|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
السياسة الاستراتيجية لأمريكا في المنطقة العربية ـــ د.فايز عز الدين ثمة أحوال لابد أن تتغير في الواقع العربي الراهن في أعقاب احتلال القطر العراقي الشقيق من قبل التحالف الانكلو أمريكي ذلك الاحتلال الذي حدث من خارج إرادة الأمم المتحدة، والشرعية الدولية، والرأي العام الدولي وخاصة الرأي العام في دولتي التحالف. العراق الآن دخل مرحلة من فوضى الحياة السياسية، والوطنية، وتناقض الرؤى والمشاريع وصراع الإرادات الداخلية، والخارجية حيث غدا موضوعاً للتنافس الدولي بين أصحاب القوة والنفوذ والسيطرة سواء أكان هذا التنافس على مكاسب إعادة إعماره، أو على اقتسام ثرواته كثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم. كذلك الأمة العربية بعد أن حدث ما حدث للعراق أصبحت غير قادرة على ضبط الحركة الاستراتيجية لسيرورتها بتأثير التطابق الخطير بين أهداف الوجود الإسرائيلي الصهيوني، وأهداف الوجود الأمريكي ذي النزعة الإمبراطورية الحربية القائمة على سياسة الحرب الاستباقية وعدم احترام السيادة الوطنية للدول. وبناء عليه أصبح المنطق التاريخي للعرب، وجوداً، ومصيراً، وأشكال حياة يتطلب التداعي العربي على المستويات كافة للتبصر المشترك في حال ما دخلناه من عودة للاستعمار بوجهه التقليدي، وباستخدام لأبشع وسائل التدمير، الشامل التي تمثل أهم صفة للحالة العالمية للإمبريالية المتوحشة في مطلع القرن الحادي والعشرين. وفي المقدمات الأولى للتفكير العربي ـ بمتلازماته الكاملة ـ في إطار الحاضر، والمستقبل تبرز أمامنا الحالة الأمريكية بالمحددات التالية: الخطاب الحربي العدواني لأمريكا يتحول إلى أهم مميز لها في سياستها العالمية كقطب وحيد مهيمن. المصالح القومية، والعالمية لأمريكا هي التي تحدد الجغرافية السياسية للكوكب الأرضي. حراك العالم وقضايا الأمم، وتوصيف مشكلات العصر في ظل العولمة المعسكرة تنفرد أمريكا برسم صورته. إضعاف الدور العالمي للأمم المتحدة، ومجلس الأمن بحجج لا منطق سياسي سليماً لها بغاية احتواء القرار الدولي. جعل الإرادة الأمريكية التي يتحكم فيها بيت المال الصهيوني النمتحالف مع اليمين الأمريكي المتصهين مفروضة على العالم يتجاهل كامل للرأي الآخر. تثبيت وشرعنة معادلة إما مع أمريكا في كل استهدافاتها المتغطرسة، ومصالحها الأنانية أو ضدها. تعمق العقدة الأمريكية بأن هرم العالم تشكله هي وحسب، وبكل الأحوال تنصب نفسها رأس هذا الهرم. هذه المحددات، وما يمكن أن يزيد عليها من غير الممكن أن تبقى الشأن العربي، والأممي على ما عهدناه، بل تنذر بأن متغيراً قد حصل على أثر الوجود العسكري الاحتلالي للعراق، ثم إن الوجود العربي نظاماً رسمياً، أو مجتمعات وضع الآن على استهداف إعادة التشكيل كما صرح بذلك القادة الأمريكيون قبل بدء حربهم العدوانية في 20/3/2003 ثم الإعلان عن تغييب الدور الحقوقي والسياسي للأمم المتحدة بشكل مقصود كي لا تساهم في ترتيب الشأن العراقي في ظل الاحتلال بما يتوافق مع إرادة الشعب، ومصالح المواطنين بالحرص على الوحدة في الأرض، والشعب. ثم جعل العراق قاعدة ومنطلقاً لممارسة الضغوط على سورية القطر العربي الصامد، والقوة القومية المواجهة لأحلام الكيان الصهيوني في مشروع إسرائيل الكبرى. ثم الانفراد بتجريف الثروة العربية النفطية وغير النفطية، والإفادة من أهمية القيمة الاستراتيجية للجغرافية العربية في تثبيت سياسة الهيمنة الأمريكية على العام. وإزاء حالة من هذا النوع ألا يعتبر التاريخ العربي المعاصر قد دخل في أخطر حلقات التهديد لوجود الأمة العربية، وهويتها، وكيانها الحقوقي، والسياسي، والحضاري على حد سواء؟!! وإذا لم يكن للأمة الموقف الموحد الملبي لاحتياجات مرحلتها الصعبة ألا يعني أن المشروع العربي النهضوي قد ارتهن رسمياً للمصالح الجيوبوليتيكية الأمريكية، وعاد المصير العربي على الأرض العربية ليتقرر من جديد بإرادة العوامل الخارجية فقط، كما كان قد حصل في معاهدة سايكس ـ بيكو منذ العقد الثاني من القرن الماضي؟!! إن أمريكا ـ كقطب وحيد يهيمن على الحكومة العالمية ـ لم تحتل العراق لتنتهي أهدافها العالمية في استغلال ثرواته بل لكي تنتقل من احتلاله إلى إلغاء مباشر لتطلعات الأمة العربية، ولدعم معلن لسياسة الغطرسة الصهيونية التي تمارس إبادة الحياة لشعبنا العربي الفلسطيني، وعليه يكون قد استتب لها احتلال إرادة الشرعية الدولية الراهنة تمهيداً لتغيير المنظومة الحالية لها بما تسميه أمريكا النظام الدولي الجديد الذي لا يعدو أن يكون النظام الأمريكي المفروض على إرادة روح العالم. وحين نعود في قراءة تحليلية إلى المشهد السياسي والحراك السياسي العربي قبل انطلاقة الشرارة الأولى للحرب العدوانية على العراق نستجلي مجموعة من الحقائق السياسية الهامة قدّمت للعقل العربي الرسمي، والشعبي حتى يرتفع الأداء العربي إلى المستوى المطلوب من وعي الأهداف الأمريكية البريطانية من هذه الحرب، ومن التوافق القومي على الأساليب الأنجع لمنع أية إمكانية لحصولها بكافة الطرق، لكن الفعل العربي الرسمي لم يتواز مع نبض الشارع العربي ما أدى إلى هذا التجرؤ الأمريكي البريطاني المتصهين بشن الحرب، ولو على قاعدة الانتهاك الفاضح لكافة الأعراف، والمواثيق الدولية، وقواعد العمل للشرعية المعمول بها في إطار المؤسسات المعنية. وعليه فقد عملت سورية على تصليب موقفها القومي المبدئي من العدوان على العراق، ولا تزال تعمل على رفع مستوى الأداء الرسمي العربي كي يتطابق مع النبض القومي المكافح للشارع العربي المجسد لروح الأمة ولجبهتها القومية العريضة. وكذلك رصدت كافة الجهود على الصعيد الدولي لتحقيق المزيد من التداول، والتشاور، والكشف عن المواقف الواجبة قبالة هذا الاندفاع الأمريكي المجسد لليبرالية الجديدة المجنونة بقوتها التي لم تعرف حدودها بعد. وبعد احتلال العراق انشغلت المشهدية الإعلامية الدولية بالمزيد من التصريحات غير المسؤولة لليمين الأمريكي المتصهين الهدف منها تصعيد حملات الضغط على سورية قلعة العرب الصامدة كي تمر المخططات الصهيونية الاستسلامية، وما جاء بخصوصه أمريكا إلى العراق الشقيق. وفي هذا الشأن حصلت زيارات لبعض المسؤولين الأمريكيين إلى المنطقة بما ينضوي تحت مفهوم لعبة الضغط السياسي. والتلويح بأشكال التصعيد الأخرى ظناً من هؤلاء أن مثل هذا الأمر قد يعطي نتائجه المتوخاة. ومع ذلك أكدت لغة التخاطب السياسي، والحوار الدولي حضورها بما اضطرت معه أمريكا إلى ملاءمة مواقفها الخارجية على القانون الدولي ومقررات الشرعية الدولية، ولقد غدا واضحاً أن التمسك بالحقوق والاستناد إلى مواثيق الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية ذات الصلة سيضع أمريكا في مربع المراعاة التامة لهذا الشأن الحقوقي للأمم كي لا تبقى تظهر بمظهر الخارج على قواعد، وسنن النظام الدولي الراهن، وإن حدث أن مارست أمريكا غطرسة السياسة فسيكون الموقف الدولي إلى جانب أصحاب الحقوق الذين يمارسون التمسك المبدئي المشروع، بحقوقهم وبالقرارات العالمية ذات الصلة، وبما أجمعت عليه الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي. إن التاريخ العربي الراهن الذي يمر بأخطر مراحله بعد احتلال العراق يستلزم من الأمة العربية بمجموعها: أفراداً، ومؤسسات، وتيارات، وهياكل روحية، أو اجتماعية أن تتأمل حالة ما هي عليه استعداداً لاختبار مواطن القوة، والضعف فيها بغاية تعزيز حلقات القوة، وتطوير يقظة الوجدان العربي في القطر المعني أو في الأقطار العربية كافة بذلك تكون الأمة قد امتلكت الحلقة الأساسية المطلوبة في مهام واقعها الراهن.. والانطلاق دوماً يجب أن يكون من التمسك بالحقوق، واستجماع القوة، وامتلاك الإرادة الوطنية وتمتين الوحدة الوطنية لجماهير الشعب، إن ذلك سيبقى الكفيل بمواجهة القوة الإمبراطورية المندفعة بجنون العظمة؛ وإفشال مخططاتها الرامية لاغتصاب الحق والسيادة العربيين. *الجيواستراتيجة الأمريكية: وفي العصر الذي نواجه فيه هذه الاستراتيجية الأمريكية الحربية المُرَجَّحَة على أية استراتيجية ثانية نصبح أمام حقبة من الصعب أن نسميها بغير حقبة الطغيان الأمريكي، أو حقب الهيمنة الأمريكية على العالم. وكما تستدل الفلسفة لترى المشخص منظراً، أو المنظر مشخصاً، ننظر بمساعدتها إلى فهم غايات الهيمنة الأمريكية على العالم لنتوصل إلى المرجعية الاقتصادية، والسياسية، والمعرفية الكائنة وراء هذا الموقف الأمريكي الذي يفرض انفراده بحكم العالم دون أي احترام لمشاعر الآخر الدولي حتى ولو كان حليفاً (أوروبا مثلاً). في الأساس المعرفي لفلسفة الهيمنة الأمريكية نتواجه مع أفكار الفيلسوف فوكوياما الذي رأى أن التاريخ قد وصل إلى نهايته حين انتصرت الليبرالية الجديدة على المنظومة الاشتراكية وقطبها الدولي الاتحاد السوفياتي، فالنظام الليبرالي الجديد، النظام القائم على عولمية السوق الحرة كعقيدة اقتصادية، والذي تقوده أمريكا يجب أن يكون نظام العالم كما زعم فوكوياما. وفي منطق هنتنغتون حول صدام المدنيات يسوغ للمدنية الأمريكية بأن تكون نموذج العالم وأن يتقبل البشر المبادئ، والقيم الأمريكية ونموذج النظام الحقوقي والدستوري المنصوص عليه في الدستور الأمريكي من منظور أن ما لدى أمريكا من حضارة ومدنية هو النظام الأصلح لشعوب الأرض فالعولمة المنتظرة هي العولمة بالنموذج الأمريكي، باعتبار أن حضارة الإنغلو ساكسن هي الأكثر تفوقاً من أية حضارة وجدت على كوكبنا الأرضي. *المستقبليات: ومن المساهمات الكبرى في وضع أسس، وسيناريوهات سياسة الهيمنة الأمريكية على العالم تقف أفكار عالم المستقبليات: إلفين توفلر في كتابة: تحول السلطة (نيويورك 1990) التي تشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية بعد نصف قرن من قيادة تحالف دولي خلال عصر الحرب الباردة لا يمكن لها أن تقبل بأية إمكانية للحد من طموحاتها، وامتداداتها العالمية أو حصرها ضمن مجال قاري محدد (أمريكا الشمالية والجنوبية) وحسب. وهذه المسألة ليست مجرد مسألة سيكولوجية بالنسبة لأمريكا كما يرى توفلر بل هي كذلك مسألة اقتصادية عنصرها الأهم متمثل بظاهرة الانتشار العالمي للاقتصاد الأمريكي الذي هو بالضرورة مرتبط بأجزاء عديدة من العالم، ومعتمد على أنماط مختلفة، وواسعة من العلاقات ولا يستطيع أن يقبل انسداد السبيل أمامه في أي جزء أساسي من الاقتصاد العالمي فهذا الحال سيتعلق مباشرة بالأمن القومي الأمريكي، وصانع القرار السياسي، والعسكري سوف يتحرك لممارسة كافة الخيارات المتاحة لمواجهة ذلك وأولها الحرب الاستباقية. إذاً؛ إن المبادئ الاستراتيجية الأهم في الجيوبوليتكا الأمريكية تتوجه نحو منع أية قوة إقليمية أو اقتصادية عالمية من شأنها أن تحد من المساحة العالمية لانتشار الاقتصاد الأمريكي أو تحول بين أمريكا وعالميتها كما يقال؛ فأمريكا لم تكن محكومة بعالميتها كما هو حالها اليوم. وبالمحصلة لا تقيم أمريكا أي وزن لتحالف دولي معها إلا إذا قام على أساس مراعاة مصالحها العالمية، ونزوعاتها الإمبراطورية، وأحلامها بالهيمنة على العالم طيلة القرن الحادي والعشرين على الأقل. إن وراء استراتيجيات الهيمنة العالمية للقطب الوحيد أمريكا أفكار فلاسفةٍ، ومنظرين، ومراكز بحثٍ متعددة (مؤسسة راند، وهوفر) وما يملكه البنتاغون الأمريكي من خبراء في شؤون الاقتصاد والعولمة المعسكرة، وآفاق تغيير منظومات الشرعية الدولية في كل عصر. وبالمزيد من التعرض لأفكار عالم المستقبليات إلفين توفلر نجده ينبه صانعي القرار الأمريكي في البنتاغون (وزارة الدفاع)، وفي المجتمع الصناعي العسكري، وفي بيت المال الصهيوني واللوبي (اللذين يديران إدارة صقور الحرب الإمبراطورية) إلى أن الخطورات القادمة، والمحتملة على مساحة الانتشار العالمي للاقتصاد الأمريكي، أو على مصالح القطب الوحيد الذي يعتبر نفسه الأحق بإدارة شؤون العالم وبأن تكون له اليد الطولى في كل أمر أممي (من منظور أن الأمة الأمريكية لم يعد للعالم غنى عنها في تدبير شأنه كما قال هنتنغتون خلال فترة ولاية كلينتون عن أهمية أمريكا العالمية، وتفوقها، وقيادتها) تلك الخطورات تتمثل ـ حصراً ـ برأسي مثلث الاقتصاد العالمي أوروبا، واليابان أولاً. والغريب في الشأن أن يذكر توفلر هذه الدول، والأمم التي يمكن أن تشكل خطورة على الانتشار العالمي للاقتصاد الأمريكي بالاسم فهو يحدد أوروبا الموحدة، واليابان فيحذرهما من مغبة الإقدام على أي مسلك يمكن أن يغلق الباب في وجه أمريكا عبر تدابير حمائية تضرُّ بحرية التجارة بينهما، وبين أمريكا، أو عبر خيارات انعزالية، أو تقوقع إقليمي يحول بين أمريكا، وبين هذا الجزء، أو ذاك من الأجزاء الأساسية في الاقتصاد العالمي. ويحذرهما ـ كذلك ـ من أية تدابير حمائية قد تأتى على صيغة القلعة الأوروبية المغلقة على نفسها مثلاً، فإن ذلك سيعتبر بمثابة إغلاق الباب في وجه أمريكا، والحؤول بينها، وبين هذا الجزء الأساسي من الاقتصاد العالمي. ويحذر توفلر إدارته الأمريكية من الخطورة الأعظم المحتملة بقيام تحالف، أو ائتلاف أوروبي ـ ياباني مهيمن على الاقتصاد العالمي، فإن قيام مثل هذا التحالف سيعني التضييق على أمريكا، وإغلاق الباب في وجهها على امتداد الرقعة الأعظم من مساحة الاقتصاد العالمي، فإجراء من هذا النوع سيحول بين أمريكا وقدرها كدولة محكومة بعالميتها ـ كما يرى توفلر ـ ولابد أن يكون لمثل هذا الأمر عواقب وخيمة، لا تقل عما حدث في الحرب العالمية الثانية من 1939 ـ 1945. * بريجنسكي والجيوبوليتكا الأمريكية: أما مستشار الأمن القومي السابق: زيبغنيو بريجنسكي وهو خبير استراتيجي كان قد حذر أمريكا من خطورة دول خمس على إمبراطوريتها العالمية... وإمكان قيام إحدى هذه الدول بتأثير على النفوذ الأمريكي في المناطق ذات الأهمية الجيوبولتيكية لأمريكا. ويصنف بريجنسكي الدول المعنية ـ احتمالاً أم واقعاً ـ بتهديد الوضعية الجيوبوليتكية لأمريكا بأنها التي تمتاز بامتلاك القدرة، والإرادة القومية لممارسة لعبة القوة، والنفوذ بطريقة تمكنها من تجاوز حدودها الإقليمية بهدف إحداث تعديل معين في الوضع الجيوبوليتكي القائم، والمستقر في هذه المنطقة أو تلك من العالم إلى الدرجة التي تؤثر فيها على المصالح الحيوية لأمريكا فتغلق الباب في وجهها، أو تطردها من هذا الجزء من العالم. ويشير بريجنسكي إلى أوروبا ليحذر من تآلف فرنسا وألمانيا لأن قراءة الخريطة الجيوبوليتكية لأوروبا تؤكد بأن ألمانيا، وفرنسا يمكن أن يندرجا في جدول الدول المتحفزة جيواستراتيجياً. وكل منهما ـ على حده ـ تمتلك القدرة، والإرادة القومية لممارسة لعبة القوة، والنفوذ في المجال الجيوبوليتكي الراهن في أوروبا، وكل منهما مدفوع برؤيته لأوروبا الموحدة، وقادر على إحداث تغيير في شكل علاقة أوروبا الموحدة بأمريكا أو على الأقل تحول دون مصالح أمريكا في هذه المنطقة الشديدة الحيوية في المفهوم الجيوبوليتكي الأمريكي. وفي الشرق الأقصى يريد بريجنكسي من دولته أن تحتاط من خطر الصين كدولة متحفزة جيواستراتيجياً وتمتلك إرادة قومية، وقدرة يمكنانها من الحضور كلاعب دولي جيواستراتيجي خطير في الشرق الأقصى. وكذلك يرى الهند في شبه الجزيرة الهندية، وتخومها فهي تمثل الدولة المتحفزة جيواستراتيجياً، ثم ينظر إلى اليابان بالمنظار نفسه ثم روسيا رغم عوامل الانهيار التي حلت فيها. ولا يقتصر الأمر ـ في نظر بريجنكسي ـ على خطورة هذه الزمرة من اللاعبين الجيواستراتيجيين الموجودين كل منهما على حده، بل في تأليف قوتين أو أكثر منها باعتبار أن أي تحالف سيلحق الضرر بالمجال الجيوبوليتكي الأمريكي الذي اتسم بصيغة الكوكبية منذ نهاية الحرب الباردة وعليه فالمطلوب من أمريكا هو تعطيل قيام أي تحالف متوقع بين هذه القوى قبل ولادته. والتآلفات، أو الائتلافات المتوقعة كما رآها بريجنسكي في كتابه: رقعة الشطرنج العظمى (واشنطن 1997) هي بين: الصين وروسيا يقوم على فكرة مقاومة الهيمنة الأمريكية في آسيا الشرقية، والشرق الأقصى. أو في ائتلاف صيني ـ ياباني يستثمر نزعة الآسيوية المناوئة لأمريكا في الشرق الأقصى، وهذا التحالف لابد أن يطيح بالمركز العالمي لأمريكا في الاقتصاد الكوكبي.. وفي الغرب هنالك خشية من توافق جرماني ـ روسي أو فرانكفوني ـ روسي، أو أوروبي ـ روسي لاستبعاد أمريكا وطردها من أكبر مجال حيوي لها. ويقترح بريجنسكي على الإدارة الأمريكية أن تقضي على كل ممهد لقيام مثل هذه التحالفات المحتملة بوجهها حفاظاً على سيادة الإمبراطورية الأمريكية على العالم، ولو كان ذلك بممارسة الخطاب الحربي بكل صوره. * تناقضات داخلية وخارجية: مما لا شك فيه أن هنالك ثمة مقاومة لهذا التطلع الإمبراطوري الأمريكي في القرن الحادي والعشرين داخل الولايات المتحدة نفسها، وخارجها… وفي الشارع العالمي كما في النظام الرسمي الأممي. هذه المقاومة بدأت بعد حوادث الحادي عشر من أيلول 2001 حيث ادعت أمريكا أن ابن لادن وتنظيم القاعدة قد دمرا أبراج التجارة العالمية في نيويورك، والبنتاغون في واشنطن، وشنت حربها المعلنة على الإرهاب في كل مكان قبل أن تكلف نفسها بوقفة قصيرة مع سبب وجود الإرهاب، ومسبباته، والعوامل الهامة في إزالته من تاريخ البشرية، وكانت غايتها المبطنة وقف معارضة الشعوب لمشروعها العولمي الكوني بحجة الانشغال بمقاومة الإرهاب وتجفيف منابعه على أرض العالم. والواضح أن أمريكا (القطب الوحيد المهيمن) لم ترضَ على أية صورة بأن تقف وقفة حق عادلة أمام مفهوم الإرهاب، ولم تسمح بعقد مؤتمر دولي للمداولة فيه، وتمييزه عن النضال الوطني المشروع ضد الاحتلال الأجنبي لأية أمة من أمم الأرض، وكل الذي قامت به أمريكا رداً على حرائقها في 11 أيلول 2001 هو أن جعلت العالم أمام عادلة ذات بعد واحد: فإما أن يكون العالم مع أمريكا في شكل فهمها للإرهاب، وإما أن يكون ضدها يصمم الإرهاب، ويمارسه، وسيخضع للعقوبة والحرب العدوانية، وقد خيل لها بهذه المعادلة أن العالم سينشغل عن مقاومة العولمة، وحتى عن مقاومة الوحشية الشارونية على الشعب العربي الفلسطيني ويدخل حلقة مطاردة الإرهاب وفق المصالح الأمريكية التي حددتها وثيقة الأمن القومي الصادرة في أيلول 2002. كما اتضح في العقل الدولي المتابع للحدث الأعظم في عتبة القرن الحادي والعشرين أن أمريكا تريد أن تستثمر حرائقها لتؤكد أن العالم برمته بعد الحادي عشر من أيلول لن يبقى كما كان عليه قبلها... فالحدث منعطف العالم نحو ما تريده أمريكا، وتتوجه إليه في الجيوبوليتكا الكوكبية. وعليه فقد شنت الحرب على أفغانستان، ونظام طالبان، وابن لادن المطلوب لعدالتها ودمرت أفغانستان، وتم احتلالها، وأنهت حكومة طالبان لكن ابن لادن بقي على قيد الحياة، ويقاوم كما يقولون. وكانت أمريكا قد دمرت يوغسلافيا البلد الخارج على طاعتها في أوربا، وهاهي قد قامت باحتلال العراق بحرب لم تجد لها سبباً بعد باعتبار أن المفتشين الدوليين لم يقدموا لها الدليل المادي على امتلاك العراق أسلحة التدمير الشامل، ومع ذلك تجترح أمريكا كافة الذرائع الكفيلة بتغطية حربها العدوانية، وتتجاهل تفسير العالم لهذه الحرب العدوانية، كما تتجاهل آراء، وأفكار قادة فيها، ومفكرين وفلاسفة رغم أنها تعيش ورطة في احتلالها العراق. * من العراق إلى الجيوبوليتكا الكوكبية: المهم ـ في استراتيجية البنتاغون التي يقودها صقور الحرب من اليمين المحافظ ولا زالوا يواصلون بها (بوش، ولفو ويتز، رامسفيلد، تشيني، كوندا ليسارايس..الخ) ـ أن يتم احتلال العراق، ومن احتلال العراق تبدأ خارطة احتلال العرب، والعالم كما يرى المفكرون، والقادة الدوليون، وصناع القرار. آليات المقاومة لهذا النزوع الإمبراطوري من داخل أمريكا نتلمسها عند عدد من القادة، وأعضاء مجلس الشيوخ والصحفيين وأساتذة الجامعات.. ولعل وليام بلوم يكون في المقدمة باعتباره من أشهر الكتاب السياسيين جرأة في فضح وحشية الإدارة الحالية لأمريكا، والإدارات السابقة، وقد كتب كتابه الذي بعنوان "قتل الأمل" ليتحدث عن التدخلات العسكرية، والمخابراتية الأمريكية في شؤون الدول المختلفة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية 1945، ثم كتابه: دولة الشر ليقدم فيه الدليل على التوجه الإمبراطوري لأمريكا كقوة وحيدة عظمى تنصب نفسها حكومة عالمية وكل ما أراد أن يقوله: إن آمال البشرية قد تبخرت بتوقع تحقيق عالم أفضل مختلف عن السابق. والصحفي وليام باف يقول: من انتخب حزب الحرب هذا؟! نحن انتخبنا بوش الابن من أجل سياسة تنال رضى العالم. ويضيف: ها هي أمريكا التي صاغت القانون الدولي الراهن تساهم في هدم قواعده. والصحفي توماس فريدمان يقول: أين تواضع أمريكا إذا كنا نطرح شعاراً استعلائياً: إما معنا، وإما ضدنا..؟! فالعالم الذي كان مع أمريكا أثناء حوادث الحادي عشر من أيلول هاهو الآن ينقلب ضدها، فما يعبر بسياستنا المحيط هو أن تكون لدى أمريكا سياسة مرتكزة على العدل الدولي، وحماية البيئة. والسيناتور الأمريكي إدواردز يقول للرئيس بوش الابن: إنك تقود سياسة يمكن وصفها بأنها غطرسة بدون أهداف بدلاً من سياسة أهداف بدون غطرسة. أما الرئيس السابق جيمي كارتر فيقول: ما عليكم سوى أن تذهبوا إلى لبنان، وسورية، والأردن لتعرفوا لماذا يكره العالم أمريكا. والمؤرخ الأمريكي هوارد زيني يقول: احتراماً لإنسانية الإنسان تموهون الأعمال الرهيبة بكلمات مثل: الأمن، والسلم، والحرية، ووراء هذه الأكاذيب والدعاية تخفون الإرهاب الحقيقي. وقد كتب رئيس وزراء روسيا السابق يفغيني بريماكوف في كتابه: العالم بعد الحادي عشر من أيلول أن أمريكا تفتقد للمكون الأخلاقي اللازم لها كي تستطيع فرض زعامتها العالمية الوحيدة، فهي مسحورة بقوتها غير المدركة لمحدود هذه القوة. والصحفي البريطاني جورج مومبيوت قد وجه رسالة للرئيس بوش الابن يدعوه فيها إن كان يريد إنقاذ العالم من أسلحة التدمير الشامل أن يبدأ بنفسه باعتباره لم يحترم أية معاهدة عقدت بهذا الشأن. وبالمحصلة أصبح الاستنتاج ميسوراً، إن أمريكا التي تحصل على أكثر من 31% من الناتج العالمي ويقدر بما يزيد على /10/ تريليون دولاراً تخاف من تراجع اقتصادها فتوجهت نحو احتلال نفط العراق ليصبح النفط العربي بيدها تقنن فيه التنمية العالمية، وتمنع نمو قوة منافسة لها، وتصدر كافة أزماتها الداخلية حروباً على العالم بذريعة مكافحة الإرهاب، وتنسف المنظومة الشرعية الدولية كما قال الباحث الروسي تيتوكين، وترسم سياسة إعادة تنظيم العالم وترتيب العلاقات الدولية بروح إمبراطورية مهيمنة، ومستبدة... هذا ما ترسمه أمريكا في الجيوبوليتكا الكوكبية لها، بقي أن نتساءل: ما الذي يمكن أن تعمله أمم الأرض المختلفة، وخاصة أمتنا العربية لاسيما أن المشروع الكوني لأمريكا يصب في خانة المشروع الإقليمي الشرق أوسطي للكيان الصهيوني إسرائيل، وغاية الغايات احتلال العرب والعالم، وإدامة الهيمنة الأمريكية على الكوكب الأرضي طيلة القرن الحادي والعشرين بأقل تقدير، وبغير ذلك يمكن للإمبراطورية الأمريكية أن تسير نحو تفككها شأن كافة إمبراطوريات التاريخ، فالقوة المتغطرسة تفرز قوانين اندثارها. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |