مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 24 السنة الثامنة 2006
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

«فلسطين والفلسطينيون» بحث في الاقتصاد السياسي للشعب والقضية يقترب من الموسوعية ليخاطب العقل الغربي ـــ عرض وتعليق:أحمد صوان

لا تزال قضية فلسطين: الأرض والشعب, شاغلة لعدد كبير من الباحثين والمهتمين بالشأن العام العربي والدولي, باعتبارها أبرز تجليات الظلم التاريخي لشعب عريق, على أرضه أقيم احتلال استيطاني صهيوني, بتواطؤ دولي من كبريات الدول الامبريالية في العالم, بهدف تصدير إحدى أبرز مشاكل أوربا في القرن العشرين (المشكلة اليهودية) بكل تداعياتها خلال القرون المنصرمة إلى خارج إطار الجغرافيا الأوربية, وتالياً من أجل الذهب الأسود (النفط) والحفاظ على استمرار استخراجه وتصديره لتشغيل عجلة الصناعة المتطورة في أوربا الحديثة, وفي العالم الجديد, الولايات المتحدة الأميركية, كأبرز ظواهر التجلي العنصري الأوربي الذي صنع في أميركا, وما زال محتفظاً بحبل الحياة معها..‏

وربما, من الكتب القليلة, أو النادرة, يأتي كتاب (فلسطين والفلسطينيون) لمؤلفه د. سميح خليل فرسون, الذي يحاول متابعة البحث والاهتمام بهذه القضية, لكن وفق أرضية ومنهجية نظرية تقوم على دراسة تطورات القضية من زاوية علم الاجتماع السياسي تارة, ومن منطلق الاقتصاد السياسي تارة أخرى, دون إغفال العالم التاريخي في صناعة هذه القضية وتأريخها, بل إن الانتباه إلى مفهوم الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع السياسي في فهم التاريخ هو أحد أبرز هموم هذه الدراسة البحثية الهامة, التي استندت في مرجعياتها إلى كثير من الوثائق والدراسات, والكتب والدوريات المنشورة باللغة الإنكليزية على عكس معظم الكتب التي عالجت هذه القضية من منطلق الفهم العروبي, وحافظت على أهمية الوعي العربي بهذه القضية وتطوراتها, وبذلك يمكننا الاستنتاج, بداهةً, أن هذا الكتاب الذي يقترب في شغله من العمل الموسوعي, قد نسج خيوطه بهدف مخاطبة العقل الغربي (الأميركي والأوربي تحديداً) لإيصال القضية بكل فروعها وتشعباتها لتكون مفهومة من قبل (الآخرين) ليتسنى صياغة حوار سياسي ناضج وفاعل مع قوى وشخصيات عالمية, ولاسيما منها الأكاديمية, بغية تحقيق إنجاز سياسي وإعلامي يخترق تلك المجتمعات ويقف نداً أمام الدعاوى والإطروحات الصهيو ـ إسرائيلية التي تهيمن على عقول غالبية الشرائح المثقفة في تلك المجتمعات, وهذا الدور, وتلك المهمة التي يقوم بها نفر من المثقفين الفلسطينيين والعرب الحاملين للجنسية الأميركية, ما كان لها أن تنجح, أو تحقق إنجازاتها لولا الجهود المكثفة, والعمل الدؤوب في المجال الأكاديمي والإعلامي, الذي يقترب من عمل وجهد مؤسسات بحث عريقة ومتكاملة, ولها ميزانياتها الخاصة, وجهات تشرف عليها, في حين اقتصرت أعمال نبذة من المثقفين الفلسطينيين والعرب الذين نعنيهم هنا, على عقد الندوات والمحاضرات وإصدار الكتب والنشرات, والكتابة في مختلف الصحف والمجلات الأميركية, بغية إيصال الصوت العربي, عالياً في أروقة غرف يملؤها الضجيج الصهيو ـ إسرائيلي...‏

من هنا, فإن ترجمة هذا الكتاب الصادر باللغة الإنكليزية في الولايات المتحدة الأميركية عام 1997, والاهتمام بنشره باللغة العربية مع بعض الإضافات والتعديلات, بناء على رغبة من (مركز دراسات الوحدة العربية ـ المصدر للطبعة الأولى منه في بيروت في نيسان 2003) هدفها تسويق أفكاره ومنطلقاته النظرية بين القراء العرب المهتمين بشأن القضية الفلسطينية وتطوراتها, أي تسويق النظرة الموضوعية, العلمية, ودون خطاب التعبئة الموسومة به معظم الكتب العربية, وكأن المسألة بانت تقترب من طاولة الحوار (مع الآخر) على قاعدة مشتركة, وإلا ما هي جدوى هذه الترجمة التي تخاطب العقل الغربي (بكل برودة) وبأدواته نفسها, ليطلع عليها القراء العرب؟! هل بتنا, الآن, بحاجة لمن يعيد علينا صياغة تاريخنا الذي رضعناه, وعشناه, ونعرف عنه ما لا يعرفه سوانا؟! أم أن المسألة هي في إنضاج العقل العربي, بتعددية الرؤية وسماع أصوات أخرى لها الاهتمام نفسه الذي نوليه لقضيتنا الوطنية والقومية؟! بل ربما هناك من يريد تعميم المنطق السياسي نفسه المستند إلى فهم الظواهر التاريخية, والقضايا الوطنية, بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية, ودرجة تأثر تلك القضايا بالبعدين الاجتماعي والاقتصادي, كمكون للإمام في مرحلة النهوض والتحرر والانطلاق نحو المستقبل؟ أي بمنتهى الوضوح, أن يتم تسويق (الفكر الليبرالي) ونظرته السياسية للأمور, وفق مبدأ ومنطق (المصلحة أولاً) أي تغليب المصالح الأيديولوجية أو العقائد الناظمة للصراع..‏

هل يقول هذا الكتاب (يقع في 663 صفحة من القطع الكبير) كل ذلك بوضوح تام؟! بالطبع: لا.‏

لكن لا ضير أبداً, بعد قراءة هذا الكتاب بفصوله التسعة, وملاحقه وجداوله, من القول: إن الاطلاع على هذا البحث المشغول بعناية فائقة ضروري, بل أكثر من ضروري... حتى نفهم ـ نحن رواد البحث العربي والكتابة بالعربية ـ أن ثمة معالجة أخرى للقضية نفسها التي نوليها اهتمامنا, ولهذه المعالجة محدداتها, وأدواتها وأهدافها أيضاً!!‏

وحتى لا يظنن أحد أننا نشكك بهذا الكتاب, أو نظهر مثالب ما ذهب إليه مؤلفه, فإننا نؤكد أن ثمة التقاء في التوجهات في بعض ما ذهب إليه أو تطرق لـه, لكن ثمة أيضاً اختلافات وتعارضات في الوقت نفسه, ولكي لا نذهب بعيداً, سنورد أمثلة محددة..‏

إن أخطر ما حدث بشأن قضية فلسطين, أنها ـ كما يحاولون ـ باتت أكثر (فلسطنة) أي إخراج الصراع من مفهومه (القومي) إلى مفهوم مغرق في (القطرية) رغم أن مؤلف هذا الكتاب يعترف صراحة بأن فلسطين والفلسطينيين "الشعب العربي الأصلي لفلسطين" (ص25) "كانوا" من حيث "تاريخهم وثقافتهم وديانتهم جزءاً لا يتجزأ من العالمين العربي والإسلامي"(27) أي أن واقع الاحتلال (الإسرائيلي) سلخهم عن (وجودهم) و(كانوا) عوضاً عن أنهم (ما زالوا) يحققون (وجودهم) بالانتماء إلى الوطن العربي..‏

فهل الخروج السياسي (المؤقت) وعدم ظهور (دولة فلسطينية) يعني خروجهم من التاريخ العربي الحديث؟‏

ثمة نظرة مغايرة للواقع في ما هو (واقع متحول) ليصير (واقعاً ثابتاً) أي تكريس (الواقع) كقدر محتم, في حين أن المعالجة التاريخية تؤكد استحالة بقاء الواقع كما هو عليه (استاتيكيو) بل هو متغير, وكذلك فإن "المصافحة التي جرت في واشنطن خلال اتفاق أوسلو (أيلول 1993) لا يمكن النظر إليها على أنها "خلقت واقعاً جديداً سيغير من طبيعة الصراع العربي ـ الإسرائيلي, ومستقبل الفلسطينيين والشرق الأوسط لأجيال قادمة" (ص27) إلا إذا نظرنا إلى ما جرى بمعزل عن سياقه التاريخي بانهيار جبهة الصراع العربي ـ الإسرائيلي منذ اتفاقيات كامب ديفيد وما تلاها, فحركة التاريخ هي حركة الشعوب, وتلك هي المقولة التي يحاول هذا الكتاب تغييبها وفق (ليبرالية فاقعة) لا تنظر إلى (حتمية التاريخ) كحركة فاعلة للشعوب في حريتها وتقرير مصيرها..‏

ولعل أقسى ما يمكن للمرء تصوره هو أن يذهب المؤلف لتقرير واقع الشعب الفلسطيني وقضيته بأنها "قضية محورية تتشكل بسببها المواقف, ليس فقط ما يتعلق بالنزاعات بين دول المنطقة (وطبعاً إسرائيل واحدة منها) بل أيضاً بين الجماعات السياسية المتناحرة, وبين أنظمة الحكم في عدد من الدول, وغدت مسألة فلسطين مسألة مركزية بالنسبة إلى الحركات السياسية, العلمانية منها والدينية والعقائدية, التي تتضارب في أرجاء المنطقة" (ص27) أي بمعنى أوضح فإن قضية فلسطين, والفلسطينيين أيضاً, هما عامل عدم استقرار في المنطقة, ماذا يعني ذلك؟ هي ينبغي حل القضية بمعزل عن محيطها العربي, وبمعزل عن مسببها الأصلي (عامل النفط) أم أن استقرار المنطقة بنفطها هو الثمن الذي ينبغي أن يدفعه الفلسطينيون (كرمى لعين إسرائيل) وحليفتها (الولايات المتحدة) التي تحاول إقناع العرب بالتخلي عن قضية فلسطين كونها عاملاً يعيق تطور العلاقات الثنائية معها, وتركها لواشنطن (لتحلها) بمعرفتها؟!.‏

حيث يقول الكاتب "وبما أن الأمر أصبح متشابكاً مع العلاقات السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة, وهي الدولة العظمى الراعية لإسرائيل, فقد صار من باب أولى للحكومات العربية أن تسعى جاهدة لاحتواء التناقض المهدد للاستقرار, إن لم تسع لإزالته كلياً, وذلك بحل مشكلة فلسطين" (ص34) وهكذا تحولت قضية فلسطين من قضية مركزية ومحورية للعرب إلى "مشكلة" ينبغي "احتواؤها" لإزالة عدم الاستقرار في المنطقة..‏

إنها "ديماغوجيا" سياسية تحاول تسويق "عقلانيتها" بتبرير "وجود" إسرائيل واستمرار "بقائها" ولا تدعو إلى "إزالة الاحتلال" أو استثمار العلاقات العربية الجيدة (نفطياً) مع أميركا بغية إعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني, وهي حقوق مقوننة دولياً, وغير قابلة للتصرف..‏

وإلى حين أن تفهم الولايات المتحدة, والغرب الأوروبي عموماً, ما هو سرّ حيوية الشعب الفلسطيني و"نشاطه المتواصل" فإن وقائع كثيرة ستجري على الأرض, ودماء كثيرة ستبذل, إلى أن تعود الحقوق إلى أصحابها كاملة غير منقوصة.‏

لكن, تبقى في ختام هذه النظرة غير الشاملة لهذا الكتاب, نقطة لابد من إبرازها, لأنها تظهر بقوة في تلافيف جمل الكتاب, وحتى في اختيار مراجعه ومصادره, ألا وهي النظرة الطائفية الضيقة, التي تنظر إلى المشرق العربي على أنه "شعوب وحكومات" (ص30) بحيث يستخلص المؤلف "إن فلسطين وشعبها من المسلمين والمسيحيين يؤلفان نسيجاً واحداً في شبكة المنطقة المعقدة في تكوينها البشري والاجتماعي والسياسي" (ص28).‏

أليست تلك هي نظرة الصهيونية المسيحية, وما يعرف بـ "الإنجيليين" أو "المحافظين الجدد" الذين يخططون لاستباحة الوطن العربي لا يرونه إلا من منظار (هرتسل) الأب الروحي للحركة الصهيونية, ولا يرون (إسرائيل) فيه إلا كقوة "للحضارة الغربية في مواجهة همجية الشرق"؟!‏

سؤال, هو برسم من سيجيب عليه, وإن كنا نظن أن ترجمة كتاب نشر في الولايات المتحدة ليخاطب العقل الغربي ـ بما يريد ـ من العبث ترجمته إلى العربية, إلا إن كنا نعتبر ما يكتب للآخرين, ينبغي أن يكون وجبتنا المفضلة في الألفية الجديدة؟!.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244