|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
الإمكانات الواقعية لحق العودة دراسة في التحديات ـــ رشيد قويدر ثمة منظور يمكن من خلاله مقاربة الإمكانات الواقعية لحق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وهو لا يعبر فقط عن الخط البياني لحركة صاعدة فحسب، بل جملة من المعطيات الذاتية لهذه الحركة وتأثيرها وفعاليتها، مع المعطيات المحيطة بها على مختلف الأصعدة، لاسيما تلك المؤثرة في الاتجاه العام. لقد انطلقت حركات الدفاع عن حق العودة، في فلسطين والشتات، في أعقاب اتفاق أوسلو بما أنتجه من إساءة وإضعاف للإطار القانوني الخاص بحق العودة، باعتباره حقاً تاريخياً من حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة وغير القابلة للتصرف، فانطلقت مبادرات شعبية في فلسطين وأقطار اللجوء والجاليات، تحولت إلى حركة شعبية اعتراضية لمواجهة كافة أشكال المساومات على حق العودة، وتمكنت أيضاً رغم معاناتها من جهة أخرى، من التصدي لورشات العمل المتعددة، التي تبنتها جامعات أو مراكز أبحاث على امتداد دول أوربا وأميركا الشمالية، شارك فيها أكاديميون وسياسيون، ممن يرتبطون بشكل أو بآخر بعملية المفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية، إثر تعثرها في السقف المرسوم لها في أوسلو، وفي محاولة لاستعادة مناخه وبيئته، برزت هنا على سبيل المثال "وثيقة جنيف ـ البحر الميت"، فحق السؤال بشأنها إلامَ تهدف؟ ومن تخدم ولماذا؟ وعلى السياق ذاته بالوصف والاستهداف، ما جرى بين سري نسيبة وعامي إيلون (رئيس الاستخبارات الإسرائيلية شين بيت حينها) في الوثيقة النهائية التي استكملت في 27 تموز (يوليو) 2002، ففي نصها "المجتمع الدولي، إسرائيل والدولة الفلسطينية، يقيمون ويدعمون صندوقاً دولياً يعوض اللاجئين الفلسطينيين. يعود اللاجئون الفلسطينيون إلى الدولة الفلسطينية فقط، ويعود اليهود إلى دولة إسرائيل فقط، هؤلاء الذين يريدون البقاء في أماكنهم يحصلون على مساعدة وتعويض دولي، أو مساعدة في الهجرة إلى دولة ثالثة"، أما الوثيقة فمكتوبة بلغات ثلاث: الإنكليزية والعربية والعبرية. وقد خرجت إلى النور بعد أن قدمها نسيبة إلى شخصية فلسطينية، طالباً الإشارة عليها بالموافقة أو عدمها في بندها المتعلق باللاجئين الفلسطينيين وحق العودة، وبعدها أخذت تظهر في الصحف مقالات "تبريرية" وتعليقات. ويبرز القياس على نجاعة الحركة الشعبية لحق العودة، أنها تمكنت من التصدي أيضاً لمحاولات ابتسارها، ومن خلال موقعها للمسار العام للمقاومة، وتضفير جزئياتها ومدلولاتها وفقاً لمقياس معياري، يعبر عنه في كونها صلب القضية الفلسطينية وأساسها، والمقياس بمدى الاقتراب والابتعاد عن الأهداف العليا للنضال الوطني والقومي بالمعنى التاريخي، أي من خلال المنظور الاستراتيجي الأشمل، في وجه المداولات المطروحة إقليمياً ودولياً على حساب هذه القضية، والتي هي ليست سوى منتجات أميركية ـ إسرائيلية، وفي نزوعهما المشترك إلى إعادة تشكيل المحيط الإقليمي العربي، و"الشرق أوسطي الكبير" برمته، خاصةً بعد الاحتلال الأميركي للعراق، واقتراب المسافة الجيوستراتيجية بين الشريكين. في إطار هذا المناخ واستناداً إليه، مضت واشنطن في محاولة وسم المقاومة والمطالبة بالحقوق بـ "الإرهاب"، فشكلت الحركة الشعبية الفلسطينية للاجئين في كل مواقعها وبدءاً من فلسطين، عنصراً فارقاً في التحولات، فهي معززة بالقانون الدولي، "اللاجئون الفلسطينيون وحق العودة بموجبات القانون الدولي" وبقوى المجتمع المدني الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والقرارات الدولية ذات الصلة بقضية اللاجئين، فهي حركة استنهاضية في صياغة خطابها السياسي الحقوقي، ليس فقط بالتذكير بالفارق بين الإرهاب والمقاومة المشروعة، وبأن الولايات المتحدة وإسرائيل ومن يتبعهما، يتعمدون الخلط بين هذين المفهومين، وفي الوقت الذي يرفضون به تبيان حقيقة مفهوم الإرهاب على أرضية قانونية وفكرية، عبر مؤتمر دولي متخصص، وفق ما دعت له سورية ومصر وروسيا وقوى دولية أخرى. وفي السياق ذاته، فإن واشنطن لم تمارس نشاطاً حقيقياً، حتى على مسار التسوية وفق ما يعرف بـ "رؤية بوش للدولتين الإسرائيلية والفلسطينية، وخارطة الطريق"، والتي حولتها السياسات العملية لإدارة بوش إلى مجرد إعلانات مفرغة من مضمونها، بل بلغ الانحياز ذروته لإسرائيل بصدور ما يعرف بـ "وعد بوش" في 14 نيسان (إبريل) 2004، الذي تضمن موافقة واشنطن على ضم إسرائيل للكتل الاستيطانية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، واعتراضها المتشدد على "حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم": تحت دعوى الإقرار بما يسمى بـ "الحقائق الجديدة"، وهو أمر يشير إلى سقف التسوية النهائية المرسوم أميركياً للقضية الفلسطينية، لكن حركة شعبية تهدف العودة إلى وطنها وديارها، لا يمكن لأحد أن يسبغ عليها صفة "الإرهاب". ويستتبع ذلك دحض ازدواج المعايير والكيل بمكيالين، على سبيل المثال، فإن فتوى محكمة العدل الدولية، أكدت حقيقة تجافي أي ادعاء بشأن عدم مشروعية الجدار العنصري في الأراضي الفلسطينية عام 1967، وتأكيدها لخضوع هذه الأراضي للاحتلال الإسرائيلي، وليس للتنازع عليها بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أي ضمن مستندات مشروعية المقاومة وميَّزتها عن الإرهاب، ولقي قرار المحكمة ترحيباً عارماً في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، فما بالك بالوضع القانوني لقضية اللاجئين وما زال يلقى الرعاية الحقوقية من المجتمع الدولي. من خلال قرار سنوي تصدره الجمعية العامة للأمم المتحدة يؤكد قراراتها السابقة الخاصة بالشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها القرار 194. لقد مُنيت بالفشل العملية السياسية والتفاوضية التي انطلقت من أوسلو وما تلاها، لأنها لم تستطع تقديم حل يحترم حق العودة للاجئين الفلسطينيين؛ عملاً بقرار الشرعية الدولية الرقم 194 وغيره من القرارات ذات الصلة. فبعد نصف قرن ويزيد من الحروب والتشرد والمنافي والمعاناة؛ لن يتخلى اللاجئون عن تصميمهم في العودة إلى وطنهم وديارهم. كما أنهم لن يختفوا عن الخارطة السياسية في وترها الأساس في المنطقة، حيث فشلت سياسات التوطين والتذويب. ولن يكون هناك تسوية فعلية في منطقة الشرق الأوسط دون عودة اللاجئين إلى الديار نفسها التي طردوا منها. وكلمة "العودة" على شرعيتها تزداد ترسخاً على مر الأجيال الفلسطينية اللاجئة وبشكل متزايد... وحق العودة، هو أكثر حقوق الإنسان مبدئية؛ ألا وهو حقه في العيش في وطنه. كما أن اللجوء الفلسطيني ذو خصوصية عميقة لاعتبارات عديدة؛ منها أن 88% من اللاجئين ما يزالون يعيشون في حدود فلسطين التاريخية، وفي طوق حولها حيث كثافتهم بما لا يتجاوز عرضه 100 ميل. وهم يعلنون رفضهم التوطين بكل مشاريعه وسيناريوهاته ويلتقون بذلك مع ما "تعلنه" دول عربية من أنها لن تقبل توطينهم، هناك الآن من يدعو إلى كسر المحرمات وتجاوز قرارات الشرعية الدولية وخاصة القرار 194. كثير من هذه الدعوات انطلقت باسم "العقلانية والواقع" وبأن حق العودة بات حلماً طوباوياً. أما الأسباب فبالإضافة إلى الممانعة الصهيونية؛ لأن الديار الفلسطينية أضحت مليئة بالمهاجرين اليهود، وأن عودة اللاجئين ستفوض "الاستقرار في إسرائيل". ومثل هذه التبريرات والمنطلقات المعلبة مسبقاً أخذت حيزاً في الصحافة، ثم بدأت مرحلة تزوير الرأي، وسبق أن شاهدنا نماذجها المختلفة في مقالات وأبحاث معدة في الغرب.. كم هو بائس ومسكين هذا المنطق المغرض في "العقلانية" والتاريخ على حد سواء، بالإضافة إلى كونه مغرضاً فإنه يغلف سياسات رسمية ما، ويواكبها ويحاول تسويقها، فهو مشوش وتعيس وكريه، لأن التملق ينتقل من سطر إلى سطر، ومن سياسة ما فلسطينية رسمية، إلى الطبقات الصهيونية الحاكمة في إسرائيل ودون حياء أو خجل وإن بدا خافتاً، ونحن لا نكتشف حقائق مزعجة ونفرضها ونلبسها على وعيهم. وبعض هذه الدراسات تنتهي بالخلاصات الإسرائيلية حول "الزيادة السكانية السريعة في حال عودة اللاجئين إلى ديارهم"، وتبرير الرفض الصهيوني، فالزيادة السكانية لم تعد نعمة من السماء بقدر ما هي نقمة على سعادة الصهيونية.. والأمر يثير الشفقة..! في الاستدلال المنطقي، ومعنا تركة فلسطينية كبيرة رست بخلاصات مبدئية، كناية عن خبرة ثلاثة عقود ونصف من النقاش والمساجلة النظرية والعملية، حول اللاجئين وحق العودة للاجئين الفلسطينيين، ندخل الآن في الأحوال الاقتصادية، والطبقات العاملة التي لا يمكن الآن تحسين وضعها إلا بالحد والمنع لحق العودة، بداية الأفكار "السديدة" في موضوعة الأجور والفقر الشامل، وهي تنمية للداروينية الصهيونية، تضيف عليها الآن مالتوسية المنهج حول "موارد فلسطين" وقدراتها الاستيعابية كالأرض والمياه والمقدرات، فحق العودة زيادة في السكان، والذين هم أصحاب البلاد الأصليون. وفي المعضلة المالتوسية الهندسية(1)، في حين أن موارد فلسطين على شكل متوالية حسابية(2).... وفي بؤس هذه النظرية التي يمكن تلخيصها بـ "الجشع والوفرة" لعلماء الرياضيات الجدد في "حق العودة" وعلى حساب الوطن فإن "الأمر سيؤدي إلى اضطرابات اجتماعية"، فلماذا لا يمكن للاجئين العودة إلى ديارهم؟ ولماذا يمكن أن يعود مكانهم المهاجرون من أوربا الشرقية وغيرهم في الهجرة إلى إسرائيل دون أي تأثير على الوفرة؟ وهنا لا وجود لشح في المياه والأرض. المياه التي تنذر بالحروب ومنذ نشوء إسرائيل. وهكذا يقفز هؤلاء من حلقة "الدبكة" إلى حلقة "الهرطقة" باسم "التحلي بالصدق الشديد، وحب الخير المبني على العقلانية". وربما في مد هكذا منهج بائس، يمكن لهم أن يلحقوا بالوثيقة توصيات ما، إلى الفلسطينيات الغيورات اللواتي يفضلن التناسل ـ رغم أنف الصهيونية وحتى أنف مالتوس ـ وضرورة تحويل الزواج إلى عملية حسابية ودراسة متوالية الهندسية التي تراعي التوازن لا بمعنى الوفرة بل "التوازن الديمغرافي"، وحيث يخضع الإخصاب الفلسطيني إلى دراسات صهيونية مستقبلية جادة.. أما جوهر هذه الحسابات، فهو ما سوف نقاربه في سمات الاستعمار الكولونيالي، والأبارتيد العنصري مقاربةً مكثفة للبنى الأولية العنصرية.. مقدمة: الأرض والعمل والتمييز يشير مفهوم "العنصرية" في سياقاته المختلفة، إلى التمايز كأساس فيزيقي للجماعات الاستيطانية الاستعمارية والمتمثل مجازاً في الدم بوصفه أساساً لعضوية الجماعة "الإثنية"، أو الهوية من ناحية أو أخرى. وعلى سبيل المثال، عند النظر إلى الأساس الفيزيقي للسكان السود في الولايات المتحدة الأميركية، فإن الزنوجة كانت الأكثر صرامةً لعزل السلالة السوداء، عن السلالة المسيطرة البيضاء ـ أي التمييز العنصري ـ إلا في العقود الأخيرة. ولدى فحص الأنظمة العنصرية تاريخياً، فإننا نجدها أنها الأنظمة العنصرية التي سعى الأوروبيون لفرضها على الجماعات المستعمرة، ونعثر أيضاً على الأسس التي أقام بها الأوروبيون سيادتهم البيضاء، والتي كانت تسعى وتهدف إلى الحفاظ على تلك السيادة، وفي سبيل هذه الغاية، جرى تركيز أسس وبنى العنصرية وتصنيفاتها المختلفة للتمايز، ولأنظمتها الاستيطانية والعنصرية والاجتماعية، بوصفها نظاماً استعمارياً. ولا يمكننا هنا، في هذه الورقة استعراض تاريخ التمييز في العالم الجديد أميركا وأستراليا، وفي جنوب أفريقيا، والتي سعت السلطات البيضاء لفرضها على السكان الأصليين بقدر ما نتناول سماتها العامة والمشتركة، كما في الولايات المتحدة على الهنود الحمر والسود والأفارقة، وذلك بتفصيلات أكثر. فمنحنى التمايز والتمييز العنصري، هو ما أنتج علاقات "الامتياز" الاستعمارية الاستيطانية، الذين سعوا بها للحلول مكان السكان الأصليين وفي الجذور من هذا السياق جاءت مجتمعات العبودية. في حملات الإبادة للهنود الحمر في أميركا، استخدمت السلطات البيضاء عبيداً غرباء، منقولين من أوطانهم الأصلية (أفريقيا)، لحاجتها إلى العمل الأوروبي في الأرض، بعد السيطرة عليها، كاستعمار استيطاني، لكن حالة المستعمرات الاستيطانية أنتجت علاقات العبودية للسود، ذلك كي يبقى العنصر الأبيض منتزعاً لملكية الأرض من سكانها الأصليين (الهندي الأحمر)، ودون أن يتملكها العبيد (الأفارقة)، وهذه الأنظمة بنت أنظمة القوانين العنصرية على القهر والطرد والعزل والقتل للمجتمع الأصلي، كي تنشئ مجتمعاتها الاستعمارية العنصرية. ويمكن بسهولة ملاحظة أن ما نسبه الأوروبيون للحق الطبيعي للتملك "الأرض والاستيطان" قد أشار إلى مبدأ استعماري قوامه "أرض بلا صاحب" بمعنى أن لا حقوق للسكان الأصليين بملكية غير معترف بها لديهم. وللمفارقة فقد نقلت الصهيونية هذا المبدأ الاستعماري لفلسطين بدعواها "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض". وهذا الزيف الصهيوني قد تم فضحه أمام العالم، ككذبة كبيرة قامت عليها إسرائيل، شكلت بها الأسس العنصرية "الشبيهة" بالإثنية، ولكن على صعيد الدين. لقد قامت دعاوى العنصرية عموماً على منطق الإقصاء والإجلاء والطرد والإبعاد والعزل، على امتداد تاريخ مترابط وممنهج، بدأ بالغزو ثم الانتزاع للأرض، ونحو تخصيصها والاستيلاء عليها، وهي مراحل كانت تسير دائماً في تتابع دقيق، باعتبارها قائمة اختيارات وبرنامجاً للسياسة الاستعمارية الاستيطانية. ويلاحظ هنا في تاريخ المجتمعات الاستعمارية الاستيطانية، أن حدودها متحركة غير محددة، مثلت مراحلها الأولى مواجهة السكان الأصليين المدافعين عن أرضهم، ثم المرحلة الثانية المتمثلة بالإبادة (الولايات المتحدة والهنود) أو الطرد والإقصاء كما جرى في فلسطين، أو العزل كما جرى في جنوب إفريقيا العنصرية السابقة. وكان ينظر لها بأنها نتاج الداروينية العرقية والبقاء للأقوى، فهي تقول: "إن الحصر في معازل هو باعتبارهم من المحتم انقراضهم، بعد أن أخلتهم من أراضيهم". أي المسوغ الرئيسي للعبودية الاستعمارية الاستيطانية، ولا يعني هذا أن كل العبيد كانوا سوداً. يبرز في العنصرية وبشكل صارخ راهناً، تماثل قرارات التصنيف الديمغرافية في إسرائيل لعرب عام 1948، وهي نتائج استمارات التصنيف في تاريخها الاستعماري، ويمكن هنا العودة بالنظر كيف أزيل العبيد الأميركيون من الإحصاءات السكانية، ومن السجلات اليومية للأرض والمزارع باعتبارهم عبيداً، وفي الأساس الهرمي كإطار مفاهيمي مناسب للمجتمع الاستيطاني الأبيض، وآثرت لاحقاً في مناحي تطور المجتمع الأميركي، كما نلاحظ هنا كيف يجري التمييز في الحقوق لفلسطينيي عام 1948، في إسرائيل. بعد تحرير العبيد في الولايات المتحدة، لم يختفِ الحد الذي كان يفصل سابقاً بين اللون الأسود والعبد، حيث ظهر في المجتمع الأسود فئة كبيرة مظلومة تحددها السلالة على أساس اللون، وهو ما يفسر بالانعتاق والتحرر الكاذب، عبر نظرات التمييز والفقر المتأصل لمفهوم السلالة وتجمعاتها. فالفقر شكل حاجزاً عزلهم عن المجتمع الأبيض. ويلاحظ أيضاً في المستعمرات التي استقلت، كيف حاول راهناً روبرت موغابي استدراكه لنتائج العنصرية في زيمبابوي بأفريقيا، عبر ما يسمى بمزارع البيض التي حازت عليها نسبة ضئيلة جداً من المجتمع، فهي نتاج تشريعات التملك لمبدأ "أرض بلا صاحب" كما تم الادعاء.. ولقلة قليلة بالمجتمع استأثرت بالاقتصاد. وفي إسرائيل، فإن العنصرية استمدت منطقها، من المقدمات الأولية للمشروع الاستيطاني للأرض، فيما سمي بـ "العمل العبري" وكما في جنوب أفريقيا العنصرية السابقة، حيث أن سياسة الاستيعاب للسكان الأصليين، كان ينظر لها بأنها تهديد للمجتمع الأبيض بالزوال، وفي هذا مثلت حاجة العنصرية إلى العزل وتصنيفات واستمارات معينة للسكان الأصليين لضمان السيطرة، أي إبقاء حدود البياض الأوروبي سليمة على نحو صارم.. أي عودة للجانب الفيزيقي المعبر عنه بالدم كأساس للتمايز. يعيش عالم اليوم في غمرة النضال ضد التمييز العنصري، وفي مواجهة لغة التمييز المعبر عنها بالسلالة أو الأمة (الإثنية) أو الدين العرق (إسرائيل)، أي أمة ودم على أساس من الدين، باعتبار كل هذا استعارة زائفة للاستعمار الاستيطاني ولنظرياته الفيزيقية، والتي تهدف في سياستها إلى إعادة إنتاج السلطة والثروة والامتيازات، وإسرائيل هي آخر ما تبقى من جماعات الاستعمار الاستيطاني في عالم اليوم. "حق العودة".. الصهيونية والبنى الأساسية للاستيطان العنصري رعب التلاشي والذواء.. واليأس والتشاؤم من المستقبل؛ الناجم عن افتقاد الإحساس بالجذور التاريخية وزيف المنشأ، رغم قوة الدولة غير المسبوقة في المنطقة؛ مكمن خوفها من التنوع في الدولة بدعوى نقاء عنصرها؛ خوفها من انهيار البناءات المؤسسية بفعل العامل الديمغرافي في امتداده ومحيطه.. وقد بدأت بهذه العبارة، كي تكون مدخلاً على "السياسة الإسرائيلية وحق العودة" (1)، ناشداً مقاربة مكثفة للعنصرية الصهيونية مع تجارب التاريخ، والبنى الأساسية القديمة للعنصرية عموماً والصهيونية الراهنة خصوصاً، في موضوعة "الأرض والعمل والتمييز العنصري" مع مفارقة أن قديم العالم بات في ذمة التاريخ، حيث تأتي العنصرية الصهيونية في عصر حديث مختلف والعالم قد دخل ألفيته الثالثة.. يقول آفي بريمور (2) "إن أكثر ما يخشاه الإسرائيليون هو الاختلال السكاني (..) إذا ما أصر الفلسطينيون على حق العودة للاجئين عام 1948 (3)، ويؤكد حسب ما تشير لـه الإحصائيات الإسرائيلية إلى أن "عدد الفلسطينيين الذين يسكنون في المناطق الواقعة ما بين النهر والبحر سيكونون أكثر من اليهود في عام 2015" ويرى أن هذه المعطيات لا تحمل في طياتها إلا معنى واحداً "خيار أحد أمرين مؤلمين: أن تفقد إسرائيل شخصيتها اليهودية، أو أن تتوقف عن الادعاء بأنها دولة ديمقراطية". وتساءلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" (4) بذات الوقت "إذا كنت ترغب (المقصود شارون) في قيام دولة فلسطينية فوق 22% من مساحة الأرض المحتلة اليوم، فكيف سيكون الحال بعد عشرين سنة من الآن، ستكون هناك دولة فلسطينية فوق كامل الأرض"، ويختم بريمور باستخلاص "إن فقدان الطبيعة اليهودية لإسرائيل، يعتبر أسوأ السيناريوهات المحتملة، وبداية النهاية للدولة الإسرائيلية..". هكذا، ومن هذه المقدمات؛ يجري إقرار نتائجها بالذواء والتلاشي، في إقرار تاريخي قوي في وجه مداولة راهنة عقيمة.. تعود الفكرة الأساسية، بأن الصهيونية لا تعتاش إلا على الأفكار الرجعية، رغم تلويحها برايات ما بعد الحداثة الليبرالية، فيما تعلنه الأخيرة من أنها ضد هذه النزعة الأساسية للعنصرية والتي تدخل عالم اليوم من باب اللامعقول. فالصهيونية تنتمي إلى حكايات اللامعقول التي تتجاوز التاريخ والفاعل الإنساني، مثلما هي حكاية "نهاية التاريخ، وحروب الحضارات"، التي واجهت نقداً تهشيمياً؛ ثم ردّها الواقع الفعلي إلى العالم العقلي، فهذه السرديات والحكايات ـ ترسيخ الوهم ـ تعاني حالة من الاعتلال والخوف؛ مبرر فقد النفوذ والقوة.. في المعضلة المحددة والتركيز على الفكرة الأساسية "حق العودة"؛ فإن الموقف الإسرائيلي يعلن للعالم أن مجتمعها "الحديث" بالمعنى الاصطلاحي للحداثة لا التاريخي الزمني، وباعتباره مرادفاً للغربي، فإن وجوده الاجتماعي وفعاليته تتمثل في قدر كبير من "الحرية والمساواة وحقوق الإنسان". وهنا يكمن مقياس ومعيار هذه المفاهيم بـ "حق العودة" الذي يمثل بنظرها إشكالية تُلهي فعاليتها التاريخية. فتسعى الجماعة الصهيونية الحاكمة بأطيافها وتلاوينها إلى إقصاء واستبعاد إنساني آخر، يمنع من مطابقة التعريف حول "الحرية والديمقراطية، وفكرة الاستقلال الذاتي للفرد"، حيث يلوّح كإدانة لعنصرية صارخة هي آخر عنصرية فيما تبقى منها في عالم اليوم؛ جوهرها جماعة موحدة يقوم نظامها السياسي والاقتصادي على الاستغلال ودعوى "النقاء" ويتركز حول الأرباح. فالمساواة في الأفق العنصري هو وهم محض.. يندرج بطبيعة الحال الموقف من الفلسطينيين في إسرائيل، ومن اللاجئين الفلسطينيين بوصفهم أصحاب الأرض الحقيقيين، ويتوقف معيار "الديمقراطية" الصهيونية العلمانية على إحالة "إلهية" لتصبح مقدمة للشكل الغابر والقديم للاستعمار الاستيطاني. ومع بداياته الأولى المسماة "الديمقراطية" لسلالة بذاتها، وهو ما ينفيه التاريخ والأنثروبولوجيا حول وجود عرق خالص قائم على "سلالة" دينية ومن عمق التاريخ. وباعتبار السلالة ليست إلا شكلاً واحداً من أشكال التمييز للجماعات في المستعمرات القديمة، في نموذج الولايات المتحدة وأستراليا والبرازيل، والأخيرة تجاوزته منذ قرون عن طريق التمازج السلالي. أما الولايات المتحدة؛ فقد اعتبرت الهنود الحمر سلالة منقرضة، فأخضعتهم في المحميات في أساس التكوينات الاستعمارية، ومن ثم للسياحة والفولكلور، بعد أن تحقق أساس التكوينات الاستعمارية في مصادرة الأرض، وأعقبتها بعد الإبادة لسياسة "الاستيعاب السلالي" ضمن الأساليب المتعددة للحفاظ على السيادة.. * لقد توفرت في أستراليا وأميركا الشمالية مقدمات زمنية لاعتبار الأصليين "سلالة منقرضة" عبر ظروف تفاوت اجتماعي شديد وهائل؛ ميّز في العلاقات بين البيض والأصليين. ونشأ التواصل الراهن على مرّ الأجيال الطويلة لمولدين سلالياً بالمعنى الوراثي، وفي تحليل وحساب الوراثي بمخطط تصنيف شديد التعقيد، مع كل جيل منحدر في عملية تاريخية طويلة وفي سياق الأنظمة التصنيفية العنصرية. وهو ما يميّز المواطنة بالنسبة للنظرية "الديمقراطية الليبرالية" وفي بداياتها العنصرية في المستعمرات، والتي استخدمت أدوات المعرفة والعلم لإنجاح الثغرات الفئوية لفهمها الإنساني، ونتيجة النشاط الإنجابي للنساء من السكان الأصليين والزنوج، نحو تغيير الوجود الفيزيقي الفعلي لأشخاص ملونين ومهجنين في التعيين السلالي. ومواصلة المزج في أمريكا الشمالية طالما أن السود يشكلون نسبة واحد إلى خمسة. ودون أن ننسى أنه ومنذ قرن ظهرت تعريفات للخلاسي أو ما اصطلح عليه بالملونين، وبرزت تشريعات لهذا الغرض أبناء اندماج عرقين، لكن هدفها الأساسي تمثّل في تفكيك القبيلة الهندية اجتماعياً، وتوليد السود عن طريق اختلاط الدم.. * كل هذا تم لإعداد التوازن السكاني "الديمغرافي"، وفي زمن احتاجت به العنصرية إلى الاحتفاظ بالزنوج بوصفهم سلعاً؛ ثم كمصدر رخيص للعمالة، وهي نوع من العنصرية الشديدة، في صورة الزنجي بوصفه بهيمياً. وتلتها بالمستعمرات مرحلة الفصل العنصري، وكانت محاولة تركهم يذوون بعد أن فقدوا حيازة الأرض الصالحة، وسبق لهم أن استخدموها أرقاء للمساهمة في البنية الاستعمارية بالعمل وليس بالأرض؛ (قانون الاسترقاق الروماني)، الذي مثّل المقدمة للمشروع الاستيطاني، أي الحاجة للملكية غير المتنازع عليها للأرض، وفي استعارة صهيونية تفعل فعلها في الذاكرة والوجدان الفلسطيني في عبارة الجنرال فيليب شريدان بأن "الهندي الطيب الوحيد هو الهندي الميت.." المقولة التي تم تكرارها صهيونياً.. * مركز الثقل في الفكرة للحالة الفلسطينية، هي أقرب إلى الجنوب أفريقية، فسياسة الاستيعاب هناك هددت التجمع الأبيض بالزوال، ومن هنا كانت حاجة العنصرية إلى المعازل، لضمان بقاء حدود الأبيض سليمة، أما الملونون في ظل الأبارتهيد فقد عوملوا بجلاء، بوصفهم كياناً ثالثاً ذاتي التوليد، لا أبيض ولا أسود بل اندماجاً بين اللونين. وفي إسرائيل وتكويناتها الاستيطانية، فقد خضع اليهود إلى التمازج تاريخياً في المجتمعات التي وفدوا منها أصلاً، كما يُستبعد تماماً المزج المطلوب وهي ـ إسرائيل ذاتها ـ لم تحسم بعد معضلة سؤال: من هو اليهودي؟ فضلاً عن أن الدين بعيد عن أي استعارة فيزيقية وهناك اليهودي الأسود والأبيض والملون. وفي الجوهر من كل هذا، خطاب الغيتو الصهيوني باعتباره موقعاً رئيسياً للوسائل الدنيوية الكثيرة، التي يتم بها الصراع والتدافع والتحول نحو سؤال يتيم: مَنْ يستغل مَنْ في إنتاج وإعادة الثروة والامتيازات؟ وهو عرضة للاهتزاز التاريخي والتغيّر في غمرة النضال العالمي ضد التمييز.. * لقد استخلصت الدراسة المشار إليها: "خارطة الطريق إلى أين؟" وفصلها "سياسة إسرائيل وحق العودة" بأن "الترانسفير الجديد" وهو الاسم الملطف للتطهير العرقي، هو مستوطنات وتقطيع أوصال: "إن الصيغة المطبقة عملياً ليست صيغة الترانسفير، فهي تقوم على ما يسمى (اغتيال المكان) أو إلغاء فلسطينية المكان (5)". لقد شهد التاريخ في مجتمعات العبودية عملية نقل الجغرافيا للآخر (العبيد) من أوطانهم الأصلية، للمساهمة في انتزاع الأرض من أصحابها الأصليين، وتنميتها من طريق قوة عمل العبيد، لكن مراحل التاريخ لم تكن تسير بتتابع دقيق، مثلما هو التطهير العرقي والقوة العسكرية في فلسطين، وفي سياق مجموعة من الخيارات السياسية الاستعمارية من موقع اختلاف الزمان (التاريخ) والمكان. لكنها بمجموعها لا تغيّر في أولويات النمط السائد باعتبارها سلسلة ذات وتيرة واحدة وإن مختلفة، نحو هدف واحد يتمثل في تحريك الحدود على أساس مراحل استراتيجية، فالعزل الماضي هو الحاضر الإسرائيلي الراهن "الجدار العنصري" والاستيطان ومصادرة الأرض، ضمن سياق الاقتلاع البيولوجي والثقافي.. * في زوال السحر الصهيوني حول "حق العودة"، يكمن زوال النواة التي ينتظم حولها المشروع، والمستلهم من الإبقاء على التقسيم الاجتماعي، حيث تجتمع في هذه النواة بكثافة الذرائع الإيديولوجية للمجتمع الاستعماري التي تقوم على التمييز وتشكيلات التمييز، وإعادة تشكلّها بالسياق، وهي في إسرائيل بالذات خصوصية سياقية. وفي مدى لا يتسق التاريخ به، وبالذات مفاهيم الليبرالية مع مشروع تحرير الإنسانية راهناً، فالإفراط في العقلانية لا يمكن أن يقترن بأفكار عرقية أو دينية لا عقلانية، وهو مقياس قبول ما بعد الحداثة.. وفي هذا كله تجتمع صرخة آفي بريمور السالفة.. فالصهيونية يرعبها إحساسها بالافتقاد للجذور التاريخية والرعب من التنوع في الدولة ذات النشأة المشوهة، والذي يكمن في الخوف من انهيار البناءات المؤسسية من (الديمغرافي)، فهي عموماً في مواجهة تقارب الشعوب والثقافات المختلفة، والخوف من حالة الخضّم العالمي، من موقع توجهها وإحيائها الصاعد للتطرف والشوفينية والنزعة العنصرية، وهو في جوهره رفض للحضارة البشرية التي لا تقوم على أساس عرقي أو ديني أو كراهية، فالفلسطينيون الذين نجوا من الاقتلاع في النكبة داخل فلسطين، وجدوا أنفسهم مجبرين على تمييزهم في الحقوق وعلى الاضطهاد في أرضهم، محرومين من الفرص على شحها، والقائم على مجموعة التدابير لحصرهم في أماكن محددة بعيدة عن مقوماتهم وأرضهم، تندرج في سلسلة من مقومات الداروينية الاجتماعية.. وهكذا، تتمثل الموضوعة الأولى حول اللاجئين وحق العودة، وفي تأكيد الاستخلاص، وبالذات حول مأساة الفعل الفلسطيني الهادف نحو حق العودة، الذي يكفله القرار الأممي 194، باعتباره المواجه الأساسي للأنظمة الوظيفية المتداخلة، التي كونت الدولة الصهيونية، فالمشروع الصهيوني استمد منطقه من المقدمة الأولية للمشروع الاستيطاني الاستعماري وأسسه وبناه التقليدية.. ونحن نعيش اليوم في غمرة النضال العالمي ضد التمييز.. واقعية وإمكانية حق العودة في كتابه الذي حمل عنوان "حق العودة" مقدس وقانوني وممكن" يعرض الباحث المتخصص في شؤون اللاجئين د. سلمان أبو ستة، وتحت عنوان "العودة ممكنة وضرورية للسلام" في دحضه مزاعم إسرائيل ومشاريعها، يتناول المؤلف أيضاً ما يقوله المشككون من أن "معظم اللاجئين لا يرغبون العودة، وأنهم لو أعطوا تعويضاً مناسباً واعترافاً بالمعاناة التي مروا بها، وجنسية أو جوازاً يتنقلون به، لتنازلوا عن حق العودة، وأغلق هذا الملف إلى الأبد"، وهي مقولات نتائج اتفاقات أوسلو ومروجة لها، بما تلاها من إحباط عام. يقول المؤلف "والشيء الذي يغيب عن هؤلاء المشككين هو أن العودة (حق) وليس رخصة أو تأشيرة سياسية تفقد مفعولها بعد زمن ويحق لكل لاجئ أن يمارس هذا الحق متى شاء، ولا يسقط بالتقادم ولا علاقة له برغبته في العودة أو ممارستها في وقت ما. ولا نحسب أن الأتراك في ألمانيا، واللبنانيين في الأميركيتين، واليونانيين في كل بلاد العالم يفقدون حقهم في العودة إلى بلادهم لو عاشوا في تلك البلاد سنوات طويلة، ولو أخذوا جنسيتها، ويكفي مراجعة تقارير المفوض العام لوكالة غوث اللاجئين على مدى خمسة عقود، لنرى كيف يبدو إصرار اللاجئين على العودة إلى الوطن كما شهدته الوكالة عن قرب". ويضيف المؤلف "ويقول المشككون أيضاً أن القرى دمرت والحدود ضاعت والمعالم تغيرت، ومن الصعب معرفة الحدود والأماكن، وواضح أن القائلين بذلك يجهلون حال فلسطين. لا يوجد بلد في المشرق العربي موثق مثل فلسطين، لقد عملت لها الخرائط منذ حملة نابليون في 1799 وعلى يد صندوق اكتشاف فلسطين (1871 ـ 1878) الذي سجل 15 ألف اسم قرية ومكان على الخرائط، وأثناء الانتداب (1920 ـ 1948) تم إعداد خرائط مفصلة لكل فلسطين بمقياس 100.000: 20.000.01 و 1.250 تحتوي على مئة ألف اسم". وجوهر القضية الفلسطينية هو موضوع اللاجئين وحق العودة والتعويض معاً ومن هنا تطلق إسرائيل بالونات اختبار عن طريق المشككين والأكاديميين اليهود المتعاطفين معها، وذلك باقتراح أن تصدر إسرائيل إعلاناً بـ "أسفها" عن المعاناة التي تحملها الفلسطينيون، مقابل أن يعترف الفلسطينيون بأن تحقيق العودة "مستحيل"، والتعويض من إسرائيل غير وارد، وحتى لا يعتبر هذا الإعلان اعترافاً بمسؤولية إسرائيل. يصدر الإعلان على شكل قرار من الأمم المتحدة توافق عليه إسرائيل يتم به إلغاء القرار 194 إلى غير رجعة. ويتناول المؤلف أيضاً الحجج التي تقول بأن البلاد قد امتلأت باليهود وأن عودة اللاجئين معناها ترحيل اليهود، ويرى أن هذه الحجة لا تستند إلى أساس، ويطرح بيان خطته للعودة متناولاً عناوين: الأرض، الزراعة، المياه. في خلاصة علمية داحضة لكل تشكيك في إمكانية العودة، عودة اللاجئين إلى ديارهم نفسها دون أدنى تأثير على السكان اليهود في إسرائيل ودون فقدانهم لجزء هام من أعمالهم أو اقتصادهم بل على العكس من ذلك. أما ادعاء إسرائيل بأن عودة اللاجئين سيعكر النقاء اليهودي لإسرائيل، فهو كلام عنصري لم يعد لـه مكان في العالم الحديث الذي يتآلف ويتقارب ويتبادل الأفكار والتجارة ويحترم حقوق الإنسان. وهذا الإصرار على "نقاء العنصري اليهودي" مصيره مصير شبيهه في حال ألمانيا النازية. وإذا "لم تقبل إسرائيل أن يعود اللاجئون إلى ديارهم فإنها إذاً تستعد لترحيل الفلسطينيين فيها الذين يصل عددهم الآن إلى 20 بالمئة ويستطيعون انتخاب 16 عضواً في الكنيست خلال العقد القادم". ويتساءل المؤلف "هل يكون خيار إسرائيل الترانسفير لمواطنيها الفلسطينيين وحرباً لاحتلال منابع المياه العربية من أجل المهاجرين الروس؟ أم يكون خيارها الديمقراطية والانضمام إلى المجتمع الإنساني المتحضر؟ في الخيار الأول سينتصر اليهود أولاً ثم يخسرون، وفي الخيار الثاني يكسبون دائماً ولذلك ليس هناك مستقبل في القرن الواحد والعشرين للمبادئ العنصرية". في حق العودة والتعويض معاً وليس أحدهما، بعناوينه الفرعية: من المسؤول عن دفع التعويضات؟ وماهية التعويض؟ وقيمة التعويض. وهي دراسة يقدمها المؤلف في القرار الدولي 194 وفي القانون الدولي، مؤكداً أن التعويض هو للضرر والمعاناة التي عاشها الشعب الفلسطيني، يستحقها كل لاجئ. إلا أنه لا يشمل الأرض، فالأوطان لا تباع، والأرض تسترجع، وإذا رغبت قلة في التخلي عن أرضها في فلسطين فإنها تشترى وتصبح ملكاً للشعب الفلسطيني عن طريق مؤسسة "هيئة أرض فلسطين". والتعويض في هذه الحالة يكون عن استغلال هذه الأرض طيلة نصف قرن ونيف، هذا عدا عن التعويض عن الأضرار والخسائر المختلفة وفق القانون الدولي وجرائم الحرب. وفي عنوان "الخطة العملية لتطبيق حق العودة" يرى المؤلف أهمية إنشاء المؤسسات اللازمة لذلك، وتطوير الموجود منها، والتنسيق بينها وبين مئات المؤسسات المتعاطفة مع الشعب الفلسطيني في العالم، ويلزم أولاً إنشاء وحدات للدراسات الاستراتيجية وفق الآتي: وحدة دراسة قانونية وتشمل التشريعات والقرارات الدولية والسوابق المشابهة، وقوانين إسرائيل، الخبرات العالمية المتوفرة. * وحدة دراسات الجغرافيا التاريخية، وتشمل: تحديد المساحات والممتلكات والموجودات، وأسماء المالكين ورصد التغيرات الحادثة، وتحضير الخرائط والصور الجوية والفضائية. * وحدة الدراسات العمرانية والاقتصادية وتشمل: وثائق المطالبات، وتقييم التعويض لكل بند، والدراسات الاقتصادية اللازمة للاستيعاب والتطوير، والمخططات الهيكلية لإعادة بناء القرى وترميم المدن الفلسطينية الموجودة، وضرورة تكوين "هيئة أرض فلسطين" تتخصص في حق الملكية وتحديد الأرض الفلسطينية ودراسة الوضع الحالي، وتمثل الحقوق المادية وما يتبعها للاجئين والمطالبة بحقوقهم، في كل مكان بما في ذلك الفلسطينيون في إسرائيل. أما مهمة الهيئة فهي توثيق الأملاك الفلسطينية العامة والخاصة، والمطالبة بها والعمل على استرجاعها والحفاظ عليها وحمايتها وصيانتها وتطويرها، ومنع بيعها لأي جهة غير فلسطينية موثوقة، وتقوم بدور الحارس على حقوق الشعب الفلسطيني المادية، ويخلص المؤلف إلى هيكلها ومكوناتها وأغراضها للحفاظ على إرث وتراث خمسة ملايين لاجئ فلسطيني، سبيلاً مهماً لإعادة الحق إلى أصحابه. فحق العودة أيضاً، يتسم بأنه المكفول جماعياً بحق تقرير المصير، الذي تعترف به الأمم المتحدة كمبدأ غير قابل للتصرف منذ عام 1946، وشمله الميثاق الدولي لحقوق الإنسان، والذي غدا قانوناً وضعياً في معظم بلدان العالم المتقدم. مبدئية حق العودة كما كانت ومازالت قضية اللاجئين، تمثل أحد أهم العوامل في تشكيل المعالم السياسية للشرق الأوسط كما أنههم ليسوا وحدهم في مطالبتهم بحق العودة، والعالم بات في عصر جديد، لا يشتق حق العودة فاعليته من قرارات الأمم المتحدة فحسب، حيث يؤكد البند 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حق أي فرد في ترك بلاده والعودة إليها. فحق الإنسان في العودة إلى بلاده هو حق مبدئي. كما حرم مؤتمر جنيف المدني لعام 1949 "التهجير القسري للأفراد أو المجموعات بغض النظر عن الدوافع"، ويضمن مبدأ تقرير المصير حق كل إنسان بالامتلاك والعيش في بلاده، وتبنت الأمم المتحدة قراراً بهذا الخصوص عام 1947، ومنذ عام 1969 تم تطبيق هذا المبدأ على حال الشعب الفلسطيني وشموله "شرعية نضال الشعب الفلسطيني من أجل تقرير المصير والتحرر" مسنوداً بسلسلة طويلة من قرارات الجمعية العمومية وصولاً إلى القرار 3262 الذي تبنته الأمم المتحدة في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 1974 "تأكيد حق الفلسطينيين غير القابل للتصرف في العودة إلى منازلهم وممتلكاتهم التي تم تشريدهم واقتلاعهم منها والمناداة بعودتهم". وينص القانون الدولي أن لا الاحتلال ولا السيادة، يلغيان حق الملكية الفردية، ناهيك أن القانون ذاته لا يمنح الاحتلال السيادة على الأرض بسبب عدم شرعيته، وتدير حالياً "إدارة إسرائيل للأراضي" أراضي اللاجئين وممتلكاتهم، باعتبارها حقاً لهم وبغض النظر عمن يمتلك السيادة عليها ومهما تقادم الزمن، وعلبه فالفلسطينيون مؤهلون بالحق في العودة إلى ممتلكاتهم وديارهم. دحض نظرية الاستعياب ويظهر التحليل السكاني لإسرائيل اليوم أن تركيز اليهود، هو في الغالب داخل الأراضي التي كان يمتلكها اليهود قبل عام 1948 وحولها (6). وهناك منطقة مساحتها الإجمالية من 16 كيلو متراً مربعاً تمثل 8% من مساحة إسرائيل يقطنها نحو 68% من اليهود أي (2.924.000) حسب إحصائيات عام 1994، وهذه المنطقة هي تقريباً ذاتها التي قطنها اليهود قبل عام 1948 في فلسطين تحت الانتداب. المنطقة الثانية مساحتها الإجمالية 1318 كيلو متراً مربعاً، وتمثل 57% من مساحة إسرائيل، ويقطنها 10% من يهود إسرائيل و20% من الفلسطينيين وهي منطقة مختلطة، وتمثل الأراضي التي يمتلكها الفلسطينيون الذين بقوا في إسرائيل، وتدحض الأرقام أية ادعاءات وتبين أن 78% من يهود إسرائيل يعيشون في منطقة لا تتجاوز مساحتها 15% من مساحة (إسرائيل) الإجمالية. أما ما يتبقى من الأراضي فمساحتها الإجمالية 17325 كيلو متراً مربعاً وهي بالأساس أراضي اللاجئين الفلسطينيين، ومعظمها مدن فلسطينية يستغل أراضيها نحو 154 ألف يهودي فقط، الأمر الذي يفضح الادعاءات الإسرائيلية ونظريات الاستيعاب، وهؤلاء لا يحق لهم الاستيلاء أو استخدام الأملاك الفلسطينية أصلاً. كما يحق للفلسطينيين استعادة أملاكهم ومنازلهم وأراضيهم، يحق لهم التعويض عن الدمار والأضرار والخسائر المادية وغيرها. يعيش عالم اليوم على وقع تأسيس محكمة الجزاء الدولية بموجب تشريع روما عام 1998، والعالم لا يسمح بتهجير جديد، وفي تأثير متزايد لمجموعات حقوق الإنسان في القرن الحادي والعشرين، وفي رفضه العلاقات العرقية، وطرحه الديمقراطية مقابلها،وهي مواجهات مع الصهيونية التقليدية، وهي تتعدى الفلسطينيين إلى إطار مجموعاتها داخل الدولة (الغربيون، الشرقيون، الروس، والفلاشا، العلمانيون، المتدينون المتزمتون). فكيف لا يجد الفلسطينيون مكاناً في هذا الطيف الواسع؟ وفي قبولهم بالعيش على أرضهم وديارهم، مع إقرارها بالمسؤولية والمعاناة الفلسطينية. كفاح اللاجئين في أرضهم يوجه الكاتب الإسرائيلي يهودا ليطاني (7) صفعة قوية للأسلوب الفلسطيني الرسمي في معالجته التسوية وخاصة في موضوع اللاجئين، نورد منها: "قصة قريتيّ اقرت وكفر برعم بقيت منذ العام 1948 كالجرح المفتوح، وكمثال على انعدام ممثلي السلطة. لقد كان ممكناً منذ بعيد حل المشكلة بهذا الشكل أو ذاك، مثلما حلت مشكلة لاجئي بيت نقوفة. وحتى مناحيهم بيغن الذي طوال سنواته المعارضة أيد بحماسة إعادة لاجئين أقرت وبرعم، وامتنع عن إعادتهم عندما صار رئيساً للوزراء.. "ومهما يكن من أمر، فإن الحجة التي تقول: إن إعادة لاجئي اقرت وبرغم أنها ستكون بمنزلة سابقة ليس لها ما تستند إليه. فالسابقة نشأت في عين نقوفة بعد عشر سنوات من قيام الدولة".. "لاجئون فلسطينيون عادوا إلى أراضيهم داخل إسرائيل ولم تنشب أي عاصفة، الطرفان اختارا ترك ذلك يمر مرور الكرام، هكذا كان سيحصل" (..) "لو أننا لم نحول قصة اقرت وبرعم إلى علم، علم أحمر، يدل أكثر من أي شيء آخر على إحساسنا بانعدام الثقة بعدالة طريقنا". وأخيراً، في دراسة التحديات، فإن تقديم رؤية ناجزة وشاملة لواقع وإمكانات وحركات حق العودة، تأتي فقط عبر تطويرها آليات عمل واستراتيجيات تنسيق للقوى المنخرطة في هذه الحركة، لا تكتفي بتوفير قوى ممانعة واعتراض، على أي محاولة تعبث بالإطار القانوني لحقوق الشعب الفلسطيني، وتعميق طابع حركتها الشعبي كإطار عريض غير حزبي أو أيديولوجي، يهدف إلى إنجاز حق العودة وتقرير المصير، فهي كحركة شعبية ليست بديلاً من الحركة الوطنية الفلسطينية وفصائلها، وبرنامج الإجماع الوطني، ولن تكون بديلاً من فصائل العمل الوطني، بقدر ما هي ذات طابع عمل أهلي وشعبي، تسوده روح المساواة والديمقراطية وفي أطره القاعدية العريضة، والحفاظ على هذا الطابع، دون أن تعني سماتها هذه عدم التنسيق مع الفصائل على صعيد نشاطها العام، وبوصفها حركة ضغط على الجهات المعنية من أجل حماية حق العودة، وانطلاقاً من أن منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وبالنظر إلى منطلقاتها في العودة إلى الديار والممتلكات، والتعويض عن الخسائر المادية والمعنوية جراء النكبة، وهو ما يستند إلى القانون الدولي، وفي المقدمة منه القرار 194، فهي تستهدف إفشال تمرير مشاريع التوطين أو التهجير والدمج والإذابة، وأية محاولة لإغلاق ملف اللاجئين، أو محاولات تجزئة هذه القضية، فهي إن تشتتت جغرافياً، فموحدة قانوناً، وهذا يتطلب تطوير خطاب موحد في إطار الحقوق الأساسية للاجئين، بحسب مبادئ القانون الدولي، يجند الطاقات الشعبية ويحشدها بهيئاتها ومؤسساتها، يعلو فوق التناقضات السياسية، بوصفه إطاراً أشمل للحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف. وفي عمقه الدولي؛ بالاستناد على مبادئ القانون الدولي، لإحياء التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية، في معياره الدائم لفضح الممارسات العنصرية الإسرائيلية التي تنتهك كل القوانين والشرائع والأعراف الدولية. إن انطلاق حركة شعبية، لا يتوقف فقط على الجانب الحقوقي والقانوني والسياسي، بل على الثقافي والتربوي، وما يؤكد زخمها الشعبي، هو ما تشهده من مساهمات واسعة في تسجيل الذاكرة الشفوية الفلسطينية، وبالذات ذاكرة النكبة، فهي أمانة تعزز انتماء الأجيال الشابة والجديدة. وترتبط بكل مناحي المجتمع الفلسطيني، بدءاً من رياض الأطفال، وكافة المؤسسات الأهلية الفلسطينية التي أخذت ترعى هذه الثقافة، بالحفاظ على ذاكرة خصبة، تلتصق بالهوية والتاريخ والوطن. إن تحويلها إلى حركة شعبية صاعدة، يتطلب أولاً توسيع قاعدتها في المخيمات، والتنسيق بين روافدها ومجموعاتها المختلفة في نشاطاتها المشتركة، وتطوير صيغ عمل تنطلق من القوة الأخلاقية لحق العودة، وإبراز العنصرية الصهيونية العائق في وجه العودة. الهوامش: (1) سليمان، فهد "خارطة الطريق إلى أين؟" مجلة "الحرية" الفلسطينية الأعداد من 943 إلى 948. ونخص هنا الفصل الخاص المعنون "السياسة الإسرائيلية وحق العودة". (2) سفير إسرائيل السابق في ألمانيا. (3) "دي فيلت" و"يديعوت أحرونوت" 15/7/2003. (4) المصدر السابق نفسه. (5) "الحرية" مصدر سابق. (6) د. أبو ستة، سلمان "حق العودة مقدس.. وقانوني .. وممكن". (7) يديعوت أحرونوت 10/7/2003 "توجد سابقة لافرت وكفر برعم تؤكد حق العودة". (1) 1، 2، 4، 8، 16، 32.. الخ. (2) 1، 2، 3، 4، 5، 6.. الخ. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |