|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
القومية العربية في مواجهة مرحلة العولمة ـــ محمد سعيد طالب 1ـ القومية العربية ـ أيديولوجيا الحداثة، والتحرير والوحدة: لمحة تاريخية، نقد وتقييم: أولاً ـ أيديولوجيا القومية العربية هي التعبير عن إرادة الأمة العربية في التحرر الوطني والقومي والوحدة العربية والحداثة والتقدم. وقد جسدها ما يمكن أن نسميه التيار القومي العربي، الذي شكلت قوامه وهياكله وأفكاره الجمعيات الثقافية والأهلية والعلمية والمنظمات السياسية الحزبية التي حملت الفكرة القومية العربية، بما في ذلك مجمل فاعليات الحركة الاجتماعية السياسية والثقافية العربية والإسلامية الفردية والجماعية، ابتداء بعصر النهضة العربية والإصلاح الديني ـ الإسلامي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى اليوم. ثانياًـ عمل التيار القومي العربي في المرحلة الأولى على إحياء الفكرة القومية العربية والتأسيس لمفهوم الأمة العربية الحديث اقتباساً من الفكر القومي الأوروبي، وقاد النضال القومي ضد سياسات التتريك العنصرية بعد ثورة الاتحاديين الأتراك العثمانيين 1908م، وشكل الجمعيات والأحزاب السياسية العربية للدفاع عن الحقوق القومية العربية والمطالبة بالحكم الذاتي واللامركزية. عقد مؤتمر باريس 1913م لوضع برنامج سياسي للحركة القومية العربية والإصلاح السياسي في إطار الدولة العثمانية. طور برنامجه من الإصلاح، إلى الانفصال والاستقلال عن الدولة العثمانية، وقيام الدولة العربية الواحدة، بعد نشوب الحرب العالمية الأولى 1914م ودخول الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا. وساهم في الثورة العربية الكبرى بقيادة شريف مكة الحسين بن علي 1916م من أجل الانفصال عن الدولة العثمانية وتأسيس الدولة ـ الأمة في بلدان المشرق العربي بالتحالف مع بريطانيا العظمى أكبر إمبراطورية استعمارية في ذلك العصر التي كانت تحتل مصر وأجزاء من الجزيرة العربية والخليج العربي. وقد حالت سياسات الدولتين الاستعماريتين بريطانيا وفرنسا ضد الوحدة العربية دون تحقيق ذلك الهدف، وبدلاً من قيام دولة الوحدة المنشودة، فرض الاستعماريون الإنكليز والفرنسيون مزيداً من التجزئة والتقسيم، بموجب معاهدة سايكس ـ بيكو الموقعة بين الحليفين من وراء قيادة الثورة العربية. وجرى اقتسام البلاد العربية التي انفصلت عن الدولة العثمانية بينهما. وأخذت بريطانيا العظمى تمهد لتنفيذ تعهداتها بموجب وعد بلفور الذي أعطته للحركة الصهيونية في 2 تشرين الثاني 1917م، وتعهدت فيه بإقامة وطن قومي (دولة يهودية في فلسطين)، وإذ تنكرت الإمبريالية الإنكليزية ونكثت بعهودها لقيادة الثورة العربية، وأخضعت هذه الأقطار للانتداب، بعد تجزئتها واقتسامها مع حليفتها فرنسا والحركة الصهيونية العالمية. شرعت بتنفيذ سياسات إمبريالية معادية للفكرة القومية العربية بتشجيع الدعوات العرقية والإقليمية والطائفية والمذهبية والانفصالية في سبيل تنفيذ وعد بلفور، بالتركيز على بعث التاريخ القديم للوطن قبل نشوء الدولة العربية ـ الإسلامية، لطمس معالم التاريخ العربي المشترك الوسيط والحديث والمعاصر. وكانت هزيمة مريرة للنضال القومي، أدت إلى انهيار الجمعيات والأحزاب القومية العربية التي حملت الفكرة القومية ضد دولة الاتحاديين الأتراك الطورانية العنصرية، لتنتشر الدعوات الإقليمية والقبلية والطائفية والتاريخية الأقدم من العروبة والإسلام محاكاة للصهيونية التي تسللت إلى الفكر السياسي والثقافة السياسية القطرية. ثالثاً ـ في المرحلة الثانية، استعاد التيار القومي العربي قيادته الوطنية والقومية وبعثه للفكرة القومية. وكانت الدول الاستعمارية قد استكملت احتلال أكثر من 90% من أقطار الوطن العربي في أعقاب فشل الثورة العربية الكبرى، وفرضت الانتداب والوصاية على الولايات العربية التي انفصلت عن الدولة العثمانية في مؤتمر فرساي 1919م، وأسقطت أول دولة عربية أعلن قيامها المؤتمر العربي السوري في سورية في 8 آذار 1920م، بعد معركة ميسلون (تموز 1920م) ودخول الجيش الفرنسي إلى العاصمة دمشق، وهروب فيصل ملكها إلى أوروبا، بحثاً عن عرش جديد أعطاه له حلفاؤه الإنكليز في العراق. وأدى انهيار الدولة العربية التي أعلن قيامها الشريف حسين في الحجاز بعد الثورة بيد عبد العزيز بن سعود سلطان نجد، وقيام سلطنة نجد والحجاز وعسير السعودية على أشلائها (المملكة العربية السعودية لاحقاً 1926م) إلى طي صفحة هذه الثورة. وجاء انعقاد مؤتمر القدس الإسلامي في كانون الأول 1931م لدعم القضية الفلسطينية ثم اجتماع العديد من الشخصيات القومية العربية التي شاركت فيه، بعد انتهاء جلساته في هيئة منفصلة للبحث في القضية القومية العربية والإعداد لعقد مؤتمر قومي عربي لوضع استراتيجية جديدة للعمل القومي من أجل الوحدة في مواجهة الاستعمار الأوروبي والحركة الصهيونية التي تعمل لإقامة الوطن اليهودي في فلسطين. وقد شارك فيه ممثلون من غالبية الأقطار العربية في المغرب والمشرق العربيين، ليكون بداية مرحلة جديدة في تاريخ الفكرة القومية العربية. وأقر ميثاقاً قومياً عربياً للكفاح الوطني وللنضال القومي المشترك السياسي والمسلح والتعاون والتسائد والتضامن ضد المستعمرين في مشرق الوطن العربي ومغربه، من أجل تحرير الأقطار العربية من الاستعمار تضمن: 1ـ إن البلاد العربية وحدة تامة لا تتجزأ، وكل ما طرأ عليها من أنواع التجزئة لا تقره الأمة ولا تعترف به. 2 ـ توجه الجهود في كل قطر من الأقطار العربية إلى وجهة واحدة وهي استقلالها التام كاملة موحدة وتقاوم كل فكرة ترمي إلى الاقتصار على العمل للسياسات المحلية. 3ـ لما كان الاستعمار بجميع أشكاله وصيغه يتنافى كل التنافي مع كرامة الأمة العربية وغايتها العظمى، فإن الأمة العربية ترفضه وتقاومه بكل قواها (1). وعلى الرغم من أن المؤتمر القومي العربي الذي جرى العمل لانعقاده في بغداد لم ينعقد كما كان مقرراً له بسبب مرض الملك فيصل الأول ملك العراق ثم موته. فإن ذلك الاجتماع التمهيدي قد بعث الحياة من جديد في التيار القومي العربي، فأعاد تشكيل أحزابه وجمعياته السياسية القومية، ليصبح التيار الرئيس في إنجاز الاستقلال الوطني القطري في الأقطار العربية التي رسم حدودها المستعمرون خدمة لمصالحهم. وسعى لبعث الثقافة القومية العربية وترسيخ مفاهيم الوحدة والتحرر والمقاومة وإعادة تشكيل وصياغة الشخصية القومية العربية على أسس ومبادئ ومنطلقات التنوير والحداثة والإصلاح الديني الإسلامي. ـ رابعاً ـ وفي المرحلة الثالثة التي جاءت بعد استقلال أكثرية الأقطار، وقيام الدويلات العربية القطرية وتأسيس الجامعة العربية 1945م، ونتيجة مباشرة للهزيمة أمام الصهاينة في فلسطين 1948م، فقد أعاد التيار القومي بناء أحزابه السياسية وجمعياته ومنظماته الثقافية والفكرية، على أسس حديثة مقتبسة من الغرب البرجوازي الرأسمالي، ومن الاشتراكية الديموقراطية في أوروبا الغربية والماركسية ـ اللينينية في الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية. فتبنى أيديولوجيا الثورة والانقلاب والاشتراكية للتغيير والتقدم والتحديث لبناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد، وبناء الدولة القومية العربية الواحدة. ووصلت أحزاب وفصائل منه إلى السلطة في بعض الأقطار العربية إما عن طريق الانقلاب العسكري (مصر وسوريا والعراق وليبيا والسودان) وإما عن طريق الثورة الشعبية والكفاح المسلح ضد المستعمرين الذين كانوا ما زالوا يحتلون أرض الوطن (الجزائر واليمن الجنوبي). فجرى التحول من النظام البرلماني البرجوازي ـ شبه الإقطاعي إلى نظام ثوري ـ انتقال رفع شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية أو بالعكس، تحققت فيه إجراءات ذات مغزى من خلال تنفيذ برنامج للإصلاح الزراعي، أعاد توزيع ملكية الأرض الزراعية لصالح الفلاحين الفقراء والأجراء والعمال الزراعيين، وقضى على الملكية شبه الإقطاعية في الريف. ومن خلال عمليات تأميم وسائل الإنتاج الكبرى في الصناعة والتجارة، أعيد توزيع الدخل الوطني على فئات واسعة كانت محرومة من الملكية والخدمات العامة والعيش الكريم. فتوسعت خدمات التعليم في كافة مراحله والخدمات الصحية والثقافية، وجرى تحديث الاقتصاد وإعادة هيكلته بما يخدم خطط التنمية الطموح للتصنيع وإنتاج وسائل وبديل المستوردات، تأسيساً لمجتمع حديث، ودولة قطرية قوية تحت شعار حماية الوطن والمساهمة في دحر العدو الصهيوني في فلسطين على طريق التوحيد والتحرير (2)، فتغير التركيب الطبقي بشكل ملموس، إذ أدت سياسات وإجراءات الدولة القطرية الثورية في مجال التنمية الاقتصادية إلى تراجع دور البرجوازية والطبقة الوسطى عموماً، وهي الحامل الموضوعي للمشروع القومي العربي النهضوي، لصالح فئات جديدة كانت مهمشة بدأت بالتشكل من البرجوازية الصغيرة والنخب من التكنوقراط والضباط وبيروقراطية الدولة والمديرين الذين تسلموا إدارة القطاع العام ومن القادة السياسيين المشاركين في الوزارات وأجهزة الدولة لتقوم بدور التحالف الاجتماعي السياسي القاعدي لهذه الدولة الجديدة. فزادت الضغوط الإمبريالية والحرب المعلنة على حركة التحرر الوطني العالمية وحركة التحرر العربية بشكل خاص في فترة الحرب الباردة والصراع بين الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفيتي والرأسمالية الإمبريالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. مما فجر الصراعات الاجتماعية والسياسية والطبقية داخل كل قطر عربي وعلى المستوى القومي بين الأنظمة التقليدية المتحالفة مع الدول الإمبريالية، والأنظمة الجديدة الثورية التي يقودها التيار القومي العربي بكل تلويناته وفصائله وأيديولوجياته. وأدى إلى حدوث تصفيات داخل هذه الأنظمة بين القوى الديموقراطية والقوى السلطوية، وصراعات بين فصائل التيار القومي على المستويين الداخلي القطري والقومي. أعادت فرز واصطفاف هذه القوى بسبب موقفها من قضايا التحرر والتنمية والوحدة، والعلاقات مع الدول الإمبريالية وحلفائها في الوطن العربي، والعلاقات مع المنظومة الاشتراكية، والكفاح الوطني ضد الصهيونية المحتلة لفلسطين، وقضية الدولة القطرية الثورية التي أخذت تنمو وتتمكن فوق المجتمع وعلى أشلائه، وتتحول إلى دولة شمولية لخدمة الفئة التي تغلبت عليها واحتكرت السلطة. وتحولت مراكز القوى فيها لصالح البيروقراطيات الجديدة التي ترسخت في الأحزاب والحكومات وعلى كل المستويات. دولة استبدادية تجمع بين رأسمالية الدولة والبنية العشائرية الطائفية. في مرحلة الانتقال هذه استطاعت الأنظمة القومية الثورية، وقبل الانقلابات التي جرت داخلها، أن تحقق إنجازات هامة على طريق التحديث والتنمية والتحرر القومي، وفي مقدمتها قيام أول دولة وحدوية ـ دولة الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا 1958م ـ كنواة للدولة ـ الأمة. ولكنها لم تستطع الحفاظ عليها فحدثت كارثة الانفصال في 28 أيلول 1961م، وكانت هزيمة منكرة للتيار القومي، تفاعلت مع الشروط والتطورات التي أعقبتها لتكون بمثابة انقطاع أداتي ومعرفي على مستوى الأفكار والأيديولوجيا، وانعطاف وتحويل منهجي على مستوى الممارسة. لقد بين الانفصال أن الأمة ليست فكرة متعالية ولا وحدة منجزة وثابتة وخالدة، بل هي طبقات اجتماعية لها مصالح متناقضة تنعكس في مواقف وأيديولوجيات سياسية متعارضة، وأنها تتألف من طوائف ومذاهب وأقاليم وأقليات عرقية ودينية لها مواقف متعارضة من قضية الوحدة. وأسس هذا لانفصال جديد مبني على شكوك عميقة في صحة المنطلقات السابقة، وجرى بعدها الانحراف من الدولة القطرية القاعدة للدولة ـ الأمة إلى الدولة القطرية الانفصالية في البنية والتكوين، وإن ظلت ترفع شعارات الوحدة والقومية العربية. لقد فضحت هزيمة الانفصال تهافت الثقافة القومية العربية، الثورية والتقليدية، وبينت تخلفها عن الوقائع الجارية، وعجزها عن تقديم وعي مطابق للواقع العربي المأزوم، وبينت مدى الفجوة والبعد عن ملامسة المشاكل الحقيقية للكفاح العربي الوحدوي وطموحات الإنسان العربي، فقد تحولت الوحدة في هذا الفكر المثالي إلى أقنوم وجوهر خالد سوف يتحقق لأن الفكر العربي أمسك بفكرتها وآمن بها. ولم ينشغل القادة والمثقفون بتحديد هذه الوحدة مفهومياً، ولا شروط قيامها وأدواتها والقوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في حمل أعبائها. فلم يبحثوا في طبيعة الدولة القطرية ولا في الدولة الأمة التي ستصبح دولة العرب كلهم ولا في النظام الاجتماعي والسياسي الذي سينبثق عنها والتحالفات التي ستجعلها قوية وراسخة. لا يستطيع ضابط مأجور أن ينقض عليها بقوات من الشرطة أو الجيش ليفصل أحد أقاليمها لتنهار وكأنها لم تقم. فهي لم تكن يقظة وعي ولا تصور أمة لتاريخها وعودتها إليه بإرادة متعالية، بل هي مصالح طبقية وفردية وسياسات قطرية وإقليمية ودولية واستراتيجيات متصارعة تشكل محتوى مرحلة تاريخية. يمكن للمستبد العادل أن يقيمها ويمكنه كذلك أن يقوضها. وانكشف مدى سطحية القول بأن الثقافة القومية الوحدوية هي روافد قطرية تصب في محيط الوحدة ليجري التأكيد على العكس: إنها هي النبع الذي يغذي هذه الروافد ويمدها بالتيار الدافع نحو تحقيقها. وهي الثورة الثقافية التي تقطع مع ثقافات عصور الانفصال والتخلف لتجعل من التاريخ رافعة الوصل والفصل وعتبة التجاوز إلى المستقبل. وأن العوائق الابستمولوجية ـ المعرفية ـ التاريخية التي جعلها الفكر القومي الثوري حدوداً مبهمة للواقع العربي ـ مثل حدوده الجغرافية التي رسمها له المستعمرون، وظل يتخبط في شباكها، عالقاً في خرائطها، وإشكالياتها السياسية والفكرية ـ بما شكلته من فضاء خطابي وبيان وفصاحة سياسية أيديولوجية. فتبين أنه لا يمكن تجاوزها بالأطر الموروثة كعقائد خالدة، بل بالمنهج النقدي العلمي والعقلاني، وبالممارسة الفكرية ـ النظرية، لإنتاج وعي مفاهيمي وفلسفي عن الواقع العربي بكل مكوناته التاريخية والراهنة، وبخاصة علاقات التبعية التي تشكل حدود وعيه الملتبس. والتركيز على إنتاج فكر عقلاني يتخطى الأدلجة السياسية والشعارات، ويتضمن بالضرورة قطعاً معرفياً مع نظام الفكر السلفي، والرومانسي الدوغمائي الذي سيطر لحقبة من الزمن على عقل النخبة. والانحياز إلى فكر الحداثة العلمي بما يفسح في المجال أمام مثاقفة فاعلة مع الفكر العالمي، وينقلنا من التلفيق والتوفيق إلى وعي قادر على صياغة مشروع قومي يستجيب لأهداف الأمة في الوحدة والتحرر (3). خامساً ـ وكانت هزيمة حزيران 1967م أمام العدو الصهيوني في فلسطين بنتائجها العسكرية والسياسية والثقافية، فوق ما يمكن أن يتصوره أو يحمل أوزاره التيار القومي العربي الذي كان ما يزال يلملم انهيارات هزيمة الانفصال. فالدولة الشمولية القومية الثورية ـ الاشتراكية التي جعلت تحرر فلسطين عنواناً للمرحلة الانتقالية، مستبيحة كل الإنجازات السياسية الديموقراطية التي تحققت خلال فترات النضال ضد الاستعمار، ومدمرة للمجتمع المدني الذي صار حقيقة ملموسة في موازاة الدولة العباسية. هزمت في أول مواجهة مع العدو، وبانت عارية أمام الشعب الذي خضع لها من أجل التحرير والوحدة والدفاع عن حدود الوطن في مواجهة الدولة الصهيونية في فلسطين والتهديد الإمبريالي الأوروبي ـ الأمريكي، ضعيفة مهزومة لم تقاتل جيوشها كما يجب، ولم يكن قادتها في مستوى المعركة التي كانوا يتحدثون عنها لا على المستوى السياسي ولا على المستوى العسكري. ونتيجة لذلك أصبحت غير شرعية يجب تغييرها وتأسيس دولة جديدة على أسس الديموقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية. ـ سادساً ـ ولكنها أمام هذه الاستحقاقات والمطالبة الشعبية عمدت إلى الهروب إلى أمام مدعية أنها نكسة وستعيد بناء قواها لخوض الحرب لتحرير الأرض واسترداد الكرامة، وتأهيل مؤسساتها السياسية والحكومية وإصلاح البنية السلطوية لتلبية الطموحات الجماهيرية للمشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية ومراقبة الأداء الحكومي. غير أنها لم تعمل إلا من أجل زيادة قوة أجهزة الأمن، وعسكرة المجتمع لقمع أية معارضة أو حزب سياسي يطالب بالتحرير والإصلاح، وإعادة بناء الدولة على قواعد وأسس الديموقراطية، وتحولت بالشكل والمضمون والوسائل إلى دولة استبدادية أمنية بيروقراطية منفصلة عن الشعب الذي ترفع شعاراته وتحكم بالنيابة عنه. تهتم بمصالحها ومصالح القوى الاجتماعية التي تتولى قيادتها، وشكلت برعاية الدولة الإمبريالية الأمريكية قائدة العالم الرأسمالي مع الدويلات الملكية والأميرية والمشيخية حلفاً، تحول إلى نظام إقليمي عربي، هدفه الرئيس التطبيع والصلح، وعقد معاهدات السلام مع العدو الصهيوني (معاهدة السلام مع مصر 1978م ومعاهدة وادي عاربا مع الأردن 1991م واتفاقية أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية 1993م) والاعتراف به وباحتلاله للأراضي الفلسطينية (4). سابعاً ـ لقد انتشر الفساد في الجسم الاجتماعي وتهاوت القيم والأخلاق ومنظومة الحق والواجب التي تشكل الملاط الذي يحفظ الجماعة من التفسخ والانهيار والانقسام والصراعات الثانوية نتيجة هذه التحولات في بنية الدولة القطرية الشمولية. لتصبح الحرب الأهلية مضمرة يمكن توقعها في كل لحظة ولأسباب تافهة، حيث تسود العصبوية الطائفية والعشائرية والجهوية على شكل عصابات لها بنية ومكونات عصابات المافيا، لتنحط المواطنة إلى انتماءات أدنى من الأمة والشعب والوطن، ورافق ذلك تصدع وتهافت الثقافة القومية العربية أمام النزعات القطرية والطائفية والإثنية الانفصالية، والحروب البينية العربية، ونمو الثقافة السياسية الانفصالية في مواجهة ثقافة الوحدة القومية العربية. ثامناً ـ وجاء تطور الأوضاع العالمية المتمثل بالانقلاب الشامل في موازين القوى العالمية على أثر انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية أواخر القرن الماضي لأسباب داخلية: اقتصادية وسياسية ومالية وانتشار الفساد في الحياة العامة وعجز الاشتراكية السوفيتية عن الصمود أمام الرأسمالية الأمريكية. ليزيد من تفاقم الأزمة السياسية والاجتماعية العربية. وعجلت الحرب الأمريكية العالمية على العراق بعد دخول جيشه إلى الكويت 1990م لإخراجه منها 1991م في تفجير النظام العربي. فقد شاركت جيوش العديد من الدول العربية الجيوش الأمريكية والإنكليزية في هذه الحرب، في حين كانت هزيمة العراق هزيمة شاملة للقومية العربية، كأيديولوجيا ومؤسسات، بما فيها جامعة الدول العربية التي تأسست 1945م لحفظ الأمن الإقليمي العربي والتضامن والتساند العربي والدفاع عن البلاد العربية بموجب ميثاق الدفاع العربي المشترك الملتزمة به كل الدول العربية الأعضاء في الجامعة العربية, والذي لم يتذكره أحد عند الدخول في التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق. وقد أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب في نهايتها في آذار 1991م قيام النظام العالمي الجديد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية. تاسعاً ـ كانت العقوبات الدولية، والحصار الشامل السياسي والاقتصادي والثقافي والعلمي على العراق بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي الذي تحول إلى أداة بيد الولايات المتحدة الأمريكية عشية انهيار الاتحاد السوفييتي، تحت ذريعة عدم امتثال النظام العراقي لسحب قواته المسلحة من الكويت التي احتلتها في آب 1990م، محنة واختباراً لفكرة التضامن العربي، والأمة العربية الواحدة التي سعى التيار القومي العربي لترسيخها كإحدى البديهيات في الثقافة السياسية العربية. وكانت الأولى من نوعها في تاريخ الأمم المتحدة التي تطبق على شعب ودولة عضو مؤسس فيها. وقد ساهم هذا الحصار الذي استمر لأكثر من اثني عشر عاماً، شاركت فيه دول الجامعة العربية كلها بما فيها الدول التي كانت تعتبر نفسها حاملة لواء التيار القومي العربي الثوري والتقدمي، في تفكيك وانهيار النظام الإقليمي العربي الذي مثلته الجامعة العربية. عاشراً ـ ثم جاءت أحداث أيلول 2001م والهجوم على برجي التجارة العالميين في مدينة نيويورك وتدميرهما والهجوم على مبنى وزارة الدفاع الأمريكية ـ البنتاغون ـ في واشنطن من قبل تنظيم القاعدة، والتي تبعها مباشرة إعلان الرئيس الأمريكي بوش الابن الحرب على ما سماه الإرهاب العربي والإسلامي لتطوي صفحة هذا النظام من الوجود الفعلي. بل وعجلت في سقوطه، وبخاصة دعوة بوش العالم كله للمشاركة فيها وعلى الأخص الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة، التي اتهمها بأنها الحاضنة والمفرخة للإرهاب بسوء سياساتها الشمولية، وفقدانها ما سماه بالديموقراطية، وتشجيعها للثقافة الإسلامية الجهادية. مع أن الولايات المتحدة هي التي مكنت لهذه الأنظمة في السلطة وظلت ترعاها وتحميها من الثورة التي اجتاحت الوطن العربي في الخمسينات والستينيات من القرن الماضي من جهة، وتحالفت مع القوى الإسلامية الجهادية التي رعتها ومولتها هذه الدولة من جهة ثانية، واستخدمتها في إطار استراتيجيتها في مواجهة ثورة التحرر الوطني العربية والعالمية والحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي. وكانت في نفس الوقت تعمل وبكل الوسائل لوأد الديموقراطية الناشئة في جمهوريات ودويلات الأقطار العربية التي تحررت من الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية. وعجلت أحداث أيلول أيضاً في وضع الحرب المخططة على العراق منذ زمن طويل، على نار المحافظين الجدد الملتهبة التي تريد إشعال الحروب في كل مكان، وبخاصة بعد احتلال أفغانستان من قبل الجيش الأمريكي وحلفائه، وتدمير حكم حركة طالبان وحليفتها منظمة القاعدة ـ بقيادة أسامة بن لادن ـ. فأخذ بوش يعد العدة لاحتلال العراق الذي كانت وزارة الدفاع الأمريكية ـ البنتاغون قد باشرت بتهيئة أوامره وخرائطه منذ نهاية الحرب الأولى في عهدي الرئيسين بوش الأب وكلينتون، وتسارعت خطواته منذ تسلم بوش الابن الرئاسة عام 2000م، من أجل بناء نظام شرق ـأوسطي ـ إقليمي أمريكي وصهيوني جديد يهدف إلى حذف مفهوم العروبة من خارطته وتاريخه. حادي عشر ـ شنت الإمبراطورية الأمريكية ـ وحليفتها بريطانيا الحرب على العراق في آذار 2003م التي عارضتها شعوب العالم كافة، والأمة العربية، وانتهت في نيسان 2003م باحتلاله بمباركة بعض الأنظمة العربية بل وتمويلها من قبل بعض الدول الخليجية النفطية: وكانت قمة الهزائم العربية بعد احتلال فلسطين وإقامة الصهاينة فيها 1948م، لكن المقاومة العراقية الشعبية التي بدأت منذ أول يوم للاحتلال واستمرت متصاعدة عنيفة وضارية ضد المحتلين وأعوانهم، أعادت الأمل وشحذت الهمم وأسست لمرحلة كفاحية جديدة ونهوض قومي لمواجهة الغزو. وقد وضعت كل النظام العربي المتهافت في حالة تفكك وتداعي آيلاً إلى السقوط. وهو يترنح تحت وطأة ضغوط الإمبراطورية الأمريكية، وتصاعد المعارضة الشعبية الداخلية التي تزداد اتساعاً وحماساً ضد هذه الأنظمة التي تتهمها بالتواطؤ والاصطفاف مع المحتلين للحفاظ على السلطة التي استولت عليها، وتمسكت بها في فترة الحرب الباردة لتقوم بوظيفتها القمعية الاستبدادية، للقضاء على حركة التحرر العربية، تمهيداً للصلح مع العدو الصهيوني. ووصلت الأمور إلى حدود الحرب الأهلية في كل قطر على حدة، وفي الوطن العربي كله ضد هذا النظام العربي المعادي لتطلعات العرب في الوحدة والديموقراطية والتقدم. ثاني عشر ـ وباحتلال العراق تكون مرحلة صعود التيار القومي الثوري التي بدأت في الخمسينات من القرن الماضي قد انتهت بشكل مأساوي، بالاحتلال بدل التحرير، والتشتت والتجزئة من جديد بدل الوحدة. ولتبدأ مرحلة جديدة في التاريخ العربي الحديث، فالإمبرياليون الأمريكيون أعلنوا استراتيجيتهم الجديدة تجاه الوطن العربي فيما سموه 1ـ الفوضى البناءة ـ أي إعادة التشكيل بعد الهدم والتفكك وعلى الأنقاض لرسم خريطة جديدة وبأسماء جديدة تمحى منها الكلمات التي تدل على الهوية العربية 2ـ والشراكة من أجل الحرب على الإرهاب ـ أي الحرب على المقاومة العربية ـ الإسلامية بأي صورة كانت، ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين أم ضد احتلالهم للعراق. 3ـ وأعلنوا أنهم يريدون إعادة تكوين وتشكيل الوطن العربي في عصر العولمة الأمريكية وبناء الإمبراطورية الأمريكية: أي بناء النظام السياسي العربي بما يخدم استراتيجياتهم العولمية ومصالح الصهيونية العالمية ودولتها المحتلة في فلسطين تحت شعارات الديموقراطية وحقوق الإنسان والهويات العرقية والطائفية، واستبداله بثقافته العربية الإسلامية، ثقافة المقاومة والتحرر القومي، ثقافة العولمة الأمريكية ومنظومة قيمها الاستهلاكية والليبرالية. 4ـ وبناء ما سماه بوش بالشرق الأوسط الصغير (الدول العربية زائد إسرائيل) ثم وسعه ليشمل الدول الإسلامية ـ تركيا وإيران وباكستان وسماه بالكبير ـ لطمس معالم الهوية القومية العربية وتعويم ثقافات الأقليات والهويات الأدنى بما يخدم ويكرس هيمنة الدولة الصهيونية المحتلة لفلسطين. والاعتراف بها كشريك رئيس وعضو أصيل في بلاد تابعة للإمبراطورية الجديدة تحت أسماء شتى كما كانت قبل الثورة العربية الإسلامية. كي تستكمل دولة الصهاينة تزييف التاريخ وتعيده كما تتوهم إلى ما كان حسب ادعاءاتها قبل المسيحية والإسلام (5). مرحلة العولمة والنظام العالمي الجديد لا بد من إعادة النظر والتفكير في المسائل الرئيسة للثقافة القومية المؤسسة للفكر القومي العربي الحديث وفي مقدمتها: أولاً ـ المرجعية والهوية: تتقدم اليوم مسألة تحديث الفكر القومي كضرورة تستوجبها حالة الانهيار وتصاعد أصوات انفصالية تنطلق من حداثة العولمة المبشرة بقرب زوال الدولة القومية الدولة ـ الأمة وذوبانها في بحار العولمة ومحيطاتها الواسعة، وفقدانها التدريجي لسيادتها لصالح الإمبراطورية العالمية الأمريكية. وأن العصر القادم هو عصر الهويات الثقافية الإثنية والطائفية والإقليمية الأدنى من الأمة. في حين رأت مجموعات من المثقفين العرب القوميين والنهضوين ضرورة التأكيد على مسألة الهوية العربية وتعميق البحث والدراسات النظرية السياسية، والتاريخية لتحديد المرجعية الفكرية والثقافية التي تجعل مفاهيمها الفلسفية والأيديولوجية أكثر مقاربة للحداثة الجارية. وتتضمن مراجعة نقدية للفكر السياسي القومي العربي وما نسب إليه من تجاوزات ومظالم وانتهاكات ارتكبتها الأنظمة التي حكمت باسمه. في محاولة جادة لإعادة صياغة أفكاره ومقولاته وموضوعاته واستراتيجياته السياسية على ضوء التجارب السابقة لفصائله في الحكم والمعارضة، ولممارساته ومناهجه من خلال تقييم انتصاراته وهزائمه ونكساته والنتائج المحبطة التي حفرتها في الجسد القومي وانعكست على تطورات الواقع العربي تخلفاً وتمزقاً. ودراسة التبدلات الجذرية والتاريخية الجارية في الوضع العالمي، وأثرها على بنية ومسيرة الحركة القومية العربية الراهنة وبرامجها السياسية وأهدافها الموضوعية. بالتأكيد على أهمية مراجعة وتصحيح وتطوير ما ثبت أنه متخلف ولم يعد صالحاً كأيديولوجيا وسياسات لحل إشكاليات العمل النضالي والكفاحي القومي من أجل الوحدة والتحرر القومي والوطني. ثانياً ـ في المرحلة الانتقالية من نمط حضاري رأسمالي قديم ـ الرأسمالية القومية ـ إلى نمط جديد ـ رأسمالية عولمية ـ نشأت مرحلة من الاضطراب المفاهيمي والفوضى الفكرية بسبب هذا التحول على المستوى العالمي الذي لم تتحدد معالمه بعد، ولا كيفية التعامل معه. فكانت نظريات المحافظين الجدد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية الهادفة إلى بناء إمبراطورية أمريكية تقود الرأسمالية الظافرة، لتعيد سيطرتها وهيمنتها على الكرة الأرضية والفضاء الخارجي. وتعيد بناء الدول والمجتمعات ومنظومات القيم وفق المعايير الرأسمالية الأمريكية رافعة شعارات الديموقراطية وحقوق الإنسان الأساسية، لتجعل أمم العالم وشعوبه التي تتحكم بها اقتصادياً ومالياً وسياسياً تابعة ثقافياً وأخلاقياً. وأسرع منظروها الجد مثل هنتنجتون في نظريته السياسية وأطروحته حول صدام الحضارات وصراع الثقافات، وفوكاياما حول نهاية التاريخ والأيديولوجيات ليضعوا لها فلسفات ومناهج بل أيديولوجيا حديثة، ليستبدلوا فلسفة الثورة القومية والماركسية وفلسفة العقل والإنسان والتحرر الوطني والصراع الطبقي، بالوضعية التكنولوجية، والأنتروبولوجيا السياسية وتقنيات الثورتين العلمية والتكنو ـ إلكترونية، لإعادة صياغة مفاهيم الأمة والإنسان والمجتمع والدولة والحق والقانون والعقل لخدمة الرأسمالية المعولمة في مرحلة ما بعد الحداثة. المثقفون اللبراليون من العرب شرعوا يرددون أطروحات أساتذتهم في المراكز المتقدمة والقائدة لهذه التحولات دون تمحيص، والحكام المستبدون أعلنوا أنهم مع البرامج الإصلاحية الوافدة إليهم. وراحوا يسيرون الأمور حسبما تقتضي مصالحهم للاستمرار في السلطة. والأمة مقموعة ومقهورة جماعات وأفراداً في إطار النظام الإقليمي العربي الذي أسسته الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها الغربيات في فترة الحرب الباردة لضمان السيطرة على النفط العربي وأمواله في مواجهة الاتحاد السوفييتي. وظلت ترعاه حتى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية في إطار تحالفها مع الصهيونية العالمية واستراتيجيتها لإبقاء الوطن العربي تحت السيطرة والهيمنة، وتحقيق السلم الأمريكي الصهيوني. وبما يضمن تفوق وتمكين دولة الصهاينة في فلسطين، وتصفية المقاومة العربية للمشروع الصهيوني بفرعيها القومي العربي والإسلامي والاعتراف به ككيان وطيد وعضوي في الوطن العربي. لتمحو من أذهان العرب فكرة القومية العربية والإسلام المقاوم كإطارين للتوحيد السياسي والثقافي، ويزال من خريطة ما تسميه الشرق الأوسط كل ما يدل على عروبة الجغرافية والتاريخ والشعب (6). ثالثاً ـ الإسلام في أيديولوجيا القومية العربية. 1ـ شكل الإسلام كدين وثقافة الشخصية القومية التاريخية للأمة العربية - وهذا لا يعني أن الأديان التوحيدية الأخرى التي نشأت في الوطن العربي لم يكن لها تأثير على نمو هذه الشخصية وبلورتها-، وهو لذلك ظل حاضراً في الفكر القومي العربي الحديث والمعاصر، الذي استيقظ على تحديد دوره في الأيديولوجيا القومية العربية، بالتأكيد على الشراكة والتلازم بين العروبة والإسلام في النهضة العربية الحديثة. بالانطلاق من أن التراث الفكري للإصلاح الديني الذي دعا إليه وأسس له الشيخ محمد عبده وتلاميذه في الوطن العربي مكون رئيس في فكر وثقافة النهضة العربية الحديثة وأساس لتوافق وترابط التيارين القومي العربي النهضوي والإسلامي الإصلاحي. وإذا كان فكر الشيخ رشيد رضا تلميذ الشيخ محمد عبده قد شكل حلقة الوصل والفصل بين الأيديولوجيتين: القومية العربية إيديولوجيا التحديث والنهضة والأيديولوجية الإسلامية الإصلاحية. فإن الانعطاف الذي قام به الشيخ رشيد فيما بعد نحو السلفية متخلياً عن برنامج أستاذه الإصلاحي أدى إلى تباين في مسار النهضة (7) العربية، بين التيارين القومي العربي النهضوي التحديثي، والإسلامي الإصلاحي، وباعد بينهما. وقد أصبح هذا التباين انفصالاً واضحاً بعد تأسيس جمعية الإخوان المسلمين في مصر 1928م كحركة سياسية من قبل تلميذه الشيخ حسن البنا، وصار ملموساً بعد مؤتمر القدس 1931م الذي جمع بين ممثلي التيارين للاتفاق على استراتيجيات الكفاح للتحرر الوطني والثورة ضد المستعمرين الإنكليز والفرنسيين والحركة الصهيونية، واستئناف مسيرة النهضة والإصلاح وبناء الدولة الحديثة. فلم تكن نتائج المؤتمر حاسمة، ولم تتوج بتحالف استراتيجي سياسي وأيديولوجي حول هذه القضايا. وقد اتسعت في الممارسة الفجوة بين المسارين بعد توقف برنامج الإصلاح الديني لحساب السياسي السلفي. لكن التيار القومي العربي ظل يدعو إلى استئناف مسيرة الإصلاح الديني والتحالف بين التيارين على قاعدة الكفاح ضد الاستعمار الغربي والصهيونية العالمية، والعمل من أجل الوحدة العربية، وهذا ما يجب التأكيد عليه اليوم في مواجهة العولمة. وانطلاقاً من هذه المفاهيم فإن الفكر القومي العربي الحديث يجب أن يعمل من أجل فتح الحوار مع الحركات الإسلامية غير التكفيرية التي تنبذ العنف وتعترف بالآخر وبالديموقراطية، على قاعدة تطوير وتجديد الفكر الإسلامي وبخاصة منظومة الفقه السياسي لتكون في مستوى تطلعات الأمة في عصر العولمة على طريق التفاعل والتحالف بين التيارين القومي العربي والإسلامي المستهدفين اليوم من قبل الإمبراطورية الأمريكية والصهيونية العالمية بالحرب المعلنة على الإرهاب العربي والإسلامي، كعدوين لدودين للأمركة والصهينة يحولان دون التفتيت والتقسيم والتجزئة، ويقدمان مرجعية توحيدية في مواجهة تغيير الهوية والثقافة تحت شعارات الشرق الأوسط الصغير والكبير. ويقودان المقاومة في هذه الحرب المصيرية. ويأتي موضوع تكوين مركب فكري ـ ثقافي ـ عربي ـ إسلامي حديث في مقدمة أهداف الثورة الثقافية العربية المطلوبة لمواجهة عصر العولمة بما يفتح آفاقاً معرفية وسياسية، الأمة بحاجة إليها في هذه الحقبة العاصفة من تاريخ العالم وتاريخ وطننا العربي. وهو الخيار الرئيس لاستعادة النهضة والثورة، وتجاوز المزدوجات المتناقضة في ثقافتنا السياسية لتعميم وتعميق العلمانية والعقلانية في فكرنا وممارستنا، من أجل البقاء أمام استراتيجيات التدمير والحذف والنفي والخروج من التاريخ. ثقافة الحداثة والتغيير: في مواجهة الاستبداد والتخلف والعولمة الثورة الثقافية أهم مسألة وأكبر إشكالية تواجه عملية الإصلاح والتجدد السياسي والمجتمعي والاقتصادي والثقافي العربي، والتي بدون حدوثها ستظل مسيرة النهضة والتغيير والإصلاح متعثرة وغير فاعلة بل معرضة للانتكاس في كل حين. وتشكل هذه الثورة للتغير المعادل الموضوعي لتخلف البنية التحتية لوسائل الإنتاج وحالة التبعية العربية للدول الرأسمالية وللسوق العالمية، والثقل الفكري المقابل لمجمل الاقتصاد الرأسمالي للمجتمع الحداثي المتأخر، أي القوانين التي تحكم تطور المجتمع والفكر الإنساني والتي يمكن بها ومن خلالها المتأخر، أي القوانين التي تحكم تطور المجتمع والفكر الإنساني والتي يمكن بها ومن خلالها تحقيق نهضة الحداثة المجهضة منذ القرن الماضي. وهي لا تكشف عن نفسها سوى بطرح برنامج كامل ومستقل بروحه عن فلسفة التغيير التي تروج لها صيغ الحداثة المصممة في معاهد الاستشراق، ومعاهد الدراسات الممولة من قبل الشركات متعددة الجنسيات والدول الإمبريالية. فلقد أصبحت القوانين العامة للرأسمالية في مرحلة العولمة سائدة على مستوى الكوكب الأرضي، كذلك نفوذ الإمبراطورية الأمريكية التشكيلة الاجتماعية ـ الاقتصادية الحديثة الملائمة لهذه المرحلة من التطور. فهي تنشر قواها العسكرية المتطورة في بقاع واسعة من الكرة الأرضية لتقوم بدور شرطي العالم للحفاظ على الأمن وتقسيم العمل الدولي وحراسة الثروات الطبيعية وفي مقدمتها منابع الطاقة والأسواق المالية والمعادن الثمينة اللازمة لصناعتها الأكثر حداثة. وتعمل على عسكرة الفضاء بعد اكتشافه وجعله تحت سيطرتها وفي خدمة مصالحها الأرضية. وقد احتل الوطن العربي المركز الأهم في استراتيجيات الإلحاق والتبعية والإكراه العسكري والاقتصادي والسياسي والثقافي لأنه الحلقة المركزية في العالم الثالث التي تسمح السيطرة عليها والإمساك بها التحكم بإمدادات النفط وبأمواله والتصرف بها لإدارة اقتصاد العالم وإخضاعه لمصالحها والهيمنة عليه سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. ومن هنا فإن الثورة الثقافية التي تقوم على الحداثة والعقلانية والتنوير والعلمانية والتجديد الفكري والتغيير الاجتماعي والسياسي نحو الديموقراطية والتنمية الاقتصادية والبشرية المستقلة والدخول في الثورات العلمية والتكنولوجية ستكون الطريق العربي إلى العولمة. وفي سياقها سيتم حل التناقض بين الأصالة التراثية وبين الحداثة المقتبسة، بتجديد عناصر التراث وجعلها جزءاً مكوناً من ثقافة الحداثة كما يجب أن تكون لا قطاعاً معزولاً ومفصولاً عن مجمل التطورات، وظيفته خل المزيد من الصدوع والشقوق والصراعات غير الموضوعية والجدل غير البناء المعيق للحركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فالدخول في العولمة كفعالية متبادلة منتجة ومؤثرة تملك القدرة على الاستفادة من شروط السوق العالمية المالية والتكنولوجية المفتوحة، يقتضي هذه الثورة الثقافية التي تعيد الفرد والمجتمع والنظام السياسي ومؤسساته والحكومة وهيئاتها لتكون على مستوى التحدي الحضاري والثقافي الحديث وتحقيق الأهداف القومية في الوحدة والتحرر. وفي هذا البيان يتواجه ويتقاطع مشروعان واستراتيجيتان للتغيير من أجل تحقيق هذه الثورة في الوطن العربي 1ـ مشروع واستراتيجية غربية أمريكية ـ أوربية 2ـ ومشروع واستراتيجية قومية عربية، وما بينهما من رؤى وسيطة تمزج بين الاتجاهين وإن كانت أقرب إلى المشروع الأمريكي.1ـ الليبراليون العرب الجدد ومن والاهم من الانفصاليين وأصحاب المشاريع الإثنية والطائفية، يأخذون بالمشروع الأمريكي ـ الغربي مع بعض التحفظات، ولكنهم في الجوهر ضد المشروع القومي العربي. ويتحدثون عن الاستفادة من الفرصة التاريخية التي تمثلها الاستراتيجية الأمريكية للتغيير والإصلاح ونشر الديمقراطية في الوطن العربي، للضغط على الأنظمة الاستبدادية العربية الشائخة التي كانت سبب التخلف والتبعية والانهيارات العسكرية والسياسية والعسكرية من أجل التحول إلى الديموقراطية كما تريدها واشنطن، وإصلاح النظام السياسي العربي الشمولي وبعث الحياة السياسية واستعادة الحريات وحقوق الإنسان الأساسية ومؤسسات المجتمع المدني، وبناء الدولة الحديثة ولو تحت الرعاية الأمريكية وخططها التقسيمية. ويقولون: علينا الاستفادة من الحالة العولمية الإمبريالية لتحقيق هذه الأهداف. ونحن نعلم أن الاستراتيجية الأمريكية بالتنسيق والتعاون مع دولة الصهاينة في فلسطين تهدف إلى تغيير النظام العربي الإقليمي الذي أصبح عائقاً أمام العولمة من جهة، ومولداً للإرهاب ولا يخدم سياساتها الشرق أوسطية من جهة أخرى. وذلك بإدخال تحسينات على الأداء الحكومي والبيروقراطي الداخلي لتقوم الأنظمة بعد تأهيلها بدورها في خدمة الخطط الإمبريالية الأمريكية للعولمة. فهي ترى أن إجراء انتخابات تعددية لتشكيل مجالس برلمانية ولو في ظل القوانين الاستثنائية وسيطرة أجهزة الأمن على الدولة إصلاحات ديموقراطية واعدة. بينما الأهم عندها في هذه الاستراتيجية هو تحرير الاقتصاد من قيود الحماية وضرورة فتح السوق أمام الشركات متعددة الجنسيات وتطبيق وصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لخصخصة الاقتصاد والتخلص من القطاع العام، مع الإبقاء على بنية الدولة الأمنية والهيكل العام غير المؤسسي لبنيتها الشمولية كما هو جار في بعض الدول العربية. ديموقراطية موجه في إطار قانوني غير مؤسساتي، طالما هي ملتزمة بالشراكة الاستراتيجية لمكافحة ما تسميه بالإرهاب وتدمير أسلحة الدمار الشامل والاستسلام والتطبيع مع العدو الصهيوني، وبالامتثال لسياسيات العولمة الاقتصادية. 2ـ المشروع القومي العربي الذي تحمله القوى العربية الديموقراطية المعارضة للسياسة الأمريكية، والمناضلة ضد الاستعمار الصهيوني والاحتلال الأمريكي في فلسطين والعراق، والملتزمة بفكر وثقافة المقاومة، والكفاح ضد الشمولية والاستبداد والديكتاتورية العربية، يهدف إلى التغيير العميق في البنى الفكرية والاجتماعية والسياسية، والإصلاح الديموقراطي المؤسساتية الحديثة، دولة القانون والمساواة والعدالة الاجتماعية، لتكون قاعدة المحتل، وإنجاز النهضة الثقافية والاقتصادية التي تمكن الأمة العربية من استعادة دورها التاريخي في صنع الحضارة العالمية. والتي تستجيب لأماني ومصالح الشعب العربي وحاجات التحرر الوطني وتغيير شروط التبعية. وهذا يقتضي العمل من أجل إقامة تحالف وطني عريض بين القوى السياسية والاجتماعية وهيئات ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات الشعبية والمهنية، وترسيخ هذه التحالفات في كتلة جماهيرية على المستويين القطري والقومي، لدعم المقاومة في فلسطين والعراق، والعمل الدؤوب لتحقيق برنامجها السياسي في بناء دولة ديموقراطية. بلا مبالغات وشطط، وجعل ما هو تراكمي في الإنجاز والخبرة أساساً لمرحلة أعلى في النضال لما هو استراتيجي مع الإبقاء على اللحمة مع ما هو تكتيكي ومرحلي وهذا هو معنى التاريخي في الفكر والممارسة. تصورات مستقبلة: إن التطلع إلى المستقبل هو المحرك الرئيس لإنجاز الإصلاح والتغيير المنشودين. فنحن في الحقيقة لا نريد إحياء الماضي بما هو كذلك، فهو يدخل في تكويننا الفكري والثقافي الشعوري واللاشعوري، كخبرات وليس كواقع يمكن استعادته، إذ هو ماض له ما له وعليه ما عليه. فإذا جعلناه أمامنا فكأننا نضع العربة أمام الحصان، وهو سيسد طريقنا ويمنعنا من رؤية وقائع حياتنا المعاصرة المتجددة بحركة عاصفة تكاد تسبقنا ولا نستطيع الإمساك بحلقاتها الرئيسة إلا متأخرين. ولذلك فإن التواصل مع تاريخنا يجب أن يكون من خلال هذه الوقائع وليس العكس. فقدرتنا على التواصل مع الحداثة والثورات العلمية والتكنولوجية وهي في الجوهر العقلانية والعلمانية والديموقراطية، هي التي تجعل تاريخنا في تواصل مع حياتنا المعاصرة، ونحن نكافح لبناء وطن عربي حر قادر على المساهمة في صنع الحضارة الحديثة بدون التواءات وتكييفات خاصة. بالتواصل مع التحولات والتبدلات الاقتصادية والسياسية والثقافية العالمية، يتم التأكيد على الهوية القومية العربية، التي هي في هذه المرحلة المقاومة والصمود في وجه التحديات والمشاريع الإمبريالية التفكيكية والتجزيئية لتدمير هذه الهوية. فالهوية هي فعل وبناء وإنجازات ثقافية وحضارية وليست معطىً خالداً. (1) المراحل عبد الرحمن الكيالي ج1 ص 147 ـ 148. (2) راجع دستور حزب البعث العربي الاشتراكي، والمنطلقات النظرية التي أقرها المؤتمر القومي السادس للحزب 1963 م/ والميثاق القومي للاتحاد الاشتراكي العربي في مصر، والوثائق االبرنامجية لحركة القوميين العرب. (3) يراجع بهذا الخصوص في الفكر السياسي تأليف الدكتور جمال الأتاسي، وياسين الحافظ، وحول بعض قضايا الثورة العربية وفي المسألة القومية الديموقراطية لياسين الحافظ. (4) راجع كتاب النظام العالمي الجديد والقضايا العربية الراهنة تأليف محمد سعيد طالب الصادر 1997م عن دار الأهالي (5) راجع تقرير الاستخبارات القومي الأمريكي رسم مستقبل العالم لعام 2005 ترجمة وإعداد جريدة الخليج الإمارتية 21 /1/ 2005. والهيمنة أم البقاء ـ نعوم تشومسكس السعي الأمريكي للسيطرة على العالم ترجمة سامي الكعكي ترجمة دار الكتاب العربي بيروت 2004م. (6) راجع الاختيار زبيغنيو بريجنسكي ترجمة عمر الأيوبي دار الكتاب العربي 2004م وكتاب من الحداثة إلى العولمة كتاب عالم المعرفة الكويت ترجمة سمر الشيشيكلي 2004. (7) أسس الشيخ رشيد رضا جمعية سرية باسم الجامعة العربية ثم كان عضواً مؤسساً في حزب اللامركزية السوري في القاهرة 1913م، وكان من مؤيدي الثورة العربية بقيادة الشريف حسين بن علي شريف مكة، ولكنه (بعد غدر الإنكليز وتنكرهم لوعودهم بتأسيس الدولة العربية الواحدة في المشرق العربي، وفشل الثورة العربية الكبرى 1916م في تحقيق الأماني القومية العربية في تأسيس دولة ـ أمة في المشرق العربي، واقتسام الدولتين الاستعماريتين بريطانيا وفرنسا للولايات العربية التي انفصلت عن الدولة العثمانية وفرض الانتداب عليها، ومباشرة بريطانيا بتنفيذ وعد بلفور لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين،) غيّر من تحالفاته وبخاصة بعد نجاح عبد العزيز بن سعود بتوحيد الحجاز ونجد عسير وقيام المملكة العربية السعودية، فتخلى عن منهج أستاذه الإصلاحي ليعيد للسلفية المتأثرة بالوهابية اعتبارها كعقيدة إسلامية للتحديث في مواجهة الهجمة الاستعمارية الغربية والثقافية الأوربية التي تأثر بها، وحاول مع أستاذه تبني مقولاتها ومناهجها /لإعادة بناء الثقافة العربية الإسلامية لتكون إيديولوجيا التحديث والنهضة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |