|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
الدرع الأمريكي إعلان حقوق الإنسان في مواجهة تناقضات السياسة الأمريكية ـــ تأليف: نعوم تشومسكي ـ ت.د.نجيب غزاوي يمثل اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 كانون الأول عام 1948، خطوة إلى الأمام في التطور البطيء نحو حماية البشرية. ويسيطر مبدأ الشمولية على هذا الإعلان الذي يحمل كل بند فيه الأهمية نفسها. لا يترك هذا الإعلان، من وجهة النظر الأخلاقية، أي مجال لموقف نسبي يرضي الذات، ويختار بشكل عشوائي بين الحقوق، كما لا يترك مجالاً لأي موقف نسبي بغيض يحول هذا الإعلان إلى سلاح يرفع بشكل انتقائي في وجه أعداء يختارون بشكل مسبق. وتأتي الذكرى الخمسون للإعلان العالمي هذا في الوقت المناسب لتتيح لنا فرصة التفكير حوله، وتطوير المبادئ التي التزمت بها ـ شكلياً على الأقل ـ أمم العالم جميعاً. ومن غير المجدي التوسع في الحديث عن الهوّة التي تفصل الأفعال عن الأقوال: فالخطابات الطنانة لا تعوزنا، والتقارير السنوية لأهم التنظيمات الإنسانية تمثل براهين واضحة على ذلك. وعلينا أن نبحث كثيراً جداً كي نجد بلداً لا يؤيد حكامه ومثقفوه بقوة وعلانية مبادئ الإعلان العالمي، ويدينون أعمال من يخرقها ـ مستبعدين أنفسهم وحلفاءهم وزبائنهم ـ من هذه الإدانات. حالة واحدة لفتت انتباهي هنا: إنها حالة الدولة الأقوى على الأرض، والتي تتمتع بالمؤسسات الديمقراطية الأكثر استقراراً والأكثر استمراراً، وتتمتع بمزايا لا مثيل لها في المجالات المختلفة بما في ذلك الاقتصاد والأمن. لقد مارست هذه الدولة تأثيراً دولياً لا يقارن، خلال نصف القرن الذي يتمتع فيه الإعلان الدولي لحقوق الإنسان بسلطة مُطلقة ـ نظرياً على الأقل. وكانت هذه الدولة، ولمدة طويلة نموذجاً لنظام اجتماعي وسياسي يحترم الحقوق الأساسية، وظهرت، داخل حدودها، كما خارجها، وكأنها الرائد الرائع لحقوق الإنسان والديمقراطية والحرية والعدالة. غير أننا نكتشف لديها تناقضات جدية فيما يتعلق بالسياسات المتبعة، فمن جهة، تستمر "مثاليات ويلسون" بالتمسك الشديد بمهمتها التقليدية، في الدفاع عن حقوق الإنسان والحرية على المستوى العالمي، ومن جهة أخرى يرد "الواقعيون" بالقول إن على الولايات المتحدة الامتناع عن إهمال مصالحها الخاصة، بسبب غياب الوسائل التي تسمح بتحقيق تحسينات شاملة تخدم مصالح الشعوب الأخرى. ويطلق كبار موظفي الدولة، ويقلدهم في ذلك عدد من الجامعيين والمحللين السياسيين، صفارة الإنذار بالقول: إننا نذهب بعيداً حين نسمح للمثالية بالسيطرة الحصرية على سياستنا الخارجية، فأفضل عالم ممكن موجود في مكان ما بين المصلحة والمثالية. ويصبح علينا، من أجل فهم أفضل لإعلان مبادئ كهذا، أن نتجاوز هذه الاندفاعات الكلامية الجماهيرية، كي تنفحص الممارسات الحقيقية، ونختار بعناية، الواقع بأمانة. وتتمثل المقاربة المفيدة، في هذا المجال، باختيار الأمثلة "الأكثر وضوحاً"، والنظر في كيفية تفاعلها مع التحليل. ويمكننا أيضاً دراسة حالات التأثير القصوى والتداخل الأدنى كي نحضر آليات العمل في شكلها الأكثر نقاء. ونضرب مثالاً على ذلك: إذا أردنا تعريف ما يعتبره الكريملين "حقوق الإنسان" أو "الديمقراطية"، من الأفضل أن ننسى إداناته للعنصرية الأمريكية التي تنشرها صحيفة البرافدا، وكذلك إرهاب الدولة الذي تمارسه "الدول الأخوة"، أو التابعة له ـ أو إعلانات النوايا الحسنة التي يطلقها، كما نتعلم الكثير من ملاحظة الوضع في "الديمقراطيات الشعبية"، في أوروبا الشرقية ـ وهذا أمر أساسي يمكن تطبيقه بشكل عام. وفيما يتعلق بالولايات المتحدة، يشكل النصف الغربي مجال التدريب المفضل لديها ـ أمريكا الوسطى، والحيز الكاريبي بخاصة: لم تتلق واشنطن، عملياً، أي تهديد خارجي في خلال قرن من الزمان، ومن المهم أن نعرف أنه نادراً ما تمَّ إجراء مثل هذا الاختبار، الذي ربما نُعت بالمتطرف أو بأسوأ من ذلك. قبل الخوض في الدلالة العلمية للإعلان العالمي، تفرض نفسها بعض ملاحظات أبداها جورج أورويل في مقدمة كتابه "جمهورية الحيوانات:، اهتم أورويل في كتابه هذا بالمجتمعات المتحررة نسبياً من كل نفوذ للدولة، على عكس الوحش التوتاليتاري (السوفييتي) الذي هزئ منه. يكتب قائلاً: "يتمثل الشؤم في الرقابة الأدبية في إنكلتره بكونها إرادية، إذ يمكن من خلالها خنق الأفكار غير الشعبية والوقائع المزعجة دون اللجوء إلى أي منع رسمي". ويكتفي الكاتب، دون الدخول في تفاصيل الموضوع، بالإشارة إلى الرقابة التي تتعلق بالصحف "من قبل بعض رجال أغنياء يمنحون أنفسهم الحق في ألا يكونوا نزهاء في معالجة بعض القضايا الهامة، والذين يستفيدون من الاتفاق الصامت الذي تفرضه "التربية الصالحة". فوِفاقاً لهذا المبدأ "لا تجوز الإشارة إلى هذه الحقيقة أو تلك". ويجد كل انتهاك لهذه الاستقامة في المنهج نفسه مكبّلاً بطريقة تثير الدهشة". (لقد انتظرت هذه المقدمة ثلاثين عاماً كي ترى النور، وكأنها جاءت لتوضح ما ذهب إليه المؤلف). وبالنسبة للحالة التي نحن بصددها، قام ميكائيل هواورد، مؤرخ جامعة بيل وأكسفورد الشهير بتلخيص الاستقامة في المنهج التي سيطرت بشكل كامل قائلاً: "لقد حافظت الولايات المتحدة، ولمدى مائتي عام على مثاليات عصر التنوير بشكل كامل (....) وعلى شموليتها بخاصة"، دون أن "تتمتع" مع ذلك "بمرتبة عالمية تستحقها بفضل نجاحها وكرمها ومساعيها الطيبة منذ الحرب العالمية الثانية". ولا يبدو التاريخ الأمريكي متأثراً بالمعاملة التي أصابت "عرق الأمريكيين أصحاب البلاد الأصليين البائس، والذي أبدناه بقسوة غادرة" (كما قال جون كوانسي آدامز). ولا يبدو أنه قد تأثر أيضاً بشرط العبيد الإفريقيين الذين أنتجوا القطن الرخيص والضروري جداً للثورة الصناعية ـ والتي يمكننا القول إنها انطلقت بفضل قوى "السوق". كما لا يبدو أن هذا التاريخ قد تلطخ بالفظاعات الرهيبة التي تركها كذلك الأمريكيون خلفهم في أثناء احتفالاتهم بتمجيد أنفسهم، ولا بمصير الفليبينيين والهايتيين والفيتناميين، وبقية الشعوب الأخرى التي يمكن أن يكون لديها أسباب لترى الأمور بطريقة مختلفة. ويعتبر مشروع مارشال الإشهار المفضل للرأفة الأمريكية السخية، وهو يستحق أن نقف عنده، باعتباره مبدأ الحالات "الأكثر وضوحاً، ويسمح التحليل، سريعاً، بتمييز أمور "من الأفضل عدم ذكرها" ـ مثل ما يلي: "فيما كان يطلق العنان لمشروع مارشال، كانت الدولارات المقدمة لفرنسا وبلجيكا تساوي تقريباً المبالغ المقتطعة من صناديق هاتين الدولتين لتمويل قواتها المرسلة إلى آسيا الجنوبية الشرقية" كي ترتكب الجرائم التي نعرفها. أضف إلى ذلك، أنه قد أعيد بناء أوروبا وفاقاً لنموذج بعيد مما تمنَّته المقاومة، نموذج قد أرضى، على العكس من ذلك، أولئك الذي تعاونوا مع قوى الاحتلال النازي. وليس "من المستحسن" أيضاً أن نشير إلى أن كرم دافعي الضرائب الأمريكي، قد أفاد بشكل خاص، الشركات الكبرى، التي استطاعت أن تعبر عن عرفانها بالجميل بعد ذلك بسنوات لمشروع مارشال "الذي فتح الطريق أمام توظيفات مالية أمريكية هائلة في أوروبا". واضعاً بذلك الأساس للشركات العابرة للقوميات القائمة حالياً "والتي يعود توسعها وازدهارها إلى تدفق رؤوس الأموال بالدولار والذي أتاحه مشروع مارشال" تحت حماية "درع القوة الأمريكية" ضمن حالة "تداخل خارجي سلبي". أضف إلى ذلك "أن مشروع مارشال قد قام بدور أساسي، من خلال إعادة التوازن الناتج عن هروب رؤوس الأموال الأوروبية نحو الولايات المتحدة" وتلك مشكلة "أدركها بشكل كامل المسؤولون السياسيون الأمريكيون" الذين ربما فضلوا لو رأوا أغنياء أوروبا يرسلون أموالهم إلى المصارف النيويوركية التي كان مدراؤها ينظرون بسوء إلى كل مراقبة جماعية لرؤوس الأموال. "لم تكن المبالغ الضخمة الموزعة من خلال مشروع مارشال تعكس إذن الموارد المخصصة لإعادة بناء أوروبا (...) بقدر ما عكست حجم الأموال الضرورية لمواجهة "عصبية رؤوس الأموال وتقلباتها الكبيرة" والتي توقعها كبار الاقتصاديين ـ تقلبات تجاوزت، في الغالب، المعونات التي قدمت في الواقع، من دافعي الضرائب الأمريكيين (للأوروبيين الأغنياء "ولمصارف نيويورك"). من المهم أن نلاحظ أن مثل هذه الأفكار "قد خنقت بفاعلية عالية" بمناسبة الذكرى الخمسين لفعل الكرم هذا غير المسبوق. وتجد هذه "الواقعة الهامة" التي يوردها المعجبون بالبرّ الرفيع الذي تمارسه أقوى دول العالم، موقعها في القضايا المثارة هنا. ضمن هذا السياق تخضع الاستقامة في المنهج المسيطرة أحياناً لاختبار واضح: لقد كشف لارس شولتز، أحد كبار الأخصائيين الجامعيين بحقوق الإنسان في أمريكا، أن المساعدة الأمريكية "تنزع بشكل جامح إلى فائدة الحكومات التي تمارس التعذيب ضد مواطنيها، وكذلك لأكثر مخالفي الحقوق الأساسية للإنسان فظاظة" ولقد سيطر هذا النوع من المعونة العسكرية التي تتجاهل حاجات هذه البلدان، على مرحلة حكم جيمي كارتر (1976-1980). وأظهرت دراسات أكثر عمقاً قام بها الاقتصادي إدوارد هيرمان النوع نفسه من الممارسات في العام المناسب للمستثمرين ـ والذي عبَّر عنه في الغالب باغتيال الرهبان والقياديين النقابيين وذبح الفلاحين الذين يحاولون تنظيم أنفسهم، وإلغاء الصحافة المستقلة، وإلى آخر ما هنالك. وينتج عن هذا كله ترابط ثانوي بين المساعدة الأمريكية والخروق الفاضحة لحقوق الإنسان. ولا يعني هذا أن الحكام الأمريكيين يفضلون التعذيب، بل، وبكل بساطة، أن التعذيب لا يشكل شيئاً أمام "قيم" أكثر أهمية. وقد تمت هذه الدراسة قبل عهد ريغان (1981-1989). ذلك أنه في عهده، لم تعد هذه القضايا تستحق الذكر. وتحت شعار "اتفاق صامت وعام" بقيت مثل هذه الوقائع "في الظل" كما طهرت الذاكرة من مثل هذه الذكريات "غير المرغوبة". ويبقى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نقطة الانطلاق الطبيعية لكل تحقيق حول دفاع واشنطن عن "القيم العامة لعصر التنوير". وقد اعتبر هذا الإعلان معياراً في كل مكان، وبَنَتْ المحاكم الأمريكية قراراتها القانونية على "الحق الطبيعي الدولي كما عُرض وعُرِّف في الإعلان". ولقد شكل هذا الإعلان محط اهتمام الجميع في المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان في فيينا عام 1993. وحملت صحيفة نيويورك تايمز العنوان التالي: "الولايات المتحدة تؤيد شملية حقوق الإنسان". وتشير إيلين سيولينو إلى أن واشنطن "تهدد بالوقوف في وجه كل محاولة لاستخدام التقاليد الدينية أو الثقافية لإضعاف مبدأ (الحقوق الشاملة للإنسان)". وقاد الوفد الأمريكي وارن كريستوفر، المدافع عن حقوق الإنسان ووزير الخارجية السابق في حكومة كارتر، ودافع المقطع الرئيس عن خطابه "الذي اعتبر على أنه الإعلان السياسي الأول والأهم لحكومة بيل كلينتون"، "عن شمولية حقوق الإنسان". وأضاف كريستوفر أن "أسوأ المخالفين هم المعتدون على هذا العالم وهم مثل من يشجع على انتشار الأسلحة"، وأكد على واقعة أن "شمولية حقوق الإنسان تفرض قاعدة سلوك واحدة في العالم كله، قاعدة تكلّف واشنطن نفسها عناء تطبيقها في جميع البلدان". ووفاقاً لقوله "لن تتعاون الولايات المتحدة أبداً مع أولئك الذين يخربون الإعلان العالمي، وستدافع عن هذه الشمولية ضد أولئك الذين يدّعون أنه يجب أن تفسر حقوق الإنسان بشكل مختلف في البلدان ذات التقاليد الثقافية غير الغربية"، أي البلدان "الأثني عشر المارقة" التي ترفض المبادئ التي لا تناسبها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ولقد آتى الحزم الأمريكي أُكله. حيث ارتاحت "البلدان الأوروبية وزالت خشيتها من حدوث أي تراجع عن الإعلان العالمي لعام 1948". "وقد فشل التهديد باعتماد النسبية، واستطاع المؤتمر أن يعلن أن الطبيعة الشمولية لهذه الحقوق والحريات لا عودة عنها". وبقيت أسئلة عدّة بحاجة إلى إجابات "إذا كان أسوأ المخالفين مثل أسوأ المعتدين الذين يشجعون على انتشار التسليح"، فما الذي من واجبنا قوله بالنسبة لأهم تاجر أسلحة على وجه الأرض، يتباهى بأنه يقدم لأشرس الدكتاتوريات في العالم الثالث أكثر من نصف تجهيزاتها العسكرية ـ وقد فعِّلت هذه السياسة من قبل وارن كريستوفر الذي زاد بشكل كبير بيع الأسلحة الممولة من الصناديق العامة بدعم من صناعات التكنولوجيا المتقدمة، وذلك في أثناء تسلمه منصب وزير الخارجية ـ وذلك على الرغم من معارضة 96% من سكان الولايات المتحدة؟ وماذا نقول عن بريطانيا العظمى وفرنسا اللتين تميزتا بتزويد جزاري المذابح في رواندا وأندونيسيا وغيرهما من البلدان، بأمضى الأسلحة؟ لم تكن هذه المبالغ مخصصة "لتجارة الموت" فقط، إذ يلاحظ الناطق باسم الشركة الأمريكية للصناعات الفضائية ـ وقد أُخذ بالآفاق الجديدة لبيع الأسلحة التي أتاحها توسيع حلف الأطلسي ـ أن هذه الأسواق الجديدة (التي تقدر بعشرة مليارات دولار للطائرات القتالية فقط) تشمل أيضاً الإلكترونيات وأنظمة الاتصال...الخ. ويمثل هذا الوضع تدفقاً مالياً صافياً لجميع الصناعات المتقدمة. وتلقت الصادرات دعماً من الحكومة الأمريكية عبر التعويضات والقروض ذات الفائدة المنخفضة، وعبر آليات أخرى تسهل انتقال الأموال العامة إلى القطاع الخاص على الأرض الأمريكية. كما شجعت الحكومة الأمريكية، في الوقت نفسه "الاقتصاد التحويلي" في الإمبراطورية السوفيتية السابقة، على تنمية إنفاقه العسكري على حساب الإنفاق الاجتماعي المطلوب من قبل الشعب (إذا نحن صدقنا ما تقوله أجهزة الاستخبارات الأمريكية). وتنتشر هذه الظاهرة في كل مكان تقريباً. إذا كان المعتدون "هم أولئك الذين يرتكبون الانتهاكات لحقوق الإنسان"، فماذا نقول عن ذلك البلد الذي تتهمه محكمة العدل الدولية "بالاستخدام غير المشروع للقوة"، في حربها الإرهابية ضد نيكاراغوا، هذا البلد المتكبر الذي استخدم الفيتو ضد قرار مجلس الأمن في الأمم المتحدة، ذلك القرار الذي كان يدعو جميع الدول إلى احترام القانون الدولي، في الوقت الذي يرفض فيه ولمرات عدّة مطالب الجمعية العمومية حول الموضوع نفسه. ألا تنطبق هذه الأحكام القاسية أيضاً على البلد الذي بدأ مرحلة ما بعد الحرب الباردة بغزو باناما، ذلك البلد الصغير الذي أعلنت لجنة حقوق الإنسان فيه، وبعد أربع سنوات من هذا الغزو، أن حقه في تقرير المصير والسيادة لا يزال ينتهك من خلال "احتلاله أرضه من قبل جيش أجنبي"، أدانت هذه اللجنة انتهاكاته المستمرة لحقوق الإنسان؟ كما أنه لم يذكر شيئاً أيضاً، عن الطريقة التي "دافع فيها" وارن كريستوفر "عن حقوق الإنسان تحت رئاسة جيمي كارتر". ويمكننا أن نذكر مثال أندونيسيا عام 1978 الناطقة بلسان "الأثني عشرة مارقاً"، في فيينا: حين شعر هذا البلد بنقص في التسليح من أجل متابعة عدوانه على التيمور الشرقية (العدوان الذي يشبه مجزرة حقيقية)، وجدت إدارة كارتر نفسها مضطرة لإرسال تجهيزات عسكرية إضافية إلى صديقها الدموي. ومثال آخر، حاولت حكومة كارتر نفسها، وبعد عام من ذلك، وبشكل مستميت، أن تثبّت في السلطة (في نيكاراغوا) حرس سوموزا الوطني الذي قتل أربعين ألف مدني، ورحّل إلى الهندوراس على متن طائرة، الضباط المتخفّين بلباس الصليب الأحمر ـ وتلك جريمة حرب. واستطاع هؤلاء الضباط هناك أن يعيدوا تشكيل قوة إرهابية تحت إدارة نازيي الأرجنتين الجدد. وكانت النتائج أكثر سوءاً في بقية المنطقة. وتشكل هذه الوقائع أيضاً جزءاً من الأمور التي من "غير المناسب" الحديث عنها، لأن مثل "هذه الأمور لا يجب أن تحدث". لم يشأ أي من كبار المدافعين عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن يفسد بأسئلته المباشرة بريق البلاغة التي شاعت في مؤتمر جنيف. ومع ذلك، فقد أثيرت هذه الأسئلة خلال جلسة استماع عامة أقامتها منظمة غير حكومية. وقد عرضت مداخلات المناضلين والقانونيين والجامعيين من بلدان عدة "براهين خطرة، من مختلف أنحاء العالم، عن الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان الناتجة عن السياسات المثبتة من قبل المؤسسات المالية الدولية". وذلك بموافقة واشنطن التي وحدت زعماء العالم الحر. يقوم هذا التوافق "الليبرالي الجديد" على ما يمكننا تسميته "مذهب التبادل الحر العملي"، الذي يقضي بأن نظام السوق يخدم الضعفاء والمحرومين، بينما على الأغنياء والأقوياء أن يبحثوا عن الحماية لدى الدولة ـ المربية؛ وعليهم أيضاً الحصول على حق "الاستمرار في مهاجمة مبدأ التبادل الحر"، ـ وتلك فكرة استهجنها باتريك لود في دراسة علمية حول المرحلة (الليبرالية الجديدة) ما بعد 1970، يرى هذا الاقتصادي ـ أمين الاتفاق العام حول التعرفة الجمركية والتجارة [GATT]، ومدير البحث، في منظمة التجارة العالمية، حالياً، [OMC] ـ أن النتائج الحصرية للإجراءات الريغانية قد كان لها تأثير على اقتصاد العالم الثالث يفوق ثلاث مرات تأثيرها على اقتصاد أهم الدول الصناعية الأخرى" وقد أعادت هذه الإجراءات "إطلاق أكبر حركة حماية منذ الثلاثينات" ودفعت بذلك الولايات المتحدة "التي كانت في الماضي بطلة العالم في التبادل الحرّ التعددي لتصبح أحد أهم أعدائه"، كما كتبت ذلك صحيفة مجلس الشؤون الخارجية في تقريرها التقويمي العشري. ويمكننا أن نضيف أن مثل هذه التحليلات لا تأخذ بالاعتبار أشكالاً كبرى للتدخلات التي تفيد الأغنياء في السوق، مثل تحويل الأموال العامة إلى الصناعات الأساسية التي تقف في خلفية جميع القطاعات الحيوية تقريباً في الاقتصاد الأمريكي، وتحت غطاء "الدفاع" في الغالب. ولقد تسارعت هذه الإجراءات مع الريغاننين المتحمسين لمديح فضائل التبادل الحر بالنسبة للفقراء في الولايات المتحدة وبقية العالم. وتشكل هذه الإجراءات التي بدأها الإنكليز في القرن الثامن عشر ـ جزءاً من التاريخ الاقتصادي، وتفسر جزئياً الهوة التي تفصل اليوم بين العالم الثالث والبلدان الغنية ـ هوّة تزداد عمقاً مع ازدياد الفرق بين القطاعات الغنية والفقيرة من سكان العالم. وعلى ما أعلم، لم تشر أهم الصحف الأمريكية إلى جلسات الاستماع العامة في جنيف، غير أنه يمكن لمواطني العالم الحر أن يستعلموا حول الاهتمام الذي تبديه غالبية سكان الأرض لحقوق الإنسان، وذلك من خلال قراءة التقرير الذي طبعت منه ألفا نسخة في النيبال. وإذا كان الإعلان الدولي لحقوق الإنسان غير معروف لدى الأمريكيين، فإن بعض بنوده مألوفة لديهم، وأشهرها البند (13S2) الذي ينص على أن "لكل شخص الحق في المغادرة، بما في ذلك بلده..."، وقد أثير هذا المبدأ بشدة في 10 كانون الأول من كل عام، بمناسبة يوم حقوق الإنسان، وذلك عبر العديد من التظاهرات الإدانات المستنكرة لرفض الاتحاد السوفييتي، آنذاك، حق اليهود في الهجرة، وبدقة أكثر؛ لقد أثيرت الكلمات التي أوردناها سابقاً مع تجاهل نهاية الجملة التي تقول: "...والعودة إليه". وأخذت هذه الكلمات دلالتها كاملة في 11 كانون الأول 1948 بعد اعتماد الإعلان الدولي، عبر التصويت بالإجماع على القرار رقم 194 من قبل الجمعية العمومية للأمم المتحدة الذي أعطى الفلسطينيين حق العودة إلى منازلهم، أو الحق في التعويض، إذا رغبوا في ذلك. وقد أُكد هذا الحق مرات عدة، منذ ذلك التاريخ، غير أنه كان هناك "اتفاق صامت وعام" يقول إنه من "غير المناسب" أن نذكر الكلمات المحذوفة طالما أن الذين كانوا يطالبون الطغاة السوفييت باحترام البند 13، ويلقون التأييد العام، كانوا من أكثر خصوم هذا البند عنفاً. ولنقل بكل أمانة: إن الحلف قد انتهى بالتراجع، فخلال جلسة الأمم المتحدة في كانون الأول 1993، قررت إدارة كلينتون تغيير السياسة الأمريكية الرسمية بالتشارك مع إسرائيل في رفض القرار 194، والذي تم تثبيته، رغم ذلك بأغلبية 172 صوتاً مقابل صوتين، ولم نعثر بعد ذلك على أي تقرير أو شرح، غير أن عدم الانسجام قد زال: إذ فقد القسم الأول من البند 132 كلا صلاحيته، فيما ترفض الولايات المتحدة الآن القسم الثاني منه. لننتقل إلى البند 14 الذي يقرر أن "من حق كل شخص مضطهد البحث عن ملجأ، أن يستفيد من اللجوء إلى بلدان أخرى" كما هو حال 78 تاهيتياً، مثلاً، تم أسرهم في أثناء الحصار الذي فرضه كلينتون، فقد أعيدوا إلى بلدهم دون أية محاكمة مع افتتاح مؤتمر فيينا. وقام المبرر القانوني في إعادتهم على فكرة أنهم قد فروا من الفقر وليس من الإرهاب الذي تفرضه عليهم الطغمة العسكرية، كما يؤكدون ذلك، وامتنعت الإدارة الأمريكية عن تبرير هذا التحليل الحصيف! أشارت إليت سيولينو في تقريرها عن مؤتمر فيينا إلى أن "بعض المنظمات الإنسانية قد اتهمت، بشدة، الحكومة الأمريكية لحنثها بالوعود التي قطعها كلينتون فيما يخصّ حقوق الإنسان". وأن الحالة الأكثر مأساوية كانت القرار المتخذ باستخدام القوة لإعادة سفن الشعب (Boat people) الهايتية التي كانت تطلب اللجوء السياسي. وإذا نحن أعدنا النظر في هذه المشكلة، نجد أن الحدث يبرهن بوضوح على الالتزام اللفظي البحت لواشنطن "بشمولية حقوق الإنسان"، وهو التزام لا يخرج عن كونه سلاحاً يستخدم حين الحاجة ضد الآخرين. لقد احترمت الولايات المتحدة البند 14 بهذه الطريقة. ومنذ أن "دافع (كارتر وكريستوفر) عن قضية حقوق الإنسان" أعادا أناساً بائسين إلى جحيم ديكتاتورية دوفالييه (DUVALIER)، ذلك الحليف المحترم الذي بذل جهوده لتحويل هايتي إلى قاعدة تصدير للشركات الأمريكية التي كانت بحاجة إلى اليد العاملة المقهورة هذه ـ والمستخدمة بثمن بخس ـ تلك الديكتاتورية التي كلفت بتحويل هذه الجزيرة إلى "تيوان الكاريبيه" وفاقاً للتعبير المفضل لدى منظمة المساعدة الأمريكية (USAID). وقد تم اعتماد انتهاك البند 14 بشكل رسمي في معاهدة بين ريغان ودوفالييه وحين أطاح انقلاب عسكري بالرئيس أريستيد، أول رئيس انتخب بشكل ديمقراطي في أيلول 1919، وأعاد نظام الرعب بعد فترة هدوء، فرضت إدارة جورج بوش حصاراً يهدف إلى إعادة مجموعة اللاجئين إلى حقل تعذيبهم، وكان قرار الرئيس بوش هذا "غير مسؤول، وغير شرعي، ومذموم، أدانه المرشح بيل كلينتون... الذي كان أول قرار له بعد استلامه الرئاسة، تشديد هذا الحصار غير الشرعي، وترافق ذلك مع اتخاذ إجراءات جديدة تهدف إلى دعم الطغمة الهايتية. يجب أن نعترف بأمانة أن واشنطن قد ابتعدت، لفترة وجيزة، عن رفضها للبند 14 في حالة هايتي، ففي فترة الديمقراطية التي دامت عدة أشهر على الجزيرة، أظهرت حكومة بوش تقبلها لمتطلبات هذا البند، حين تقلص تدفق اللاجئين إلى درجة الصفر ـ بل تحوّل هذا التدفق إلى هجرة عكسية حين عاد الهايتيون إلى بلدهم في أيام الأمل. ومن بين ثمانين ألف هايتي أوقفتهم القوات الأمريكية بين عامي 1981-1990، درست واشنطن طلبات اللجوء المقدمة من ثماني عشرة ضحية للعنف والاضطهاد، ولم توافق سوى على أحد عشر طلباً (بالمقارنة مع 75 ألف موافقة منحت لـ75 ألف كوبي). في أثناء الفاصل الديمقراطي للرئيس أريستيد الذي أتاح انحساراً كبيراً في العنف والاضطهاد، تمت الموافقة على عشرين طلباً من أصل مجموعة من اللاجئين تصل إلى خمسة أمثال هذا العدد. وأصبح الموقف "طبيعياً" بعد الانقلاب العسكري، مع عودة الإرهاب. وخشية من أن تجعل الاحتجاجات استمرار الحصار صعباً، رجت حكومة كلينتون البلدان الأخرى مساعدة الولايات المتحدة في استقبال اللاجئين، وقد أدى هذا الخوف من الاجتياح الذي يعتبر مشكلة "أمن قومي"، يبرر تدخلاً عسكرياً محتملاً، إلى ظهور خلاف، وتم نسيان تنزانيا، المرشح المختار والذي استوعب في الماضي مئات الألوف من الروانديين، ذلك البلد الذي لن يتأخر عن إنقاذ الولايات المتحدة البائسة من خلال قبول عدة وجوه سوداء أخرى. لم يتم التستر على ازدراء البند 14: إذ ينقل مقال نشر في الصفحة الأولى من جريدة NEWS Paper of Record، حول التشدد الأخير في قوانين الهجرة، الوقائع ويشرحها: "لأن الولايات المتحدة قد سلَّحت وموَّلت الجيش الذي أرسلهم إلى المنفى، فإن قليلاً من السلفادوريين قد حصلوا على وضع لاجئ مثل الكوبيين والفيتناميين وآخرين. ويعتبر القانون الجديد عدداً منهم مرشحاً للتهجير، رغم أنهم قد هربوا بسبب نزاع استمر من 1979-1992، وأودى بحياة 70 ألف قتيل ـ هم في معظمهم ضحايا جيش سلّحه الأمريكيون، وفرق الموت خرجت من صفوفهم، وقد أرغم هذا الجيش وهذه الفرق هؤلاء الناس على الهروب إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وينطبق التحليل نفسه على بقية اللاجئين بسبب الحروب الإرهابية التي تمولها واشنطن في المنطقة. إن تفسير البند 14 يقوم إذن على مبدأ مبسط: يستفيد "الضحايا المستحقون" من الحماية؛ والتي لا تليق بغيرهم. ويتم تصنيف هذه الفئات من قبل وكالة الإرهاب ومصالح السلطة. غير أنه ليس للوقائع أي تأثير على دور واشنطن في حملتها من أجل شمولية الإعلان العالمي، وضد التهديد "النسبي". ويوضح هذا المثال إهمالاً في تحليل جورج أورويل: إنها السهولة التي يقبل معها التناقص حين يكون مفيداً. يدخل البندان 13 و14 في فئة الحقوق المدنية والسياسية. ويعترف الإعلان العالمي بفئة ثانية: الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ويهمل الغرب عموماً الحقوق الثقافية، التي وضعتها جين كيركباتريك، سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة على أنها "رسالة إلى باب نويل..."، إذ لا تدعم الطبيعة ولا التجربة ولا الظروف هذه القائمة من الحقوق التي لا تخضع لأي معيار سوى العقل وشهية مخترعيها. وقد تجاهل السفير موريس أبرهام هذه الحقوق، معلناً عام 1990، أن الحقوق المدنية والسياسية "الأساسية" تناقض مبدأ الإعلان. وطوَّر أبرهام موقفه، مفسراً رفض واشنطن للاستشارات العالمية حول حق النمو باعتباره "حق الجماعات والأفراد بالاستفادة من النمو الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي الذي ساهموا فيه، والذي يمكن لحقوق الإنسان والحريات الأساسية أن تتحقق تماماً ضمنه". يقول أبرهام: "ليس النمو حقاً". ومن المعروف أن تقرير اللجنة قد احتوى على نتائج "بدت له سخيفة"، مثل إلزام البنك الدولي "بإيقاف استيفاء قرض أو بتمويل نفق أو خط سكة حديدية أو مدرسة". ويرى هذا الرجل أن هذه الأفكار عبارة عن "أوعية فارغة من أجل أحلام غامضة جداً وآمال مخيبة جداً... بل إنها تمثل تحريضاً خطراً". يمكننا أن نفهم إذن الخطأ الأساسي لما "يسمى بالحق بالنمو" الذي تخبرنا نظرية أبرهام بأنه ليس سوى القبول الصامت بالمبدأ التالي: "لكل شخص الحق في مستوى معيشة كافٍ لتأمين صحته ورفاهه، كذلك صحة ورفاهة أسرته بخاصة، فيما يتعلق بالغذاء واللباس والسكن والعناية الطبية، والخدمات الاجتماعية الضرورية، كما أن لكل شخص الحق بالأمن في حال البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة، أو في باقي حالات فقدان وسائل العيش الناتجة عن ظروف خارجة عن إرادته". إذا كان الحق في النمو بلا أساس، فإن البند 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي قرأناه سابقاً، هو أيضاً "وعاء فارغ" كما يحتمل أن يكون "تحريضاً خطراً"، ومبادئه بلا أساس والحقوق التي يتضمنها باطلة ولاغية. حين استخدمت الولايات المتحدة حق الرفض في مواجهة حق النمو، فهي قد استخدمته أيضاً ضد البند 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وإن من غير المفيد الوقوف طويلاً عند البند 25، في البلد الأكثر غنى في العالم والذي تبلغ نسبة الفقر فيه ضعف ما لدى مثيلاتها من بقية البلدان المصنعة، بخاصة بين الأطفال. وكان هناك طفل من أربعة يعيش تحت مستوى الفقر عام 1995، أي بعد أربع سنوات من انطلاقة الازدهار الاقتصادي وليست بريطانيا العظمى بعيدة عن هذه النسبة حيث "يولد طفل من ثلاثة في ظروف الفقر"، وفاقاً لأقوال الصحف "وزادت هذه النسبة ثلاث مرات مع وصول مارغريت تاتشر إلى الحكم" حيث "عانى مليونا طفل إنكليزي من نقص النمو بسبب سوء التغذية". لقد قلبت برامج حكومة تاتشر التقدم الحاصل، وأدت إلى زيادة الأمراض لدى الأطفال، التي كانت تحت السيطرة عليها في الماضي. فيما وجه المال العام إلى مشاريع غير شرعية في تركيا وماليزيا لتطوير بيع الأسلحة التي تصنعها شركات تمولها الدولة. وانخفضت النفقات العامة، بعد سبعة عشر عاماً من الحكم إلى المستوى الذي كان سائداً حين وصول السيدة الحديدية إلى السلطة، نتيجة لتطبيق المبدأ التاتشري "التبادل الحر العملي". هناك في الولايات المتحدة ثلاثون مليون مواطن خاضعين للنظام نفسه يعانون من الجوع، وفاقاً لإحصاءات عام 1990، أي زيادة 50% عن عام 1985، وهناك إثنا عشر مليوناً من الأطفال يشكون من نقص التغذية المطلوبة لتحقيق نموهم الطبيعي (قبل الانحسار الاقتصادي لعام 1991)، وتقف الولايات المتحدة وراء الدول الصناعية الأخرى، وتتساوى في ذلك مع كوبا التي يصل دخل الفرد فيها إلى أقل من 5% من دخل المواطن الأمريكي (كوبا التي تعرضت إلى العديد من الهجمات الإرهابية من جارتها العملاقة، دون أن ننسى حرباً اقتصادية طويلة ورهيبة)، فنسبة 40% من أطفال المدن الأكثر غنى يعيشون تحت مستوى الفقر، مع ارتفاع في مؤشر موت الأطفال؛ على الرغم مما تتميز به الولايات المتحدة، فهي تبقى على رأس المنادين بالنسبية التي ترفض شمولية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من خلال رفض بنده رقم 25. وتقود القيم نفسها المؤسسات الدولية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة بشكل كبير. فالبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي "قد ارتكبا إساءات كبيرة ضد حقوق الإنسان" وفاقاً لما يقوله، بلطف شديد، فيليب ألستون، رئيس لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الأمم المتحدة، عند افتتاح الجلسة الموازي في فيينا. ويضيف نوري عبد الرزاق، من منظمة التضامن بين الشعوب الأفروآسيوية" وكما سمعنا بشكل مأساوي جداً، إن المؤسسات النقدية العالمية تساهم في الإفقار المقذع لشعوب الأرض وفي انهيار البيئة وانتهاك الحقوق الأساسية لهذه الشعوب". أمام هذه الاختراقات الفاضحة لمبادئ الإعلان العالمي، ربما كان من السخف ذكر رفض الولايات المتحدة بذل أي جهد من أجل فرض احترام هذه المبادئ والحقوق. ويقدر اليونيسف أن ألف طفل يموتون كل ساعة من أمراض يمكن تجنبها بسهولة وأن أكثر من ألفي امرأة تموت في أثناء الحمل أو الولادة، أو الولادة، أو أنها تتعرض لنتائج خطرة بسبب نقص العناية الأولية. ويقدر اليونيسف أيضاً أنه من أجل تحقيق الخدمات الاجتماعية الأساسية، بشكل عام، يكفي إنفاق ربع النفقات العسكرية للبلدان المتطورة ـ أي 10% من النفقات العسكرية الأمريكية. وكما رأينا، فيما دفعت الولايات المتحدة بفعالية "البلدان النامية" إلى التسلح، فإن الميزانية العسكرية فيها بقيت ثابتة في زمن الحرب الباردة ـ كما أنها تتزايد بينما يتقلص الإنفاق الاجتماعي بشكل كبير، كما شهدت فترة التسعينات من القرن الماضي انحسار المعونة الأمريكية للخارج، التي تعتبر من أضعف المعونات بين الدول الصناعية، وقد وصلت هذه المعونة إلى درجة الصفر، ما عدا إسرائيل، المستفيد الرئيس منها. يذكر ليوناردو ديبوي في "تقريره النهائي" إلى لجنة حقوق الإنسان الفقر المدقع (وفاقاً لتعريف منظمة الصحة العالمية) باعتباره السبب الأول للموت والبؤس على وجه الأرض؛ "لا يمكن مقارنة المجاعة بأية كارثة أخرى، فقد تسببت خلال سنتين بعدد من الضحايا، يفوق ما تسببت به الحربان العالميتان". ويشير ديبوي إلى أن البند 25 من الإعلان العالمي قد نص على الحق بمستوى معيشة كافٍ لتأمين الصحة والرفاه، كما نص على ذلك الاتفاق الدولية حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية "الذي يلح بشكل خاص على الحق الأساسي لكل شخص من أن يُحمى من المجاعة" ولكن، ومن المنظور النسبي للغرب، ليس لهذه المبادئ قيمة، حتى بعد الموافقة الرسمية عليها. هناك تفسيرات أخرى للبند 25. فقد نُبهت لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة من بلدان العالم الثالث التي تبحث عن الوسائل "لإيقاف التدفع الهائل للمواد الخطرة" باتجاه الدول الفقيرة القلقة من "أن يهدد رمي المواد والنفايات السامة حقوقها في الحياة والصحة" تلك الحقوق التي يضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقد بينت باحثة من الأمم المتحدة أن البلدان الغنية تصدر "كميات ضخمة من النقابات السامة" إلى بلدان العالم الثالث، وبلدان الكتلة السوفيتية السابقة، في مرحلة لاحقة. وقد عكست الصحافة أصداء التقرير الذي يتحدث "عن معلومات تشير إلى حالات انتهاك خطيرة لحقّ الحياة والصحة، تسببت باضطرابات جسدية ونفسية، وكذلك بحالات وفاة". وتقول الباحثة إن هذه المعلومات كانت محدودة، ذلك أنها لم تلق "إلا القليل من التعاون مع معظم الدول والشركات المعنية"، كما أن الأمم المتحدة لم تقدم أية مساعدة، في الوقت الذي كانت تسعى فيه لإنهاء مهمتها. ينص البند 23 من الإعلان. لكل شخص الحق بالعمل، وبالاختيار الحر لـه ضمن شروط عادلة ومرضية، وبالحماية من البطالة. وللبشر الحق براتب مناسب للعمل المناسب دون تمييز. ولكل شخص الحق في راتب عادل ومرضٍ يؤمّن له ولعائلته حياة مناسبة للكرامة البشرية الكاملة، وإذا أمكن من خلال وسائل الحماية الاجتماعية الأخرى. (من الأفضل عدم التفصيل في الطريقة التي تنفذ فيها واشنطن هذا المبدأ الأخير) وينتهي البند 23 بالكلمات التالية: لكل شخص الحق في تأسيس نقابات مع أشخاص آخرين، وأن ينتسب إلى نقابات للدفاع عن مصالحه. يُحترم هذا الحق (تقنياً) في الولايات المتحدة، غير أن العديد من الآليات القانونية والإدارية تعمل على أن ينتهك أكثر فأكثر في نهاية ولاية أتباع الرئيس ريغان. ولقد انحرفت الإدارة الأمريكية كثيراً، ولدرجة أن منظمة العمل الدولية، الممالئة للدول الكبرى، قد طلبت بشكل علني، أن تحترم الولايات المتحدة القواعد الدولية، بعد شكوى تقدمت بها نقابات AFL-CIO ضد توظيف "العمال المناوبين ـ الذين كانوا يستخدمون في الواقع، لتخريب الإضرابات. ولم نشهد مثل هذه التصرفات التي تلغي نتائج البند 23، إلا في جنوبي أفريقيا. ومنذ التغيرات التي جرت في هذه البقعة من العالم، وجدت الولايات المتحدة نفسها في "عزلة برّاقة" ضمن هذا السلوك، رغم أنه كان عليها أن تتعلم الكثير من رجال الأعمال البريطانيين الذين لم يجدوا أفضل من (الرواتب الانتقائية) لتشجيع العمال على رفض النقابات والتخلي عن مواثيقها الجماعية. من خلال استعراض بعض الآليات التي تعمل على تجميد البند 23، تقول صحيفة BUSINESWEEK، إنه ومنذ بداية حكم ريغان، شهد الصناعيون الأمريكيون إحدى المعارك الأكثر فعالية، حتى حينه، ضد النقابات عبر تسريح ألوف العمال الذين مارسوا حقوقهم النقابية في التنظيم والانتساب، وقد جرى تسريح غير شرعي شمل ثلث الممثلين المنتخبين في نهاية الثمانينات (مقابل 8% فقط في السنوات السابقة) ولم يكن من حق العمال الاعتراض. وحولت حكومة ريغان الدولة القوية التي بنتها إلى دولة عملاقة تدر المال على الأغنياء، على حساب القوانين الأمريكية والإعلان الدولي لحقوق الإنسان. وتشرح الصحيفة أن هدف أرباب العمل كان دوماً إلغاء "الحقوق المصانة للعمال الأمريكيين والتي ضمنها قانون وارنر عام 1935"، ذلك القانون الذي سمح لهم بالانضمام إلى جماعة عالم الصناعة. وتمت متابعة هذا الهدف منذ "عقد الأجور الجديد NEWDEAL". (الذي أصدره الرئيس روزفلت عام 1936)، وإذا كانت الحرب العالمية الثانية قد أخرت المشروع بشكل مؤقت، إلا أنه عاد بقوة، بعد السلام، وبنجاح كبير. ونجد فهرست هذا النجاح في حوليات المنظمة الدولية للعمل، في فصل اعتماد المواثيق الضامنة لحقوق العمال؛ تقف الولايات المتحدة في أسفل السلم في العالم الغربي (قبل السلفادور وليتوانيا مباشرة). أضف أن هذه الدولة لم تعترف بحق التنظيم ولا بالمواثيق الأساسية التي تنظم عمل الأطفال. ولاحظت اللجنة القانونية لحقوق الإنسان أن "الولايات المتحدة مدينة بمبلغ 92.6 مليون دولار لمنظمة العمل الدولية، مما أدى إلى الشلل في عملها". وإذا كانت غاية واشنطن من تضخيم هذا الدين قد تحققت، إلا أن "المساعدة الغنية التي يمكن أن تقدمها المنظمة قد تأثرت بالدرجة نفسها"، كما تأثر بذلك تطبيق البند 23 في العالم بأسره. ولا تمثل هذه الواقعة سوى جزء ضئيل من الدين العملاق الذي ترفض الولايات المتحدة أن تسدده، منتهكة جميع المعاهدات، ذلك الدين الذي يصل إلى 1300 مليون دولار. يقول كوفي أنان "1998": "إذا بقيت أبوابنا مفتوحة، فذلك لأن بلداناً أخرى تقدم لنا قروضاً بدون فائدة، تغطي بشكل واسع التقصير الأمريكي ـ ولا أقصد هنا دول حلف الأطلسي فقط، بل بلداناً نامية مثل الباكستان وحتى الفيجي". بعد أسابيع من هذا التصريح، صوت مجلس الشيوخ الأمريكي مؤكداً رفضه تسديد الديون (بنسبة 90 صوتاً مقابل 10 أصوات) مطالباً الأمم المتحدة "بشكر الولايات المتحدة من أجل مساهمتها" وأن تقلص مطاليبها و"تعلن عن قيمة المبالغ التي تدفعها واشنطن لدعم قرارات مجلس الأمن منذ الأول من كانون الثاني عام 1990". لقد نتج عن هذا الهجوم غير الشرعي على النقابات عبر انتهاك البند 23 من الإعلان العالمي آثار وخيمة: فقد أثر على الأنظمة الصحية والأمنية في أماكن العمل وعلى القواعد التي اختارت الحكومة عدم احترامها، مما أدى إلى زيادة واضحة في الحوادث الصناعية في فترة ولاية ريغان. كما ساهمت أيضاً في تدمير الديمقراطية ـ ذلك أن المواطنين محدودي الدخل قد فقدوا نتيجة لذلك فرص الدخول في حقل السياسة ـ عبر التسريع في خصخصة الطموحات وتدمير التضامن والتعاطف وقيم أخرى تشكل جوهر الفكر الليبرالي الكلاسيكي دون أن تكون مع ذلك منسجمة مع الإيديولوجيا السائدة للسلطة وأصحاب الامتيازات، وببساطة أكبر، يرى وزير العمل الأمريكي، من جهته، أن إضعاف النقابات أدى بشكل كبير إلى جمود الرواتب أو هبوطها في فترة حكم ريغان ـ"ذلك الحدث ذو الأهمية السامية والمرحب بها" كما تقول صحيفة "وال ستريت جورنال" في تعليقها على هبوط كلف العمل منذ ارتفاعات عام 1985، وحتى المستويات الحالية الأكثر تدنياً في العالم الصناعي (ما عدا بريطانيا). وقد بدا آلان غريسبان، رئيس الاحتياط الفدرالي في شهادته أمام اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ، متفائلاً بخصوص "النمو الاقتصادي الثابت" الناتج عن عملية "تثبيت غير نموذجي لزيادات الرواتب الناتجة، على ما يبدو، عن شعور بعدم الأمان متزايد لدى العمال". ويمكن أن نرى في هذه الرغبة في مجتمع صالح سبباً آخر، لدى النسبيين، لرفض البند 23 من الإعلان العالمي، و"حق الأمن" الوارد فيه. ويعبر التقرير الاقتصادي للرئيس عن عام 1997 عن سعادته من نجاح (إدارة) كلينتون، ويشير بشكل مباشر إلى "التغيرات الحاصلة في سوق العمل وممارساته"، باعتبارها عاملاً في "التقليص الفعال" للرواتب الذي يحافظ على سلامته الاقتصادية. وتشمل "اتفاقات التبادل الحر" ـ الاسم على غير مسمى ـ بنود حماية، ونجد في عبارة "إنفاقات" احتقاراً للرأي العام، إذ أنها ساهمت في هذا "التقليص الفعال". وقد احتوت دراسة طلبتها أمانة العمل في المعاهدة الأمريكية الشمالية للتبادل الحر عام 1994 (نافتا) على وصف لبعض آليات هذا التقليص "حول التأثيرات التي تحدث في البلدان الثلاثة المعنية (كندا، الولايات المتحدة، المكسيك) نتيجة للإغلاق المفاجئ للمعامل وفق مبدأ حرية المشاركة، وفق حق العمال في التنظيم". وأجرت (النافتا) هذه الدراسة جواباً على شكوى من عمال الاتصالات ضد الممارسات غير الشرعية لشركة SPRINT. وأيّدت اللجنة الأمريكية لعلاقات العمل هذه الشكوى، وأمرت، وفاقاً لإجراء مألوف، بفرض عقوبات بسيطة بعد ثلاثين سنة من الانتظار. وتمّت الموافقة على نشر هذا التقرير الذي أعدّته الاقتصادية كات بروفنبريمر (من جامعة كورنيل) في كندا والمكسيك غير أن حكومة كلينتون قد وضعته في الحفظ، إذ ظهر فيه التأثير الواضح للنافتا على أسلوب الإضرابات. فجلّ جهود منظمي النقابات تتعرض للتهديد من خلال نقل الإنتاج إلى الخارج: فمثلاً: وضعت يافطات أمام المعامل حيث تنظم النقابات احتجاجاتها، كتب عليها "وظائف منقولة إلى المكسيك". ويجب أن لا نستخف بهذه التهديدات: إذ حين تنجح حركة نقابية في تنظيم نفسها، رغم كل شيء يغلق أرباب العمل المعمل بشكل كامل أو جزئي. وتتضاعف هذه الإغلاقات في المشاريع المتحركة، وفي القطاعات الثقيلة، مثل الإنشاءات أو البناء. إن مثل هذه الممارسات، التي أشارت إليها وثيقة النافتا ووثائق أخرى كثيرة، غير شرعية، كما أشارت إلى ذلك بوضوح حكومة ريغان، ونحن هنا بصدد "نقطة تفصيلية" لا تشكل شيئاً تجاه الميزة التي تحققت من خلال تفخيخ حق التنظيم، كما يعترف به حرفياً البند 23 ـ وبتعابير أكثر تهذيباً ـ "بإدخال تعديلات في ممارسات المؤسسات وسوق العمل" تسمح "بتقليص كبير للرواتب" يحققها "عدم الاستقرار المتصاعد في مجال التوظيف"، في نموذج اقتصادي يُقدم بفخر على أنه نموذج لعالم تجاوزه الزمن، نموذج حائز على رضى القطاعات صاحبة الامتيازات. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |