مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 25 السنة الثامنة 2006
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

كتاب ((اغتيال الحريري.. أدلة مخفية)) ـــ فادية غيبور

في كتابه الذي صدر حديثا تحت عنوان «اغتيال الحريري ـ أدلة مخفية»، يكشف المؤلف الألماني "‏يورغن كاين كولبل" الباحث في علم الجنايات في جامعة هومبولت في برلين عن وقائع لم ‏يأخذ بها التحقيق، ويحاول تسليط الضوء على وجود احتمالات أخرى أهملتها لجنة تحقيق الأمم المتحدة بشكل متعمد عندما كرّست جهودها بشكل لافت لإثبات ‏التهمة على سورية، تماماً كما يتمنى أعداء سورية ويريدون، ويعرض الكاتب أدلة ووقائع ‏وحقائق من حق وواجب الرأي العام العالمي والعربي أن يطلع عليها ويناقش مصداقيتها..‏‏

وقد أحدث صدور هذا الكتاب ضجة كبيرة، مازال صداها يتردد في الأوساط السورية الرسمية واللبنانية، ويتعداها إلى أوساط دولية وإقليمية، تتصل بملابسات التحقيق في جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري في 14 شباط عام 2005..‏

المؤلف "يورغن كاين كولبل" صحافي وباحث جنائي ألماني درس علم الجنايات في الفترة 1974 ـ 1979، ومارس التدريس منذ تخرجه وحتى 1988 كباحث في علم الجنايات، وهو يعمل الآن في صحيفتين ألمانيتين هما «يونغه فيلت» (العالم الفتي) و«نيوس دويتشلاند» (ألمانيا الحديثة)، ويهتم بالسياسة الخارجية والنقد الفكري للسياسة الأمريكية ولأفكار وممارسات المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية..‏

فما مضمون هذا الكتاب؟!...‏

يكشف الكتاب حقائق وأسراراً ومفاجآت تتعلق بجريمة اغتيال رفيق الحريري، حيث يشير إلى أن أجهزة التشويش التي يستخدمها موكب الحريري بشكل دائم، تعطلت قبل ساعة واحدة من حدوث عملية الاغتيال، إذ توقف عمل الجهاز الإلكتروني لموكب الحريري والخاص بتعطيل استقبال وإرسال أية ذبذبات، ليس فقط لأجهزة الهاتف المحمول، بل ولأية أجهزة تحكم عن بعد يعرفها العالم وتستخدم للتفجير عن بعد، وهذه الميزة حسبما بينت الاختبارات التقنية التي أجريت لاحقاً لا يمكن تعطيلها إلا من خلال الوصول إلى الشبكة المركزية للتحكم في النظام الإلكتروني لتلك الأجهزة..‏

في مقدمة كتابه يصرح كولبل بأنه "لا يشعر بأن عليه واجب الوصول إلى رأي نهائي أو أن ‏يصور الحقيقة الموضوعية". لكنه يرى " أن تحقيقاً كهذا في اغتيال الحريري هو في غاية التعقيد ويجب أن ‏يأخذ بعين الاعتبار ـ إلى جانب ما رُوّج له ـ الاحتمالات العديدة الأخرى ‏والمذكورة في هذا الكتاب".‏‏

ويرى كولبل أنه في الظروف العادية تسير عمليات التحقيق في الجرائم وكشف حقيقتها حين يكون الهدف هو معرفة ‏الحقيقة الموضوعية والوصول إلى الجاني لكي يقدم إلى القضاء ويتحمل مسؤوليته ‏الجزائية، أما في ملف اغتيال الحريري فقد انتهكت موضوعية التحقيق منذ البداية بالانحياز إلى ‏طرف واحد وتعارضت مع القاعدة الأساسية التي تنص على الكشف عن الجريمة من نواحيها كافة ‏وبشكل كامل شامل، والمعروف عالمياً أن التحقيق في الجرائم و الكشف عنها يتم عادة من خلال البحث الجاد الدقيق عما ‏يمكن أن يتوفر من الأدلة وجمعها وتقويمها، باختصار يجب توخي الدقة والالتزام بتقديم الأدلة والبراهين.‏‏

ويحاول المؤلف في هذا الكتاب ـ كما يقول ـ أن يسدّ على "الأقل" ثغرة تتعلق بعدم موضوعية التحقيق لأن لجنة التحقيق الدولية برئاسة "ميليس" تواطأت مع من أرادوا متابعة أثر سورية فقط وإثبات تورطها في الجريمة، وإهمال أية جهة أخرى قد يشك بتورطها، ويعترف المؤلف أنه حاول البحث عن الأدلة الجنائية التي تثبت تورط النظام السوري في جريمة الاغتيال منذ وقوعها وحتى نشر الكتاب، إلا أنه توصل، بعد طول بحث وتنقيب ولقاءات وتحليلات، إلى نتائج معاكسة لتلك الفرضية تماماً.‏

ويذكر أن ما أثار شكوكه منذ البداية معرفته بأن المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية وضعوا نصب أعينهم هدف تغيير النظام السوري قبل اغتيال الحريري بسنوات.‏

وفي هذا السياق يتهم "كوفي عنان" أمين عام الأمم المتحدة بتبني فرضية الولايات المتحدة، في وقت "لم تكن الجثة قد بردت فيه بعد" وبالرغم من انعدام الأدلة التي تؤكد تورط سورية في الجريمة.‏

ويعتبر أن هذه الحادثة كانت فرصة "عنان" الوحيدة " لإنقاذ سمعته ومنصبه من الضياع بعد الاتهامات المبرهن عليها الخاصة بتورط ابنه في فضيحة رشاوى "النفط مقابل الغذاء"، ويعزو موقف عنان إلى الابتزاز الذي مورس ضده، بحيث لم يجد أمامه مخرجاً آخر سوى الموافقة الكاملة على ما تطلبه واشنطن.‏

ويضيف المؤلف أن واشنطن طلبت صراحة من عنان تفويض القاضية العامة "كارلا ديل بونتي" في محكمة "لاهاي" المسؤولة عن ملف الرئيس الصربي "سلوبودان ميلوسيفيتش" لتحديد رئيس لجنة التحقيق في اغتيال الحريري، فيما لم تجد الأخيرة على الرغم من وجود فرق لجان التحقيق الجنائية المتخصصة التي تملكها المحكمة الدولية سوى صديقها المدعي العام الألماني ديتليف ميليس لتنفيذ المرحلة الأولى من التحقيق أو الأعمال القذرة حسب تعبير المؤلف.‏

تحت عنوان روايات متنوعة حول الاغتيال يتساءل المؤلف: من الذي قتل الحريري؟!.. ويورد عدداً من احتمالات مشيراً إلى سرعة اتهام سورية باقتراف الاغتيال وجاء تقرير " فيتزجيرالد" ليصب النار على الزيت علماً أن تقريره لم يورد أية أدلة، ولم يكن تقريرا ميليس أفضل من تقرير " فيتزجيرالد" حيث اقتصر على اتهام ضباط أمن سوريين ولبنانيين بالجريمة معتمداً على التهمة الجاهزة التي أطلقها " حراس الأرز" وغيرهم..‏

ويعتقد المؤلف أن اغتيال الحريري هو سبب استندت إليه الإدارة الأمريكية لكي تخلخل الأوضاع في لبنان، وتحصد النتائج السياسية الناجمة عن عملية الاغتيال في كل المنطقة، إلى جانب تسخير الأمم المتحدة لتبني الرؤية الأمريكية، وتحريك الشارع اللبناني على نحو سريع ضد الوجود العسكري والاستخباراتي السوري.‏

ويطرح المؤلف أسئلة عديدة حول قدرة الإدارة الأمريكية على استخدام الأنظمة العربية من أجل الترويج لفرضية تورط سورية في جريمة اغتيال الحريري. وتخص تلك الأسئلة ماهية الدوافع وراء تصوير سورية أمام العالم وبشكل دائم على أنها راعية للإرهاب، وكذلك العلاقة ما بين اللبنانيين المهاجرين واغتيال الحريري، والسبب الذي دفع أبناء الحريري إلى التورط في اتهام سورية.‏

ومن وجهة نظر الكاتب قدم المحقق ديتلف ميليس تقريرين مؤلفين عائمين، تماماً كما طُلب منه، وهما لا يصلحان حتى كسيناريو متواضع لأحد الأفلام البوليسية للهواة على حدّ قول المؤلف، وذلك لكونهما لم يتضمنا أية براهين حقيقية، على الرغم من التحقيقات الشكلية والاستجوابات التي قام بها ميليس هنا وهناك، مع تضمنهما "اعترافات" من أشخاص "ليسوا فوق مستوى الشبهات"، وثبت قطعياً بعد ذلك وبأدلة راسخة تعرضهم للتعذيب، أو للابتزاز، مما دفعهم لاحقاً لسحب اعترافاتهم والإقرار بكذبها. ويعبر المؤلف عن رأيه بمجمل التحقيقات المركبة على المواقف السياسية قائلاً: "إن هذه التركيبات السياسية ‏بامتياز تقف على أرجل من طين لا دعائم لها مطلقا".‏

ويعزو المؤلف عدم رغبة أبناء رفيق الحريري في تصديق عدم تورط سورية في الاغتيال إلى أسباب عاطفية وغيرها، على الرغم من "المعلومات التي وفرها لهم جهاز مخابرات غربي، لدولة كان رجلها الأول صديقاً وفياً لأبيهم وفضلوا تصديق الرواية الفرنسية ـ الأمريكية ـ الإسرائيلية، وأصروا على العوم مع التيار وتجاهل القاتل الحقيقي، وعدم التورط بالسير في طريق كشف الحقيقة، لعلمهم بأنه لن يمكّنهم من الأخذ بثأر أبيهم، وسيجر عليهم عداوات دولية قد يخسرون فيها ما هو أكثر من المال».‏

من جهة أخرى يشير المؤلف إلى «العلاقات الخفية التي جمعت بين بعض أعضاء تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية، واليمين المتطرف في "إسرائيل"، وبعض المهاجرين اللبنانيين في الولايات المتحدة من المتورطين منذ زمن في عدة محاولات لاغتيال سياسيين لبنانيين نجح بعضها وفشل بعضها الآخر».‏

ويسترسل في قراءة أحداث تاريخية معينة، كي يرسم لوحة لمسار أحداث جرت عبر سنين عديدة في أكثر من مكان، وأفضت إلى جريمة اغتيال الحريري، ويذكر في هذا المجال أنه في عام 1997 قام مجموعة من اللبنانيين، من عناصر الميليشيات الطائفية والملاحقين من قبل المحاكم اللبنانية بتهم جرائم خلال الحرب الأهلية، والمقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى، بتشكيل ما يعرف بـ "اللجنة الأميركية من أجل لبنان الحر" وكان أحد مؤسسيها اللبناني المعروف زياد عبد النور من الكتائب اللبنانية، وهو مقيم في ولاية كاليفورنيا.‏

وفي العام 1999، أسس زياد عبد النور نشرة "استخبارات الشرق الأوسط" على الانترنت مع اللبناني وليد فارس، وتعاون معهم "موراي كال" ، وهو إسرائيلي مناوئ للعرب يعيش في أميركا، ووظفوا نشرتهم تلك لنشر المقالات والأخبار المحرضة ضد سورية.‏

ويورد المؤلف تفاصيل لافتة لعدد من حوادث الاغتيال منها على سبيل المثال حادثة اغتيال إيلي حبيقة فيقول: يلتقي في بيروت بتاريخ 24 يناير 2002 كل من رئيس لجنة العدل في مجلس الشيوخ البلجيكي ورئيسي منظمتين بلجيكيتين حول التحقيق والتضامن مع ضحايا مجازر صبرا وشاتيلا بـ "إيلي حبيقة" الذي يخبرهم بتفاصيل حول المجزرة ومسؤولية شارون ودوره فيها، وفي اليوم التالي يتم اغتيال إيلي حبيقة بسيارة مفخخة.‏

ويرى المؤلف أن موقف سورية من غزو العراق كان سبباً مباشراً لتأجيج عداوة الإدارة الأمريكية ضد سورية فيقول:‏

في آذار 2003 بدأ العدوان الأمريكي ـ البريطاني على العراق وتم سقوط بغداد، ووقفت سورية ضد العدوان على الشعب العراقي، وضد احتلال العراق فيما بعد، ووقع الرئيس بوش في 12 / كانون الأول/ 2003 على قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية، الذي يتضمن إعلان حالة طوارئ وطنية بسبب تصرف سورية الذي يشكل، حسب رأي بوش، تهديداً فوق العادي للولايات المتحدة، ناجماً عن سياسة سورية في دعم الإرهاب واستمرارها باحتلال لبنان، وسعيها للحصول على أسلحة الدمار الشامل وبرامج للصواريخ، وتقويضها لجهود الولايات المتحدة وللجهود الدولية من أجل استقرار العراق وإعادة إعماره.‏

وفي 11 أيار 2004 صدر أمر أمريكي بتوقيع بوش برقم (13338) أكد على القرار السابق. وقد صدر هذا الأمر قبل تمديد ولاية الرئيس إميل لحود، وقبل صدور القرار 1559 عن مجلس الأمن. وفي العام 2004 وضع اسم رفيق الحريري مع ملف عنه على الموقع الالكتروني لـ "اللجنة الأمريكية من أجل لبنان الحر"، ووصف بـ: "العميل اللبناني الأول لسورية"، ولاحقاً في العام نفسه صدر القرار 1559.‏

والخلاصة التي يريد المؤلف الوصول إليها من خلال قراءته لهذه التواريخ هي تشابه الجهة المنفذة لحادثتي اغتيال إيلي حبيقة ورفيق الحريري، ويأخذها منطلقاً للقول بأن الولايات المتحدة و"إسرائيل" وراء عملية الاغتيال، التي نفذت بأيدي محترفين يمتلكون الخبرة التقنية العالية، وهي ليست متوفرة لدى أي جهاز مخابرات، وليست متاحة إلا للخبراء السويسريين والإسرائيليين.‏

ويورد المؤلف في كتابه صـ 33 الرواية المهتزة التي أوردتها لجنة الأمم المتحدة حول وقائع الجريمة ولاسيما الجزء المتعلق بشاحنة المتسوبيشي مع إغفال أمور أهم منها بكثير.‏

كما يورد عدداً من رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة بينه وشخصيات عالمية علمية أو سياسية يركز فيها على محاولته التحري عن مصدر أجهزة التشويش التي كانت مستخدمة في موكب الحريري والتي لا يمكن تعطيلها إلا من الشبكة المركزية للتحكم في النظام الإلكتروني لتلك الأجهزة والتي لا تملكها إلا الشركة الموردة لها، ويؤكد المؤلف أنها شركة إسرائيلية أغفل المحقق ديتليف ميليس ذكرها نهائياً في تقاريره المقدمة إلى مجلس الأمن الدولي، ويذكر أنه تحدث مع أحد أصحاب هذه الشركة الإسرائيلية، وتبيّن له أنه عمل حتى سنوات مضت في جهاز الاستخبارات الحربية الإسرائيلية..‏

ولم ينس إيراد رسائل بريد إلكتروني متبادَلة بين "زياد عبد النور" وعدد من الشخصيات اللبنانية داخل وخارج لبنان تطمئنهم وتبشرهم بقرب انتهاء الوجود السوري في لبنان، وتتجاوز ذلك إلى التأكيد على نهاية إيران وسورية وحزب الله صـ 268، وزياد ‏عبد النور تاجر لبناني يقيم في نيويورك، وهو مؤسس "لجنة تحرير لبنان"‏

وقد استاء من تحقيقات المؤلف ومتابعاته الأحداث وشعر بالصدمة ‏من أسئلته وهدده بالقول: "على أي حال يا صديقي، إن لي ذراعاً طويلة وحينما أرى امرءاً يسيء إلي ‏فاني أعرف ماذا أعمل، كن متأكداً أنه لن يكون رجلاً سعيداً، لقد فعلت ذلك من قبل والبعض ‏يجلس في السجن الآن".‏‏

ولا ينسى المؤلف الإشارة إلى دور النفط في كل ما يحدث في المنطقة في الصفحة 312 تحت عنوان: مكائد النفط.‏

وتحت عنوان: بديل عن الخاتمة يؤكد المؤلف ثانية عدم موضوعية التحقيق ويشير إلى خطورة ما تمارسه الجماعات اللبنانية الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الثمانينيات على شكل " جماعات ضغط لوبي" مع الكونغرس الأمريكي للحصول على دعم الإدارة الأمريكية من أجل (تحرير لبنان من السيطرة السورية) ومن أجل تغيير قسري للنظام في سورية، ممَّا يجعلها داخل دائرة الاحتمالات المشاركة في التخطيط للاغتيالات التي نفذت في لبنان لتحقيق أهدافها ومطامحها المتوافقة مع الاهتمامات الاقتصادية العالمية وبالتالي مع اهتمامات المحافظين الجدد وغيرهم من الأشخاص والشركات وأجهزة الاستخبارات وليس غريباً أن تكون جريمة اغتيال السياسي ورجل الأعمال الحريري قد خطط لها ونفذت من قبل بعض الأشخاص ذوي اليد الطولى في هذا الخليط العجيب من الأشخاص والشركات وأجهزة الاستخبارات.‏

بشكل عام لا يمكن أن يعوّض هذا العرض السريع عن قراءة كتاب (اغتيال الحريري ـ أدلة مخفية) فوحدها قراءة الكتاب يمكن أن تضيء للقارئ العربي جوانب مهمة حرص ميليس في تقريريه على إخفائها عن الرأي العام العربي والعالمي..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244