مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 25 السنة الثامنة 2006
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الإسلام – الماركسية علاقة الالتقاء والاختلاف ـــ محمد الحنفي

قبل المقدمة واجب التوضيح:‏

إن موضوع "الإسلام/الماركسية: علاقة الالتقاء والاختلاف" قد يجعل الكثيرين يستغربون طرحه الآن، وفي هذه الظروف بالخصوص لكونه لم يعد وارداً في فكر المتنبئين الجدد الذي يعمل كل مباضعه، وما توفر لديه من إمكانيات لجعل الفكر الماركسي عدواً للإسلام، وعدواً للمسلمين. ويسعى فكر المتنبئين الجدد، وعن جهل بفكر الماركسية، إلى جعل المسلمين "يجاهدون" ضد الماركسية والماركسيين، وبدون معرفة حقيقية لا بالماركسية ولا بالماركسيين لإتاحة الفرصة أمام السياسة الرأسمالية عن طريق عولمة اقتصاد السوق بطريق همجية. نجد استمرار المتنبئين الجدد في تناول الماركسية والماركسيين بالتجريح والنبذ، دعماً لعولمة الاستغلال الرأسمالي وسعياً إلى تكريس التخلف عن طريق سيادة الفكر الذي يفتقد العقلانية التي أصبحت قاعدة في ممارسة الفكر البورجوازي، والبورجوازي الصغير، والإقطاعي، وهو ما يتنافى مع تطور العلوم والتقنيات الحديثة كما يتنافى مع الدعوة إلى تعميم الممارسة الديمقراطية وحقوق الإنسان في جميع الدول التابعة التي يسود فيها النظام الاشتراكي دون الدول الرأسمالية أو المحكومة بالنظم المتخلفة المرتمية في أحضان أمريكا دون قيد أو شرط.‏

إن تناولنا لموضوع الإسلام والماركسية، ومعالجتنا لعلاقة الالتقاء والاختلاف، إنما يهدف إلى تجديد التفكير فيهما سعياً إلى زحزحة ما أصبح أو ما أريد لـه أن يكون من الثوابت وهو العداء القائم بين الماركسية والإسلام الذي لا يعبر عن العداء المطلق بقدر ما يعبر عن عداء مؤدلجي الدين الإسلامي للماركسية باعتبارها منهجاً علمياً يسعى إلى تحليل الواقع، والكشف عن التناقضات القائمة فيه، وتفجيرها والتسريع بتجاوزها في أفق تحقيق المجتمع الاشتراكي، وهو ما لم يسع إليه الإقطاعيون وأشباههم البورجوازيون وكل من يتطلع إلى أن يكون كذلك.‏

فالكشف عن خلفيات تكريس عداء "الإسلام" للماركسية يعتبر من مهمة المثقفين الثوريين الذين تقتضي الأمانة العلمية أن يكونوا على معرفة عميقة بالإسلام وبالماركسية معاً، من أجل البحث العميق في العلاقة بينهما، وإزالة اللبس الذي يبثه مؤدلجو الدين الإسلامي لتشويه صورة الإسلام. فالإسلام إسلام، والماركسية ماركسية، وشروط ظهور كل منهما مختلفة، وأهدافهما مختلفة، مع إمكانية التقاطع بينهما. وهو ما يمكن اعتماده للقول بأن العداء بين "الإسلام" والماركسية عداء مفتعل، وهو ما يستلزم التصدي لـهذا الافتعال لإرجاع الصراع إلى وضعه الحقيقي كصراع بين الطبقات الموجودة على أرض الواقع، لا بين السماء والأرض، لأن صراعاً من هذا النوع هو تحريف للحقيقة، وظلم للواقع، وفقدان للعلم، وابتئاس للمنهج. ولذلك رأينا أنه من الضروري تناول الموضوع أعلاه، إثارة لـه، ومساهمة في النقاش الذي يجب استرجاعه إلى الساحة النظرية بصفة عامة والفكرية بصفة خاصة حتى تتم إعادة النظر في المقولات الجاهزة عند مؤدلجي الدين الإسلامي ومحولي الماركسية إلى عقيدة. وذلك فهو المبتغى الأسمى الذي نسعى إليه، لأن إعادة النظر إذا تم الاقتناع بها تعني أننا نعترف بالجناية على الإسلام، وعلى الماركسية معاً، والمستفيد الأول من تلك الجناية هم المستغلون الحاكمون المستبدون من "المسلمين" في بلاد المسلمين أنى كان لونهم، أو كانت هويتهم، سواء كانوا إقطاعيين أم شبه إقطاعيين أم رأسماليين أم شبه رأسماليين. فهم المستفيدون وحدهم من كل صراع غير حقيقي وغير مشروع. لأن الصراع المشروع وحده يرعبهم، إنه الصراع الحقيقي بكل تجلياته الذي يعملون على تغييبه واستبداله بأشكال أخرى من الصراع. كالصراع بين مذاهب الدين الواحد كالسنة والشيعة في الإسلام، والكاثوليك والبروتستانت في المسيحية. وقد وجدوا في "الإسلام" والماركسية مبتغاهم، فافتعلوا الصراع بينهما في الوقت الذي لم يسبق لـهم أن افتعلوا الصراع بين "الإسلام والرأسمالية. وكان المفروض أن يكون الأمر كذلك، إلا أن المستغلين المنتمين إلى طبقة الرأسماليين وما يشابهها استطاعت بذكائها الاستغلالي افتعال الصراع بين "الإسلام" والماركسية بعد أن اكتسبوا المتنبئين الجدد إلى جانبهم بشراء ذمتهم: وهو ما يساعد على تغييب المعنيين بالصراع، والمعنيين بالاستغلال، وذلك هو مبتغى الاستغلاليين الحاكمين المستبدين.‏

فهل يعمل المثقفون الثوريون، والمتنورون على إزالة الغشاوة عن أعين الناس؟‏

إنها مسافة الزمن بين التضليل وبين الرؤيا الواضحة للطريق الصحيح. والطريق الصحيح هو عودة الوعي الحقيقي إلى أصحابه الحقيقيين.‏

مقدمة:‏

مع حلول عصر العولمة، وانهيار المعسكر الاشتراكي وسيادة الرأسمالية الهمجية المتجسدة في اقتصاد السوق. وظهور بوادر مقاومة من نوع جديد لـهذا الاقتصاد، وتكثيف الحديث عن حقوق الإنسان الذي يعكس الغياب الفعلي لـهذه الحقوق، وحلول خطر "الإرهاب" محل "الخطر الشيوعي" الذي وظفت لمقاومته إمكانيات ضخمة، لا من أجل القضاء عليه، لأنه ليس موجوداً أصلاً، بل من أجل القضاء على النظام الاشتراكي الذي يستقطب أنظار الشعوب المقهورة، وكاد الحديث عن الماركسية يختفي من الكتب، والمجلات، والصحف، وسائر وسائل الإعلام، وكأن الماركسية أصبحت سبة يتجنب الجميع أن ينعت بها. وأصبح العديد من الماركسيين، الذين نفتخر بكتاباتهم يعلنون توبتهم أمام أعتاب أنظمة البترودولار. وفي نفس الوقت يتم الترويج لخطابات المتنبئين الجدد بكل الوسائل الممكنة وخاصة إذا كانوا "ماركسيين" سابقين، وغير الممكنة لمحاربة الفكر الاشتراكي العلمي، وتصبح الشعارات الأيديولوجية المنسوبة إلى "الإسلام" هي الهدف الذي تستقطب شعوب المتنبئين الجدد إلى تحقيقه.‏

فحلول عصر العولمة هو تتويج لخطة رأسمالية إمبريالية همجية تسعى إلى تحقيق السيطرة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية على شعوب الأرض التي توظف لمحاربة الفكر الماركسي على أساس أنه ينشر "الإلحاد" و"الكفر" بين المسلمين، وتقديم الدعم الذي لا حدود لـه لأقلام المتنبئين الجدد التي تبشر بـ "الإسلام". وتنشر "الفكر الإسلامي الذي لا يمكن اعتباره إلا أيديولوجية ظلامية تستهدف تقويض الفكر العلمي، وزعزعة المنهج العلمي الذي هو جوهر الماركسية لتمهيد الطريق أمام اكتساح النظام الرأسمالي العالمي للقارات الخمس، والسطو على الخيرات الاقتصادية واستغلال الموارد البشرية وتعميم اقتصاد السوق، وبسط الطرق والممرات أمام الشركات العابرة للقارات، وإغراق الأنظمة التابعة بالمزيد من الديون.‏

وبالمقابل فـ "الإسلام" انطبع في أذهان الناس في جميع أنحاء العالم بما أصبح يعرف بالإسلام السياسي الذي يقود الثورة المضادة للحركة الماركسية بكل الوسائل الممكنة، وضد الأنظمة التابعة، وعلى رأسها الدولة الصهيونية التي قاومها الماركسيون منذ البداية، من أجل الوصول إلى السيطرة على الكرة الأرضية بعد أن تلقوا دعماً محدوداً من قبل أمريكا لمقاومة "المد الشيوعي" وإلى جانب "الإسلام السياسي" هناك "الإسلام" الرسمي الذي تحتمي به الأنظمة التابعة التي توظفه لقهر شعوب المسلمين المقهورة خدمة لأمريكا، ومحاربة الماركسية المتجسدة في حركاتها كأحد أوجه تلك الخدمة.‏

أما الإسلام الحقيقي الذي يبث القيم النبيلة في نفوس المسلمين ومسلكياتهم الفردية والجماعية، ويوطد الروابط الروحية والاجتماعية بين المسلمين في كل البلاد الإسلامية، هذا الإسلام هو ما يصطلح على تسميته بالإسلام الشعبي لامتزاجه بالعادات والتقاليد والأعراف، وبراءته من الممارسة الإسلامية الرسمية والتي تختزل الإسلام في مجموعة من التيارات "الإسلامية".‏

وفي هذا الإطار سنعالج العلاقة بين الإسلام كعقيدة وكشريعة، وبين الماركسية كمنهج للتحليل وكهدف، واقفين على الشروط التاريخية التي ظهر فيها الإسلام، والشروط التاريخية التي ظهرت فيها الماركسية، واختلاف دور الإسلام عن دور الماركسية، ولجوء التيارات "الإسلامية" إلى تحويل "الإسلام" إلى ممارسة أيديولوجية مما يمكن اعتباره ممارسة تحريفية، واقفين على أهداف الإسلام وأهداف الماركسية ومجيبين على السؤال: ما هي نقط الالتقاء، ونقط الاختلاف؟ ومستشفين حقيقة عداء الإسلام للماركسية وهل هو عداء حقيقي وأصيل في الإسلام؟ أم هو مجرد ادعاء أيديولوجي؟ وكذلك حقيقة الماركسية للإسلام وهل هو قائم في الفكر الماركسي والممارسة الماركسية؟ أم أنه مجرد افتعال من قبل المتمركسين؟ وعاملين على الإجابة على السؤال هل يصبح إطلاق المقولة الماركسية "الدين أفيون الشعوب" على الإسلام؟ أم أنه مجرد زعم لا علاقة لـه بالشروط التاريخية التي جاءت فيها تلك المقولة؟ ومستعرضين بعض أوجه ظلم بعض الماركسيين للإسلام، وظلم الإسلاميين للماركسية وواقفين على إمكانية لاهوت إسلامي ماركسي، وعلى كرامة الإنسان بين الإسلام والماركسية مستقبلاً. وبذلك نكون قد قمنا بتحليل موضوعي للعلاقة بين الإسلام والماركسية كمساهمة لمد الجسور بينهما من أجل مواجهة المد الرجعي المتخلف المتمثل في واجهتين: واجهة همجية اقتصاد السوق، وواجهة المتأسلمين الذين يؤدلجون الدين الإسلامي لتحقيق أهداف طبقية وسياسية معينة.‏

الإسلام كعقيدة وكشريعة:‏

وحتى لا تختلط الأمور في أذهاننا ونتيه بين التيارات والفصائل والأحزاب المؤدلجة للدين الإسلامي الحنيف والتي تعادي الماركسية بشكل مطلق وتعطي الأولوية لمحاربتها على أي نمط آخر من التفكير والممارسة حتى ولو كان أكثر عداء للإسلام، وأكثر استغلالاً للمسلمين كما هو الشأن بالنسبة للنظام الرأسمالي الهمجي.‏

فالإسلام الذي نقصده هو الذي يهدف إلى تربية الروح الإنسانية في الأفراد والجماعات، ويسعى إلى تطهير المسلكيات الفردية والجماعية من كل ما يضر بالعلاقات بين الأفراد والجماعات، ويحط من كرامة الإنسان، ويسعى بكل ذلك إلى حفظ تلك الكرامة التي هي قوام الوجود البشري. وإسلام كهذا يتجسد في مستويين من التربية الروحية والخلقية:‏

المستوى الأول: الإسلام كعقيدة، وهو إسلام يتجسد في مجموعة من الشعائر الدينية التي تكتسب بعداً اجتماعياً أثناء ممارستها وسعياً إلى تحقيق أهدافها، كشعيرة الصلاة التي تهدف أولاً وقبل كل شيء إلى تطهير المجتمع من كل المسلكيات الخبيثة. فقد قال الله تعالى في هذا الإطار (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر( فالفحشاء والمنكر مسلكيتان اجتماعيتان خبيثتان يتجنب الناس ممارستهما بسبب التشبع بالدين الإسلامي، المعبر عنه بأداء فريضة الصلاة، وكذلك الشأن بالنسبة لشعائر الزكاة والصيام والحج، فهي كلها تعبيرات مختلفة عن الانتماء إلى الإسلام وتسعى إلى تحقيق أهداف اجتماعية سامية.‏

المستوى الثاني: الإسلام كشريعة الذي يتمثل في القوانين المنظمة للعلاقات بين المسلمين فيما بينهم، وبين المسلمين وغيرهم. وتلك القوانين والتشريعات التي تستمد قوتها من القرآن الكريم والحديث الشريف وتتغير بتغير الزمان والمكان حتى تتلاءم مع المستجدات التي تطرأ عبر ما يصطلح على تسميته بالاجتهاد والقياس والإجماع. والشريعة ليست جامدة بقدر ما هي مرتبطة بتحول أحوال المسلمين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية. وقابلة للملاءمة مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ما دامت تلك الحقوق تهدف إلى تحقيق كرامة الإنسان التي هي غاية الشريعة الإسلامية. وما أصاب الشريعة الإسلامية من جمود ما هو إلا من فعل المتزمتين والمتطرفين الذين يسعون إلى المحافظة على مصالحهم الطبقية المرتبطة بنمط التفكير المتزمت والمتخلف الذي لا علاقة لـه بحقيقة العقيدة ولا بحقيقة الشريعة في هدفيهما وسعيهما إلى تحقيق كرامة الإنسان.‏

وانطلاقاً من هذا التصور يمكن أن نقول: إن الإسلام لا علاقة لـه بالرأسمالية ولا بالاشتراكية ولا بالماركسية، ولا بأي نمط من أنماط الإنتاج أو التفكير، فإن ما نراه من مقاربة بالمذاهب الاقتصادية والفكرية إنما هو مجرد إقحام لـه في كل ذلك. وهو إقحام فيه تعسف، ولا يمارسه إلاَّ المتنبئون الجدد الذين يسعون بكل ما أوتوا من قدرة على أدلجة العقيدة والشريعة إلى بقاء المسلمين الكادحين والمقهورين والفقراء والمتخلفين بعيدين عن كل التيارات الفكرية والمذاهب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية حتى يبقوا في خدمة المتنبئين الجدد الطبقية، وحتى لا يتملكوا وعياً يؤهلهم للسعي إلى التسريع بتطوير أوضاعهم العامة والخاصة.‏

الماركسية كمنهج للتحليل:‏

ولإزالة الخلط القائم في مختلف الكتابات وخاصة منها تلك التي يدبجها المتنبئون الجدد، فإن الماركسية جاءت كثورة على أوضاع اقتصادية واجتماعية وثقافية ومدنية وسياسية تغلغلت فيها همجية الاستغلال الرأسمالي في المجتمعات الرأسمالية خلال القرن التاسع عشر ليمتد بعد ذلك إلى القارات التي تحولت إلى مستعمرات للدول الرأسمالية الاستعمارية وأهم شيء في الماركسية هو المنهج العلمي بقوانينه الدياليكتيكية والتاريخية التي وظفها الماركسيون في كل بقاع العالم من أجل الكشف عن القوانين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتحكمة في الواقع حتى تستطيع الحركات المناضلة تغيير ذلك الواقع اعتماداً على تلك القوانين المتحكمة فيه.‏

ومنهج التحليل الماركسي ليس وحياً من السماء وليس من أدوات محاربة الوحي الآتي من السماء، أنه اكتشاف خلاق ومبدع وقام به مؤسسا ورائدا الماركسية ماركس وأنجلز انطلاقاً من التطور الذي عرفته العلوم الطبيعية، والرياضيات والفلك وتعاظم المكتشفات العلمية والمخترعات التكنولوجية، وتسارع عملية السيطرة على الطبيعة وتسخيرها لخدمة الإنسان الذي أصبح يتجسد في الطبقة الرأسمالية المالكة لوسائل الإنتاج.‏

ويهدف المنهج الماركسي من وراء تحليل مكونات الواقع، واكتشاف القوانين المتحكمة فيه إلى تمكين المقهورين والمستغلين بقيادة الطبقة العاملة من امتلاك الوعي اللازم للانخراط في النضال من أجل تغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والمدني والسياسي والوصول إلى تحقيق التوزيع العادل للثروة والخدمات والقضاء على كل أشكال الظلم والقهر والاستبداد من أجل مجتمع بلا استغلال بلا طبقات.‏

ولا يمكن للمنهج الماركسي أن يكون علمياً إلاَّ إذا استحضر مختلف المكونات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي ينطلق منها كمعطيات حتى يكون التحليل سليماً ومتكاملاً ومؤدياً إلى نتائج علمية صحيحة.‏

وبالنسبة للمجتمعات التي تعتنق الدين الإسلامي، فإن النهج الماركسي يجب أن يستحضر هذا المكون الرئيسي والأساسي الذي يقتضي التعامل معه، والمعرفة به، وبالشروط التاريخية التي وجد فيها، واستطاعته الوصول إلى جميع القارات الخمس واستقرار الإيمان به واتساعه وصولاً إلى استغلاله لاستنهاض الشعوب المقهورة من أجل مقاومة القهر وتحقيق العدالة الاجتماعية. فاستحضار الإسلام، واعتناق العديد من الشعوب المقهورة لـه في التحليل الماركسي لواقع تلك الشعوب الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والمدني والسياسي ودوره في تربية الشعوب وتوجيه مسلكياتها الجماعية والفردية. يعتبر مسألة أساسية وضرورية ليس من منطلق محاربته كما قد يعتقد البعض كرد فعل على ما يقوم به المتنبئون الجدد في حق الماركسية، والمنهج الماركسي بل من أجل استثمار تأثيره في الشعوب الإسلامية في الاتجاه الصحيح.‏

وتحليل كهذا يستحضر الإسلام ودوره في الشعوب الإسلامية لا يتناقض أبداً مع مادية المنهج الماركسي، ولا مع مثالية الإسلام. لأن التناقض في التحليل غير وارد، ولأن مثالية الإسلام تتحول إلى واقع مادي عندما يكون بعيداً عن الإيديولوجية لأن الإسلام الحقيقي ليس هو الإسلام المؤدلج. فالإسلام الحقيقي يتجسد في القيم النبيلة التي يتشبع بها الأفراد والجماعات وأما الإسلام المؤدلج فيقف وراء قيم أخرى تدفع إلى إعلان العداء لكل ما هو مادي، وخاصة المنهج المادي لا لأنه مادي بل لأن التحليل القائم على ذلك المنهج يكشف وهم الأيديولوجية وتغذية ذلك الوهم المنتج لقيم الإرهاب التي أصبحت تنسب إلى الإسلام. وهذا التمييز يعتبر كذلك أساساً وضرورياً لتكريس احترام الماركسية لمختلف العقائد وخاصة القعيدة الإسلامية، من أجل الخروج بخلاصات كانت ستعتبر مرجعاً للدارسين الماركسيين وغيرهم، لولا وفاته قبل أن يقوم بذلك، إلا أن المنهج الماركسي لم يمنع من القيام بذلك لولا التحريف الذي أصاب المنهج الماركسي نفسه نتيجة لتحويل الماركسية إلى عقيدة جامدة.‏

والمطروح الآن بالنسبة للمنهج الماركسي هو إخضاعه للتحليل بواسطة المنهج الماركسي لإزالة الشوائب التي لحقت بالماركسية، ووضع حد للجمود العقائدي الذي أصابها ومن أجل الاستفادة من التطور العلمي والتقني، وانعكاسه على تطور التشكيلة الاجتماعية لصالح تطور المنهج الماركسي، والرؤيا الماركسية للأشياء، وللمجتمع وللدور الذي يجب أن تلعبه الماركسية.‏

ومراجعة المنهج الماركسي على ضوء المستجدات العلمية والتقنية سيجعله مستجيباً للحاجيات الجديدة على مستوى التحليل، وستواصل الماركسية مع ظاهرة العولمة بشكل إيجابي، وستكون الخلاصات التي يتوصل إليها التحليل الماركسي متلائمة مع تطور النظام الرأسمالي العالمي، ومرشدة لعمل الماركسيين على تفكيك هذا النظام انطلاقاً من قوانينه، وآلياته المكتشفة.‏

فالرأسمالية عندما تجدد نفسها لتطور أساليب استغلالها ولتزداد سيطرتها على نسب مهمة من فوائض القيمة، نجد أنه من اللازم قيام الماركسية بتجديد منهجها حتى تتمكن من القدرة على التعاطف مع الواقع الجديد للنظام الرأسمالي الذي استطاع أن يستوعب لصالحه أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية بأيديولوجيتها المختلفة ومكوناتها المتآلفة والمتناقضة، وثقافتها المتخلفة حتى تصبح جزءاً من ذلك النظام، وتعمل على تقويته، وعلى الماركسية أن تأخذ بعين الاعتبار هذا الشكل من التطور الرأسمالي المتجدد باستمرار الذي يجب أن تقابله الماركسية المتجددة باستمرار.‏

والإسلام باعتباره عقيدة وشريعة أصبح مستهدفاً من قبل النظام الرأسمالي العالمي، وللمساهمة في خدمة ذلك النظام وخاصة عندما تتم أدلجته ليتحول عدواً للماركسية، وعاملاً على تقويته بكل الوسائل الفكرية والعلمية التي قد تتحول إرهاب مادي أو معنوي في حق الماركسيين المخلصين، وهو بذلك يتحول إلى مكون من مكونات النظام الرأسمالي العالمي النقيض الرئيسي للماركسية بأبجديتها المختلفة.‏

والماركسية عندما تتعاطى مع الإسلام يجب أن تسعى إلى إحداث تناقض بين الإسلام الحقيقي والإسلام الأيديولوجي من جهة وبينه وبين النظام الرأسمالي من جهة أخرى من أجل فك الارتباط الحاصل بفعل التأثير الرأسمالي العالمي على المسلمين، وفي نفس الوقت العمل على إزالة التناقض المفتعل بين الإسلام القيمي وبين الماركسية حتى يكون ذلك بداية مد الجسور بين الإسلام والماركسية على أساس احترام الأسس والمنطلقات الخاصة بالإسلام والخاصة بالماركسية والعمل على إعداد الإنسان لتحقيق نفس الأهداف المؤدية إلى تحقيق كرامة الإنسان المهدورة في ظل النظام الرأسمالي وبمساهمة الإسلام الأيديولوجي الذي يظهر ممارسوه خلاف ما يضمرون فيصدق عليهم قوله تعالى (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها(‏

تاريخ الإسلام وتاريخ الماركسية:‏

وإذا رجعنا إلى التاريخ نجد أن ظهور الإسلام وظهور الماركسية كل منهما في شروط مختلفة ومتناقضة.‏

فظهور الإسلام ارتبط بالحاجة إلى التحول الذي عرفه المجتمع العربي في الجزيرة العربية حيث أخذت تحصل تفاعلات حادة بسبب الاحتكاك بالنظام الروماني من جهة والنظام الفارسي من جهة أخرى ونظام الحبشة من جهة ثالثة، واستهداف الجزيرة العربية من قبل هذه الأنظمة، والتعامل الحاصل بين العقائد التي كانت سائدة في محيط الجزيرة العربية وعجزها عن طريق التغلغل في صفوف سكان الجزيرة العربية الذين يسيطر عليهم النظام القبلي الذي عرف حروباً طويلة الأمد بين مجموعة من القبائل مما جعل شرائح عريضة من العرب تنتظر من ينقذها من الهلاك وفي نفس الوقت يوحد صفوف العرب ويخلق منهم قوة في مواجهة القوى العظمى والوافدة من الشرق أو من الغرب أو من الجنوب. وبما أن وعي العرب كان متدنياً في ذلك الوقت بسبب انشغال الناس بأمور تافهة ولكنها عظيمة بالنسبة إليهم، واشتغالهم بالبحث المستمر عن أماكن الرعي والبحث عن الماء أو بالقيام بالتجارة بين الشمال والجنوب كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم (لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف(.‏

وبالإضافة إلى ما ذكرنا عرفت الجزيرة العربية تشتتاً عقائدياً، فبالإضافة إلى سيادة عبادة الأوثان المختلفة تواجدت المسيحية واليهودية اللتين لم تستطيعا التغلغل في صفوف العرب، وإلى جانبهما وجدت بقايا ديانة إبراهيم المعروفة بالحنفية وهذا التعدد نتج عنه التشتت في بلاد العرب والبحث المستمر عن بديل يخرجهم من وضعية التمزق التي لم تعد تفيدهم. ولذلك نجد أن:‏

1) تكالُب القوى الخارجية (الفرس ـ الرومان ـ الحبشة) مزق العرب في ثلاثة اتجاهات.‏

2) الحروب التي كانت تدوم سنين طوالاً جرت العرب إلى المزيد من التمزق.‏

3) تعدد العقائد ضاعف من تمزقهم.‏

4) ازدهار التجارة بين الشمال والجنوب زاد من رغبتهم في الحرص على تحقيق وحدتهم.‏

ولكن من يعمل على تحقيق تلك الوحدة؟‏

هل تقوم بناءً على تدخل خارجي؟ فالتدخل لا يمكن أن يجر الجزيرة العربية إلا إلى المزيد من التمزق تبعاً لمراكز التأثير التي يعمل كل منها على أن تكون الجزيرة في متناوله. وهو ما أدى في ذلك الوقت إلى حروب مدمرة بين القوتين العظيمتين في ذلك الوقت، واللتين شكلت كل واحدة منهما درعاً يحميه من العرب من جهة، ومن الدولة المعادية من جهة أخرى، والمتمثل في الغساسنة والمناذرة.‏

هل تقوم على أساس قومي؟ لأن البعد القومي في ذلك الوقت يبقى بعيداً عن لعب دوره نظراً لاستفحال العصبية القبلية التي تتحطم أمامها كل دعاوى السلم والتوحد رغم ظهور من يسعى إلى التوحد داخل القبائل وخارجها.‏

هل تقوم على أساس اقتصادي؟ إن اقتصاد العرب كان يجمع بين البدائية والعبودية، وكانت حروب الكر والفر تلعب دوراً كبيراً في توفير حاجيات القبائل، والتجارة التي كانت قائمة بين الشمال والجنوب، كانت تحتكرها قريش، ولم تكن عامة بين العرب.‏

وهنا يجب أن نستحضر المواسم الاقتصادية التي كانت تقوم في مكة وحولها، والتي ترتبط بالسجود للآلهة، والطواف بالكعبة، وهو ما جعل مكة والبيت الحرام قبلة لجميع القبائل العربية التي كانت تساهم في تنظيم موسم الحج الذي رسخ في الأذهان، وفي السلوك العربي أن الحق لا يكون إلا عقائدياً، ولذلك اتجهت الأنظار إلى الآتي من الإرهاصات المتعددة، والموحية كلها بقرب ظهورها ما يؤدي إلى القضاء على التفرقة بين القبائل، ووضع حد للتعدد العقائدي، فكان ظهور الإسلام استجابة وثورة في الوقت نفسه.‏

استجابة لحاجة عقائدية ذات بعد صراعي مع الطبقة المستفيدة من التعدد العقائدي بين الذين تصدوا لمحاربة الإسلام والسعي للقضاء عليه. إلا أن حرص الناس على التمسك به لإجابته على التساؤلات التي كانت مطروحة من قبل المتضررين من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي كانت سائدة.‏

وثورة على الأوضاع، لأنه استطاع بما حمله من قيم نبيلة أن يغير النظرة إلى العالم بعد توحيد عبادة الله، ووضع حد لعبادة الأوثان وحشد المؤمنين به وراء محمد ( لحماية الدين الجديد من المتربصين به، من أجل ترسيخ قيم جديدة تقوم على أنقاض قيم الجاهلية، وهو ما أدى إلى توحيد القبائل العربية، وكل الذين آمنوا به من غير العرب مما جعلهم يسعون إلى تأسيس دولتهم بعد وفاة الرسول ( لا على أساس الدول الإسلامية بقدر ما هي خلافة للرسول التي تم تحويلها في عهد عمر إلى "أمير المؤمنين" التي تعني ما تعني. والفرق بين الخليفة وأمير المؤمنين من جهة وبين الرسول من جهة أخرى هو: أن الرسول نعت من عند الله يخص كل من كلفه الله بتبليغ رسالته. وتنتهي مهمته بانتهاء الرسالة، وبعد ذلك يزول دوره، وهو ما يمكن أن نستنتجه من أول آية نزلت على الرسول ( (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم( الخ وآخر آية نزلت حيث يقول الله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا( ولذلك لا ندعي كما يزعم البعض أن الرسول ( أسس الدولة الإسلامية، لأنه ادعاء مغلوط من أساسه. بل جاء ليبلغ الرسالة التي هي أساس التوحيد اعتماداً على القيم النبيلة التي بثها الإسلام في نفوس المسلمين ليفكروا انطلاقاً من أمور دنياهم (وأمرهم شورى بينهم( ويغادروا حالة التمزق التي كانت سائدة، وينجزوا عملية التوحيد في مرحلة الخلافة، وإمارة المؤمنين التي تشبه إلى حد كبير النظام الرئاسي الجمهوري الذي هو إبداع المسلمين، وليس وحياً، لأنه لا يوجد نص في القرآن يذكر ذلك ويؤكد ضرورة إنجازه أو الحرص عليه.‏

ومن خلال النصوص المتواترة والمروية بالآحاد يمكن أن نسجل أن الغاية من مجيء الإسلام هي:‏

أ ـ وضع حد للحروب التي سادت خلال العصر الجاهلي فيما بين العرب عن طريق وضع حد لأسباب الفرقة التي أنهكت الكيان العربي، والعمل بكافة الوسائل على تحقيق الإسلام بما في ذلك إشاعة التربية الخلقية بين المسلمين، واحترام كرامة الأفراد والجماعات.‏

ب ـ القضاء على دواعي التفرقة بين الناس بغضّ النظر عن اختلاف ألسنتهم وألوانهم، وانتماءاتهم العرقية ودعم التعارف فيما بينهم عن طريق الحوار المتبادل من أجل تجاوز أسباب الفرقة واعتماد أسباب التوحد.‏

أما الماركسية فقد ظهرت بعد ذلك بحوالي ثلاثة عشر قرناً، وفي شروط موضوعية مختلفة عن تلك الشروط التي ظهر فيها الإسلام، فقد قطعت البشرية مراحل كبيرة من تطورها ولم تعد الإمكانيات القديمة واردة. لقد حلت محلها إمكانيات جديدة بسبب تغير نمط الإنتاج الذي أصبح متطوراً أكثر. وأهم شروط ظهور الماركسية:‏

1) انتقال نمط الإنتاج الإقطاعي إلى النمط الرأسمالي كاستجابة للتطور الحاصل في العلوم والتقنيات والآداب والفنون وكل ما لـه علاقة بالبشر.‏

2) وتبعاً لذلك وجد نظام رأسمالي منسجم مع نمط الإنتاج السائد من أجل ضمان استمراره وتطوره.‏

3) ظهور الطبقة العاملة التي تخضع للاستغلال البشع من قبل البورجوازيات مالكي وسائل الإنتاج، مما عمق بؤس هذه الطبقة على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية.‏

4) ظهور منظرين كبار للنظام الرأسمالي يعملون على إشاعة التضليل بين الكادحين حتى يكونوا أكثر قابلية للاستغلال ودون التفكير في مقاومته.‏

5) ممارسة القمع الشرس على الحركة العمالية الذي طال العمال في أوقات العمل وكثافته، وانعدام التنظيمات أو قمعها وعدم السماح بوجودها أصلاً من أجل مضاعفة الأرباح التي يحصل عليها البورجوازيون.‏

6) مضاعفة ساعات العمل وضعف الأجور إذ كانت تصل إلى 18 ساعة في اليوم بأجور زهيدة لا تستطيع تلبية حاجيات العامل الضرورية كالأكل والشرب والسكن وأشياء أخرى. فما بالنا بالكماليات التي لا يعرفها العمال أبداً.‏

7) حاجة الطبقة العاملة إلى فكر يعبر عن مصالحها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية، لأنه بدون ذلك الفكر لا تملك وعيها الطبقي، ولا تستطيع تنظيم نفسها للنضال من أجل الحد من الاستغلال الممارس عليها من طرف البورجوازية الهمجية والشرسة التي تفتك بالطبقة العاملة.‏

8) حاجتها إلى تنظيم نقابي يمكن من تجميع صفوفها ووضع ملفها المطلبي، وبرنامجها النضالي، والشروع في تنفيذه، وانتزاع مكاسب لصالح الطبقة العاملة تجعلها تدرك نجاعة التنظيم النقابي، وفائدته، ومن أجل انتقال وعيها إلى مستوى آخر يتسم بالوعي الحقوقي والسياسي الذي هو وحده يقود إلى ممارسة الصراع الطبقي في مستواه الأرفع.‏

9) الحاجة إلى حزب للطبقة العاملة يقود نضالاتها السياسية في أفق تحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي بدونها لا ترقى الطبقة العاملة ومعها بقية الكادحين إلى مستوى الحياة الإنسانية التي هي قوام وجود الإنسان. فبدون الحرية يكون العمال الكادحون مستعبدين، وبدون الديمقراطية لا يستطيع العمال تقرير مصيرهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والمدني والسياسي، وبدون العدالة الاجتماعية يعاني العمال من الغبن على جميع المستويات.‏

10) السعي إلى:‏

أ ـ القضاء على الملكية الفردية لوسائل الإنتاج باعتبار تلك الملكية أساس البلاء الذي يعاني منه الكادحون على جميع المستويات. لأن الملكية الفردية لتلك الوسائل تعمق الاستغلال، وتراكم المزيد من الأرباح لصالح البرجوازيين، وتجعل العمال في وضعية متردية. بينما نجد أن الملكية الجماعية تؤدي إلى توزيع الدخل بشكل عادل بين سائر المواطنين.‏

ب ـ تنظيم الطبقة العاملة وقيادة نضالاتها المطلبية والسياسية لأنه بدون ذلك التنظيم المزدوج لا يتحقق وجود الطبقة العاملة على المستوى المطلبي ولا يمكنها ممارسة الصراع الطبقي بشكل منظم.‏

ج ـ القضاء على النظام الرأسمالي وبناء النظام الاشتراكي عبر إنضاج شروط النضال الهادف عبر تحقيقي العدالة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية التي هي قوام الممارسة الاشتراكية التي يوضع في إطارها حد للاستغلال بكافة أشكاله، ويتم العمل الذائب من أجل كرامة الإنسان، والمحافظة عليها عبر تمتيع الناس كل الناس، وبدون استثناء بكافة الحقوق الاقتصادية التي يقوم عليها وجودهم، والاجتماعية التي تؤهلهم للاندماج الاجتماعي المتكامل، والثقافية التي تمكنهم من امتلاك وعيهم الحقيقي، والسياسية التي تمكنهم من تقرير مصيرهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والمدني والسياسي وصولاً إلى بناء دولة ترعى مصالح الكادحين وتعمل على وضع حد لكل مظاهر الاستغلال التي تكون موروثة من النظام الرأسمالي وتحرص على تمكين الناس من امتلاك وعيهم الذي يحول دون قبول ممارسة الاستغلال.‏

وهذه الشروط التي استعرضناها هي التي حتمت ظهور الماركسية كفكر للطبقة العاملة وكممارسة نضالية تهدف إلى جعل الطبقة العاملة وحلفائها تنقل المجتمع إلى نظام خال من الاستغلال المادي والمعنوي لكافة الكادحين، وهي شروط تعبر عن قيام أزمة عميقة في المجتمع الرأسمالي في مرحلة ظهور الماركسية، وهي تشبه إلى حد كبير المحطات العظمى في التاريخ البشري إلا أنها تميزت بالتحول العميق الذي تعرفه البشرية على المستوى المعرفي والتقني وتطور وسائل الإنتاج وقيام النظام الرأسمالي وظهور الطبقة العاملة.... الخ.‏

فالماركسية كتعبير عن فكر الطبقة العاملة ارتبط ظهورها بمعاناة بلغت أشد درجات البؤس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والمدني والسياسي ذلك البؤس الذي لا يمكن إلا أن يجعل مؤسسي الماركسية ومنظريها يرتبطان بالطبقة العاملة ويدرسان فكر البرجوازية، وممارستها الإيديولوجية، وينقضان ذلك الفكر، ويبنيان على ذلك النقض النظرية الاشتراكية العلمية التي أصبحت أيديولوجية الطبقة العاملة وسائر الكادحين باعتبارها أحسن تعبير عن مصالحهم الطبقية.‏

دور الإسلام ودور الماركسية:‏

وقد يتساءل متسائل عن الدور الذي لعبه الإسلام؟ والدور الذي لعبته الماركسية؟ وهل يمكن المقارنة بينهما؟‏

إننا بوقوفنا على الشروط التي جاء فيها الإسلام والشروط التي حكمت ظهور الماركسية سنصل إلى أن دور كل منهما ينسجم مع تلك الشروط، وسيكون لـه تأثير عظيم على المراحل اللاحقة.‏

فدور الإسلام المتجسد في:‏

1) نبذ عبادة الأوثان التي تعكس تمزق الجاهليين مما يقود إلى قيام حروب فيما بينهم، قد تدوم عقوداً، وتوحيد عبادة الله تعالى وحده (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن لـه كفؤاً أحد( (لو كان فيهما آلة إلا الله لفسدتا( وتوحيد عبادة الله يعتبر أحسن مظهر لتحرر الإنسان من التبعية للبشر تلك التبعية التي قد تقوده إلى الاستبعاد أو إلغاء إرادته جزئياً أو كلياً بتحوله إلى مجرد كائن لا قيمة لـه. فتوحيد عبادة الله في مرحلة ظهور الإسلام تعني الحسم مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية التي كانت متردية بشكل عميق، والحسم مع العصبية القبلية المتمثلة في تعدد الآلهة تبعاً لتعدد القبائل والعشائر بل والأفراد عندما يصبح لكل فرد إلهه الذي يسجد لـه كل صباح وكل مساء والحسم مع الصراع بين القبائل المختلفة وتشجيع الحرية، وتحرير المستعبدين بكافة الأشكال وفي كل المناسبات، والحسم مع إلغاء كيان المرأة التي أصبحت تساوي الرجل إلا فيما اقتضته طبيعتها البيولوجية وأصبحت ترث بدل أن تورث كما كان يحصل. وفي هذا الإطار نجد قول الرسول في عائشة [اتقوا هذه الحميرى فإنها نصف دينكم] وهذه المقولة إذا كانت تعكس شيئاً فإنها تعكس مدى تقدم المرأة على الرجل في مجالات معينة.‏

وأنواع الحسم التي أشرنا إليها لا تعني إلا إعلان القطيعة مع الماضي على جميع المستويات. وهو ما تم التعبير عنه بالقول (الإسلام يجبّ ما قبله). والحسم لا يعني إلا بناء الحاضر على أسس جديدة استعداداً لمواجهة المستقبل بكل طموحاته ومتطلباته ومشاكله التي لا حدود لـها من أجل إنسان متحرر ملتزم بقواعد المعاملة التي تقتضي احترام كرامة الإنسان.‏

2) ومن الأدوار التي لعبها الإسلام بعد ظهوره القضاء على التمزق الذي ساد بين العرب في الجزيرة العربية بسبب استجابة قبائل مختلفة للدعوة إلى اعتناق الإسلام والإيمان به كمدخل لتجاوز الوضعية التي كان عليها العرب في جاهليتهم. لأن اعتناق الدين الإسلامي أحدث تحولاً في عقيدتهم وتفكيرهم. فممارستهم اليومية الفردية والجماعية جاءت نتيجة لتشعبهم بالقيم والمثل الجديدة التي تشدهم إلى الوحدة على أساس الانتماء القبلي والعرقي، بل على أساس العقيدة الإسلامية التي جعلت العرب يكتشفون وحدتهم وقوتهم وقدرتهم على إبداع حضارة جديدة دأبت في بنيتها كل الحضارات التي كانت قائمة حتى ذلك الوقت.‏

ومن نتائج الوحدة العربية التي كان وراءها اعتناق العرب للدين الإسلامي وقيام الدولة العربية التي توسعت لتحكم من المحيط إلى الخليج انطلاقاً من دولة الخلفاء الراشدين، ومروراً بدولة الأمويين والعباسيين، وقيام دولة الأدارسة في المغرب ودولة الأمويين بالأندلس وانتهاء بقيام مجموعة من الدول المتفرعة عن الدولة العباسية.‏

ولولا اعتناق العقيدة الإسلامية وتشبع العرب بقيم الإسلام ما كانت تلك الوحدة، وما كان توسع الخريطة العربية كما نراها اليوم، ولولا انحراف التأويلات عن المقاصد الحقيقية للكتاب والسنة ما ظهرت تيارات المتنبئين الجدد التي ما زالت تقود عملية أدلجة الدين الإسلامي إلى يومنا هذا، وما ضعف العرب وتحولوا إلى أقطار تعادي بعضها كما كانت تفعل القبائل قبل الإسلام.‏

فهل يستطيع الدين الإسلامي أن يوحد العرب كما فعل من قبل؟ أم أن شروطاً أخرى قد تدخلت لتبقي الجسد العربي ممزقاً؟‏

3) وحتى تتجسد الوحدة العربية وتتم المحافظة على تلك الوحدة، لابد من قيام كيان عربي تأسس بعد وفاة الرسول ( الذي لا يمكن اعتباره مؤسساً للدولة العربية بقدر ما هو رسول الله تعالى، وهذا ما يمكن أن نفهمه من خطبته في حجة الوداع التي تضمنت آخر آية نزلت من عند الله (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا(.‏

4) ففي اجتماع السقيفة تمت بيعة أبي بكر الصديق ليحمل لقب خليفة الرسول ( وبعده عمر بن الخطاب الذي اختار لقب أمير المؤمنين.. الخ لتتوالى بعد ذلك الدول المختلفة التي حرصت على وحدة العرب والمسلمين من جهة، واستحضار الدور الذي لعبه ويلعبه الإسلام من جهة أخرى رغم التأويلات المحرفة للنص الديني خدمة لمصالح الحكام والتي أصبح الحكام المستبدون في كل العصور يقتفون أثرها ويعملون على استثمارها لتضليل المحكومين الذين يعانون من الفقر والظلم والجوع والمرض والاستبداد.‏

5) الانفتاح على غير العرب وعلى الديانات الأخرى كمظهر من مظاهر نبذ التعصب، لأن الإسلام ومنذ ظهوره أدرك أن العصبية القبلية يمكن أن تتحول إلى عصبية قومية أو عصبية دينية، وهو ما يتنافى مع حقيقة الإسلام التي وضعت الناس كافة في نفس الكفة [لا فرق بين عربي وعجمي ولا بين أبيض ولا أسود إلا بالتقوى] كما تدل على ذلك الآية الكريمة(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا( واستعمال أسلوب (يا أيها الناس) فيه دليل على نبذ التعصب القومي مما يوحي بأن الإسلام لا يسعى إلى وحدة العرب فقط، وإنما إلى وحدة البشرية جمعاء، وفي جميع أنحاء العالم على أساس التشبع بالقيم النبيلة التي هي منطلق إنسانية المسلمين، كما لا يمكن أن تتحول إلى عصبية عقائدية. لذلك نجد الإسلام يدعو إلى الحوار بين الديانات كما جاء في الآية الكريمة (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله. ولا نشرك به شيئا( فجميع الديانات التي تحترم وحدانية الله تعالى مدعوة إلى الحوار فيما بينها.‏

ومحاربة الإسلام للعصبية القبلية، ونبذه لأشكالها ينفي عنه وقوفه وراء إرغام الناس على اعتناقه بحد السيف أو بأي ممارسة تفيد معنى الإرغام. فقد جاء في القرآن الكريم (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن( وقوله تعالى (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاَّ بالتي هي أحسن( فكأنه تحققت فيه الحاجة المتبادلة بين البشر كما يقول الشاعر:‏

الناس للناس من بدو وحاضرة * * * بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم‏

6) ولتكتمل الصورة المثلى للإسلام بين المسلمين، وبينهم وبين غيرهم من البشر، نجده يحرص على إقامة العدل بين الناس. والعدل لا يكون كذلك إلا من خلال تجلياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية باعتبارها وسيلة لتمكين أفراد المجتمع من تحقيق كرامتهم، وحفظها مما يمكن أن يخدشها.‏

ولا حاجة بنا إلى القول بأن العدالة في تجلياتها المختلفة تعتبر مدخلاً للتحلي بالقيم النبيلة التي يحفل بها القرآن الكريم والتي تتحرك كلها في اتجاه بناء الإنسان المثالي/الواقعي كما تصوره الإسلام، وكما يجب أن يكون في الواقع، حيث تتجسد العدالة الاقتصادية بين المسلمين وغيرهم، والعدالة الاجتماعية التي تعبر عن النمو السليم للمجتمع في جميع المجالات. والعدالة الثقافية التي تكرس احترام مختلف المكونات الثقافية للمجتمع، والعدالة المدنية التي تفرض مساواة جميع المواطنين أمام القانون، والعدالة السياسية التي تمكن المواطنين من تقرير مصيرهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والمدني والسياسي. وبذلك نقترب من فهم الإسلام لمعنى العدالة التي اعتبرها مقاربة للتقوى كما جاء في القرآن الكريم (وان تعدلوا فهو أقرب للتقوى(.‏

7) ومن أجل إتاحة الفرصة أمام انتشار القيم التي يزخر بها الإسلام نجده يحث على الدعوة إلى التشبع بتلك القيم في كل أرجاء الأرض من أجل سيادة الحق، ودحض الباطل، والدعوة هنا، وكما يدل على ذلك النص القرآني (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة( لا تعني إلا بسط المبادئ والأفكار والقيم باللغة المفهومة بين الناس من أجل معرفتها واستيعابها، وبعد ذلك (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر(.‏

وقد يقول قائل بأن الأمر الوارد في قوله تعالى(فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين( يوجب علينا أن نتجند لنشر الدعوة بكل الوسائل بما فيها استعمال السيف ـ كما يقولون ـ فنقول لـه: إن هذا القول رهين بخصوصية المكان، وخصوصية الزمن، وخصوصية الشخص الذي يتلقى الوحي، وخصوصية القوم المخاطبين الذين يدركون جيداً ما جدوى التحول الذي كان ينتظر إحداثه بظهور الإسلام، ولا يمكن أبداً أن ينسحب على جميع العصور حتى لا نقول إن الإسلام انتشر على حد السيف، فالذين استعملوا السيف، استعملوه دفاعاً عن الإسلام، وفي مواجهة الأنظمة الاستبدادية التي تجندت لمحاربة المسلمين لاعتقادها أنهم يشكلون خطراً عليها، وهو ما اضطر المسلمين ـ في إطار دولتهم ـ للتجند لمحاربة تلك الأنظمة لحماية المسلمين الساعين إلى المحافظة على عقيدتهم.‏

فالدعوة إلى التشبع بالقيم التي جاءت في القرآن تفرض فتح الحوار والإقناع والاقتناع، وتمرس الناس على التربية على تلك القيم المتوجهة إلى الانغراس في السلوك كتعبير عن انغراسها في الروح، مما يحول دون القيام بانتهاك كرامة الآخر، ودوس حقوقه.‏

وقد يعترض معترض على ما ذهبنا إليه بقوله تعالى (واعدوا لـهم ما استطعتم من قوة ورباط الخيل( فنرد عليه بأن القرآن هنا يتوجه إلى المسلمين الذين يجب أن يحرصوا على قوة دولتهم التي تقوم بحمايتهم من دوس الأنظمة الفاسدة، وتوفير شروط الدعوة السليمة بالقول والفعل قبل اللجوء إلى القوة.‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244