مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 24 السنة الثامنة 2006
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الموقف الدولي ومشكلة تثبيت حق العودة ـــ د.محمد الجبر

لا ريب أن مسألة اللاجئين إنما هي مسألة قديمة حسب سياقها التاريخي, ذلك لأنها لازمت الاضطهاد والتعذيب والقهر الذي كان يمارسه الإنسان ضد أخيه الإنسان منذ العصور السابقة, إلا أنها تفاقمت وزادت حدتها في عالمنا الراهن الذي عانى ويعاني الأهوال والويلات من جراء الحروب والنزاعات لاسيما في منطقة الشرق الأوسط ومنها الشعب الفلسطيني, وترتب على ذلك إيجاد الكثير من اللاجئين الذين يطلبون ملجأ ومكاناً آمناً, إما داخل نطاق وطنهم, وإما لدى الدول أو الأوطان المجاورة.‏

وتأتي مسألة هجرة الشعب الفلسطيني من وطنه أو تهجيره منه, في السياق التاريخي له, نموذجاً لهذا البحث الذي نحن بصدده لأن هناك اصطناعاً لكيان سياسي دخيل يساهم في إلغاء الكيان الأصلي, ولعل من أخطر القضايا المترتبة على اغتصاب فلسطين وما نشأ عنها من نزاعات مسلحة, وما سيؤول إليه مستقبل فلسطين أرضاً وشعباً وهوية, هي مشكلة تثبيت حق اللاجئين في العودة, إذ بين بقائهم خارج الوطن وعودتهم إليه يتحدد المستقبل السياسي للوجود الصهيوني الطارىء أو متابعة أحقية الشعب الفلسطيني لحياته السياسية في وطنه الأم, وبالتالي محاولة استعادة حقه القانوني في هذه البقعة الجغرافية من الوطن العربي الكبير, ومن هذا السياق يأتي إعطاء مسألة اللجوء الفلسطيني, الأهمية التي تستحقها هذه القضية بما تحمله من تأثير مباشر يتعدى حدود فلسطين إلى ملامسة أمن المنطقة العربية كلها, وفي هذا الإطار نحاول بيان مفهوم اللاجئين ثم توضيح الموقف الدولي حيال مشكلة اللاجئين وحقهم في العودة.‏

ـ مفهوم اللاجئين:‏

ثمة تعريفات عديدة لهذا المفهوم منها ما كانت قد عرفته اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين 1950 بما يلي: هم الذين لا يتمتعون في الواقع بحماية أية حكومة, وكذلك هناك تعريف آخر يتمثل في أنه كل شخص يوجد نتيجة أحداث وقعت قبل(1) كانون الثاني 1951, وبسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته, أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية,خارج بلد جنسيته, ولا يستطيع أو لا يرغب بسبب ذلك الخوف أن يستظل بحماية هذا البلد(2).‏

إذا عدنا إلى الفكر الصهيوني وما حمله من أفكار إرهابية يراد منها تهجير العرب الفلسطينيين من وطنهم إلى أوطان أخرى فسوف نجد قول تيودور هرتزل بهذا الصدد منسجماً تمام الانسجام مع هذا الفكر ومفاده:‏

"إننا سنحاول إجلاء السكان المعدمين خارج الحدود بتوفير العمل لهم في البلدان التي يعبرون إليها, مع حرمانهم من العمل في بلدنا نحن, ويجب أن تتم عملية نزع الملكية وإبعاد الفقراء بتكتم واحتراس"(3) ولعل من أبشع وأقسى حالات الإرهاب التي تعرض لها الشعب الفلسطيني ودفعته إلى الهجرة مع بداية إنشاء الكيان الصهيوني, هي مذبحة دير ياسين في نيسان 1948, ومنذ ذلك الوقت بدأ تشريد العدد الأكبر من العرب الذين كانوا بموجب قرار التقسيم ضمن الدولة العبرية، وبهذا كان نزوح أو لجوء عرب فلسطين ناجماً عن الذعر والإرهاب الذي نشأ عن القتال في أماكن تجمعهم وعندما أخفق قرار التقسيم في إنشاء دولتين ولم يحقق نجاحاً في تسوية المشكلة, بدأ الموفد الدولي يتحرك بوصفه وسيطاً دولياً ومسؤولاً, وكان من مهامه محاولة الحصول من إسرائيل على الاعتراف بحق الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم وهو واحد من أول أولوياته, الذي أشار إلى أنه كان منذ البداية يؤكد على حق اللاجئين في العودة إلى وطنهم, وعدّ مبدأ العودة حقاً سليماً ومشروعاً, بينما كان الخطر على الأمن اليهودي ضعيفاً ومن الأفكار المقترحة هي:‏

1 ـ عدم المساس بمسألة الحق النهائي في عودة جميع اللاجئين العرب إلى ديارهم في فلسطين الواقعة تحت السيطرة اليهودية إذا رغبوا في ذلك, وأن يتم قبول عدد محدود في البداية بالتشاور مع الوسيط وتيسير عودتهم إلى ديارهم بدءاً من 15 آب 1948.‏

2 ـ يمكن التمييز بين الذين يودون العودة فيما إذا كانوا من الرجال الذين هم في سن الخدمة العسكرية والأشخاص الآخرين مراعاة لإجراءات أمنية.‏

3 ـ يضطلع الوسيط بمهمة المساعدة التي تسديها المنظمات والوكالات الدولية ذات الصلة في مجال إعادة توطين اللاجئين العائدين وإعادة تأهيلهم اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. وقد رفضت إسرائيل ذلك محتجة بأنه لا يمكن للحكومة المؤقتة أن تنظر في هذه المشكلة إلا حين تكون الدول العربية مستعدة لعقد معاهدة صلح مع دولة إسرائيل.‏

بيد أن الموقف الدولي أصر على وجوب تثبيت الأمم المتحدة لحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم في أبكر وقت ممكن عملياً, لأنه ليس من المعلوم ما سوف تكون عليه سياسة حكومة إسرائيل المؤقتة بشأن عودة اللاجئين حين يتم التوصل إلى الشروط النهائية للتسوية, غير أنه مما لا يمكن نكرانه أن أية تسوية لا يمكن أن تكون عادلة وكاملة إذا لم يتم الاعتراف بحق اللاجئين في العودة إلى الديار التي خرجوا منها بسبب مخاطر النزاع المسلح بين العرب واليهود في فلسطين.‏

لقد أتى معظم هؤلاء اللاجئين من أرض كان من المقرر بمقتضى قرار التقسيم أن تشملها الدولة اليهودية, وكان نزوح اللاجئين نتيجة الفزع الذي أثاره نشوب القتال في مدنهم وقراهم وما صحب ذلك من أعمال إرهاب وعمليات طرد, وأنه ستكون هناك إساءة إلى مبادىء العدالة إذا ما أنكر على هذه الضحايا البريئة لنزع حق العودة إلى ديارهم في حين يتدفق المهاجرون اليهود على فلسطين, هو يهدد على الأقل بالتشريد الدائم للاجئين العرب الذين استقرت جذورهم في هذه الأرض طيلة قرون من الزمن.‏

ويتابع الموفد الدولي في تقريره فيقول: "لقد وصلت تقارير عدة من مصادر موثوق بها عن وقوع عمليات سلب ونهب واختلاس واسعة النطاق, وحالات كانت تدمر فيها قرى دون ضرورة عسكرية, وحكومة إسرائيل المؤقتة مسؤولة عن إعادة الممتلكات الخاصة إلى أصحابها وتعويضهم عن الممتلكات التي دمرت باستهتار, وأن حق الناس الأبرياء الذين اجتثهم الإرهاب وأهوال الحرب من ديارهم في العودة إليها, أمر يجب تأكيده وإعماله مع كفالة دفع تعويض كاف عن ممتلكات الذين يختارون عدم العودة... وينبغي على الأمم المتحدة أن تؤكد حق اللاجئين العرب ممن يقيمون في الأراضي الواقعة تحت السيطرة اليهودية في العودة إلى ديارهم كما ينبغي للجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة أن تقوم بالإشراف والمساعدة في إعادتهم إلى وطنهم وتأهيلهم اقتصادياً واجتماعياً"(4) وفيما يتعلق بقرار التقسيم عن فكرة إنشاء دولتين, نرى بأنه لم يحقق نجاحاً في محاولة تسوية حق العودة لذا حاولت الأمم المتحدة أن تعطي إلى الكونت برناوت بوصفه وسيطاً دولياً في حل تلك المشكلة, غير أن مهمة وساطة برنادوت انتهت باغتياله على أيدي اليهود, بيد أن الجمعية العامة للأمم المتحدة قبلت توصياته بأن ثبتت رسمياً حق الفلسطينيين في العودة.‏

من ثم فإن قرار التقسيم, وإن خلا من الإشارة إلى حق العودة بسبب خطة التقسيم التي صدرت على نحو يمكن معه تفادي أسباب الهجرة واللجوء, إلا أن القرار لا يزال يوفر سلطة قانونية مقترنة بالقيود على السلطة الممنوحة للدولتين المفترض إقامتهما في فلسطين, هي من الناحية الفعلية تخص حكومة إسرائيل وحدها بسبب عدم قيام الحكومة العربية التي أشار إليها قرار التقسيم, وإن رفض إسرائيل تنفيذ التزاماتها القانونية بخصوص العودة لا يلغي هذا الحق, لأن مشروعية القانون وصحته لا تتوقف على تنفيذه مهما تقادم الزمن, وإن القرارات اللاحقة التي تعترف بالفلسطينيين شعباً له حقوقه الوطنية تتماشى مع قرارات التقسيم وقيام دولتين في فلسطين, لكن ماذا عن موقف الأمم المتحدة؟‏

موقف الأمم المتحدة من حق العودة للاجئين:‏

نجد بأن هذا الموقف يتمحور حول فكرة حق العودة استناداً إلى مشروع قرار قدمته بريطانيا إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة, اتخذت الجمعية حينذاك في 11 كانون الأول 1948 القرار 194 "مادة 3" المعنون "فلسطين ـ التقرير المرحلي لوسيط الأمم المتحدة" وكان هذا القرار محاولة شاملة لمعالجة حالة النزاع الدائر في فلسطين, واشتمل على خمس عشرة فقرة, وقد أنشأ القرار لجنة توفيق خاصة بفلسطين تتألف من ثلاث دول أعضاء في الأمم المتحدة هي تركيا وفرنسا والولايات المتحدة, وقد باشرت عملها في كانون الثاني 1949, وبعد أن اختير رالف بانش وسيطاً خلفاً لبرنادوت, الذي اغتاله اليهود بسبب تقريره المنصف الذي رفعه إلى الجمعية العامة, خولت اللجنة سلطة واسعة للاضطلاع بالمهام التي كانت موكلة في السابق لوسيط الأمم المتحدة, وأوعز إليها بمساعدة الحكومات والسلطات المعنية بالنزاع الفلسطيني بقصد إحراز تسوية نهائية لجميع المسائل المعلقة بينها, وفي سياق هذا الدور الدبلوماسي والتفاوضي الذي عهد به إلى لجنة التوفيق, تناولت الفقرة (11) من القرار قضية اللاجئين بإعلانها أن الجمعية العامة: "تقرر وجوب السماح للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم, والعيش بسلام مع جيرانهم, بأن يفعلوا ذلك في أقرب وقت ممكن عملياً, ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذي يقررون عدم العودة عن كل فقدان أو ضرر يصيب الممتلكات, ويتعين بمقتضى مبادىء القانون الدولي وعملاً بروح الإنصاف على الحكومات أو السلطات المسؤولة التعويض عنه, وتوعز إلى لجنة التوفيق تسهيل إعادة اللاجئين الفلسطينيين, ومن خلاله مع الأجهزة والوكالات المناسبة في الأمم المتحدة"(5).‏

ويبدو أن نص الفقرة (11) قد صيغ على افتراض أن مبدأ العودة أو الحق في العودة لم يكن موضوع جدال, وأن المهمة الرئيسية هي تحقيق التنفيذ العملي للإعادة إلى الوطن, ولذلك فقد أذن القرار للجنة التوفيق بمعالجة الموضوع مع حكومة إسرائيل, وكان واضحاً أن الصياغة التوفيقية للقرار كله تقوم على افتراض أن حكومة إسرائيل ستتعاون بحسن نية مع لجنة التوفيق, وأن تتخذ التدابير الممكنة كافة للمساعدة في تطبيق هذا القرار, وقد ثبت فيما بعد أن جهود لجنة التوفيق, مثلها في ذلك مثل جهود وسيط الأمم المتحدة التي سبقتها, كانت فاشلة ولم تؤد إلى إعمال حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة, وتنص الفقرة (11) على نقطتين محددتين فيما يتعلق بإعمال الحق في العودة:‏

الأولى: إن للاجئين أنفسهم الحق في أن يختاروا العودة أو عدم العودة إلى ديارهم داخل الحدود الفعلية لإسرائيل.‏

أما الثانية: فتقوم على أنه يجب تعويض اللاجئين عن فقدان ممتلكاتهم أو عن الضرر اللاحق بها سواء اختاروا أن يعودوا أم لا.‏

وإن اشتراط أن يكون اللاجئون الراغبون في العودة على استعداد أيضاً للعيش بسلام مع جيرانهم, ينبغي أن يفسر بوصفه طمأنة لحكومة إسرائيل, بأنها لن تواجه مشكلة أمن داخلي بعد عودة اللاجئين, ويتماشى الشرط الإضافي بوجوب تنفيذ العودة "في أقرب وقت ممكن عملياً" مع النهج القاضي بأن تستخدم لجنة التوفيق الجهود الدبلوماسية وجهود الوساطة لتأمين التزام إسرائيل بأحكام القرار, وقد فسّرت لجنة التوفيق الخاصة بفلسطين الفقرة (11) تفسيراً دقيقاً: "لقد أرست الجمعية العامة مبدأ حق اللاجئين في ممارسة اختيار حر, بين العودة إلى ديارهم مع التعويض عن فقدان ممتلكاتهم أو عن الضرر اللاحق بها من جهة, وبين عدم العودة إلى ديارهم مع تعويضهم بصورة مناسبة عن قيمة الممتلكات التي خلفوها"(6). وبهذا السياق نجد بأن القرار 194 قد أصبح أساساً لجميع القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بخصوص قضية اللاجئين, إذ ما من قرار صادر عن الجمعية العامة بعد ذلك, إلا وأشار صراحة إليه, حتى لقد أصبح معتاداً أن نرى الجمعية العامة في كل دورة من دورات انعقادها, تصدر قراراً تؤكد فيه حق الشعب الفلسطيني في العودة, وتعويض من لم يرغب منهم بذلك, مشيرة بذلك إلى هذا القرار بشكل خاص.‏

أما موقف مجلس الأمن فقد كان ثانوياً في معالجة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وإن عدم إيلاء مجلس الأمن هذا الموضوع الأهمية التي أولتها إياه الجمعية العامة, لا يفسر بحال من الأحوال عناية الجهاز التنفيذي الأهم والمعني في الأمم المتحدة بقضايا السلم والأمن الدوليين, وأن مشكلة اللاجئين لا تشكل خطورة على السلم والأمن الدوليين, لأن موضوع فلسطين بصفة عامة بدأ مع الجمعية العامة وأن ما أصدرته الجمعية العامة بخصوص القضية إما أن يكون كله مشروعاً وملزماً وواجب التنفيذ أو لا يكون كذلك.‏

فإذا كان قرار التقسيم 181 "مادة ـ 2" في 1947 ملزماً وليس مجرد توصية, وهو أساس وجود الكيان الصهيوني في فلسطين, فلماذا لا تكون عشرات القرارات التالية الصادرة عنها ملزمة كذلك بخصوص عودة اللاجئين إلى وطنهم وتعويضهم عن سني التشريد والحرمان والفاقة مع ما سلب من ممتلكاتهم, وهي اعتداءات تجاوزت آثارها الأضرار المادية إلى الامتهان الشخصي والمعنوي لكرامة الإنسان وآدميته البشرية؟‏

ومن ثم فإن الفقه والعمل الدوليين اللذين استلهمتهما عشرات القرارات الصادرة عن الجمعية العامة, وبضع قرارات صادرة عن مجلس الأمن بخصوص هذه المسألة, لا يقر أن زعم إسرائيل بضرورة الربط بين مشكلة اللاجئين والمسائل الأخرى الناجمة عن النزاع والاحتلال ذلك لأن مسؤولية الموقف الدولي بخصوص رعاية اللاجئين وحمايتهم, والإقرار بوجوب عودتهم والعمل على ذلك, وإلزام الجهة التي تقع عليها المسؤولية الدولية بتنفيذ التزاماتها, مسألة مستقلة كل الاستقلال عن المشكلات الأخرى من حيث التكييف القانوني, حتى وإن كانت جميعها ناشئة عن ويلات الحرب وبوصفها من آثارها, وهي من الأمور التي لا تقبل التأجيل والانتظار حتى تتم التسوية النهائية لجميع الآثار المترتبة على النزاع المسلح, ولا يخفى على أي مستقرىء لوقائع القضية الفلسطينية وتطوراتها أن موقف إسرائيل هذا لا يعني إلا شيئاً واحداً, وهو إفراغ الأرض من سكانها بعد الاستيلاء عليها وضمها وذلك بالتهجير والتشريد الناجمين عن ممارسة الإرهاب وإشاعة الفزع بين السكان, وهو ما أفصح عنه موشي دايان إثر حرب 1967, حينما سئل عن قدرة إسرائيل على استيعاب سكان الأرض المحتلة, فأبدى مخاوفه من تغيير طابع الدولة إذا ما غلب عليها العنصر العربي الفلسطيني, وذلك بقوله: "إنني أعتقد أن ذلك لا يتفق مع أهدافنا في المستقبل لأن سيحوّل إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية, أو إلى دولة ذات أعداد كبيرة من العرب بدلاً من دولة يهودية, إننا نستطيع استيعابهم اقتصادياً ولكن طابع البلد سيختلف بعد ذلك"(7).‏

إن هذه الدعوة تخفي تحت ثوبها روح الفكرة الصهيونية القائمة على التمييز والفصل العنصريين, والتي تشكل الإطار العقيدي لإسرائيل وعلى أساسها قام سلوكها السياسي, وبدلاً من ذلك كان عليها أن تمارس اختصاصات "سلطة احتلال", لكون الاحتلال حالة فعلية مؤقتة وليس وضعاً قانونياً دائماً, وأن سلطة الاحتلال مكلفة بالحفاظ على أوضاع الأراضي المحتلة كما هي, بما في ذلك التوزيع الديموجرافي للسكان والحيلولة دن تغييره, وهي مكلفة أيضاً بتطبيق القانون الذي كان سائداً قبل الاحتلال, وبدلاً من ذلك فإن إسرائيل باشرت بإنشاء مستوطنات لمن تستقدمهم من اليهود الجدد المهاجرين إليها, ولطالما مارس هؤلاء المستوطنون وسائل الضغط والإرهاب والتخويف لتحقيق مزيد من هجرة السكان الأصليين وإبعادهم عن وطنهم.‏

إن إفراغ الأرض من السكان هي سياسة إسرائيلية اقتضتها من قبل عملية ترسيخ وجود كيان صهيوني في فلسطين, واقتضتها من بعد عملية توسيع هذا الكيان, ولم تتنكر إسرائيل لقرارات الأمم المتحدة بخصوص عودة اللاجئين فحسب, بل على النقيض من ذلك فقد أصدرت تشريعات لحماية من يمكنه دخول إسرائيل والبقاء فيها وقد أسمته بالفعل "قانون العودة", ولكنه لا يمكن غير اليهود من ممارسة هذا الحق, وقد بدأ نفاذه في عام 1950 ونص على ما يأتي:‏

(لكل يهودي الحق في المجيء إلى هذا البلد بوصفه "عائداً").‏

(أ) تكون العودة بمقتضى تأشيرة سفر عائد.‏

(ب) تمنح تأشيرة عائد لكل يهودي أعرب عن رغبته في الإقامة في إسرائيل, ما لم يكن وزير الهجرة على اقتناع بأن طالب التأشيرة يقوم بنشاط موجه ضد الشعب اليهودي, أو يشكل خطراً على الصحة العامة أو أمن الدولة....‏

إن إسرائيل بعملها هذا لا تخالف الأحكام والقواعد العامة والخاصة التي ترسخت فقهاً وعملاً في القانون الدولي بخصوص قضية اللاجئين والالتزام بقبول عودتهم وتيسيرها فحسب, بل هي مخالفة لعشرات القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة بهذا الشأن أيضاً, وهي إذ تتنكر لهذا كله فإنها تتنكر لأساس وجودها ككيان سياسي وشروط قبولها في عضوية المجتمع الدولي.‏

لذا فإن أي إنكار لحق العودة أو تقاعس في المساعدة على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين, لا يعد عدواناً على حقوق الإنسان وحرياته الأساسية فحسب, بل هو عدوان على حقوق الشعب الفلسطيني بمجموعه, وإن الموقف الدولي والأمم المتحدة بتأكيدهما هذا الحق من خلال عشرات القرارات, لا تحمي الحقوق الفردية الإنسانية فحسب, بل تؤدي التزاماً دولياً أخذته على نفسها تجاه شعوب العالم كافة بقولها: "نحن شعوب الأمم المتحدة, وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب...", ومن أهم ويلات الحرب التي تعرض لها الشعب الفلسطيني بعد اغتصاب أرضه, هو تشريده وتهجيره ومنعه من العودة إلى وطنه.‏

وبالتالي يكون سلاح المقاومة هو الحق المشروع تاريخياً متعاضداً مع الموقف الدولي في فترتنا الراهنة لأجل عودة اللاجئين إلى ديارهم المسلوبة إذا ما استجابت إسرائيل لقرارات الموقف الدولي.‏

(1) انظر برهان أمر الله: النظرية العامة لحق الملجأ, القاهرة, ص94.‏

(2) حازم جمعة: مفهوم اللاجئين في المعاهدات الدولية والإقليمية, ندوة الحماية الدولية للاجئين, مركز البحوث والدراسات السياسية, جامعة القارة, 1996, ص20 ـ 21.‏

(3) Herzel, T. The Complete Diaries, N. Y. Hersel Press, 1969 Vol. 1, P. 88.‏

(4) نقلاً عن حافظ العلوي: الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين, ندوة الحماية الدولية للاجئين, مركز البحوث والدراسات السياسية, جامعة القاهرة, 1996, ص180.‏

(5) أبو الخير عطية: الحماية القانونية للاجىء, دار النهضة العربية, 1997, ص65.‏

(6) انظر حافظ علوي, الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين, ص35.‏

(7) نقلاً عن أشراف الشرقاوي, مختارات إسيرائيلية, العدد 117, 2004, ص15.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244