|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
إشكاليّات النّهوض في الفكر العربي الحديث ـــ د.سامي الشيخ محمد مقدّمة: : ما الجديد في الفكر التّنويريّ العربيّ؟ هل صحيحٌ القول بأنّه نسخة كربونيّة عن فكر التّنوير الفرنسيّ والشّعارات التّي رفعتها الثّورة الفرنسيّة: (الحريّة والعدالة والمساواة)؟ أم أنّه استجابةٌ موضوعيّة لحاجاتٍ حقيقيّة ماثلة في عمق الحياة الاجتماعيّة والسيّاسية والثّقافية العربيّة؟ صحيحٌ أنّ لأفكار علماء الاجتماع وفلاسفة التّنوير الفرنسيّين: شارل دي مونتسكو (1689 ـ 1755) وفرانسوا ماري فولتير (1694 ـ 1778) وجان جاك روسّو (1712 ـ 1778) وللشّعارات التيّ رفعتها الثّورة الفرنسيّة (1789) في الحريّة والعدالة والمساواة، أثرٌ كبيرٌ في صياغة فكر التّنوير العربيّ في العصر الحديث، لكنًّ واقع العرب المأسوي في تلك الفترة حيثُ الاحتلال العثماني للوطن العربيّ وانتشار الجهل والتّخلّف والاستبداد السّياسي، والاضمحلال الثّقافي، والانحطاط الاجتماعي والأخلاقي، حمل رجال الفكر والمصلحين الاجتماعيّين والدّينيّن على تناول المشكلات الحقيقيّة المعطّلة للنّهوض العربيّ وتجاوز حالة الانحطاط والتّخلف التي تعيشها البلاد العربيّة في ظلّ الاحتلال العثمانيّ آنف الذّكر. فوجدوا في القضاء على الجهل والتّخلف والاستبداد السّياسيّ، السّبيل القويم لتحقيق اجتماعيٍّ وثقافي وسياسيٍّ حقيقيٍّ، ينقل العرب من الجهل والتّخلّف والاستبداد، إلى المعرفة والتّقدّم والحريّة والديمقراطيّة ومجتمع المواطنة وحقوق الإنسان وسيادة القانون، وبناء الدّولة الدّستوريّة الحديثة دولة الشّعب والمؤسّسات. من هنا لم تكن أفكار المنوّرين العرب تكراراً حرفيّاً لأفكار مفكرّي حركة التّنوير الفرنسيّ رغم تأثّرهم بها، ففرنسيس أفندي فتح الله مراش (1836 ـ 1873)، تأثّر بنظريّة العقد الاجتماعي لجان جاك روسّو، إلاّ أنّهُ قدَّم فهماً لماهيّة هذا العقد بربطه بين نظريّة العقد الاجتماعي والحقّ الطّبيعي من ناحية، وجعله هذا العقد عقداً سياسيّاً بين الشّعب والسّلطان على أساس احترام الصّالح العام وتحديد شكل النّظام السّياسيّ الممثّل للبلاد، وتعيين الحقوق والواجبات لكلّ طرف من أطرافه من ناحية أخرى، خلافاً لروسّو الذي يرى أنًَّ العقد الاجتماعيّ" ليس اتفاقاً بين رئيس ومرؤوس، إنما اتّفاق الهيئة السّياسية (= الشّعب) مع كل واحدٍ من أعضائِها(1) ". بمعنى أنّه ليسَ عقداً سياسيًّا يُبرَمُ ما بين شعبٍ وأمير، بل اتّفاقاً مُبرماً ما بين أفراد الهيئة الاجتماعية أنفسهمِ، فيبدو كلّ فردٍ وكأنّه يتعاقد مع نفسه(2) ناهيك عن تبنّي مراش مبدأ المنفعة الذّي يُجسد قانون الضرورة الموجودة في الطّبيعة، القائم على ضرورة أداء واجبات اجتماعية معيّنة في مقابل التّمتّع بحقوق معيّنة. كذلك عبد الرّحمن الكواكبيّ أماط اللّثام عن حقيقة الاستبداد السيّاسيّ والآثار الكارثيّة النّاجمة عنهُ في كافّة مناحي الحياة، منطلقاً من صميم المشكلات الحيّة في الشّرق، وسطوة الاستبداد الحميديّ الذّي مررس من قبل الحكومات العثمانية المتعاقبة. أيضاً عبد الله النّديم (1845 ـ 1896) وشبلي الشّميّل (18853 ـ 1917) وعبد الحميد الزّهراويّ (1855 ـ 1916)، وأديب اسحاق (1856 ـ 1885) وغيرهم من روّاد النّهضة العربيّة في العصر الحديث، عرضوا أفكاراً لصيقةً بالمشكلات الحيّة المعطّلة للنّهوض العربيّ، ووضعوا تصوّراتهم للخروج من حالة الجهل والتّخلّف والاستبداد في العالم العربيّ، واقتراح الحلول السيّاسيّة والعمليّة للارتقاء ببلدانِهم وبالشّرق العربيّ إلى مصافاتٍ متقدّمة، تحاكي نهضة الغرب المتقدم، بخاصّة المدنيّة الفرنسيّة الحديثة. بوصفها نموذجاً حضاريّاً يُحتذى في الحريّة والعدالة والمساواة والديمقراطيّة وحقوق الإنسان. لقد أفلحَ المنّورون العرب في تشخيص واقِعهم الاجتماعيّ والسّياسيّ تشخيصاً لافتاً تفاوت ما بين منوّرٍ وآخر، وفي وضع وصفاتٍ علاجيّة مقترحة للأمراض والمشكلات المعوّقة للنّهوض والتّقدم، تمحورت في معظمها على الدّعوة لطلب العلم ونشر المعارف والعلوم، والقضاء على التخلّف، والمطالبة بإجراء إصلاحاتٍ سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة وثقافيّة ودينيّة تنهي حقبة الاستبداد السّياسيّ للحكم العثمانيّ للمشرق العربيّ، والمُناداة بممارسة الدّيمقراطيّة والحريّة والعدالة والمساواة، وسيادة القانون، وبناء دولة المواطنة والمؤسّسات، والانفتاح على الثّقافة العالمّية والإفادة من المدنيّة الأوروبيّة الحديثة ومحاكاة المستوى الرّاقي لحضارتِها النّاهضة، وهو ما سيظهرُ من خلال تناولنا كوكبةً من المنوّرين العرب في القرن التّاسع عشر: [فرنسيس مراش، عبد الله النّديم، عبد الرّحمن الكواكبي، شبلي الشّميّل، عبد الحميد الزّهراوي، وأديب إسحاق]. الحداثة في فكر فرنسيس مراش من هو فرنسيس مراش؟ مفكّرٌ اجتماعيٌ وسياسيٌ ولدَ في حلب، سنة 1836م، من أصلٍ نبيل، درس الطّبّ في فرنسا، فقد بصرهُ في سنّ صغير، لم يحُل تشاؤمه دون إيمانهِ بالانتصار النّهائي للعدالة والحريّة والمساواة الاجتماعيّة، وانتصار العقل. في كتابهِ (غابة الحقّ) الصّادر في بيروت سنة 1866م، يُروّج لأفكار المنوّرين الفرنسيّين وبشكلٍ خاص روسّو، ويدعو للمحبة الشّاملة، وفي كتابه (مشهد الأحوال) يظهر اعتناقه (نظريّة النّور الطّبيعيّة) التيّ نجم عنها اتّهامه بالتّجديف على الكتاب المقدّس والخروج عليه، أبرز مقالاته: (شهادة الطبيعة في وجود الله والشريعة، حلب 1861م)، (رحلة باريس بيروت 1867م)، (العرب والإفرنج، في مطلع السّبعينات)، (سياحة العقل، مجلّة الجنان 15 نيسان 1871م)، أهمّ الصّحف التي كتب فيها: "الجنان"، "النّحلة" و"الجوائب"، توفيّ في السّابعة والثّلاثين من عمره سنة 1873م(3). بلا شكّ يُعدُّ فرنسيس أفندي فتح الله مراش أحد أهمّ أقطاب التّنوير والحداثة في الفكر العربيّ الحديث دون منازع. فالقضايا والموضوعات التيّ تمحورَ فكرهُ حولها لا تزال تحتفظ بحضورٍ قويٍّ في الحياة الفكريّة والسّياسيّة العربيّة في أيّامنا هذه. حتّى يخال المرء أنّ فرنسيس مراش ابن القرن التّاسع عشر بل ابن لحظتنا التاريخيّة الراهنة بكلّ ما تحمله الكلمةُ من معنى، فرغم رحيله عنّا قبل مئة وإحدى وثلاثين سنة. لا تزال الدّعوة للمعاصرة والحداثة، والانفتاح على المدنيّة والثّقافية العالميّة، والتّغيير، والحريّة، والدّيمقراطيّة، والمواطنة، والمساواة، والدّولة الدّستوريّة المجتمعيّة، وسيادة القانون، أبرز ما يستحوذ على اهتمام المفكّرين العرب اليوم، ولا غرو أن تتطابق رؤى وأفكار كبار المفكّرين العرب في زماننا مع رؤية مراش في العصر الحديث، طالما أنّ المجتمع العربيّ لم يُفلح في تجاوز وحلّ المشكلات الأساسيّة التي يُكابِدُها منذ عدّة قرون إلى يومنا هذا. اللاّفتُ أنّ يجهرَ فرنسيس مراش بآرائِهِ التّنويريّة الحداثيّة في ظلّ سيطرةٍ عثمانيّةٍ مستبدّة على الوطن العربيّ، في وقتٍ لا يجرؤ قسمٌ كبيرٌ من مُفكّري هذه الأيّام أن يجهر بآراءٍ مُماثلة في مُعظَم البلدان العربيّة خشية إغضاب السّلطات الحاكمة فيها. فالدّعوةُ للحداثة، والحريّة والدّيمقراطيّة والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان، وسيادة القانون وبناء الدّولة المجتمعيّة دولة المؤسّسات، لا تزال ثقيّلة الوطء على مسمع النّظام السّياسيّ في كثيرٍ من الأقطار العربيّة. جدل الأصالة والحداثة والتّغير: لم ينكر فرنسيس فتح الله مراش العودة للماضي بقصد الإفادة من لحظات التّقدمّ والرّقي الأخلاقيّ الفارقة فيه. لكنَّ العودة للماضي ليست عودةً أبديّةً تحول دون اتّصالنا بالحاضر والمنجزات الحضاريّة فيه، فالمنجزات الحضاريّة المعاصرة خيرٌ من المنجزات الغابرة، وليس صحيحاً أنّ خير الأزمنة هي الأزمنة الماضية وأنّ ما تحقق في الماضي أفضل مّما تحقّقه البشرية في الحاضر، فالتّهذيب على مرّ العصور والقرون كان مقتصراً على عدد محدود من الأفراد، تهذيبٌ لم يُسهم عامّة الناس في إنتاجِهِ أو الانتفاع منهُ، تهذيبُ نخبةٍ وحسب، أمّا التّهذيب الذّي أحرزهُ القرن التّاسع عشر فقد بلغ حدّاً لافتاً من الرّقيّ والكمال بفعل المنجزات المدنيّة الحضاريّة المتحقّقة فيه، وبشكلٍ خاص تقدمّ الثقافة والمعارف والعلوم الإنسانيّة على نطاقٍ واسع بين النّاس بفعل كثرة انتشار الجرائد وتداولها والاطّلاع على الموضوعات والأخبار التيّ تنطوي عليها، والتيّ بات اقتناؤها أمراً يسير المنال بين عامّة النّاس وخاصتِهم. لقد أيقن فرنسيس فتح الله مراش ضرورة أهميّة التّواصل الثّقافي بين الأمم ومعرفة أحوالها، ومقدار التّقدم الذيّ تحقّق في القرن الذّي ينحدر منه، بحيث تجاوز كلّ ما أحرزته القرون الماضية، فخير الأزمنة والقرون هو الزّمان الذي ينتسب إليه ـ (القرن التّاسع عشر) ـ وهو بهذا يُجسد الوعي الحداثيّ والانفتاح على الثّقافة العالميّة بأوضح معانيه وأبهى صوره: "قوموا يا معشر بني العرب إلى امتطاء جواد التّاريخ فيهبّ إلى ميادين الإعصار والقرون الغابرة. وينتهي بنا إلى أقاصي قدمية الزّمان. حتّى إذا ما سلكنا كلّ عصرٍ غابرٍ وقطعنا كلَّ جيلٍ دابرٍ يُمكننا حينئذٍ أن نعرف مقدار كلّ تهذيبٍ مضى مع زمانهِ وما هي نسبتهُ إلى مقدار تهذيب عصرنا هذا ومن ثمَّ فلا نلبث أن نحكم بعد البحث الدّقيق بأنَّ نسبة كلّ تلك الأزمان إلى زماننا الحاضر هي كنسبة سائر الحيوانات إلى الإنسان... هذا وإنّنا نرى أنّ تهذيب كلّ قرنٍ كان مقتصراً على الأفراد ومعدوماً على العموم. فإلى أيّ الأسباب ننسب شدّة فروق التّهذيب وشيوعه بين العموم في هذا الزّمان الذيّ نحن فيه... لا ننكر على المطابع فضلها بكونها سبباً أصليّاٍ للسبب الذّي عليه المعوَّل وهو نشر الجرائد على العموم. فلا ريب أنّ هذا هو السّبب الوحيد الذي رفعَ هذا القرن إلى شأو كمال التّهذيب، ولا نقول: إنّ الجرائد لم تكن معروفةً قبل هذا القرن. ولكنّنا نقول إنّها لم تأخذ تمام الشّيوع والانتشار إلاّ فيه... فهلمّوا يا بني الوطن إلى مشتري هذه الجرائد التي تمدّكم بفنون الأدب والتّهذيب وتهديكم روح العلم والمعرفة بأحوال أرضكم وبلادِكم وتجارتِكم وكلِّ أعمالكُم وأشغالِكُم واعملوا أنّ مشتري صحف الأخبار هو واجبٌ على كلّ إنسان لهُ تعلّقٌ بعالمهِ وحبٌّ لمعالمهِ... من الواجب على كلّ ذي بصيرةٍ أن يتنّور بقراءتها ويحيا بتلاوتها. وإلاّ فيكون مثلهُ مثل خلدٍ لا يرى شيئاً تحت السّماء. أو ميّت لا يشعر بشيء."(4). الحريّة المقيّدة الحريّة التي يؤمن بها فرنسيس مراش ويدعو إلى وجودها في المجتمع، هي الحريّة التيّ تخضع لقوانين متمدّنة متقدّمة، حريّة، أخلاقيةٌ ملتزمةٌ واعيةٌ رشيدةٌ، تصونُ حريّة الآخر، فتنظرُ إليه وتتعامل معه، نظرتها لذاتها وتعامُلها مع نفسها، غير منفلتة، مقيّدة بقيود نافعة فحسب، أمّا كلّ قيدٍ غير ضروريّ حولها فينبغي كسره وإزالتهُ بالكامل، إنَّ القول بالحريّة المقيّدة لا يعني الانتقاص من قيمتها، فطالما يعيش الإنسان في اجتماعٍ إنسانيٍّ مدنيٍّ، في ظلّ دولةٍ متمدّنةٍ دستوريّة لسيادة قوانين متقدّمة ترعى مصالح الأفراد والمجتمع وتصونها، يتعيّن عليه احترام أفراد هذا الاجتماع وعدم النّيل منهم ومن حرّياتهم بذريعة أنّه حرّ، فهذا النّوع من الحرّية غير مشروعٍ من النّاحية الواقعيّة العملية، والاجتماعية الأخلاقيّة، من هنا فإنّ تخلي المرء عن جزءٍ من حرّيتهِ لصالح الآخرين لا يعني أيّ نقصٍ في حريّته التيّ يستحقّها، فبمقدار الجزء الذيّ يتخلّى عنهُ لصالح الآخرين، يكسبُ جزءاً مساوياً يتخلّى الآخرون عنه لمصلحته شخصيّاً. وبهذا يكون قيد الحريّة مستمدّاً من صميم الحريّة ذاتها "الحريّة المقيّدة بالحريّة": "لقد توصّلنا إلى استنتاج أنَّ الحرية غير المقيّدة شيء لا يمكن بلوغه، وأنّ كل شيء في حالة تفاعل، إنّما يُقيّد بعضه البعض الآخر في آن واحد. إلاّ أنّه عندما لا يترتّبُ على قيدٍ كهذا أيّ نفع، أو عندما يُعرقل إقامة ووجود نظام سليم، فهو لا يكون غير ضروريّ وحسب، وإنّما لابدّ من إزالتهِ... والفكرة القائلة بالعيش على انفراد، والتّمتّع بحريّة مطلقة وغير مقيّدة، هي فكرةٌ غير طبيعيّة. ولا يمكن تحقيقها، إن لم تعتبر في حالات منفردة استثناء لا قاعدة. وعلى العكس من ذلك، فعندما يخضع الإنسان لقوانين دولة متمدّنة ومتقدّمة، فإنّ خضوعه لا يكون تخلّياً عن الحريّة بل إثباتاً للحريّة "الفكر الاجتماعي والسّياسي الحديث في لبنان وسوريا ومصر، ص 66). المساواة القانونيّة: النّاس مُتساوون في الحقوق والواجبات، من النّاحيتين السّياسيّة والقانونيّة، بغضّ النّظر عن المنبت الاجتماعي الاقتصاديّ لأيٍّ منهم، الأثرياء والفقراء ينبغي أن يخطوا بالمساواة الكاملة في التّرشّح والانتخاب، فإنّ الأثرياء رغم ثرائهم يُشَكّلون الجزء الأصغر من أفراد الشّعب، ولا يستطيع هذا الجزء الانفراد في قيادة الدّولة وتوفير القوة والمنعة لها بذاته، أمّا الجزء الأكبر من الشّعب فهم الفقراء الذين بهم تستقيم الحياة وتتشكّل الدولة القادرة على الاضطّلاع بعمليّة النّهوض والتّقدم، الفقراء هم المزارعون والصّناع والعُمّار والمبدعون والموظّفون والجنود الذين يذودون عن حمى الوطن والدّولة بُمهَجِهِم ودمائِهِم وأرواحهم، فيصونون ثراهُ وحماه. نعم يتعيّن على الأثرياء عدم الاستهانة بأفراد الشّعب من الفقراء، لأنّه فضلاً عمّا قيل فيهِم وفي الدّور الذّي يضطّلعون به في بناء البلاد ورفعتها، فإنَّ قسماً كبيراً من الثّروة التّي يحوزُها الأغنياء هم السّبب الرّئيس في الانتهاء إليها. "لماذا يتمتّع بحق التّصويت في المجالس السّياسيّة الأغنياء وحدهم، أمّا بقيّة النّاس، الذّين يُشكّلون الجزء الأكبر والأهمّ من الشّعب فيحرمون منه، مع أنّه عليهم بالتّحديد يتوقّف جبروت الّدولة وقوّة الملك، ومن خلالهِم يمرّ محور السّياسة كلّها؟"(5). دولة المواطنة: رغم أنَّ وعي فرنسيس مراش نتاج القرن التّاسع عشر، إلاّ أنّهُ يُمثّلُ لحظةً فارقة في منظومةِ الوعي السّائد في تلك الفترة، لحظةً اتّسمت بالفرادة والتميّز الدّقيق للكلمة، إذ جعل من المواطنة مبدأ أساسياً لقيام الدّولة فالوطن للجميع بغضّ النّظر عن المنبت الاجتماعيّ والاختلاف والتّنوع بين أفراده دون استثناء، فالعدالة والمساواة بين أبناء الوطن الواحد في ظلّ سيادة القانون، من أهمّ الرّوابط التّي تحقّق وحدة المجتمع وقوتَّهِ ومَنَعَتَهِ. فأكثر الأشياء أهميّة في سياسية الدّولة ـ من وجهة نظر فرنسيس فتح الله مراش يكمن في "سريان قوانين (الدولة) بدرجةٍ واحدة على كلّ المواطنين دون أدنى تفرقة بينهم، ودون اعتبار للفارق في الوضع... وينبغي التّعامل مع الجميع بشكلٍ متكافئ، حتّى لا يُنتهك نظام القانون. وإذا كان الزّعماء الميسورون قوّة موحدّة، فالصّغار والفقراء موجّهون لهذه القوّة... إذ لولا الإنسان الصّغير لما كان بوسع الكبير أن يفعل أيّ شيء. ولولا كدح الفقراء، لما تمتّع الأغنياء بالخيرات، ولما صان أحد ثرواتهم، ولما شيّد لهم أحد قصوراً مشيّدة...".(6). مهمّة النّظام السّياسي: تتحدّدُ مهمّة النّظام السّياسيّ عند مراش في الوقوف على مصالح المواطنين والسّهر عليها، بمقتضى العقد الذّي أبرمهُ مع الهيئة الاجتماعية المنتجة له، وأيّ محاولةٍ من جانب النّظام السّياسيّ تنتهي بالنّيل من مصالح المجتمع وعدم الالتفات إليها، ينزعُ الشّرعيّة القانونيّة عنه، ويلغي العقد الاجتماعي بينه وبين المجتمع "إن أهمّ دواعي السّياسة وأعظم بواعثها هو النّظر الدّائم إلى الصّالح العام وتواصل السّهر عليه، بحيث مهما أتقنت السّياسة نظامها وأحكمتهُ ولم تلتفت إلى هذا الصالح أو تغافلت عنه فلا تعتبر إلاّ كمساعد على نثر عقد الهيئة الاجتماعية الذّي لا يمكن دوامه منظوماً ما لم تكن الملاحظة السّياسية عاصمة له، إذ أنّ إهمال ما يُسبب العمار هو تسبيب لوقوع الخراب، وهذه الملاحظة تنحصر جميعها في توقيع ما يؤول نفعهُ إلى العامّة إجمالاً وأفراداً ودفع ما يفضي إلى الضّرر. وذلك يستريح على خمسة أركان، وهي تمهيد سبل العلوم وتسهيل طرائق التّجارة وتقوية وسائط الصّنائع والأشغال ومساعدة الزّراعة والفلاحة وقطع أسباب التّعدّي."(7). أخيراً تجدر الإشارةُ إلى أنًّ فرنسيس مراش يكاد يكون أوّل منّور عربي يصوغ نظريّة (العقد الاجتماعي)، و(الحقّ الطبيعيّ) على نحوٍ مترابط، يخلو الأدب التّنويري العربيّ في القرن التّاسع عشر من مثلها، حسب رأي البعض من دارسي حركة التّنوير العربيّة في القرن التّاسع عشر(8). الوطنية والتّنوير في فكر عبد الله النّديم من هو عبد الله النّديم؟ عبد الله نديم باشا (1261 ـ 1313هـ = 1845 ـ 1896م) أديبٌ اجتماعيٌ منوّرٌ وخطيبٌ مصريٌّ مرموق، كابدَ حياةً قاسيةً في السّعي لتأمين قوتهِ وقوتِ عيالهِ، وتأمين سلامته الشّخصيّة جراء نشرِ أفكارهِ التّنويرية التّحريضيّة. انضمّ إلى جماعة "مصر الفتاة" السريّة في العام، 1879، شارك في تأسيس أوّل جمعيّة تنويريّة في مصر "الجمعية الخيريّة الإسلاميّة" بهدف نشر التّعليم وتعزيز روح التّضامن الإسلامي بني الشّعب، وغرس المشاعر الوطنيّة، أصدر ثلاثة صُحُف "صحيفة "التّنكيت والتّبكيت" سنة 1881، صحيفة "الطّائف" أثناء انتفاضة أحمد عرابي، وصحيفة "الأستاذ الأسبوعيّة" 1892 بعد عشر سنوات من اختفائِهِ إثرَ هزيمة العرابيّين. أخفقت الحكومةُ في ترصّدهِ وإلقاء القبض عليه، رغم إعلانِها مكافأة ماليّة لِمَن يُرشدُ عليه، حُكِمَ بالنفيّ المؤبّد من القطر المصري ثمَّ صدر عفوّ الخديوي عبّاس الثّاني سنة 1792. واجه خصومة شديدة مع أبي الهدى الصيّادي عَين السّلطان عبد الحميد فهجاهُ في كتابٍ أسماه "المسامير". عاصر عدداً من المنوّرين أبرزهم: جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، أديب إسحق، سليم النّقّاش، وآخرين، توفّي سنة 1896 إثرَ إصابتِهِ بمرض السّلّ وهو في الآستانة(9). عقلانيّة التّفكير يؤمنُ عبد الله النّديم بضرورة إعمال العقل في الأفكار المتوارثة والجديدة، عبرَ فحصها فحصاً علميّاً دقيقاً يستهدف الكشف عن العناصر المكوّنة لها، فيُقصى كُلّ ما هو ضار فيها ويؤخَذُ بكلّ ما هو نافع منها. بهذه الرّوح النّقديّة يُمكن لشعوب الشّرق الارتقاء بفكرها وأحوالها، والشّروع في تأسيس منظومةٍ معرفيّة علميّة من الأفكار تُشَكّلُ أساساً صالحاً لبناء دولةٍ حداثيّة تستجيب لروح العصر ومتطلّباته، وتحقيق نهضة حقيقية في مختلفِ جوانب الحياة. إنّ آلية فحص الأفكار الاجتماعية والسّياسية والثّقافية تتحدّد باشتراك مُمثلّي الشّعب على مختلف انتماءاتِهِم السّياسيّة والمذهبيّة والعرقيّة، فاختلاف الآراء والأفكار، أداةٌ مُهمّةٌ لكشف الجوانب الخاطئة وغير النّافعة فيها. الأفكار وإن كانت صادرةً عن إنسانٍ يتّصف بسلوكٍ أخلاقيّ رفيعٍ وينطلق في رؤيته للأمور من نيّةٍ صادقةٍ وإخلاصٍ غير مشكوكٍ فيه، ينبغي أن تخضع لفحصٍ عقليٍّ دقيق، ذلك أنًّ درب النّوايا الصّادقة مليء بالعَثَرات والأخطاء. وبطبيعة الحال لم تصدر دعوة عبد الله نديم للأخذ بأحكام العقل واعتماده له مقياساً لقياس الأفكار السّائدة في زمانه، لولا أنّه كان على قناعةٍ تامةٍ بأنَّ العديد من الأفكار والآراء السّائدة والمتوارثة تنطوي على قدرٍ ليس بالقليل من الخطأ والضّرر، ناهيك عن توفّر الاعتقاد لديه بأنَّ الأمم الغربيّة النّاهضة ما كان لها أن تنهضَ لولا أنّها نفضت غبار الجهل واتّبعت سبيل النّظر العقلي في أفكارها تحت تأثير الفلسفات العقليّة النّقدية فيها: :"نحن معاشر الشّرقيين في حاجةٍ إلى نقد الأفكار وتفتيش الآراء حتّى فيما يصدر منّا في الشّؤون الأهليّة، لنبذ الضّار والأخذ بالنّافع. فقد يصدر الرأي من إنسان عن الإخلاص ويكون قد تلوّت عليه المطالب، فيخرج الرّأي فطيراً يضرّنا الأخذ به وإن كان صاحبهُ لم يقصد الضّرر.. وقد درست الأمم الغربيّة هذه المقدّمات.. فاعتمدت على مجالس شوراها لتستخلص من تضارب الأفكار واختلاف الأحزاب قواعد لا تنقضها الحوادث وقوانين تلائم التّابع والمتبوع وتبقى بها دعائم الدّولة قائمة على أساسٍ متين."(10). أيقن عبد الله النّديم أنَّ نهضة بلاده وتقدّمها رهنٌ بالقضاء على الجهل والأوهام، وإظهار الاحترام والتّقدير للعلماء بوصفهم رُسل التّنوير الحقيقيين في المجتمع: "إن "التّنكيت" ـ أي الجريدة ـ تدين الجهل والأوهام" و"إنَّ إهانة العلماء هي أوَّل علامات انحطاط البلاد. والجهلُ هو سبب كلّ الرّزايا"(11). الإرادة المنفعلة: لم يبعث الحال العربي على أدنى قدْرٍ من التفاؤل والأمل في عقلِ ونفس عبد الله نديم، فبينما أفلحت المجتمعات الغربيّة في النهوض والتّقدم في حقول الحياة المختلفة، لم تتمكّن المجتمعات العربيّة من تجاوز حالة الكسل والجهل والتّخلّف والانحطاط المُسيطرة عليها، ومن أسباب ذلك: هجرةُ العقول، تراجع أهمية العلم وأهلهِ، وانكفاء الإرادة عن العمل، والتّقاعس والتّهاون واللامبالاة حيال المصالح الوطنيّة المختلفة. فلا وجود للإدارة الفاعلة في الحياة الاجتماعية والسّياسية العامّة، في ظل جهل العوام تحت مظلّة الاستبداد السّياسيّ وفساد السّلطان وجوره. :"..توالت الأعوام والجرائدُ تنقلُ لنا معاشر الشّرقّيين، أخبار أولئك الفائزين وتشرح لنا من أعمالِهِم التي حيّرت الأفكار وأدهشت العقول ما ساعدهم عليه تمحيص الرّأي وتوحيد الكلمة وتمحيص المتشاورين. ونحن قعودٌ على قارعة الكسل والتّهاون نكتفي بالتّفرج على الأمم العاملة ونفرجُ بما نراه من فوزها ونغضب إذا تأخّر فريقٌ منها. وقد انصرفنا عن مصالح أوطاننا وعمينا عن طريق تقدّمنا وحيل بيننا وبين مجاراة هؤلاء العقلاء بسور الأنفة من استشارة الفقراء. ومفاوضة الضّعفاء، وإن كانوا قد امتلأوا علماً وكسبوا نباهة.." (12). الحضّ على النّهوض: يأخذ النّديم على سكّان الشّرق الذّي ينتمي إليه، وعلى المحتلّين الإنكليز والنّخبة المصريّة، مسؤولية التّخلّف والجهل والانحطاط والمعاناة التي يُكابدها الشّعب، ويدعو إلى تهيئة العقول والنّفوس قبل القيام بأي ثورة مسلّحة، حتّى لا تنحرف عن أهدافها وتنقلب إلى وبال يُكلّف الشّعب ثمناً باهظاً: "إنّ سُكان الشّرق عبيد: إنّهم يزرعون ويحصدون ويُبدعون، لكي يُغذّوا التّجارة الأوربية، ويزيدوا ثراء أوربّا.. كما لو كانوا قد خُلِقوا لخدمتها.. ما دام ا لشعبُ خاضعاً للجهل ويعوزهُ الاستعداد للنّضال، فإنّه لن يتمكّن من التّوصل إلى أيّ شيء.. إنّ الانتفاضة لن تجلب النّجاح إذا لم يُحز الشّعب على المعارف وإذا ما انصرفَ النّاس عن المشروعات الصّناعية، وإذا لم يعرفوا كيف يستعملونَ التّقنيّة(13). وفي السياق ذاتهِ يأخذ النّديم على تهميش دَور الخطابة في الحياة الاجتماعية والشّؤون العامّة للبلاد، من خلال قصرها على خُطب المساجد الدّينيّة دون الالتفات للمشكلات الواقعيّة التي يحتاج السّكان إلى حلّها في حياتهم اليومية والمصيريّة، ولا غرو في ذلك إذا عرفنا أنَّ النّديم مارس الخطابة في أكثر من ميدان، كخطيب اجتماعي وسياسيّ وتربويّ، استطاع بخطبهِ الحماسيّة البلاغيّة التّأثير في المشاعر الوطنيّة والقومية بشكل لافتٍ وكبير. لذا يقترح أن يعتلي منابر المساجد خطباءٌ أكفاء، حتّى يكونوا قادرين على التأثير الحيّ والمباشر في النّاس، بالإضافة إلى ضرورة طبع خُطب المساجد وتداوُلها بين الناس:".. من أهم أسباب غفلة الشّرق ضعف الخطابة، واقتصارها ـ تقريباً ـ على خُطب المساجِد، وهي خُطبٌ لا تمسُّ الحياة الواقعة بحالٍ من الأحوال، وإنّما هي عباراتٌ محفوظة، ومعانٍ مُتكرّرة مألوفة، لا تُحرّك قلباً ولا تضيء حياة"(14). وقد أبدى استعداداً للاشتراك في إعدادها بحيث تتضمّن الدّعوة لـ "..المُحافظة على حقوق البلاد، والنّهي عن الظّلم والبغي، والدّعوة إلى الائتلاف لمواجهة الأخطار التي تظهرُ دلائلها في الأفق والاتّحاد مع المواطنين من غير نظر إلى اختلاف الدين، والتّذكير بمجد مصر السّابق.. والتّحذير من تمكين الأجنبي من وضع يدهِ على سياسة البلاد.. ومعاملة الأجانب بالحُسنى، من حِفظِ حقوق تجارَتِهِم، وعدم الإساءة إليهم"(15). فلسفة الاستبداد عند عبد الرحمن الكواكبي من هو عبد الرّحمن الكواكبي ولد الكواكبي عام 1271هـ ـ 1854م لأسرة عربيّة قديمة في حلب، تلقّى علومه في المدرسة الكواكبيّة، وعلى أيدي عدد من مشاهير علماء حلب. عملَ في الصّحافة والمحاماة والتّجارة في حلب، تولّى بعض المناصب الرّسمية فيها، تعرّض للاضطّهاد والسّجن مراراً وصودرت أموالهُ وممتلكاتهُ، هاجرَ من حلب عام 1318هـ ـ 1900م حيثُ طوّف في الجزيرة العربيّة وشرقي أفريقيا والهند والشّرق الأقصى. ثمَّ استقرَّ في مصر، ألفَ عدة كتب منها (طبائع الاستبداد ـ وأمّ القرى) وطُبِعا أوّل مرّةٍ في حياته، كما ألّفَ (العظمةُ لله، وصحائف قريش) وقد فُقدا مخطوطين مع جملة أوراقه ومذكرّاتهِ ليلةَ وفاتهِ، توفّيَ بسمٍّ دسّ له في فنجان القهوة عام 1320هـ ـ الموافق 1902م حيثُ دفنَ فيها(16). (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد): يُعدّ كتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) المؤلّف الرّئيس في فكر المصلح التنويريّ عبد الرّحمن الكواكبي وهو كتابٌ في الفكر السّياسيّ والاجتماعيّ، انطلق من فكرة أنّ الاستبداد السّياسي هو سبب حالة الجهل والتخلّف والانحطاط السياسيّ والاقتصادي والاجتماعي والفكري والأخلاقي التي يعيشها الشّرق العربيّ الإسلاميّ. فإذا ما أرادت الرّعيّة النهوض من حالة التّخلف والجهل والانحطاط، ووضع قدمها على الطّريق الصّحيح والسّير في طريق التقدّم والازدهار ومباراة الأمم المتقدمة في العالم، فإنه يتعيّن عليها التخلّص من الاستبداد السّياسي بكافة أشكاله، وإشاعة العلم والحريّة والدّيمقراطية، والقضاء على الجهل والتّخلف، والسبيل لبلوغ ذلك تنوير العقول ونشر المعرفة بين الشّعوب المحكومة بالاستبداد، فالعلم هو الواسطة التي تُخرج الإنسان من العتمة إلى النّور، وتنقله من العبودية إلى الحريّة، فالناس مستعبدون لأنّهم يجهلون حقيقة أنفسهم وعناصر القوّة التي بحوزتِهِم، فإذا ما تعرّفوا على ذواتهم حقّ التّعرف وعلى الإمكانات التي يملكونها، سيدركون أنّهم خُلقوا أحراراً لا عبيداً، وبأن لهم الحقّ في العيش بكرامةٍ مواطنينَ في أوطانهم، واختيار الحاكم والحكومة بإرادتهم للوقوف على خدمتهم والسّهر على مصالحِهِم، واستبدالهما بحاكمٍ وحكومةٍ آخرين متى وجدوا في ذلك مصلحةً لهم. ولأنّ الاستبداد هو الأساس الذي تقوم عليه مملكة الاستعباد، والحجاب الذي يحول دون رؤية الرّعيّة نفسها في مرآة الحريّة، والسّياج الذي يعزلها عن رؤية الشّعوب المتحضّرة والمتمدّنة من حولها والعالم، فإنّ الكواكبيّ أعمل فكره في الكشفّ عن هويّة الاستبداد والآثار النّاجمة عنه بوصفهِ شرّاً ماحقاً يضر بالإنسان والمجتمع على حدّ سواء، ويحول دون نهوضهما وتقدّمهما ولحاقِهِما بالأمم المتقدّمة. فسرّ نهوض العرب والمسلمين والشّرق يتمثّل في ضرورة محاربة الجهل والاستبداد والانتصار عليهما بواسطة العلم والتّنوير: ما هو الاستبداد؟: الاستبداد عند الكواكبيّ، هو الاستبداد السّياسيّ للحكومة الأوتوقراطيّة (التسلّطية) المطلقة، وهو الطّرز الذّي اتّسمت به الدّولة العثمانية وأجهزتها الحكوميّة المختلفة في الفترة التي عاشها الكواكبيّ فالحاكم المستبدّ في هذه الدّولة ينظر إلى نفسِه على أنّه ظلّ الله في الأرض له الحقّ في التّصرف برعيّته كيفما يشاء ومتى يشاء، فلم يكتف ببسط سلطانهِ على الأرض بل على الرّعية كذلك، هذه الرعيّة التي لم تبلغ مرتبة الشّعب والمواطنة بفعل استلاب إرادتها، وضعفها، وسيادة الجهل والتّخلّف والانحطاط، وفرض سياسة الجور والعبوديّة والظّلم التي فرضتها الحكومات المستبدّة عليها، فعوضاً عن وجود حكومة شوريّة دستورية تأخذ بيد الرّعية المنهكة تحت نير الاحتلال العثمانيّ للوطن العربيّ نحو الحريّة والتّقدم والازدهار، ابتليت بحكومةٍ مستبدّة متخلّفةٍ فاسدة يرأسها حاكمٌ طاغيةٌ مستبدّ. "الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً التي تتصرّف في شؤون الرّعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محقّقين... وأشد مراتب الاستبداد التي يتعوذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطةٍ دينيّة.. المستبدّ يتحكمّ في شؤون النّاس بإرادته لا بإرادتهم ويحكم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنّه الغاصب المعتدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من النّاس يسدّها عن النّطق بالحقّ والتّداعي لمطالبته. المستبدّ عدوّ الحقّ، عدوّ الحرية وقاتلهما.. المستبدّ يتجاوز الحدّ ما لم ير حاجزاً من حديد، فلو رأى الظّالم على جنب المظلوم سيفاً لما أقدم على الظّلم.. المستبدّ إنسانٌ مستعدٌ بالطّبع للشّرّ وبالإلجاء للخير، فعلى الرّعية أن تعرف ما هو الخير وما هو الشّر فتلجئ حاكمها للخير رغم طبعه.. المستبدّ يودّ أن تكون رعيتهُ كالغنم درّاً وطاعةً، وكالكلاب تذّبلاً وتملّقاً.. على الرعيّة أن تعرف مقامها هل خُلقت خادمةً لحاكمها، تطيعهُ إن عدل أو جار، وخلق هو ليحكمها كيف شاء بعدلٍ أو اعتساف، أم هي جاءت به ليخدمها لا ليستخدمها؟! والرّعيّة العاقلة تقيّد وحش الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه في يدها لتأمن بطشَهُ فإن شمخَ هزت بهِ الزّمام وإن صال ربطتهُ"(17). على أنّ استبداد الحاكم بالرّعيّة ما كان له أن يكون لولا توفرّ جملةٍ من الشّروط أبرزُها: استبداد الجهل بالعلم، واستبداد المرء بنفسه واضطّهاده لها، وتسليم نياط قيادها طوعاً لحاكمه المستبدّ بالرّعيّة، ليسهم بذلك إسهاماً فعليّاً في التأسيس لاستبداد الواقع عليه، وفي هذه الحالة يتحمّل المرء جزءاً مهماً من المسؤولية في التأسيس للاستبداد الذي هو ضحية له: "من أقبح أنواع الاستبداد استبداد الجهل على العلم، واستبداد النّفس على العقل، ويُسمّى استبداد المرء على نفسه.. الاستبداد يد الله القويّة الخفيّة يصفع بها رقاب الآبقين من جنّة عبوديّته إلى جهنّم عبوديّة المستبدين الذين يُشاركون الله في عظمته ويُعاندون جهاراً: (الظالم سيف الله ينتقم به ثمّ ينتقم منه)، (ومن أعان ظالماً على ظلمه سلّطهُ الله عليه)، الاستبدادُ هو نار غضب الله في الدنيا، والجحيم نار غضبهِ في الآخرة.. الاستبداد أعظم بلاء، يتعجل الله به الانتقام من عبادِه الخاملين ولا يرفعهُ حتّى يتربوا توبة الأنفة... فالمستبدون يتولاّهم مستبدّ والأحرار يتولاّهم الأحرار، وهذا صريح معنى (كما تكونوا يولّى عليكم)"(18). الحاجة للحرية تأتي في مقدّمة الاحتياجات الإنسانيّة، إلى جانب الاحتياجات العضويّة التي تتوقّف على تلبيتها حياة الإنسان، إنّها تستحقُ التّضحية بالنّفس والجسد في سبيل الظّفر بها، فحياة الإنسان في جوهرها حريّة لا قيمة لها من دون توفرّ هذا العنصر لها. من هنا يوليها الكواكبيّ أهميّة أكثر من أهميّة الأرض التي ينتمي الإنسان إليها، بمعنى أنّه لا قيمة للوطن المستبدّ بأهله تستحقّ أن يجازف الإنسانُ بحريّته في سبيله، والكواكبيّ بهذا يجعل من التّحقق الفعليّ للحريّة حدّاً ماهويّاً للمواطنة، فمتى انتفى هذا الحدّ أصبحت المواطنة خاليةً من أيّ معنى يحمل المرء على العيش في وطنه، وقيداً ثقيلاً ينوء بحمله فيجهد نفسه لكسره والانعتاق منه، فالوطن حريّة، والحرية وطن، ولا قيمة له من دونها. ربّ قائلٍ يقول: هل بلغ الأمر بالكواكبي من السّوء حدّ تقديم الحريّة على الوطن، الوطن عندما يكونُ محتلاً من قبل محتلّ أجنبيّ لا تربطهُ بالرعية أيّ رابطةٍ قوميّة أو دينية، بل الوطن عندما يكون محتلاً من جانب مستبدّ ثمة رابط بينهُ وبين الرعية فيستعبد البلاد والعباد ولا يُرتجى منهُ سوى نشر العبوديّة وتعميقها بين النّاس الخاضعين لسلطته، ولكن ألا تستحقُّ محبّة الأوطان الخاضعةِ لسلطان الاستبداد ـ من جانب الإنسان ـ احتمال العبوديّة القاهرة في سبيلها وسبيل تحريرها من سيطرة الحاكم المُستبدّ المُستَعبدِ لها؟؟؟!!!. إنّ حماس الكواكبيّ للحريةّ جعله يضعها في مقدمة القيم الإنسانية والوطنية نظراً لحاجة النّاس الماسّة إليها في ظلّ حالةٍ الاستبداد والعبودية شبه المطلقة واقتناعه بعدم إمكانيّة تحقيقها في لحظته التّاريخية الراهنة آنذاك. فإعلاءً لقيمة الحريّة وتمرّداً على واقع الحال ونفاذاً لصبره كتب: "ما أليق بالأسير في أرضٍ أن يتحول عنها إلى حيث يمتلك حرّيته، فإنّ الكلب الطّليق خيرُ حياة من الأسد المربوط."(19). والمقصود من هذا القول أنّ لا حياة مع العبوديّة والاستبداد، فهي دعوةٌ جريئةٌ موجّهةٌ للحاكم المستبدّ كي يدرك حجم الكراهية والرّفض لسياسة الاستبداد والاستعباد، وللرّعية المستبدة كي تدركَ بؤس واقعها، وتستفيق من غفوتها وتصحو من جهلها، وتحرص على نيل حُرّيتها، ففهم هذه الدّعوة لهجرة أوطان العبودية إلى أوطان الحريّة، ليس المراد منه استبدال الحريّة بالوطن، أو أوطان الحريّة بالأوطان الأصليّة الرّازحة تحت نير العبودية والاستعباد، بل المقصود منه هجرة العبودية والاستبداد حيث الحريّة والكرامة الإنسانية، دون التّخليّ عن محبّة الوطن، والعمل على اغتنام فرصة الحرية المتوفّرة خارج مناطق الاستبداد والعبوديّة، لإعلاء الصّوت وإسماع الكلمة للحاكم الطّاغية المستبد، وتنوير عقول النّاس للوقوف في وجهه والعمل على إخضاعه لسلطتهم وإقصائه عن سدّة الحكم وإشادة وطن الحرية الذي ينشده الكواكبي بوصفه وطن الإقامة الدّائمة للإنسان، ومصداقُ ذلك أنّ ما لم يستطع الكواكبي نشره من مقالات سياسيّة تحت عنواين: الاستبداد، ما هو الاستبداد وما تأثيره على الدّين، على العلم، على التّربية، على الأخلاق، على المجد، وعلى المال.. إلى غير ذلك في وطنه في ظلّ الاستبداد السّياسيّ العثماني، أمكن له نشره في أشهر الجرائد المصريّة: "إنّني في سنة ثماني عشرة وثلاثمئة وألف هجريّة هجرت دياري سرحاً في الشّرق فزرت مصر واتخذتها لي مركزاً أرجع إليه مغتنماً عهد الحرية فيها على عهد عزيزها حضرة سميّ عمّ النّبيّ (العبّاس الثّاني) النّاشر لواء الأمن على أكناف ملكه.."(20). من هنا تتحدّد علاقة الحريّة بالوطن والوطن بالحريّة بوصفِهِما عنصرين تجمعهما رابطة واحدة هي الإنسان المسكون بهما. فالوطن الحرّ من قيود العبوديّة والاستبداد السّياسي، هو الهدف الأسمى الذي تمحور فكر الكواكبيّ عليه طيلة حياته. تضاد الاستبداد والعلم: يؤمن الكواكبي بفاعليّة العلم في محاربة الجهل والتّخلف والاستبداد السّياسي وبالدّور التّنويري النّهضوي الذي يضطّلع به في حياة الأفراد والشعوب والأمم، فالاستبداد نتيجة طبيعية للجهل وليس سبباً له، والعلاقةُ بينهما أشبه ما تكون بعلاقة المعلول بالعلّة المرتبطة به باضطرار، بمعنى أنّه متى حلّ الجهل بقوم حلّ الاستبداد بهم، ومتى تجذر العلم في عقولهم زكت نفوسهم فانقشعت سحبُ الاستبداد وأشرقت الشّمس في سمائهم يستنيرون بها في حياتهم ومعيشتهم. بالعلم تنكشف عيوب المستبدّ ومكامن ضعفه، وفضائل الرّعية وعناصر قوّتها، فيحقّق الإنسان مطمحه في الحريّة والعدالة والكرامة بأقّل الأثمان والتّكاليف. "ترتعد فرائص المستبدّ من علوم الحياة مثل الحكمة النّظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسّياسة المدنيّة والتّاريخ المفصّل، والخطابة الأدبيّة، ونحو ذلك من العلوم التي تكبر النّفوس وتوسع العقول وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبونٌ فيها، وكيف الطّلب، وكيف النّوال وكيف الحفظ،.. والخلاصة أنّ المستبدّ يخاف من هؤلاء العلماء العاملين الرّاشدين المرشدين، لا من العلماء المنافقين, إنّ بين الاستبداد والعلم حرباً دائمة وطراداً مستمراً: يسعى العلماء في تنوير العقول ويجتهد المستبدّ في إطفاء نورها، والطّرفان يتجاذبان العوام.. العوام هم قوّة المستبدّ وقوته، بهم عليهم يصول ويطول.. العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنوّر العقل زال الخوف وأصبح النّاس لا ينقادون طبعاً لغير منافعهم.. إنّ خوف المستبدّ من نقمة رعيتّه أكثر من خوفهم بأسَهُ، لأنّ خوفهُ ينشأ عن علمه بما يستحقّه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل، وخوفهُ عن عجز حقيقيٍّ فيه، وخوفهم عن وهم التّخاذل فقط.. وخوفهُ على كلّ شيء تحت سماء ملكهِ، وخوفُهُم على حياةٍ تعيسةٍ فقط"(21). :"الاستبداد والعلم ضدّان متغالبان فكلّ إدارة مستبدة تسعى جهدها في إطفاء نور العلم، وحصر الرّعيّة في حالك الجهل. والعلماء الحكماء الذين ينبتون أحياناً في مضايق صخور الاستبداد يسعون جهدهم في تنوير أفكار النّاس، والغالب أنّ رجال الاستبداد يطاردون رجال العلم وينكّلون بهم، فالسّعيد منهم من يتمكّن من مهاجرة ديارِه، وهذا سبب أنّ الأنبياء العظام عليهم الصّلاة والسّلام وأكثر العلماء الأعلام والأدباء النّبلاء تقلبوا في البلاد وماتوا غرباء"(22). صحيح أنّ العلم قوّة لا يُستهان بها في تحقيق ما يصبو الإنسان إليه من حرّية ورفعةٍ وتقدّم، ولكنّ: هل بوسع العلم وحده تغير واقع الإنسان أمّ أنّ ثمّة أسباب وعوامل ماديّة ينبغي توفّرها للتخلّص من الاستبداد ونيل الحرية بما في ذلك ممارسة فعلى المقاومة الذي يخلو من إمكانية اللّجوء للعنف بقدرٍ ما؟! إنّ تركيز الكواكبي على محاربة الجهل ونشر المعارف والعلوم باعتبارها السّبيل الأمثل للتخلّص من الاستبداد وقيام نظام شورّي دستوريّ يحقّق الحريّة لجميع أفراد الرّعية، يَعكس الرّؤية الإصلاحية القائمة على فكرة عدم إجازة استخدام الرّعية للعنف والمقاومة في وجه الحاكم المستّبد وأعوانه: "الاستبداد ينبغي ألاّ يُقاومَ بالعنف، كي لا تكون فتنةٌ تحصدُ النّاس حصداً، نعم، الاستبداد قد يبلغ من الشّدة درجةً تنفجرُ عندها الفتنةُ انفجاراً طبيعيّاً، فإذا كان في الأمة عقلاء يتباعدون عنها ابتداءً، حتى إذا سكنت ثورتها نوعاً وقضت وظيفتها في حصد المنافقين، حينئذ يستعملون الحكمة في توجيه الأفكار نحو تأسيس العدالة، وخيرُ ما تؤسّس يكون بإقامة حكومة لا عهد لرجالها بالاستبداد ولا علاقة لهم بالفتنة"(23). غير أنّ تاريخ الاستبداد السّياسيّ للأمم يُثبت قصور هذه الرّؤية عن تحقيق مقاصدها النّبيلة ما لم تقترن بحدوث فعل تاريخيّ ثوريّ يقوم به الشّعب ويكّلفه ثمناً باهظاً يبذلُ فيه الدّماء والأرواح والممتلكات. والشّواهد على ذلك كثيرة أبرزها: الثّورة الفرنسيّة وثورات الاستقلال العربية ضدّ الاحتلالين التّركي، والأوروبيّ الحديث. التمجّد: ينقسم البناء السيّاسي في حكومة الاستبداد ـ من منظور الكواكبي ـ إلى ثلاثة أقسام: حاكمٌ مستبدٌ، متمجد, ورعيّة. أمّا الحاكم المستبد فرأس الإدارة المستبدّة متمثّلة بالحكومة وأجهزتها المختلفة، وهو مصدر الاستبداد والاستعباد، وأما المتمجّد فهو الأداة التي يستخدمها المستبد لتنفيذ سياسته، يرى به ومن خلالهِ يسهرُ على حراسته وحمايته، ومن خصالهِ: التملّق، النّفاق، السّمسرة، والفساد. المتمجّد سوط الحاكم الذي يجلد الرّعيّة، وسيفه الذي يقطع الرّؤوس، ولسانه الذي يتحدّث، وعيناه اللتان تبصران، وأذناه اللتان تسمعان، وعقله الذي يفكّر، إنَّهم شرٌّ لا يقلُّ فداحةً عن شرّ المستبدّ نفسه، فهو المفسد في الأرض. المتمجّدُ مستبدّ صغير في حضرة المستبد الأكبر، إنّه الزّاد الذي يستزيد به المستبّد لإشباع جشعه وطغيانه، فهو بطانة فاسدة تدلّ الحاكم على الشرّ وتحضّهُ عليه، يتسابق مع أقرانه لإظهار الولاء والطّاعة إليه، وتحسين صورتهِ لدى الرّعيّة كلّما كان ذلك ضرورياً. في هذا الاجتماع تئنُّ الرّعيّة تحت وطأةِ نوعين من الاستبداد والظّلم: استبداد الحاكم وظلمه، واستبداد المتمجّد وجوره، وكلما اتّسعت دائرة التّمجّد والمتمجّدين، اتّسعت مساحة الظلم والجور والاستبداد والخراب السّياسي والاجتماعي والأخلاقي، فتصبح مسألة الإصلاح إذ ذاك أكثر تعقيداً وأمراً بعيد المنال: "التمجّد خاص بالإدارات المستبدة، وهو القربى من المستبدّ بالفعل كالأعوان والعمّال.. وبتعريف، آخر التمجّد هو أن ينال المرء جذوة نار من جهنم كبرياء المستبدّ ليحرق بها شرف المساواة في الإنسانية. وبوصف أجلى هو أن يتقلّد الرّجل سيفاً من قبل الجّبار يُبرهن بهِ على أنّه جلادّ في دولة الاستبداد.. وبعبارة أوضح وأخصر هو أن يصير الإنسانُ مستبداً صغيراً في كنف المستبد الأعظم.. المتمجّدون يريدون أن يخدعوا العامّة.. المتمجّدون أعداءٌ للعدلِ أنصارٌ للجور، لا دين ولا وجدان ولا شرفٌ ولا رحمة.. والخلاصة أنّ المستبدّ يتّخذ المتمجّدين سماسرةً لتغرير الأمة باسم خدمة الدّين، أو حب الوطن، أو توسيع المملكة أو تحصيل منافع عامة أو مسؤولية الدّولة أو الدّفاع عن الاستقلال.. المستبد يُجرّب أحياناً في المناصب والمراتب بعض العقلاء الأذكياء أيضاً اغتراراً منه بأنّه يقوى على تليين طينتهم وتشكيلهم بالشّكل الذي يريد فيكونوا لهُ أعواناً خبثاء ينفعونه بدهائهم، ثمّ هو بعد التّجربة إذا خاب ويئس من إفسادهم يتبادر إلى إبعادهم أو يُنكل بهم. ولهذا لا يستقرّ عند المستبدّ إلاّ الجاهل العاجز، الذي يعبده من دون الله، أو الخبيث الخائن الذي يُرضيه ويُغضب الله"(24). (1) روسّو، العقد الاجتماعي، ترجمة د. ذوقان قرقوط، دار القلم، بيروت، بلا تاريخ، ص 72 ـ 37. (2) للمزيد أنظر، باروت، جمال، حركة التّنوير العربيّة في القرن التّاسع عشر، وزارة الثّقافة في الجهمورية العربية السورية، دمشق، 1994، ص 91. (3) للمزيد أنظر، ز.ل. ليفين، الفكر الاجتماعي والسّياسي الحديث في لبنان وسوريا ومصر، ترجمة بشير السّباعي، دار ابن خلدون، بيروت، 1978، ص 66. وباروت، جمال، حركة التّنوير العربيّة في القرن التّاسع عشر، وزارة الثّقافة، دمشق، 1994، ص 63 ـ ص102. (4) مراش، فرنسيس، (الجنان)، المجّلد الأوّل، السّنة الأولى، الجزء الخامس، 11 آذار 1871 ص 157 ـ 159) وباروت، جمال، حركة التّنوير العربيّة في القرن التّاسع عشر، وزارة الثقافة، دمشق، 1994، ص 178، 177، 179. (5) المرجع نفسه، ص 67). (6) المرجع نفسه، ص 67). (7) (خوري، رئيف، الفكر العربي الحديث ، تحقيق وتقديم محمد كامل الخطيب، الطّبعة الثّالثة، منشورات وزارة الثّقافة، دمشق 1993، ص 188). (8) (أنظر، حركة التّنوير العربية، في القرن التّاسع عشر). (9) ز.ل. ليفين، الفكر الاجتماعي والسّياسي الحديث في لبنان وسوريا ومصر، ترجمة بشير السّباعي، دار ابن خلدون، بيروت، 1978، ص 199، ص 200. وأمين، احمد، زعماء الإصلاح في العصر الحديث، دار الفكر العربي، بيروت، 199، ص 211، ص224، ص 245). (10) (خوري، رئيف، الفكر العربي الحديث (أثر الثّورة الفرنسيّة في توجيهه السّياسي والاجتماعي، وتحقيق وتقديم، محمد كامل الخطيب، الطبعة الثالثة، منشورات وزارة الثّقافة في الجمهوريّة العربيّة السّورية، دمشق 1993،ص 202، ص 203). (11) الفكر الاجتماعي والسّياسي الحديث [في لبنان وسوريا ومصر]، ص 199). (12)الفكر العربي الحديث ص 203. (13) الفكر الاجتماعي والسّياسي الحديث [في لبنان وسوريا ومصر]، ص 199، ص 200. (14) زعماء الإصلاح في العصر الحديث، دار الكاتب العربي، بيروت، 1979، ص 218. (15) المرجع نفسه، ص 218. (16) الكواكبي، عبد الرّحمن، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، طبعة أولى، دار المدى للثّقافة والنّشر، دمشق، 2002، ص 13. (17) الكواكبي، عبد الرّحمن، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، دار المدى للثّقافة والنّشر، دمشق، 2002، ص23، 24، 25، 27. (18) المصدر نفسه، ص 27، 28). (19) المصدر نفسه، ص 28. (20) المصدر نفسه، ص 15، ص 16. (21) المصدر نفسه، ص 44، 45. (22) المصدر نفسه، ص 47. (23) المصدر نفسه، ص 128. (24) المصدر نفسه، ص 51، 52، 53. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |