينية والإنسانية.‏

وهنا لابد من الإشارة إلى القرارات التي اتخذها المؤتمر الجماهيري الأول للاجئين في مخيمات الضفة الغربية بتاريخ 8/12/1995 والتي جاء فيها: "وحدة الشعب الفلسطيني السياسية والوطنية والتاريخية غير القابلة للتجزئة. قضية اللاجئين قضية الشعب الفلسطيني الوطنية المركزية شأن القدس والحدود والهوية الوطنية. قرارات الشرعية الدولية هي الأساس لحل قضية اللاجئين وعلى رأسها القرارات 181 و194و 237. قضية اللاجئين قضية سياسية وليست اقتصادية".‏

رفض مشاريع التوطين‏

إن القبول بالتوطين يعني القبول بإملاء إسرائيلي لصالح "إسرائيل العظمى" ولتصفية قضية فلسطين وإلغاء مكانة اللاجئ والمخيم ووكالة الأنروا لتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار لإسرائيل وجلب المزيد من قطعان المستعمرين اليهود. ومن اللافت للنظر أن جميع القوى السياسية في لبنان أجمعت على رفض التوطين، لأن البعض منها يتمسك بالموقف الوطني القائم على حق العودة والبعض الآخر يرفض التوطين لأسباب طائفية. وما حدث في مخيمات جسر الباشا وصبرا وشاتيلا في بيروت يجسِّد تلاقي مصالح إسرائيل مع مصالح قوى طائفية انعزالية في حرمان الشعب الفلسطيني في لبنان من حرية العمل والتنقل والسفر، من حرمانه من الحقوق المدنية والاجتماعية وتهجيره خارج لبنان.‏

ألحق توقيع اتفاق أوسلو أضراراً فادحة في قضية فلسطين ومشكلة اللاجئين منها ما يلي:‏

1) تحويل قضية اللاجئين بدلاً من حق العودة إلى قضية إنسانية وحلّها على أساس التأهيل والتوطين.‏

2) إلغاء مسؤولية الأمم المتحدة والمجتمع الدوي والقرار 194 وتقديم الاغراءات إلى بعض الدول العربية لحملها على الموافقة على التوطين.‏

3) تحويل قضية اللاجئين وحقهم في العودة، من قضية أساسية تشكل جوهر الصراع إلى قضية ثانوية يتم الاتفاق على حل لها في المفاوضات المتعددة الأطراف لالزام دول النفط العربية ودول الاتحاد الأوروبي بتمويل عملية تصفية حق العودة.‏

ألغت السلطة الفلسطينية في 25/4/1996 بعقد المجلس الوطني الفلسطيني في غزة تنفيذاً للالتزامات التي ترتبت على اتفاق أوسلو والرسائل المتبادلة بين عرفات ورابين في 1993، وبحضور الرئيس الأمريكي بيل كلنتون ووقوفاً كما طالب نتنياهو المواد الأساسية من الميثاق الوطني الفلسطيني.‏

ألغت القيادة والسلطة الفلسطينية في تلك المناسبة المشؤومة لقاء تقديم الأموال للسلطة الفلسطينية "الحقوق التاريخية والأساسية للشعب الفلسطيني في وطنه"، وبالتالي أدّت عملية إلغاء أهم المواد الواردة في الميثاق الوطني إلى إلغاء حق اللاجئين في العودة إلى وطنهم واستعادة منازلهم وممتلكاتهم، ما حمل جزار قانا شمعون بيرس اعتبار عملية الإلغاء أهم حدث أيديولوجي في القرن العشرين. والتزم الجانب الفلسطيني بموجب اتفاق أوسلو بتناول المسألة بالارتباط والتعاون بين إسرائيل ومصر والأردن والطرف الفلسطيني. ونص على تشكيل لجنة رباعية لمعالجة القضية، ما أظهر بوضوح استعداد السلطة الفلسطينية تجاوز المرجعية الدولية لحق العودة والتوصل إلى اتفاق مع إسرائيل يسوّقه بعض السماسرة من المسؤولين العرب للوصول إلى التوطين.‏

لذلك تداعى اللاجئون الفلسطينيون في 28/12/1995م وعقدوا مؤتمراً لهم في مخيم الفارعة بالقرب من نابلس في الضفة الغربية أكدوا فيه "على وحدة الشعب الفلسطيني السياسية والوطنية والتاريخية الغير قابلة للتجزئة، وعلى رفض مشاريع التوطين سواء كان ذلك في الوطن المحتل أو خارجه".‏

وأكدت مؤتمرات اللاجئين داخل فلسطين وخارجها وحتى في أوروبا على رفض التوطين واتفاق أوسلو والتمسك بحق العودة والقرار 194. وبدأت لجان الدفاع عن حق العودة بالتشكيل والظهور.‏

وأطلق العديد من مسؤولي السلطة الفلسطينية التصريحات التي أبدت الاستعداد لتجاوز حق العودة والتخلّي عنه والمساومة عليه.‏

وجاءت وثيقة أبو مازن ـ يوسي بيلين التي وضعها فريق من الأكاديميين الإسرائيليين والفلسطينيين عام 1995. وتتضمن الوثيقة مجموعة من التنازلات الاستراتيجية وهي:‏

أولاً: التنازل عن حق العودة لأن "مستلزمات العهد الجديد من السلام والتعايش، بالإضافة إلى الحقائق التي خلقت على الأرض منذ عام 1948، جعلت تنفيذ الحق غير عملي".‏

ثانياً: التنازل عن تحميل إسرائيل المسؤولية السياسية والأخلاقية والمادية والمعنوية الناجمة عن تهجير الفلسطينيين من بيوتهم ووطنهم. وسجل الطرف الإسرائيلي فقرة يعترف فيها بالمعاناة المعنوية والمادية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني كنتيجة لحرب 1947-1948. وتحمّل إسرائيل الدول العربية كذباً وبهتاناً مسؤولية اندلاع هذه الحرب. وبالتالي فإن هذه الفقرة حمالة أوجه.‏

ثالثاً: وافق الجانب الفلسطيني بالعمل على إعادة تأهيل وتوطين الفلسطينيين المقيمين في المخيمات (في الضفة الغربية وقطاع غزة)، وإعداد وتطوير برامج إعادة التأهيل والاستيعاب والتوطين للاجئين الفلسطينيين في الخارج.‏

رابعاً: أكّد الجانبان على تعويض اللاجئين الفلسطينيين من خلال اللجنة الدولية للاجئين الفلسطينيين.‏

شطبت هذه التنازلات على قرار الأمم المتحدة 194 وعلى حق العودة، مقابل إقرار الجانب الإسرائيلي بحق اللاجئين في العودة إلى الدولة الفلسطينية، دولة المعازل والمنقوصة الأرض والسيادة.‏

وتتعهّد المنظمة في الوثيقة إضافة إلى التنازلات المذكورة "عدم تقديم أي ادعاءات أو مطالب إضافية ناتجة عن هذه القضية عند التنفيذ الكامل لاتفاق الإطار هذا".‏

كان ولا يزال من المفروض على القيادة والسلطة الفلسطينية أن تصر على اعتراف إسرائيل وإقرارها بالمسؤولية التاريخية والسياسية والقانونية والمادية والأخلاقية والمعنوية عن مأساة اللاجئين الفلسطينيين، وترحيلهم من أرضهم ووطنهم وتشريدهم إلى بلدان الاغتراب.‏

حق العودة في مبادرة الرئيس كلنتون‏

بعد اندلاع انتفاضة الأقصى بثلاثة أشهر قدّم الرئيس الأمريكي بيل كلنتون في 23 كانون أول 2000م مبادرته للتسوية السياسية، وجاء في الشق المتعلّق باللاجئين الفلسطينيين ما يلي:‏

أ ـ إن حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين يجب أن تعالج حاجات كلا الطرفين انطلاقاً من المعادلة الأساسية التالية: "دولة فلسطين كوطن للشعب الفلسطيني، ودولة إسرائيل كوطن للشعب اليهودي". ووصل الاستهتار بعقول الفلسطينيين والعرب حداً قال فيه كلنتون: لا يكفي الإعلان والقبول بدولتين، بل المهم أن تكونا دولتين قابلتين للحياة. وهذا يعني بوضوح أن لا تسعى أي منهما لجعل جارتها غير قابلة للحياة:‏

ـ إسرائيل باستعمالها القنبلة الاقتصادية لخنق جارتها الدولة الفلسطينية.‏

ـ الدولة الفلسطينية باستخدامها القنبلة الديمغرافية بعودة اللاجئين لتقويض الطابع اليهودي للدولة اليهودية.‏

ب ـ يرى الرئيس الأمريكي في نظرته إلى القرار 194 "أنه ليس هناك حق محدد في العودة إلى إسرائيل نفسها. ولكن لابدّ من الاعتراف بالمعاناة المعنوية والمدنية للاجئين وتطلعهم إلى العودة إلى فلسطين التاريخية، وبالتالي إلى وطنهم وفق المعادلة التالية: إلى الدولة الفلسطينية وليس إلى الدولة اليهودية.‏

وحدّد الرئيس الأمريكي العودة إلى الدولة الفلسطينية وتأهيل اللاجئين وتوطينهم في البلدان المضيفة، وإعادة توطينهم في دولة ثالثة يهاجرون إليها، وإدخال 25-40 ألفاً خلال خمس سنوات إلى إسرائيل.‏

ويوافق الطرفان على أن مثل هذا الحل هو تنفيذ للقرار 194، وتقود الولايات المتحدة جهداً دولياً لمساعدة اللاجئين بالتعويض وإعادة التأهيل.‏

وهكذا أعطى الرئيس كلنتون الموقف الإسرائيلي من حق العودة طابعاً أمريكياً ما يظهر بجلاء عدم وجود سياسة أمريكية وإنما سياسة إسرائيلية تتبناها الولايات المتحدة.‏

أكّدت السلطة الفلسطينية أن القرار 194 أساس التسوية العادلة لمشكلة اللاجئين، وأن الاعتراف بحق العودة وإتاحة الخيار أمام الفلسطينيين يشكلان مطلباً سابقاً لإنهاء الصراع، وأنها على استعداد للتفكير الخلاق والمرن في آليات تطبيق حق العودة، وذلك تجنباً لإغضاب الإدارة الأمريكية وإسرائيل والوسيط المصري، وللمحافظة على تدفق أموال الدول المانحة المشروطة.‏

حق العودة ومباحثات طابا‏

في مباحثات طابا بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في كانون الثاني 2001 ركز الجانب الفلسطيني على أهمية الحل العادل والشامل والدائم لقضية اللاجئين الفلسطينيين على أساس القرار 194، وعلى مسؤولية إسرائيل القانونية والأخلاقية، وركز الجانب الإسرائيلي على التأهيل والتوطين والدول المضيفة ودور وكالة الغوث وإنهاء المطالب الفلسطينية بشأن حق العودة.‏

رفضت إسرائيل حق اللاجئين الفلسطينيين في استعادة أراضيهم وممتلكاتهم، وهذا الحق الذي حصل عليه العديد من اللاجئين في العالم وحصل عليه اليهود في ألمانيا الشرقية بعد سقوط جدار برلين. وكانوا قد حصلوا على تعويضات من ألمانيا النازية، وتعويضات من ألمانيا الاتحادية، بالإضافة إلى هدايا الأسلحة والغواصات النووية وحمولة (100) سفينة من أسلحة جيش ألمانيا الشرقية المتطورة، كما أنهم استعادوا ممتلكاتهم التي كانت بحوزتهم إبّان ألمانيا النازية. لذلك يجب الإصرار على وجوب عودة الأملاك والتعويض عن ريعها منذ عام 1948 وحتى اليوم.‏

وبالتالي المطلوب من القيادة الفلسطينية التمسك بموقف القانون الدولي وروح اتفاقية التعويضات الألمانية ـ الإسرائيلية، ومنع إسرائيل من المراوغة واللف والدوران على مبادئ وقرارات الشرعية الدولية وإفراغها من مضامينها الأساسية.‏

بوش يتبنى مشروع شارون‏

اتفقت إدارة بوش مع السفاح شارون أن التصعيد السياسي والعسكري، تصعيد القتل والتدمير الوسيلة الوحيدة لتحطيم الشعب الفلسطيني ومنجزاته ومقاومته البطولية وانتفاضته الباسلة لكسر إرادته وإرغامه على الخضوع والإذعان لشروط التسوية الإسرائيلية، وتركيز الضغوط الأوروبية والعربية عليه مع تكثيف عمليات الاجتياح والاغتيالات والعقوبات الجماعية، وتقطيع أوصال المدن والقرى ونشر الحواجز العسكرية وإغلاق المعابر الحدودية.‏

وكرّر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نتنياهو أن "الإرهاب" الفلسطيني هو امتداد لحرب "الاستقلال". وأعلن أنه "لن يكون هناك سوى حل عسكري، وبعد ذلك يأتي حل دبلوماسي، ولكن ليس هناك طريق للسلام، من دون الحل العسكري".‏

وتعمل إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة وبعض السماسرة العرب على إلغاء المرجعيات الدولية، أي قرارات الشرعية الدولية بخصوص عودة اللاجئين والقدس والمستوطنات وحق تقرير المصير. وألغى نتنياهو اتفاقية الخليل وفرض على ياسر عرفات بروتوكول الخليل الذي أعطى المستوطنين 20% من مساحة المدينة الفلسطينية. وعندما استلم شارون رئاسة الوزارة في عام 2001 ألغى اتفاق أوسلو وتوابعه، لذلك يحق للقيادة الفلسطينية أن تلغي اتفاقيات الإذعان التي فرضتها الدولة المحتلة وحليفتها الولايات المتحدة، أسوة بإسرائيل، ولقد وصل الخداع والمراوغة والوحشية اليهودية حداً أعرب فيه جزار قانا شمعون بيرس عن تقديره بأن "مزج الوسائل: الضغوط العسكرية الإسرائيلية، والضغوط السياسية الدولية، والحوار المباشر مع الجانب الفلسطيني، بدأ يعطي ثماراً، إذ بدأ عرفات بعمل جاد ضد حماس والجهاد الإسلامي".‏

وطالبت إسرائيل بإجراء تغييرات في الأجهزة الأمنية الفلسطينية ومؤسسات السلطة السياسية والاقتصادية، وإحداث منصب رئيس الوزراء وفرضت اسمه، وانتخاب قيادة جديدة، والعمل على محاربة المقاومة.‏

وطلبت من الدول العربية أن تهرول في تطبيع العلاقات وبشكل جماعي وتبادر بإقامة علاقات دبلوماسية وتجارية معها، ما يؤدي إلى التطبيع الكامل بينها وبين جميع البلدان العربية(1).‏

وبطبيعة الحال تبنت الولايات المتحدة المطالب الإسرائيلية وحملت دول الاتحاد الأوروبي وبعض الدول العربية الصغيرة على تأييدها.‏

وفشل الهولوكوست الإسرائيلي الذي قاده السفاح شارون لإخضاع الشعب الفلسطيني بالقوة العسكرية، وإجباره على القبول بمخططاته.‏

تقوم مبادرة بوش على ترك مشكلة اللاجئين وحقهم في العودة واستعادة أملاكهم إلى المفاوضات الثنائية التي تبدأ بين دولة فلسطين المؤقتة المنزوعة السلاح والملتزمة بمعاهدة سلام مع إسرائيل، المدججة بأحدث الأسلحة التقليدية وبأسلحة الدمار الشامل النووية والكيماوية والبيولوجية.‏

وتبنت مبادرة بوش الموقف الإسرائيلي من حق العودة فغيّب بوش القرار 194 والمرجعية القانونية للمفاوضات واستبق نتائج المفاوضات حول مشكلة اللاجئين الفلسطينيين برفض عودتهم إلى بيوتهم سلفاً.‏

وتجسدت في مقترحات بوش، التي هي بالأساس تتمحور حول مشروع شارون بلباس أمريكي روح الغطرسة والاستعلاء والعنجهية وتبني المواقف والمخططات الإسرائيلية، وتعتمد على سياسة الضغط والابتزاز والإملاء والتهديد بقطع مساعدات الدول المانحة بعد أن دمرت إسرائيل جميع البنى التحتية والمنجزات بما فيها مقرات السلطة الفلسطينية.‏

وشجع موقف الرئيس بوش المتبني لموقف شارون "إسرائيل" على الاستمرار في تمردها على مبادئ وقرارات الشرعية الدولية وفي طليعتها حق العودة والانسحاب الكامل وتقرير المصير.‏

تراجع السلطة الفلسطينية عن حق العودة‏

أدت الضغوط والإملاءات الأميركية إلى تراجع ياسر عرفات عن الموقف الرسمي الفلسطيني من حق العودة في مقال نشره في نيويورك تايمس أعلن فيه استعداده واستعداد القيادة الفلسطينية لقبول حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين لا يقوم على أساس حق العودة الذي كفلته القوانين المواثيق الدولية، وورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقرار 194.‏

أكد عرفات تفهمه لمخاوف إسرائيل الديمغرافية، وأعرب عن استعداد القيادة الفلسطينية تنفيذ القرار 194 بطريقة تأخذ هذه المخاوف بعين الاعتبار(2).‏

"وقد رأت القوى السياسية والشعبية الفلسطينية في هذا الكلام المدان والمستنكر رسالة سياسية موجهة إلى الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية والاتحاد الأوروبي والعديد من العواصم الإقليمية هدفها الإعلان بشكل واضح وصريح عن استعداد السلطة الفلسطينية للتراجع عن المواقف السابقة(3)".‏

وعلى الرغم من التنازلات الهائلة التي قدمها عرفات عن حق العودة وشرعية مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لم تتوقف الضغوط والإملاءات الأميركية والإسرائيلية. وعلقت رايس مستشارة الأمن القومي الأميركي على المقالة قائلة:‏

"إن تعهدات عرفات هي مجرد كلمات، وإن على عرفات أن يلعب دوره في الحرب على الإرهاب(4)". وأجرت صحيفة هآرتس مقابلة مع عرفات أعلن فيها موافقته على قبول خطة الرئيس كلينتون التي أعلنها في كانون الأول عام 2000، وعلقت الجريدة على ذلك وكتبت تقول:‏

"وقبول عرفات خطة كلنتون التي طرحت قبل 18 شهراً، يعني تحولاً رئيسياً في موقفه، لأن الخطة تسقط حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم في إسرائيل(5)."‏

ولخص صابر محي الدين، عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية أداء القيادة الفلسطينية من حق العودة قائلاً: "اتسم خطاب القيادة الفلسطينية بشأن حق العودة للاجئين الفلسطينيين، بالكثير من التذبذب والتأرجح وعدم الثبات حيناً، وبالتناقض الصارخ أحياناً أخرى. وكان طبيعياً جداً أن ينعكس هذا الخطاب قلقاً وتوتراً في أوساط اللاجئين الفلسطينيين داخل البلاد وخارجها.‏

وكان الشعور بالخوف على المستقبل والمصير، قد بدأ يساور جموع اللاجئين الفلسطينيين مع انطلاقة مؤتمر مدريد والشروع في المفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف. وبلغ أوجه مع الإعلان عن اتفاق أوسلو. وتفاقم الشعور بالخوف والقلق حين أيقن اللاجئون الفلسطينيون أن الحلول التي يجري تداولها تتراوح بين التوطين والتهجير والتعويض ولم شمل العائلات، والسماح لأعداد محدودة بدخول أراضي الدولة الفلسطينية المزمع إقامتها.(6)"‏

تعتقد الأوساط الفلسطينية أن هذه المواقف الرسمية هي انعكاس حقيقي لاستعداد القيادة الفلسطينية التنازل عن حوالي 90% من مساحة فلسطين وعن حق العودة والحقوق الوطنية الثابتة وغير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، وتقاسم السيادة على الشطر الشرقي من القدس، مقابل الدولة التي طرحها شارون في مشروعه وتبناها الرئيس بوش.‏

وظهر للمواطن الفلسطيني بجلاء استعداد القيادة للمساومة على حقه في العودة، لذلك لجأ إلى تأسيس لجان العودة تعبيراً عن تمسكه في حقه بالعودة واستعداده للدفاع عنه. يصف المناضل صابر محي الدين الموقف الفلسطيني قائلاً: "اتسمت المواقف الرسمية بالتناقض بين المعلن والمضمر، بين المستتر والسري، بين المواقف السياسية والإعلامية الموجهة للاستهلاك المحلي والمواقف التي يجري التفاوض عليها في الاتصالات واللقاءات السرية. فهذه المواقف تراوحت بين التمسك بقرارات الشرعية الدولية وحق اللاجئين في العودة والتعويض لفظياً، وإبداء الاستعداد للمساومة على القرارات والحقوق المشروعة للاجئين(7).... وبكلمات أخرى، فقد كنا، إلى حد كبير، أمام ما يشبه البازار السياسي المفتوح، طرح فيه مسؤولون فلسطينيون، وباحثون وأعضاء في الوفد الفلسطيني إلى لجنة عمل اللاجئين، ومندوبون أو مدعوون إلى مؤتمرات وورشات عمل مواقف متناقضة، تراوحت بين التخلي عن حق العودة، والبحث عن حلول تتسم بالمرونة والواقعية، وأخرى تدعو إلى مقايضة حق العودة بالدولة المستقلة وثالثة تدعو إسرائيل إلى القبول بعودة رمزية للاجئين، كاعتراف من جانبها بحق العودة".‏

المطلوب التمسك بالقرار 194 ووجوب إسرائيل الاعتراف بمسؤوليتها القانونية والسياسية والأخلاقية عن ترحيل الشعب الفلسطيني وتشريده وتعويضه عن الأضرار المادية والنفسية التي لحقت به.‏

ويعلن بعض المسؤولين في السلطة أن حق العودة يعني العودة إلى الدولة الفلسطينية بعد قيامها في الضفة والقطاع، وليس إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948. ويمضي هؤلاء ويقولون: "وبما أن إسرائيل لا تقبل عودة غير مقيدة إلى الدولة الموعودة لاعتبارات أمنية واقتصادية، فقد جرى الحديث عن منح الفلسطينيين في الشتات هوية الدولة الفلسطينية وجواز سفرها(8)".‏

وينشط الاتحاد الأوروبي في تمويل إقامة الندوات وورشات العمل وعقد المؤتمرات لإيجاد الحلول الواقعية لتصفية قضية فلسطين وللتشكيك بحق العودة وإظهار استحالة تنفيذه، وانتهاك المحرمات وكسر الحواجز لتمرير الموقف الإسرائيلي.‏

وجاءت تصريحات (سِرّي نسيبة) في هذا السياق حيث قال: "إن السلام لن يعم، ولن تقوم للدولة الفلسطينية قائمة، إلا إذا تخلى الفلسطينيون عن حقهم في العودة"(9).‏

ويمكن للمواطن واللاجئ تسجيل المآخذ التالية على الموقف الرسمي الفلسطيني:‏

أولاً: اعتماد السلطة الفلسطينية مبدأ التنازلات نهجاً أساسياً في السير في ركاب التسوية الأميركية والبحث عن حلول للقضايا الجوهرية في الصراع.‏

ثانياً: انطلاق السلطة من الحقائق غير الشرعية التي كرسها الاحتلال الإسرائيلي على أرض الواقع.‏

ثالثاً: استعداد السلطة للتنازلات عن الحد الأدنى الذي عبّرت عنه قرارات الشرعية الدولية، والتنازل عن المبادئ والحقوق الواردة في العهود والمواثيق الدولية بما فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقرارات مجلس الأمن الدولي حول القدس والانسحاب الشامل من الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة وحتى اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949.‏

ويلعب اعتماد السلطة الفلسطينية على أموال الدول المانحة، والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، وتدمير إسرائيل المستمر للبنى التحتية والمنجزات الفلسطينية دوراً أساسياً في احتمال استمرار تنازلات السلطة الفلسطينية.‏

إن حق العودة حق طبيعي وقانوني ومقدس، لذلك يجب أن ينفَّذ، فاللاجئون هم أصحاب الأرض الشرعيون وسكانها الأصليون، واليهود دخلاء عليها، غرباء عليها، وبمثابة الجسم الغريب في المنطقة، المعادي لتطلعات ومصالح شعوبها. ويكبر ويتوسع ويقوى باستمرار، وينتشر انتشار الغدة السرطانية الخبيثة في الجسم العربي والإسلامي.‏

أعتقد جازماً باستحالة تسوية سياسية دائمة وعادلة إذا لم يطبَّق حق العودة انطلاقاً من مبادئ وأهداف وقرارات الشرعية الدولية، وتتحقق عودة اللاجئ الفلسطيني إلى بيته وأرضه ووطنه ودفع التعويضات له بموجب القانون الدولي.‏

ويرفض اللاجئون تشطيب حقهم في العودة كما يرفضون مشاريع التوطين والوطن البديل ويطالبون بالتوقف الفوري للهجرة اليهودية كي يتسنى لهم العودة إلى وطنهم.‏

إن المهجّرين داخل فلسطين المحتلة عام 1948 أي داخل "إسرائيل"، والذين تم ترحيلهم بالقوة من قراهم بداية الخمسينات، ويبلغ عددهم حوالي 40% من الأقلية العربية في الكيان الصهيوني يُظهرون بجلاء مسؤولية إسرائيل التاريخية عن مأساتهم.‏

قامت إسرائيل بترحيلهم من قراهم ودمرت حوالي 80% من قرى شمال فلسطين. وصادرت أراضيهم، وأصبحوا في عداد اللاجئين داخل وطنهم وأقامت المستعمرات اليهودية على أراضيهم ضمن المخطط الصهيوني القائم على ترحيل العرب، وهجرة اليهود للحلول محلهم واستعمار الأرض وإقامة المستعمرات اليهودية عليها لإقامة دولة خالصة ليهود العالم.‏

وبالتالي شكلت قضية المهجَّرين داخل إسرائيل عن طريق الترحيل والاقتلاع ومصادرة القرى والأراضي وإقامة المستعمرات اليهودية قضية جديدة تضاف إلى نكبات ومآسي الشعب الفلسطيني. وتتحمل إسرائيل كامل المسؤولية عنها. وأصبح نضالهم ضد سياسية التمييز العنصري والاضطهاد القومي جزءاً لا يتجزأ من نضالهم من أجل حق العودة إلى ديارهم واستعادة أراضيهم المصادرة.‏

الشعب الفلسطيني وحق العودة‏

إن قضية اللاجئين الفلسطينيين قضية سياسية بالدرجة الأولى وتتعلق بتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير وحقه في العودة والتعويض، وهي قضية واحدة موحدة داخل فلسطين المحتلة عام 1948.. وفي الضفة والقطاع وبلدان الشتات.‏

ويرفض الشعب الفلسطيني وقوى حركة التحرر الوطني العربية تصفية قضية اللاجئين على أساس التوطين الذي يتناقض مع مصالح الشعب الفلسطيني الوطنية ويوّلد التناقضات والخلافات والتمييز بين اللاجئين وأوساط المواطنين في البلد الذي يقبل بالتوطين، مما قد يسبب القلاقل الداخلية بين الجاليات الفلسطينية والشعوب العربية كما حدث في لبنان والعراق وغيرها. لذلك تلتقي المصلحة المشتركة للتجمعات الفلسطينية وشعوب البلدان العربية في النضال ضد التوطين وتطبيق حق العودة والتعويض.‏

وعلى الرغم من المجازر الجماعية والحروب العدوانية والاغتيالات والتدمير والتجويع والحصار وعرقلة التنمية والتطور يصر الشعب الفلسطيني منذ أكثر من 57 عاماً على حقه في العودة والتعويض ورفض التوطين. وحق العودة إلى الديار والوطن حق تاريخي مقدس، لا يزول بتقادم الزمن، وينطلق من حرمة الملكية الخاصة للأرض والديار والمقدسات والوطن التي لا تزول بالاحتلال أو بتغيير السيادة على فلسطين. ويستمد حق العودة والتعويض قوته كحق غير قابل للتصرف من القانون الدولي ومن قرارات الشرعية الدولية: قرارات الجمعية العامة رقم 181 و194 و273 و302 وقرارات مجلس الأمن الدولي رقم 89 ورقم 93 ورقم 273، ومن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. فهو حق شخصي لا يسقط أبداً وربطته الأمم المتحدة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير عام 1969، لذلك فهو حق جماعي أيضاً. وأكدت عليه في القرار عام 1974 كحق غير قابل للتصرف، أي لا يسقط أبداً بتقادم الزمن.‏

إن اتفاقات الإذعان التي يمكن أن توقعها بعض الحكومات العربية استجابة للإملاءات الإسرائيلية ويتضمن إسقاط حق العودة باطلة قانوناً ومدانة أخلاقياً وخيانة وطنية وقومية ودينية.‏

إن مبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية والممارسات والعلاقات الدولية التي تكرست بعد القضاء على النازية تؤكد حق اللاجئ الفلسطيني في العودة والتعويض. وبالتالي له الحق في التعويض عن الخسائر المادية والمعنوية التي لحقت به جراء تهجيره من منزله ووطنه، مثل تدمير المنازل والبيارات وآبار المياه، والمعاناة والحرمان وفقدان كل ما يملكه من أغراض ومواد غذائية ومصادر رزق، وفقدان الجنسية والهوية وأواصر القرابة وذكريات الوطن والطفولة، واستغلال الأراضي والممتلكات لحوالي (60) سنة، ولممارسة الإرهاب والعنصرية والتمييز العنصري والإبادة وتدمير المنجزات والاغتيالات وتدمير الزراعة والصناعة مهما طال الزمن، ولن يسقط حقه أبداً، فالتعويض حق وليس منة، وليس فقط للأشخاص الذين يقررون عدم العودة وإنما لكل اللاجئين وطبقاً لمقاييس التعويضات التي أقرتها الأمم المتحدة للمتضررين من احتلال الكويت عام 1991 ودفعتها من أموال النفط العراقي. إن للاجئ الفلسطيني الحق في التعويض عن الخسائر المادية والروحية التي أنزلتها إسرائيل به، واللاجئ، الفلسطيني لن يبيع وطنه فلسطين وبيت المقدس لقاء حفنة من الدولارات النفطية التي ستدفعها دول النفط العربية والدول المانحة لمسح جريمة إسرائيل ومسؤوليتها التاريخية عن قضية اللاجئين. إن قبول التعويض عن الأراضي يعني إعطاء صك ملكية لإسرائيل بأن قضية فلسطين هي لجميع يهود العالم وليس للفلسطينيين. وبالتالي تسقط الحقوق الوطنية والقومية والإسلامية للفلسطينيين وللعرب وللمسلمين في القدس وبيت لحم وبقية الأراضي الفلسطينية.‏

ومن المؤلم حقاً أن بعض الدول العربية تسعى إلى التخلص من ديونها الخارجية بموافقتها على التنازل عن حق العودة والقبول بالتعويض لها وللسلطة الفلسطينية، حيث تطالب بعض الدول المضيفة للاجئين بتعويضات هائلة لقاء توطين اللاجئين.‏

أن التعويض حق شخصي للاجئ الفلسطيني لقاء الأضرار والخسائر المادية والنفسية التي لحقت به جراء قيام إسرائيل بترحيله، أما إذا أرادت الولايات المتحدة رشوة بعض الحكومات العربية للموافقة على التوطين فهذا شأنها، وعليها أن تدفع من خزينتها وليس من خزائن المال العربية والأوروبية وعلى حساب حق العودة.‏

إن التعويض هو عن الخسائر المادية والمعاناة المعنوية للاجئين وعن ممتلكاتهم وبياراتهم واستعادة أراضيهم، وليس لقاء بيع فلسطين والتنازل عن عروبتها إلى أبد الآبدين. وكل شيء غير ذلك فهو غير شرعي وغير قانوني وباطل.‏

إن توطين اللاجئين هو مصلحة وهدف إسرائيلي وتحقيق لإملاءات أمريكية بالتخلص من مشكلة اللاجئين أصحاب فلسطين الأصليين وسكانها الشرعيين ولتحويلها إلى دولة خالصة لجميع اليهود في العالم على حساب العروبة والإسلام. وإن حق العودة لا يرتبط فيما إذا كانت فلسطين مليئة أو فارغة، لأنه حق ثابت غير قابل للتصرف منذ الترحيل وحتى اليوم وغداً وبعد غد وإلى الأبد. واللاجئ هو أولى وأحق بالعودة إلى وطنه من المهاجر اليهودي الذي تستقدمه إسرائيل من روسيا والحبشة أو الهند. فالعودة ليست مقيدة بشيء فهي حق طبيعي، وليس على الفلسطينيين التخلي عنها والبقاء في المنفى لتنفيذ رغباتها ومخططاتها ولتكون دولة لجميع اليهود في العالم. فالموافقة العربية والدولية على يهودية إسرائيل وعلى التوطين يعطيها التفويض لترحيل عرب الأراضي المحتلة عام 1948 من إسرائيل وإبادتهم وتذويبهم ومسحهم من الوجود. فإسرائيل دولة عنصرية استعمارية وإرهابية تطبق التطهير العرقي بترحيل الفلسطينيين والاستيلاء على أرضهم ومقدساتهم وتهويديها ومسحهم من الوجود في وطنهم فلسطين.‏

انعقد في غزة بتاريخ 25/5/2005 المؤتمر الشعبي الثاني للدفاع عن حق العودة بحضور وفود من الفصائل السياسية واللجان الشعبية وجمعيات القرى والبلدات المهجرة وممثلين عن الاتحادات الشعبية والنقابات ومؤسسات رسمية وأهلية.‏

وجاء في الإعلان الختامي للمؤتمر ما يلي:‏

"يتبنى المؤتمر الوثيقة المقدمة إليه ويؤكد مجدداً التمسك بحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم التي شردوا منها طبقاً للقرار 194، ورفضه لأي مبادرات يمكن أن تمس هذا الحق أو أي تحوير لمفهوم حق العودة بما يعنيه من عودة تقتصر على أراضي السلطة الفلسطينية، أو اعتبار التعويض بديلاً للعودة."‏

وطالب الإعلان ببذل الجهود السياسية في المحافل الدولية لصون حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم طبقاً للقرار 194، والتصدي للمحاولات الإسرائيلية الساعية لتقويض هذا الحق.‏

وناشد القوى الشعبية والنقابية العربية تشكيل حركة شعبية عربية داعمة لحق العودة ومؤثرة في الموقف الرسمي العربي، وتعميق ثقافة العودة في المناهج الدراسية في البلدان العربية. لقد كانت المخيمات الفلسطينية المنبع الأساسي لمقاتلي المنظمات الفدائية ولجيش التحرير الفلسطيني ومؤسسات ودوائر ومكاتب منظمة التحرير الفلسطينية. وقدم فلسطينيو الخارج حوالي (40) ألف شهيد حتى تمكنت القيادة الفلسطينية من الدخول إلى غزة والضفة الغربية.‏

وتعمل القيادة الفلسطينية حالياً على تحقيق الترابط العضوي بين الداخل الفلسطيني والخارج الفلسطيني، وتفعيل دور الخارج الذي جرى تهميشه منذ توقيع اتفاق الإذعان في أوسلو وفصل الداخل عن الخارج وركّز فقط على الضفة الغربية وقطاع غزة.‏

إن الموافقة على قبول التعويض عن الأرض والممتلكات والتنازل عن حق العودة يعني التنازل عن كامل الحقوق السياسية والوطنية والقومية والإسلامية في فلسطين، ويسقط حق الأبناء وذريتهم بالمطالبة بأي حق في الديار والممتلكات، وتنتقل الملكية لجميع اليهود في العالم.‏

وقد أفتى علماء المسلمين أن الموافقة على التعويض عن الأرض والديار هو بيع للوقف الإسلامي، وبيع للوطن الفلسطيني المقدس وهو محرم القيام به.‏

إن قضية اللاجئين واغتصاب أراضيهم وممتلكاتهم وترحيلهم للسيطرة على المنطقة وإقامة "إسرائيل" العظمى هي جوهر القضية الوطنية للشعب الفلسطيني وعنوانها الرئيس أن لا حل للصراع ألاّ بعودة اللاجئين وإعادة الأرض والحقوق المغتصبة وتفكيك جميع المستعمرات اليهودية. فقضية اللاجئين هي التي فجّرتْ الصراع، وإن أي حل يتجاهل حقهم في العودة لن يقود أبداً إلى السلام العادل والشامل.‏

وأن قضية اللاجئين هي قضية شعب شرد من وطنه منذ أكثر من 57 عاماً باستخدام القوة العسكرية والمجازر الجماعية والحروب العدوانية، وهو يرفض التوطين والوطن البديل، وقضية سياسية بالدرجة الأولى وإنسانية بالدرجة الثانية.‏

إن قرارات الشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي لها صفة إلزامية لإسرائيل أكثر من أي دولة أخرى في العالم، لأنها استندت في تأسيسها إلى قرارات الأمم المتحدة. فالأمم المتحدة هي التي خلقت إسرائيل، وبالتالي فإنها ملزمة أكثر من غيرها في تنفيذ قراراتها، لأنها اعتمدت في تأسيسها على هذه القرارات، ولأنها تعهدت للأمم المتحدة بتنفيذ القرارين 181 و194.‏

إن اللاجئين لم يتركوا وطنهم بمحض إرادتهم أو بتحريض من الدول العربية، أو لأن إسرائيل كانت في حالة الدفاع المشروع عن النفس كما تزعم وإنما اغتصبت فلسطين العربية ورحلتْ سكانها لاستقبال المهاجرين اليهود لإقامة دولة يهودية عنصرية خالصة. وتعتبر عملية تهجير الشعب الفلسطيني وترحيله من وطنه عملية تطهير عرقي وجريمة حرب بحسب القانون الدولي ولا تسقط بتقادم الزمن.‏

إننا مصرون على حقنا في العودة لأنه حق سياسي ووطني وقانوني تؤكده مبادئ وقرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي. فالشعب الفلسطيني لم ولن يسلم أبداً بالاحتلال وباغتصاب أرضه وحقوقه ومقدساته. ويصر على إجبار إسرائيل تحمل المسؤولية التاريخية عن نكبته ومحاسبتها ومعاقبتها بموجب القانون الدولي مهما طال الزمن.‏

إن إسرائيل تتحمل المسؤولية التاريخية والسياسية والقانونية والأخلاقية عن المآسي والويلات والترحيل والتشريد والقتل والتدمير والإرهاب والعنصرية والإبادة التي مارستها وتمارسها بحق الشعب العربي الفلسطيني، وتتحمل مسؤولية نشوء مشكلة اللاجئين وعدم حلها حتى اليوم. ويتحمل المجتمع الدولي وبالتحديد الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية مسؤولية عدم تنفيذ القرار 194 واستمرار معاناة وعذابات وويلات ومصائب اللاجئين في مخيماتهم وأماكن تواجدهم، لازدواجية المعايير داخل مجلس الأمن وعدم الضغط على إسرائيل لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ووضع "إسرائيل" فوق القانون الدولي، فوق مبادئ وقرارات الشرعية الدولية.‏

وينظر الشعب الفلسطيني إلى قضية اللاجئين كقضية سياسية بالدرجة الأولى، لذلك أسس منظمة التحرير الفلسطيني في القدس عام 1964 والعديد من الفصائل الفلسطينية وصلت إلى 13 فصيلاً، ويصر على تنفيذ حقه في العودة إلى وطنه مهما طال الزمن وغلا الثمن.‏

(1) جريدة العرب اليوم 3/7/2002.‏

(2) نيويورك تايمس في 3/2/2002.‏

(3) اللاجئون الفلسطينيون جوهر الصراع وعقدة التسوية، مركز دراسات الغد العربي، دمشق 2003، ص 96، صابر محي الدين.‏

(4) الحياة في 29/2/2002.‏

(5) هآرتس في 21/6/2002.‏

(6) صابر محي الدين؛ اللاجئون الفلسطينيون جوهر الصراع وعقدة التسوية، مرجع سابق ص 98.‏

(7) المصدر السابق ص 102 ـ 103.‏

(8) صابر محي الدين، اللاجئون الفلسطينيون جوهر الصراع وعقدة التسوية، مصدر سابق ص 105.‏

(9) نيويورك تايمس في 17/10/2001.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244