مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 24 السنة الثامنة 2006
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

قضية اللاجئين الفلسطينيين والسياسات الإسرائيلية ـــ أسمهان شريح

برزت قضية اللاجئين الفلسطينيين، كأبرز عقبة في طريق عملية التسوية التي دعت لها الولايات المتحدة في العام 1991بعد حرب عاصفة الصحراء على العراق الشقيق.‏

ولما وجدت القيادة المتنفذة في م. ت. ف نفسها خارج التسوية، التفت على العملية برمتها، وأجرت اتصالات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، أفضت، عبر مفاوضات سرية، إلى اتفاق أوسلو، وما تبعه من ملاحق وبروتوكولات. وفي هذا، أيضاً، بقيت قضية اللاجئين ، العقبة الكأداء التي اعترضت المفاوضات. لذلك فقد تم ترحيلها مع بقية قضايا الصراع مثل القدس والحدود والمياه، إلى حين حلول ما يسمى مفاوضات التسوية الدائمة، التي كان يفترض أن تنطلق في موعد لا يتجاوز شهر أيار( مايو) 1996.‏

ونظراً لمركزية قضية اللاجئين وأهميتها وتعقيدها، فقد شغلت حيزاً واسعاً من اهتمام المعنيين بالقضية الفلسطينية عموماً، ومسألة التسوية، خصوصاً. إلاً أن الموقف الإسرائيلي من هذه القضية مازال بحاجة إلى المزيد من تسليط الأضواء عليه.‏

مقدمة:‏

استدعت الفكرة الصهيونية للاستيلاء على الأرض الفلسطينية، بالضرورة، فكرة الترحيل، وبذلك لم يكن ترحيل الفلسطينيين مجرد فكرة ثانوية في أذهان "الآباء المؤسسين" من النخبة الصهيونية السياسية، بل ثمة الكثير من الشواهد التي تشير إلى أن هؤلاء. وفي معرض الإفصاح عن خططهم المستقبلية للعمل ولمشاريع الاستيطان العملانية في المجالس الداخلية للحركة الصهيونية، كانوا يفكرون في تهجير واقتلاع وترحيل فلاحي فلسطين بانتظام، وإعادة توطينهم في البلدان المجاورة، لتمهيد الطريق أمام المشروع الصهيوني القائم على الاستيطان الإجلائي الإحلالي. وتكشف الأدبيات والوثائق الصهيونية، تزامن نشوء فكرة الترحيل مع نشوء المستوطنات الأولى في فلسطين، ونشوء الصهيونية السياسية؛ بل يذهب بعض المؤرخين إلى أبعد من ذلك، عندما قدم البريطاني ادوارد ميتفورد عام 1845 مذكرة إلى الحكومة البريطانية يطلب فيها إعادة توطين اليهود في فلسطين بأي ثمن، وإقامة دولة خاصة بهم تحت الحماية البريطانية". وكان ميتفورد من أوائل "الصهاينة الأغيار"، الذين تعرضوا لقضية الوجود البشري الفلسطيني، فاقترح إجلاء الفلسطينيين، وتوطينهم في أجزاء أخرى من الدولة العثمانية. (1)‏

في فترة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، أصبح النهج القائل بوجوب ترحيل الفلسطينيين خارج "الدولة اليهودية"، ركيزة أساسية استندت إليها الخطط الصهيونية؛ كما ظهرت أصوات مثل روتشيلد وجابو تنسكي، نادت بترحيل الفلسطينيين إلى العراق، وليس إلى سوريا وشرق الأردن، حيث اعتبرت هذه المناطق جزءا من "أرض إسرائيل".‏

علّق بن- غوريون أهمية بالغة على الترحيل القسري، حيث دون في يومياته بتاريخ 12تموز (يوليو) 1937:" إن ترحيل العرب قسرا عن الأودية التابعة للدولة اليهودية المقترحة يمنحنا شيئا لم يكن لنا قط عندما وقفنا على أقدامنا خلال أيام الهيكل الأول والهيكل الثاني؛ أي أن يكون الجليل خاليا من السكان العرب." (2)‏

وتطورت فكرة الترحيل عبر مقترحات وخطط مبرمجة منذ سنة 1937 إلى أن أصبحت خططا عملية توجت بخطة " دالت"، ومن ثم أصبحت سياسة واقعية منذ سنة 1948، وما بعدها. ما أدى إلى تهجير ثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني، وتحويل قضيته من قضية سياسية- وطنية، إلى قضية "إنسانية" لحفنة من اللاجئين، يتطلب حلهّا، إيجاد مساكن لهم، وإعادة تأهيلهم تمهيدا لتوطينهم في الأماكن التي وصلوا إليها. وهو ما يلخّص موقف الحركة الصهيونية، ومن ثم دولتها التي أقامتها من هذه القضية.‏

بعد ذلك راهنت الصهيونية، متمثلة بدولتها (إسرائيل) على عامل الوقت، وعملت على استغلاله، على أفضل وجه ممكن، متوهمة أن جيل النكبة سيموت، فيما سينسى الجيل الذي يليه قضيته ووطنه فلسطين. وبذلك يتسنى للمشروع الصهيوني، الاستقرار في فلسطين، والانتقال إلى تنفيذ مرحلته الثانية التي أعلن عنها بن غوريون، عشية إعلان "الدولة"- باعتبار قيامها تجسيدا للمرحلة الأولى- بأنها "امبراطورية إسرائيلية"؛ ما تطلب من "دولة الصهيونية" الناشئة، العمل في غير اتجاه لتكريس الأمر الواقع الجديد الذي تمثل بإفراغ فلسطين من أهلها. فرفضت عودة اللاجئين، وعملت على استصدار القوانين القاضية بمنع هذه العودة، وقامت باتخاذ الإجراءات الهادفة إلى ملء الفراغ الناجم عن طرد الفلسطينيين، باستقدام المزيد من اليهود وإسكانهم مكانهم. كما قامت السلطات الإسرائيلية بإجراءات للحيلولة دون أية إمكانية لعودة الفلسطينيين إلى بيوتهم وقراهم، عندما قامت بتدميرها تدميرا شاملا.‏

واستكمالا لإجراءاتها السابقة، سلكت السلطات الإسرائيلية خطا موازيا، رفضت عن طريقه الاستجابة لإرادة المجتمع الدولي في تسوية المسائل العالقة بينها وبين الدول المجاورة لها تمهيدا للوصول إلى إقامة " سلام" للتهرب من استحقاقاته، وفي مقدمها تعيين حدودها، التي خطها قرار التقسيم ( 181) لعام 1947، أو عودة اللاجئين التي نص عليها القرار 194 لعام 1948. ما عبر عنه بن غوريون بوضوح في مذكراته ليوم الرابع عشر من تموز( يوليو) 1949، بالقول:‏

" جاء أبا إيبان. لا يرى ضرورة للركض وراء السلام فإن العرب سيطلبون منا ثمناً: حدوداً، أو عودة لاجئين، أو كليهما، فلننتظر بضعة أعوام".‏

وهكذا تشكل الموقف الإسرائيلي الرافض لعودة اللاجئين الفلسطينيين؛ بالإضافة إلى التأكيد على أنه لا يمكن أن يكتب النجاح لأي حل، بعيداً عن هذا الاعتبار. فأخذت "إسرائيل" بالبحث عن حلّ لقضية اللاجئين يتجاوز حدود مناطق نفوذها.‏

أما بالنسبة للاجئين المقيمين فيما اصطلح على تسميته بـ " الدول المضيفة للاجئين"، فقد اجتهد الفكر الصهيوني في ابتكار المشاريع والأفكار والخطط الرامية إلى حلّ قضيتهم دون أن يتنازل عن الثوابت الصهيونية المتمثلة برفض الوجود الفلسطيني.‏

كان ما حصل سنة 1948، نتيجة عملية التطهير العرقي التي اتبعتها العصابات الصهيونية، من مشاهد للقرى المهجورة، والبيوت الخالية من أهلها بمثابة المعجزة بالنسبة للزعيم الصهيوني يوسف فايتس؛ إلاّ أنه ما لبث أن استدرك بأن معجزة، لا تخلق وضعاً مستقراً، لذا يجب منعهم أي (الفلسطينيون المطرودون) من أن يعودوا. كما يجب ملء الفراغ الذي خلفوه. وقد اعتبر بيني موريس صاحب الكتاب الشهير " طرد الفلسطينيين وولادة مشكلة اللاجئين"، أن قرار منع اللاجئين الفلسطينيين العودة إلى ديارهم من أهم القرارات التي اتخذتها حكومة دولة إسرائيل الفتية في عام 1948، ما يفسر فحوى المشاريع والخطط التي طرحتها " إسرائيل" منذ قيامها وهذه أبرزها:‏

المقترحات المقدمة قبل 1967:‏

بقيت قضية اللاجئين الفلسطينيين بعد قيام " إسرائيل" العقدة التي تحول دون الوصول إلى سلام في المنطقة. ورغم الضغوط الدولية والأميركية التي مورست على الدولة اليهودية الناشئة، بهدف حثها على إعادة اللاجئين، أو أعداد قليلة منهم، على الأقل، إلا أنها جابهت هذه الضغوط بحزم.‏

ولما اشترطت الأمم المتحدة على " إسرائيل القبول بالقرار 194، الذي تضمن حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة، كي تقبل عضويتها في المنظمة الدولية. فإن إسرائيل استخدمت المراوغة والمماطلة حتى تمكنت من استصدار القرار237، الذي منحها عضوية الأمم المتحدة.‏

كذلك رفضت، إسرائيل، العرض الأميركي لإعادة 100.000 لاجئ فلسطيني، والرامي إلى تليين الموقف العربي، وبالتالي فتح الطريق أمام المشروع الأميركي لإحلال السلام في المنطقة.‏

بعد ذلك أخذت " إسرائيل" بتقديم المقترحات والمشاريع والخطط القاضية بإيجاد حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، دون أن يتضمن أي منها عودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم، التي طردوا منها، كما نص عليها القرار 194.‏

خطط ومشاريع لحل قضية اللاجئين:‏

رفضت "إسرائيل"، كافة الاقتراحات والمشاريع المقدمة لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وتحدت المنظمة الدولية، والقوى الكبرى، حتى تلك الصديقة لها مثل أمريكا. واستعاضت عنها بمقترحات ومشاريع فصلتها على قياس مصالحها ومستقبل كيانها العنصري. من أبرز هذه المقترحات:‏

مقترحات تقدم بها وزير الخارجية الإسرائيلي موشيه شاريت، في 21/11/1955 أثناء زيارته للولايات المتحدة، لتحقيق " تسوية سلمية للنزاع". ومما تضمنته مقترحاته، استعداد إسرائيل لجمع الأموال اللازمة للتعويض على اللاجئين، وقبولها القرض الذي عرضته الولايات المتحدة للمساهمة في إعادة إسكانهم وتوطينهم. مع التأكيد الإسرائيلي على ضرورة توطين اللاجئين في الدول العربية(3).‏

مشروع تقدم به رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول، في الكنيست في 17/5/1965، لتحقيق السلام بين العرب و"إسرائيل"، تحدث عن " توجيه جزء من الموارد الضخمة للمنطقة باتجاه إعادة توطين اللاجئين ودمجهم في بيئتهم الوطنية الطبيعية، أي الدول العربية، مؤكداً أن "إسرائيل" على استعداد للمساهمة المالية مع الدول الكبرى في عملية توطينهم، باعتبارها الحل الوحيد، الذي يناسب مصالحهم الأساسية والحقيقية، ويناسب المصالح الإسرائيلية أيضا" (4).‏

أحدثت نتائج حرب 1967، تغييراً على الموقف الإسرائيلي من قضية اللاجئين الفلسطينيين؛ حيث كانت الأراضي الفلسطينية التي استولت عليها إسرائيل تضم عدداً كبيراً من اللاجئين.‏

الإجراءات الإسرائيلية في مواجهة قضية اللاجئين بعد 1967.‏

بعد 1967، وجدت "إسرائيل" نفسها في مواجهة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين مباشرة، وبالتالي لم يعد الهدف من طرح الحلول لقضية اللاجئين الوصول إلى سلام، بل ظهر مفهوم " ضمان أمن إسرائيل"، خاصة أن مخيمات اللاجئين في الضفة والقطاع، إلى حاضنة للمقاومة الشعبية ضد الاحتلال. وهكذا حدث تحول في الهدف من وراء طرح مشاريع حل قضية اللاجئين، حيث لم تعد مطروحة لمخاطبة المجتمع الدولي، بل غدت جزءاً من الهم اليومي، والهاجس" الأمني" للاحتلال الإسرائيلي. وتمحورت الحلول حول التنمية الزراعية والاقتصادية كمدخل لحل، يزيل المخيم يقضي على صفة اللجوء. ومن أهم المشاريع التي تداولتها الدوائر السياسية الإسرائيلية:‏

مشروع الون:‏

طرح آلون مشروعا متكاملا للتسوية مع الأردن عام 1968، تضمن تصوراً لمشكلة اللاجئين، وطريقة حلّها، عرضه في كتابه على النحو التالي:" توطين اللاجئين من قطاع غزة إلى جانب اللاجئين من الضفة الغربية في الضفة الغربية نفسها. . . تكثيف الزراعة، والتنمية الصناعية الملائمة، والخدمات اللازمة ستتيح ذلك. كذلك توطين جزء من اللاجئين في شبه جزيرة سيناء. والأفضل أن نقوم ، فورا، ببناء قرية نموذجية على حسابنا الخاص، كي تكون مثلاً وبرهاناً للعالم. لكن علينا أن نقوم بهذا العمل دون أن يفسر على أننا ننفرد في تحمل مسؤولية حل مشكلة اللاجئين. بعد تفريغ قطاع غزة من اللاجئين، يجب ضمه إلى إسرائيل، وليس إلى منطقة الاستقلال الذاتي - إذا وجدت بعد ذلك منطقة كهذه- ولا موجب لإعادته إلى الحكم المصري. بل يجب ضمه إلى إسرائيل دون لاجئين" (5).‏

مشروع دايان:‏

طرح موشي دايان وزير الدفاع الإسرائيلي، عام 1968، مشروعا غير متكامل لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين. وقد غلب عليه الجانب الأمني، بمعنى الشروع في اتخاذ إجراءات أمنية بهدف تحقيق ثلاث نتائج:‏

" أ- تصفية المخيمات بذريعة تخفيف الكثافة السكانية فيها- خاصة مخيمات قطاع غزة- بشكل تدريجي. وقد تجسد هذا الأمر، من الناحية العملية، في عدد من القوانين، كان ديان أصدرها بصفته وزيرا للدفاع، منها العقاب الجماعي، الإبعاد ونسف البيوت، وشق الطرقات لأمنية" في المخيمات، إضافة إلى بث الذعر والهلع وعدم الاستقرار بهدف دفع اللاجئين للهجرة إلى الضفة الغربية، وربما، وهو الأفضل،إلى خارج حدود فلسطين.‏

ب- توزيع اللاجئين في قرى جديدة، عن طريق الإغراء بالمساكن الأفضل، والخدمات العامة، وأماكن التشغيل، وبالتالي تحقيق الهدف نفسه.‏

ج- تجريد اللاجئين من صفة لاجئ- بعد نزوحهم من المخيمات- وإسكانهم وتشغيلهم. وهذا الأمر يسقط مشكلة اللاجئين في تصور الرأي العام العالمي، ويعفي إسرائيل من البحث عن حلول للمشكلة، كما يسقط بند الفلسطينيين في أية مفاوضات سلام، أو تسويات جزئية أو شاملة"(6).‏

إن مشروع دايان، وإن كان مختلفاً، من حيث الشكل، عن المشروعات الأخرى التي طرحت في هذا المجال، يحقق أهداف المشاريع الأخرى ذاتها، إنما يمتاز عنها بعدم إثارته لردود فعل عنيفة. فالمشروع لا ينص على توطين اللاجئين، بل على إيجاد الحلول للعائلات التي تهدمت منازلها بسبب العقاب الجماعي، أو شق الطرقات الأمنية، وتخفيف كثافة السكان. إضافة إلى هذا، فإن دايان أشار إلى أن أماكن السكن المعدة ربما تكون في العريش، وربما في الضفة الغربية، وربما خارج "إسرائيل" كلها. وقد قدمت الصحف الإسرائيلية غطاء كاملاً لمشروع دايان، الذي اتخذ طابع الإجراءات التي تنفذها سلطات الحكم العسكري:‏

"إن الازدحام في مخيمات اللاجئين يجعل مهمة قوات الأمن الإسرائيلية صعبة للغاية، حيث إن أكثر من عشر سكان مخيمات قطاع غزة (350 ألف نسمة) يتجمعون في مخيم جباليا، فالمخيم مزدحم بـ "المخربين"، والسكان لا يساعدون في أعمال الكشف عنهم، ولو أن إسرائيل أخرجت من مخيمات اللاجئين في القطاع 150 ألف لاجئ كمرحلة أولى، ووزعتهم في مدن الضفة الغربية، فستنخفض، دون شك، عمليات "القتل والإرهاب" في القطاع. خاصة، أن في مدن الضفة الغربية أماكن كافية للسكن والعمل أيضاً".‏

مشروع روحبوت:‏

تكونت إبان حرب 1967، لجنة من باروخ بكونيئالي والبروفيسور دي شليف لحل مشاكل اللاجئين ، ودعيت باسم جماعة " روحوبوت". وقدمت هذه الجماعة مشروعا حمل عنوان " اللاجئون الفلسطينيون والتطوير للمناطق المحتلة". وتضمن المشروع ستة بنود هي:‏

1- يشمل المشروع سكان المناطق المحتلة كافة، وهدفه الحقيقي إيجاد حلّ عملي لقضية اللاجئين الخاصة.‏

2- تقع على إسرائيل المسؤولية المباشرة لرفع مستوى حياة السكان في المناطق( المحتلة)، وهي مهتمة بتطوير المناطق نفسها، وإلى أن تتهيأ حلول في تلك المناطق، فإن تشغيل "العمال العرب" داخل إسرائيل مقبول.كما يجب إشراك عناصر خارجية في عملية التطوير.‏

3- يهدف المشروع إلى الإسراع في رفع مستوى سكان المناطق المحتلة، وزيادة الإنتاج، ليتاح التصدير منه إلى الخارج، ويستهدف جلب رؤوس أموال خارجية، كما يستهدف تقديم حوافز ومغريات للعمال من لاجئي قطاع غزة لجذبهم إلى الضفة الغربية.‏

4- تكون مصادر التمويل لهذه المشاريع حسب قائمة الأفضليات التالية: من "العرب المحليين سكان المناطق المحتلة، ومن عناصر عربية دولية، وإسرائيلية".‏

5- تتحدد مجالات العمل المطلوبة بـ: الصناعة، الورش، الزراعة، السياحة، التسويق، التجارة، البناء، الإسكان والخدمات العامة".‏

6- تتم المساعدة على إقامة مكاتب عمل عليا لتطوير المناطق ( المحتلة)، بحيث يكون لهذه المكاتب قوة تنفيذية. ومن تلك الوسائل إقامة شركات اقتصادية في المناطق( المحتلة)، ومؤسسات للتمويل، وشركات للإسكان.‏

ولما قدر في هذا المشروع أن سرعة الإخلاء تتراوح بين أربعة، وخمسة آلاف عائلة سنوياً، فإنها ستؤدي إلى حل مشكلة اللاجئين في غضون ثماني سنوات(7).‏

مشروع فايتس:‏

قدم الدكتور رعنان فايتس، وهو مهندس زراعي، وعضو مجلس أمناء معهد التخنيون في حيفا، ورئيس قسم الاستيطان في الوكالة اليهودية منذ عام 1963، عددا من المشاريع، وفي مراحل مختلفة، تناولت جميعها مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بشكل مباشر، وغير مباشر، وقد جمعت كلها، لاحقا، تحت عنوان "مشروع فايتس". ويطرح فايتس في مشروعه هذا، الذي نشر في بداية السبعينات، فكرة الاستفادة من مياه نهر الليطاني لإقامة مشروعات في الضفة والقطاع، بهدف تشغيل اللاجئين واستيعابهم.‏

وملخص المشروع: أن يتم نقل " فائض " مياه الليطاني عن طريق الأنابيب، ودمجها في مشروع المياه الإسرائيلي القطري من أجل تطوير الأقاليم العربية المحتلة، وإنشاء مشروعات زراعية وصناعية فيها، وكذلك إنشاء منطقة تجارية حرّة في غزة؛ وبذلك يمكن استيعاب مليون لاجئ، بما فيهم (400) ألف من خارج المناطق المحتلة (8).‏

أما الخطوط العريضة للمشروع، فقد نشرت عام 1969، وتحدثت عن توطين 50 ألف لاجئ في منطقة العريش والضفة الغربية, وركز على تخفيف الكثافة السكانية داخل المخيمات، وتوطينهم على أساس10% في الزراعة، والباقي في الحرف الصناعية والخدمات العامة، في أماكن ثابتة تقام لهذا الغرض. ومن ثم دفع تعويضات للاجئين الذين سيكونون في حاجة إلى المال لشراء المساكن الجديدة وترتيب حياتهم الجديدة، أيضا. كذلك من الممكن، أيضا، إيجاد مناطق في الضفة الغربية، يتم توطين اللاجئين فيها، على أساس تجمعات صغيرة، وربما متوسطة، على أن لا تأخذ طابع المخيمات (9).‏

مشروع دوف زاكين:‏

قدم دوف زاكين، وهو عضو سابق في الكنيست عن حزب المبام، مشروعه لحل مشكلة اللاجئين في أوائل السبعينات، واشتمل على النقاط التالية:‏

1- إفراغ المخيمات تدريجياً عن طريق منح حوافز اقتصادية، أهمها تقديم مساكن بسعر رمزي في مناطق قريبة من أماكن التشغيل الجديدة التي سيتم إنشاؤها. وتحسين الخدمات العامة في "المدن العربية" في الضفة والقطاع، بهدف خلق حوافز للاجئين، تدفعهم لمغادرة المخيمات. كما يجب أن تكون منتشرة في المدن، تجنباً لإمكانية أن تحمل طابع تجمعات اللاجئين، إلى جانب الحرص على الحيلولة دون إعادة الإسكان في المخيمات المخلاة.‏

2- الانتباه إلى أن إسهام الزراعة في زيادة العمال سيكون ضئيلاً.‏

3- التحديث عن طريق التصنيع، خاصة، نظراً لمحدودية قطاع الصناعة في المناطق المحتلة، وقربها من السوق، ووجود أيد عاملة رخيصة.‏

ولاحظ زاكين، استناداً إلى أبحاث ميدانية، أن مخيمات اللاجئين في أوضاعها الراهنة، آنذاك، تشكل عاملاً مساعداً على الاحتفاظ بالمشكلة؛ وفي هذه الحال ينبغي أن يكون إخلاء المخيمات، هدفا للسياسة الإسرائيلية؛ وإن لم يتم لها ذلك، عن طريق وضع الحوافز لتشجيع اللاجئين على مغادرتها طوعاً. وإلاّ يجب القيام بعمل مباشر، يؤدي إلى تجميد الميزة الاقتصادية للسكن في المخيم. مع التنبيه إلى الحذر من خلق انطباع بأن من شأن هذه السياسة القضاء على وضع اللاجئ (10).‏

وثيقة يسرائيل غاليلي"وثيقة الضم الزاحف": الوثيقة التي تشكل اتفاق وزراء حزب العمل حول سياسة "إسرائيل" في المناطق ( المحتلة )، هي توصيات من وزراء حزب العمل. ومما جاء فيها حول اللاجئين: تستمر الحكومة المقبلة في العمل في المناطق على أساس السياسة التي تنتهجها الحكومة الحالية، وبخاصة فيما يتعلق بتطوير الخدمات، والحكم العسكري، والاستيطان. تأهيل اللاجئين والتطوير في قطاع غزة: توضع خطة عمل لأربع سنوات، تهدف إلى تأهيل اللاجئين والتطوير في قطاع غزة، مثل إنشاء المساكن، وإصلاح المخيمات، والتدريب المهني والخدمات. بالإضافة إلى تسهيلات للإسرائيليين: تتضمن حوافز لتشجيع المبادرين الإسرائيليين على إقامة مشاريع صناعية في المناطق ( الضفة والقطاع). مقابل تقييد عمل العمال الفلسطينيين وراء "الخط الأخضر" (خط الهدنة)، وإقامة المستعمرات، وتجميع وشراء الأراضي لمقتضيات الاستيطان القائم والمخطط (شراء، أراضي الدولة، أراضي الغائبين، مبادلة أراض، ترتيبات مع السكان). بالإضافة إلى الترتيبات المتعلقة بضم القدس (11).‏

مشروع بيغن:‏

قدم بيغن رؤيته للتسوية، متضمنة اقتراحاته لحل مشكلة اللاجئين. ففي المؤتمر الثاني عشر لحزب الليكود سنة 1975، قدم مشروعا للتسوية انطلاقا من برنامج حزبه الانتخابي لعام 1973، الذي تضمن مجموعة نقاط تمثل وجهة نظر أقطاب الحزب للتسوية. ونصت النقطة الرابعة من المشروع على : " أن تبذل الجهود لإيجاد حل متفق عليه لقضية اللاجئين العرب وممتلكاتهم، ولمسألة ممتلكات اليهود الذين تركوا الدول العربية، وهاجروا إلى إسرائيل" (12). والجديد في مشروع بيغن، اشتراطه موافقة الجانب الإسرائيلي على حل قضية اللاجئين؛ ولما كان الموقف الإسرائيلي لا يزال يرفض عودة اللاجئين، فذلك يعني استمرار المشكلة وتزمينها بدلاً من حلها.‏

وفي إطار " السياسة الجديدة"، التي أقرتها في الرابع عشر من شهر آب ( أغسطس) 1977، حول "المساواة التدريجية في الخدمات" بين إسرائيل و"المناطق المحتلة"، كشفت حكومة الليكود أنها تعد لمشروع يتضمن حلا لمشكلة اللاجئين وتصفية المخيمات. وأشارت إلى أن جهوداً كبيرة ستبذل لجمع أموال من العالم، بهذا الصدد. وهو مؤشر جديد على تنصل إسرائيل حتى من المساهمة المادية في حل مشكلة اللاجئين، خشية أن يفسر ذلك على أنه شكل من أشكال الإقرار بمسؤوليتها عن هذه المشكلة.‏

مشروع بن بورات:‏

يعد مشروع مردخاي بن بورات من أخطر المشاريع الإسرائيلية، التي طرحت من أجل تصفية مخيمات الضفة والقطاع، حيث عرض عام1982علىالحكومة الإسرائيلية مشروعه الذي ناقشته الحكومة بدورها عام1983. ويقوم على إعادة إسكان اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في الضفة والقطاع، وإفراغ نحو28مخيماً من هاتين المنطقتين اللتين تضمان نحو250ألف لاجئ، وقد قررت الحكومة الإسرائيلية في حينها رصد مبلغ 1.5مليار دولار لتنفيذ ذلك المشروع، بيد أن المشروع لم ير النور بسبب تورط إسرائيل في حرب لبنان عام1982، وخشيتها من قيام هبة شعبية بين سكان المخيمات لمحاربة المشروع المشار إليه فيما هي مشغولة بحربها في لبنان(13).‏

ومن الجدير ذكره، أن هذه المرحلة شهدت خلافا على التمثيل الفلسطيني، رغم نجاح منظمة التحرير في انتزاع قرار من قمة الرباط العربية عام 1974، باعتبارها ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني؛ وانتزاع قرار مشابه من الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام نفسه.‏

خطة شامير:‏

تضمنت أن تنادي إسرائيل بجهود دولية من أجل حل مشكلة سكان مخيمات اللاجئين في "يهودا و السامرة "وقطاع غزة" ، من أجل تحسين أوضاعهم المعاشية، وإعادة تأهيلهم ، وإسرائيل مستعدة لأن تكون شريكاً في هذا الجهد (14).‏

مشروع رابين:‏

تضمن عقد مؤتمر دولي لبحث مشكلة اللاجئين التي نشأت عام 1948، كمرحلة أخيرة (15).‏

وهكذا يتبين أن الموقف الإسرائيلي من قضية اللاجئين، لم يتبدل من حيث الجوهر، منذ ظهور المشكلة عام 1948. بل شهد تبدلا، شكليا، تمثل بالتجاهل التام للاجئين المقيمين خارج فلسطين، وداخل الخط الأخضر، والاهتمام، فقط، باللاجئين المقيمين في المناطق المحتلة منذ عام 1967. وتعتبر " إسرائيل" أن المسؤولية عن اللاجئين المقيمين خارج نطاق سيطرتها، تترتب على الدول التي تؤويهم. وهو نهج بدأت باتباعه وما زالت؛ بل أنها أشركت الأونروا في هذه المسؤولية، بسبب استمرارها في تقديم بعض الخدمات لأعداد من اللاجئين.وهو ما يعرضه شلومو غازيت الباحث الكبير في مركز يافي للدراسات الاستراتيجية.‏

مشروع شلومو غازيت:‏

شلومو غازيت الباحث الكبير في مركز يافي للدراسات الاستراتيجي، كان قد شغل منصب منسق الأنشطة في الأراضي المحتلة من فلسطين سنة 1967، بالإضافة إلى منصب رئيس الاستخبارات العسكرية، أنجز سنة 1996، دراسة مهمة بعنوان: " قضية اللاجئين الفلسطينيين: الحل الدائم من منظور إسرائيلي". شكلت مرجعاً لأصحاب القرار في الجانب الإسرائيلي. وهي دراسة هامة، تعتبر أفضل تعبير عن الموقف الإسرائيلي من قضية اللاجئين الفلسطينيين. وأهميتها أنها وُضعت لتكون مرشداً للمفاوض الإسرائيلي في الحل الدائم، الذي كان يُفترض أن يصل إليه اتفاق أوسلو. وكان قد عرضها على النحو التالي:‏

"خلال سنة 1948، وفي حمى معارك حرب الاستقلال الإسرائيلية، اضطر مئات الآلاف من السكان العرب، إلى ترك ديارهم والبحث عن ملجأ في مناطق عربية فلسطينية" بعيدة عن ساحة القتال، أو حتى خارج حدود أرض إسرائيل الانتدابية؛ في دول عربية مجاورة". وهكذا يبدأ غازيت بحثه بنحت المصطلحات التي تخدم الرؤية الصهيونية من الشعب الفلسطيني وأرضه. وإمعاناً في التهرب من المسؤولية الصهيونية/ الإسرائيلية عن نكبة الشعب الفلسطيني، التي حولت ثلاثة أرباعه إلى لاجئين؛ يرى غازيت أنه في معرض البحث في مشكلة اللاجئين " ليس هناك من أهمية للسؤال: كيف ولدت مشكلة اللاجئين في حينه؛ أي قسم من اللاجئين سمع نداءات القيادة العربية الداعية إلى الجلاء مؤقتاً، على أن يعود إلى منازله بعد هزيمة إسرائيل، واستجاب لها؛ أي قسم طَُرد أو أُجلي بواسطة الجيش الإسرائيلي في أثناء استيلائه على مدنه وقراه؛ وأي قسم غادر هرباً من أهوال الحرب ومن المصير المجهول الذي ينتظره عند سيطرة قوات الجيش الإسرائيلي على بلدته". وبذلك يكشف غازيت سبب عدم أهمية السؤال لأنه لم يتمكن من تجاهل أن العصابات الصهيونية المسلحة قامت بطرد الفلسطينيين، وقامت بفظائع أسماها " أهوال الحرب" لدفع الفلسطينيين للهرب.‏

بعد ذلك لم يجد غازيت مناصاً من الاعتراف أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، التي تسبب بها كيانه، ما زالت دون حلّ لأن الأكثرية الساحقة منهم لم يسمح لها بالعودة إلى بيوتها وممتلكاتها في الجزء الذي اغتصبته العصابات الصهيونية المسلحة من فلسطين نتيجة حرب 1948، والتي بجرة من قلم غازيت أصبح اسمها " المجال الإسرائيلي".‏

ورغم الصفة الأكاديمية التي يتمتع بها غازيت فإنه يلجأ إلى لعبة الأرقام ليخفض من عدد اللاجئين، بغرض التقليل من حجم المشكلة، وبالتالي أهميتها؛ مستنداً في ذلك إلى الدور المشبوه الذي أدته وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين " الأونروا"، عندما استثنت من مجال عملها، وبالتالي خدماتها اللاجئين الفلسطينيين في كل من المناطق المغتصبة من فلسطين عام 1948، العراق، مصر، وبقية أماكن اللجوء التي انتشر فيها اللاجئون الفلسطينيون إبان طردهم.‏

وعليه لا يرى غازيت ضيراً من استخدام التعريف المعتمد لدى الأونروا في تعريف اللاجئ الفلسطيني وهو: "الشخص الذي كان يقيم بصورة اعتيادية في أرض إسرائيل خلال فترة لا تقل عن عامين، قبل نزاع عام 1948، وفقد كلاً من منزله ، ومصدر رزقه، ولجأ إلى إحدى الدول التي يقدم معونة فيها جهاز تابع لوكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين. إن اللاجئين الذين ينطبق عليهم هذا التعريف، وأنسالهم المباشرين، يحق لهم الحصول على مساعدة الوكالة إذا كانوا مسجلين في سجل الوكالة، ويقيمون في المنطقة التي تعمل فيها، ويعيشون في ضائقة".‏

وهكذا يتوافق تعريف الأونروا للاجئ الفلسطيني مع المصلحة الإسرائيلية، حيث يتضح أن تسجيل الأونروا، يعتمد على الحاجة إلى المساعدة، وينحصر في نطاق عملياتها؛ ما يشطب من سجلاتها، وبالتالي يسقط من حساباتها أعداداً من اللاجئين تزداد بمرور الزمن. ومع ذلك فإن غازيت يشكك بصدقية التسجيل في الأجهزة التابعة للأونروا، ويرى أنه من الجائز الافتراض بأن هذه الأرقام مبالغ فيها.‏

يعتمد غازيت تقديرات الأمم المتحدة لأعداد اللاجئين سنة 1949 المحدد بـ 700.000 نسمة، ورغم وجود معطيات أخرى تحدد عدد اللاجئين الفلسطينيين بأكثر من ذلك، لأن عمليات التهجير استمرت بعد هذا التاريخ، إلا أن غازيت يفضل إيراد التقديرات الإسرائيلية، التي قلصت العدد الإجمالي إلى 604.000 نسمة. ومع ذلك يرى غازيت أن لا أهمية للفارق بين الرقمين، حيث يتوجب النظر إليهما على أنهما يعبران فقط عن حجم المشكلة.‏

وعند استعراض مواقف الأطراف المعنية من مشكلة اللاجئين، يعتبر أن الفترة التي مضت لم تساعد في حل مشكلة اللاجئين بسبب الموقف العربي الحاسم من جانب اللاجئين والزعماء، والدول العربية المضيفة، الذي حال دون توزيع اللاجئين واستيعابهم، وإعادة تأهيلهم وإعادتهم إلى نمط حياة طبيعي. وقد استفادت، يضيف غازيت هذه السياسة من إنشاء الأونروا التي رسخت مكانة اللاجئين من خلال منح بطاقة اللاجئ، وإنشاء مخيمات اللاجئين كوحدات قائمة خارج مسؤولية الدول الموجودة فيها، ومتميزة عن بيئتها الطبيعية، وتوزيع وجبات غذائية للاجئين بصورة منتظمة.‏

وهكذا يحمل غازيت جميع الأطراف المعنية بقضية اللاجئين المسؤولية عن استمرار مشكلة اللاجئين، في حين يبرئ الطرف الذي تسبب بخلق المشكلة. وإمعاناً في التضليل،يرى غازيت: أنه في حين أبدت الحكومة الإسرائيلية استعداداً للسماح بعودة 100.000 لاجئ فلسطيني إلى قراهم سنة 1949، فإنها تراجعت عن اقتراحها بعد ذلك بفترة وجيزة ( وعلى أرضية رفض العرب قبول هذه البادرة والاكتفاء بها). ومنذ ذلك الحين، رفضت الحكومات الإسرائيلية كلها مناقشة إعادة لاجئين، من الناحيتين المبدئية والعملية. وعلى مر الأعوام الماضية، يتابع غازيت، استجابت إسرائيل لالتماسات فردية،وسمحت لبضع عشرات من آلاف اللاجئين بالعودة إلى أراضيها لأسباب إنسانية.، في إطار " جمع شمل العائلات" لكنها، في الوقت نفسه، رفضت عودة اللاجئين بصورة جماعية رفضاً باتاً.‏

يقرّ غازيت بأن أي تسوية إسرائيلية- فلسطينية دائمة لا تحل مشكلة اللاجئين من الأساس، لا يمكن أن تكون حلاً فعلياُ للنزاع وقابلاً للبقاء. وفي هذه الحال، لن يكون نشوب موجة جديدة من العنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين سوى مسألة وقت. ذلك لأن عطش الفلسطينيين إلى حل "عادل"، سيبقى عاملاً أساسياً مستفزاً ومحرضاً في جدول الأعمال السياسي العربي، عامة والفلسطيني خاصة. أما في الجانب الإسرائيلي، يتابع غازيت، فإن عدم تسوية هذه المشكلة سيترك رواسب عميقة من الخوف في قلوب الكثيرين، ممن سيخشون أن يواصل الفلسطينيون السعي لمحو إسرائيل من خريطة الشرق الأوسط.‏

ويستغرب غازيت موقف المؤسسة السياسية الإسرائيلية- بمختلف اتجاهاتها الحزبية- التي تكاد تتجاهل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وضرورة إيجاد حل لها، ناهيك عن إيلائها أولوية سياسية عليا. ومن الظواهر التي يراها غازيت باعثة على الدهشة في هذا السياق، الموقف الذي اتخذته إسرائيل في المباحثات المتعددة الأطراف، التي تعالج مسألة اللاجئين. فبدلاً من أن تكون هي الجهة التي تدفع إلى مناقشة المشكلة والبحث عن حلول لها، وبدلاً من أن تطرح الموضوع في المباحثات مع الفلسطينيين بشأن اتفاقيتيّ أوسلو والقاهرة، فقد تجنبت طرح الموضوع ومناقشته، ومطالبة الفلسطينيين بتبني مقاربة واقعية على الفور.‏

ولا يبدو للمتابع لقضية اللاجئين الفلسطينيين في عملية التسوية، أن الاستغراب يجب أن يتأتى من استعجال الجانب الإسرائيلي البحث في قضية اللاجئين ، وعدم ترحيلها إلى حين حلول موعد المفاوضات حول التسوية النهائية، التي تبين أن الجانب الإسرائيلي غير راغب في الوصول إليها ، لأنه غير مستعد لدفع أي استحقاق يترتب على إنجاز التسوية. هذا من جهة ، ومن جهة أخرى، فقد تبيّن من خلال متابعة مجريات عملية التسوية، أن الجانب الإسرائيلي قد استفاد من تأجيل البحث في قضية اللاجئين، حيث عمل على إنضاج الشروط مع الجانب الفلسطيني المفاوض، التي تسمح بالقفز عن تسوية قضية اللاجئين في إطار إنجاز حق العودة إلى الديار والممتلكات بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194. وهو ما وجد تعبيراته المختلفة سواء من خلال التفاهمات والوثائق التي أُنجزت بين شخصيات محسوبة على السلطة الفلسطينية، من قبيل تفاهمات يوسي بيلين- أبو مازن، وقريع بيريس، ونسيبة- أيالون. أومن خلال التصريحات التي صدرت عن شخصيات على رأس هرم السلطة الفلسطينية بدءاّ من الراحل ياسر عرفات في مقاله الشهير لصحيفة نيويورك تايمز سنة 2003، وصحيفة هآرتس سنة 2004.‏

وقد وصلت هذه التجاوزات والتنازلات مرحلة متقدمة بإنجاز وثيقة "جنيف/ البحر الميت" سيئة الصيت، و تواصلت ممهدات شطب حق العودة بتصريحات أبو مازن إبان توليه رئاسة السلطة الفلسطينية، لكل من صحيفتي دير شبيغل، ونيويورك تايمز؛ وبلغت ذروتها بمناشدته "الدول العربية" منح جنسياتها للاجئين المقيمين فيها. وقبل ذلك كان موقع صحيفة "يديعوت أحرونوت" باللغة العربية، قد أبرز بخط عريض على صفحته الأولى منذ عامين العبارة التالية: أبو مازن جاهز للتخلي عن حق العودة.‏

حدد غازيت مستويين للرفض الإسرائيلي لحق العودة:‏

* الأول مبدئي حيث ينطوي اعتراف إسرائيل بهذا الحق على الإقرار بمسؤوليتها عن نشوء المشكلة، وربما بتحمل تبعاتها.خاصة، أن " إسرائيل" لا تعتبر نفسها، قطعياً، مسؤولة عن حرب 1948. بل على العكس من ذلك، فإنها تلقي تبعات مشكلة اللاجئين كلها على عاتق الجانب العربي- الفلسطيني، ولا فارق إطلاقاً، في هذه الحال ما إذا كان زعماء عرب هم الذين شجعوا السكان الفلسطينيين على مغادرة ديارهم، أو إذا ما كان هروبهم قد نجم عما يسميه غازيت "أهوال الحرب". إن هذا التحفظ، حسب غازيت، يبقى قائماً حتى في حال لم تطرح على جدول الأعمال عودة فعلية للاجئين إلى " الأراضي الإسرائيلية"، فكيف بالأحرى، يتابع غازيت،إذا كان ثمة إمكان لأن يرغب عدد صغير أو كبير منهم في العودة إلى "الأراضي الإسرائيلية"، في حين أن الاعتراف بمبدأ حق العودة يحرم "إسرائيل" حق النقض، ويحرمها من التحكم في كمية العائدين.‏

* والمستوى الثاني للرفض الإسرائيلي لحق العودة كما يحدده غازيت، هو عملي: حيث لا توجد إمكانية عملية لإعادة اللاجئين إلى منازلهم وأراضيهم من دون " تقويض نسيج الشعب والمجتمع في إسرائيل كلها". وهو حجة يفندها السعي المحموم من قبل السلطات الإسرائيلية لجلب المزيد من المهاجرين اليهود, وفي حال تعذر جلب اليهود، فإنها تلجأ لتهويد قبائل هندية مستغلة سوء أوضاعها الاقتصادية.‏

ويبلغ الموقف الإسرائيلي ذروته من اللاجئين الفلسطينيين, الذي عبر عنه غازيت بالقول : إنه أمر طبيعي ومفهوم أن يكون الرأي السائد في " إسرائيل" معارضاُ لعودة نازحي 1967، الذين كانوا من لاجئي 1948، حتى إلى مخيماتهم في الضفة والقطاع.‏

ويعرب غازيت عن استغرابه واستيائه من عدم إقدام إسرائيل على مطالبة الفلسطينيين التعهد بالعمل على تصفية مشكلة اللاجئين الفلسطينيين إبان مباحثات أوسلو والقاهرة، سواء أثناء بلورة المبادئ، أو خلال البحث في تفصيلات تطبيق اتفاق غزة- أريحا. حيث كان يتعين على "إسرائيل"، على الأقل، أن تطالب بأن يتعهد الفلسطينيون العمل، مع خروج إسرائيل من قطاع غزة وإقامة " السلطة الفلسطينية"، على تصفية مشكلة اللاجئين المقيمين داخل القطاع: إلغاء المكانة القانونية- الرسمية الخاصة باللاجئ، السعي لخروج الأونروا من مناطق القطاع ووقف دعم الوكالة وتوزيع الحصص الغذائية من قبلها، وبدء مشروع لتفكيك المخيمات من خلال إقامة أحياء ومواقع سكنية دائمة لسكانها.‏

ومع ذلك يعتبر غازيت أنه من غير المستبعد أن تسنح الفرصة مجدداً للبحث في هذا المطلب مع الجهات الفلسطينية.‏

وهو ما يبدو أنه قد تم فعلاً، بدليل أن إجراءات السلطة الفلسطينية في القطاع بحق المخيمات الفلسطينية، تشي بأنها تستجيب لهذا المطلب الإسرائيلي.‏

كذلك فإن السلطات الإسرائيلية طالبت الأونروا بوقف عملها في القطاع إبان إخلاء المستوطنات صيف العام الماضي، إلاّ أن الأونروا عارضت المطلب الإسرائيلي بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعانيها القطاع بسبب الممارسات الإسرائيلية إبان الانتفاضة.‏

ولا يكتفي غازيت بالتأكيد على موقف كيانه المتنكر لحق عودة لاجئي عام 1948 الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم بل إنه يتدخل، وبشكل فظ، حتى في مسألة عودة نازحي عدوان 1967، إلى المناطق التي سوف تكون خاضعة للسلطة الفلسطينية، فيشترط أن تكون عودة هؤلاء بأعداد قليلة ومضبوطة، ووفق قيود تتمثل بأن يكون لهؤلاء بيوت وعائلات، ويجب أن تقترن العودة، كذلك، بالقدرة الاقتصادية – التشغيلية للاقتصاد المحلي الفلسطيني، والدراسة الحذرة لتوزيع العائدين في المنطقة، كيلا يشكلوا مشكلة توسعية- أمنية.‏

وبذلك فإن القيود التي تفرضها " إسرائيل على عودة نازحي 1967إلى مناطق السلطة الفلسطينية بموجب عملية التسوية، تقارب رفض حق العودة لاجئي 1948.‏

وما بين اعتراف " إسرائيل" بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، وبين الرفض المطلق لعودة أي لاجئ، يرى غازيت أنه ثمة حل وسط يتمثل باتفاق ثنائي على حصة محدودة، يتم الاتفاق عليها سلفاً بين الطرفين، بشأن حجم اللاجئين الذين سيسمح بدخولهم إلى " إسرائيل". وهو أقصى ما قدم في محادثات كامب ديفيد الثانية (16).‏

اللاجئون في مباحثات كامب ديفيد 2:‏

عرضت الأكاديمية الإسرائيلية تانيا راينهارت في كتابها: " إسرائيل/ فلسطين سبل إنهاء حرب 1948"، معلومات هامة عما دار في مباحثات كامب ديفيد 2 بشأن قضية اللاجئين الفلسطينيين. قبل ذلك من المفيد التعريج على ما أوردته في مقدمة كتابها المذكور، كونه يشكل وجهة نظر فئة من الأكاديميين الإسرائيليين حول قضية اللاجئين الفلسطينيين.فمما قالته راينهارت: " تأسست دولة إسرائيل في العام 1948، بعد حرب يدعوها الإسرائيليون حرب الاستقلال، في حين يطلق عليها الفلسطينيون اسم النكبة. كان هناك شعب ملاحق، مضطهد، سعى لأن يجد لنفسه ملاذاً ودولة، وحقق مسعاه على حساب شعب آخر دفع لقاء ذلك أجراً فادحاً. في حرب 1948 تلك، قام الجيش الإسرائيلي بترحيل نصف السكان الفلسطينيين، الذين كانوا يعدون في ذلك الحين 1,38,000 نسمة، خارج ديارهم". . وهكذا فإن راينهارت المحسوبة على "جماعات السلام" الإسرائيلية، تعترف بما اقترفته العصابات الصهيونية بحق أصحاب فلسطين الأصليين وهم الشعب الفلسطيني؛ إلاّ أنها رغم ذلك تبرر هذه الجريمة التي تقرّ بأنها حملة تطهير عرقي، باعتبارها "ليست عملية استثنائية في التاريخ، فما فعله الإسرائيليون لا يقارن بالتطهير العرقي الواسع الذي مارسه المستوطنون الأمريكيون وحكومتهم على سكان أمريكا الأصليين". وتضيف راينهارت: " ولو أن إسرائيل توقفت عند ما حدث في العام 1948، لاستطعت، ربما، التعايش مع ذلك الواقع، إذ إنني، كإسرائيلية، ترعرعت وأنا أعتقد بأنه يمكن الصفح يوماً ما عن هذه الخطيئة الأولى التي قامت عليها دولتنا".‏

وتتابع راينهارت أنه ، في العام 1967، ونتيجة للحرب الشاملة مع الدول المجاورة، "هربت" موجة جديدة من اللاجئين الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة، بلغ عددهم وفق المصادر الإسرائيلية 250.000 نسمة.‏

وتورد راينهارت وصف شارون لحربه على الفلسطينيين إبان انتفاضة الأقصى، بأنها " القسم الثاني من حرب 1948".وهو نفس الوصف الذي استخدمه العسكريون الإسرائيليون، ما يعني، والتفسير لراينهارت، أن التطهير العرقي لم ينجز في العام 1948 بشكل كامل، ما ترك للفلسطينيين أراضيَ أكثر مما ينبغي. وعلى الرغم من أن غالبية الإسرائيليين، تضيف راينهارت، قد تعبوا من الحروب ومن الاحتلال، فإن "قيادة إسرائيل السياسية والعسكرية، لا تزال مدفوعة بجشعها للأرض والموارد المائية والسلطة. من هذا المنظور، فإن حرب 1948 لم تكن سوى الخطوة الأولى في استراتيجية، أكثر طموحاً، وأبعد مدىً.‏

وتبيّن راينهارت أن فكرة إسرائيل الجوهرية، هي أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية حل مشكلة اللاجئين. وتضمنت الفكرة مساهمة المجتمع الدولي بمبلغ عشرين مليار دولار خلال فترة تتراوح بين 15 و20 عام، وذلك من أجل الوفاء بكافة مطالب اللاجئين. على أن تمنح هذه الأموال كتعويض عن ممتلكات اللاجئين، وكمساعدة للبلدان التي سوف يستوطنون فيها. إذ ستعرض على اللاجئين خيارات ثلاثة: الاستقرار في الدولة الفلسطينية، أو البقاء حيث هم، أو الهجرة إلى بلدان تفتح لهم أبوابها طوعاً مثل كندا وأستراليا والنرويج". أما المفاوضون الفلسطينيون فقد طالبوا بأن تقدم لهم إسرائيل، وبصورة مستقلة عن الأموال الدولية، مساهمة، ولو رمزية، تعويضاً عن الممتلكات الفلسطينية المفقودة. إلاّ أنه لم يجرِ أي تفاوض حول مقدار المبلغ لأن الإسرائيليين رفضوا الفكرة من أساسها. والالتزام الوحيد الذي تضمنه "العرض السخي" الذي تقدم به باراك كان في حرية استقرار اللاجئين في الكيان الذي سيطلق عليه اسم " الدولة الفلسطينية" إذا شاؤوا ذلك. إلا أن العديد من الدلالات يشير إلى أن باراك، والكلام لراينهارت، لم ينوِ يوما حتى السماح بهذا. وفي مناقشات منفصلة طالبت إسرائيل بالإشراف الكامل على حدود الدولة الفلسطينية مع مصر والأردن، وذلك لمراقبة تسلل " مهاجرين محتملين"، تحديداً. وعلى المستوى الرمزي المتعلق "برواية الأحداث"- أي هل إسرائيل مستعدة للاعتراف بمسؤوليتها عن مشكلة اللاجئين أم لا. إن حل هذه المسألة لن يكلف إسرائيل ثمناً مادياً. وأقل ما يمكن لباراك أن يقدمه إذا كان يسعى إلى "إنهاء الصراع" هذا هو الاعتراف. فخلق روح تصالحية لن يعرض للخطر أيا من مصالح إسرائيل المعلنة. ومع ذلك، فحتى هذه الإشارة الرمزية كانت كثيرة جدا بالنسبة لباراك الذي رفض التحدث عن دور إسرائيل في مشكلة اللاجئين، وأكد بدلاً من ذلك على صيغ مبهمة تعترف بمعاناة اللاجئين لكن ليس بمسؤولية إسرائيل عنها. (17)‏

وبذلك فإن الموقف الإسرائيلي من قضية اللاجئين الفلسطينيين لم يطرأ عليه تطور يذكر، منذ نشوء هذه القضية وحتى اليوم، لا زمن الحرب ولا زمن التسوية. فالوجود الفلسطيني على أرض فلسطين ينسف من الأساس المشروع الصهيوني الذي قام على تلفيق أسطورة فراغ فلسطين من شعبها، بهدف تحقيق دولة يهودية.‏

مما سبق يمكن الوصول إلى أن "إسرائيل"، بنت سياستها من قضية اللاجئين وفق مبادئ ثابتة تضمنتها العديد من المشاريع التي حملت أسماء مختلفة، وقدمت في فترات متفاوتة. كان أهمها مشروع شلومو غازيت، الذي استفاد من كل ما سبق أن توصل إليه الفكر السياسي والأكاديمي الصهيوني. وقد استندت المشاريع الإسرائيلية كافة إلى النقاط الرئيسة التالية:‏

1 ـ رفض الاعتراف بالمسؤولية الأخلاقية والسياسية والتاريخية عما لحق باللاجئين الفلسطينيين من نكبات واقتلاع وتشريد، وتحميل مسؤولية ذلك للدول العربية، بذريعة أنها شجعت الفلسطينيين على الهرب، ومغادرة مساكنهم على أن تعيدهم إليها بعد انتهاء الحرب.‏

2 ـ رفض الاعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم، التي هجّروا منها في العام 1948،وترى أن هذه العودة تتعارض مع فكرة قيام دولة يهودية. لأن من شأن هذه العودة تحويل الفلسطينيين إلى أكثرية، تقضي على يهودية الدولة.‏

3 ـ التنصل من المسؤولية عن استمرار مشكلة اللاجئين، وذلك من خلال تحميل الدول المضيفة لهم، بالإضافة إلى الأونروا مسؤولية استمرار المشكلة، وتزمينها. بحجة أن الأولى أبقت على المخيمات، ورفضت منح قاطنيها لجنسياتها؛ وأن الثانية حافظت على وضعية اللجوء ومكانة اللاجئ باستمرارها تقديم المعونات للاجئين.‏

4 ـ مطالبة الدول المضيفة للاجئين، بأن تتبع حيالهم السياسة التي اتبعتها " إسرائيل" تجاه اليهود الذين غادروا الدول العربية إليها، حيث منحتهم جنسيتها، ووطنتهم لديها.‏

5 ـ تبني مفهوم حق العودة الفلسطيني، يقضي بعودتهم إلى أراضي الدولة الفلسطينية، المزمع قيامها. وحتى هذه العودة لن تكون مطلقة وعشوائية، بل يجب أن تكون تدريجية، وتخضع لتفاهمات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.‏

6 ـ الترويج لفكرة، أن الدولة الفلسطينية، في حال قيامها، لن يكون بمقدورها استيعاب جميع اللاجئين؛ وبذلك فإن تجنيس الفلسطينيين، ودمجهم في محيطهم حيث يقطنون يغدو الحل الأمثل.‏

7 ـ تجزيء قضية اللاجئين عبر التمييز بين اللاجئين في الضفة والقطاع، واللاجئين في الشتات. وعليه ترى " إسرائيل"، أن الحل وفقاً لهذه الرؤية، يكون ذا شقين: الأول خاص بلاجئي الضفة والقطاع، ويقوم حل مشكلتهم بالتطوير الاقتصادي عبر إنشاء المشاريع الهادفة إلى توفير العمل لهم؛ على أن يسبق ذلك بتخفيض أعداد اللاجئين في القطاع( حيث تتجاوز نسبتهم ثلثي تعداد السكان)، وذلك بترحيلهم إلى الضفة، وبناء مساكن لهم تلغي صفة المخيم، باعتباره الشاهد على نكبة التهجير. وبذلك لا يتجاوز الحل الإطار الاقتصادي والإنساني. أما بقية اللاجئين فتحل مشكلتهم بتوطينهم في الدول التي يقيمون فيها ومنحهم جنسياتها.‏

8 ـ الاستعداد للمساهمة في توفير الأموال اللازمة لتمويل حل مشكلة اللاجئين عبر التوطين/ والتعويض، دون أن يعني ذلك، اعترافاً من " إسرائيل" عن مسؤوليتها عن نشوء هذه المشكلة.‏

9 ـ ضرورة حل وكالة الغوث، وإنهاء خدماتها، كشرط لازم لحل قضية اللاجئين، باعتبارها شاهداً على وجود قضية اللاجئين الفلسطينيين من جهة، كما أن استمرارها يوفر للاجئين الإحساس الدائم باللجوء، والحاجة إلى المساعدة.‏

10 ـ التأكيد على حل قضية اللاجئين كشرط لازم للوصول إلى حل دائم للصراع مع الفلسطينيين. ما يعني عدم أحقية الفلسطينيين بإثارة أية مطالب أمام الإسرائيليين.‏

11 ـ المقايضة بين الموافقة على قيام دولة فلسطينية، وحل قضية اللاجئين عن طريق إلغاء حق العودة.‏

وبالنتيجة، فقد أدى التصلب الإسرائيلي الرافض لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم، بالإضافة إلى ظروف ذاتية وموضوعية، إلى دفع بعض الأطراف الفلسطينية، من بينهم قيادات مسؤولة إلى الإعلان عن استعدادها للتخلي عن حق العودة إلى الديار والممتلكات، هذا إن لم تكن قد تخلت عنه فعلاً، مقابل الوصول إلى تسوية مع الجانب الإسرائيلي. وبذلك فإن هذه الأطراف، إنما تعتمد في مواقفها على الحدود التي يرسمها الجانب الإسرائيلي، ما يعرّض للخطر ليس فقط قضية اللاجئين، بل معها كل الحقوق الوطنية الفلسطينية. وهو ما يؤكده إعلان إيهود أولمرت رئيس حزب كاديما عن مشروعه في الضفة الفلسطينية، والذي يقضي بضم أكثر من 50% من مساحة الضفة ( بما فيها القدس والأغوار) لـ " إسرائيل"، في سياق الحل الدائم، الأمر الذي يعني أن الدولة الفلسطينية المرشحة للقيام، لن يكون بمقدورها توفير شروط السكن حتى لأبنائها المقيمين، أصلاً، في ما تبقى من الضفة والقطاع. وهكذا يغدو الحديث عن "عودة" مزعومة للاجئين إلى "الدولة الفلسطينية" من باب التمنيات، ليس إلاّ، ولا يستند إلى أية مقومات حقيقية.‏

الهوامش:‏

1- د. أمين عبد الله محمود، مشاريع الاستيطان اليهودي منذ قيام الثورة الفرنسية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، عالم المعرفة، الكويت، شباط/ فبراير، 1984، ص24- 25.‏

2- نور الدين مصالحة، طرد الفلسطينيين/ مفهوم "الترانسفير" في الفكر والتخطيط الصهيونيين 1882- 1948،مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت،1992 ،ص21. عن موشيه شاريت، "يوميات سياسية 1936- 1938" ( بالعبرية)، ( تل أبيب: عام عوفيد، 1971، المجلد 2، ملاحظة ليوم 12حزيران/ يونيو 1937، ص450‏

3- الموسوعة الفلسطينية، القسم العام، المجلد الأول، ص 549.‏

4- المصدر نفسه والصفحة نفسها.‏

5- مكرم يونس، المشروعات الإسرائيلية لتوطين اللاجئين (1967- 1978)، شؤون فلسطينية، مركز الأبحاث في م. ت. ف، بيروت، العدد 86، كانون الثاني ( يناير) 1979، ص 109 المصدر نفسه،. عن: محاضر الكنيست 7/8/1968،ص 3120- 3121.‏

6- يونس، مصدر سبق ذكره، عن معاريف 26/7/‏

1971.‏

7- حبيب قهوجي، استراتيجية الصهيونية وإسرائيل تجاه المنطقة العربية، والحزام المحيط بها، مؤسسة الأرض، الطبعة الأولى، دمشق 1982، ص 39- 40.‏

8- يونس، مصدر سبق ذكره، عن معاريف 26/7/‏

1971.‏

9- المصدر نفسه عن: معاريف 20/8/1971.‏

10- فاطمة شعبان، اللاجئون في المشاريع الإسرائيلية بعد عام 1967،صامد الاقتصادي، دار الكرمل، عمان، العدد 106، خريف 1996، ص 203.‏

11- الموسوعة الفلسطينية، القسم العام ، المجلد الثالث، هيئة الموسوعة الفلسطينية، الطبعة الأولى، دمشق 1984، ص 383- 384.‏

12- نواف الزرو، مشاريع التصفية الإسرائيلية للمخيمات، صامد الاقتصادي، العدد 83، عن د. الياس شوفاني، مشاريع التسوية الإسرائيلية 1967- 1978، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ص11.‏

13- إيليا زريق، اللاجئون الفلسطينيون والعملية السلمية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت،‏

1997.‏

14- الموقع الإلكتروني للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة.‏

15- أسمهان شريح، مشاريع التوطين الإسرائيلية (1973- 1991)، المجموعة 194، العدد 16، خريف 2005، دمشق، ص‏

16- شلومو غازيت، قضية اللاجئين الفلسطينيين: الحل الدائم من منظور إسرائيلي، الدراسات الفلسطينية، العدد 22 ربيع 1995، ص 78- 113.‏

17- تانيا راينهارت، إسرائيل فلسطين سبل إنهاء حرب 1948، ترجمة رندة بعث، ورشا الصباغ، دار الفكر، دمشق الطبعة الأولى 2004، ص 82- 96.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244