مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 25 السنة الثامنة 2006
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

فلسطين: من النهر إلى النحر ـــ عصام خليل

لم يعد تحرير فلسطين "بنداً" مطروحاً على جدول أعمال أحد. ولم يعد مصطلح التحرير قابلاً للتداول في "بورصة" التصريحات السياسية؛ ولا سيّما بعد أن أعلن العرب الرسميون اعتمادهم السلام خياراً استراتيجياً؛ وهو إعلان بات مدعاةً للرثاء والسخرية المريرة، بسبب تكراره السمج والمهين، وتكرار الاستهتار به، وبمعتمديه، من قبل العدو الصهيوني، والولايات المتحدة الأمريكية.‏

وبدهي أن اعتماد خيار معين يفترض توفر خيارات متعددة، وامتلاك القدرة على تحقيقها جميعاً بنسب متقاربة، إن لم تكن متساوية، وهو ما لم يمتلكه العرب. ولذلك، فإن الإعلان عن تبني خيار السلام لم يكن أكثر من تعبير فاضح عن حالة العجز والخواء التي آل إليها النظام الرسمي العربي، في مواجهة المشروع الصهيوني، الذي حقق اختراقات كبيرة، واستطاع ـ في زمن قصير نسبياً ـ إنجاز الخطوة الأهم في بنيته التأسيسية، وهي الاستقرار في المنطقة العربية على حساب تاريخها وشعبها، وكسب الاعتراف به من أطراف عربية عديدة؛ مما يمهد لـه الطريق إلى الخطوة اللاحقة، باتجاه تكريس "إسرائيل" قوة إقليمية مسيطرة، تمسك بيدها مفاتيح الحل والربط لقضايا المنطقة، وتشكل ـ في الوقت ذاته ـ نقطة استناد للسياسات الأمريكية ومخططاتها لوسط آسيا وشرقها، فضلاً عن المنطقة العربية، ومحيطها الإسلامي.‏

وليس صحيحاً ما يدّعيه الإعلام الرسمي العربي، وبعض المثقفين العاملين لـه، ومعه، من أن "الواقعية السياسية" تقتضي التعامل "بمرونة" و"موضوعية" مع الواقع وشروطه الراهنة؛ ما يعني، بدقة شديدة، قبول الأمر الواقع، والانصياع لـه، والتفريط بالحق، دون الأخذ بعين الاعتبار ما ستؤدي إليه هذه "الواقعية" مستقبلاً؛ نتيجة "التبرّع" بحقوق ممن لا يملكها، لمن لا يستحقها.‏

إن قضايا الشعوب لا تخضع لـ "أبدية الراهن" ولا تحكم بهذا المفهوم القاصر؛ ومن العسير تصور حالة من الحالات تتوجه فيها الأحداث بتأثيراتها، وتداعياتها، جهةً واحدةً لا تحيد عنها. وربما لا نجانب الصواب إن رفضنا اعتبار البرامج السياسية، وخطط السيطرة التي تضعها دولة عظمى أمراً لا مفر من تحققه. وقهر الأنظمة لشعوبها لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. والشعوب المحكوم عليها بالبقاء في دائرة رد الفعل العاطفي، دون الانتقال إلى الإمساك بزمام المبادرة، وإبداع الفعل الحيوي، لن تبقى على ما هي فيه وعليه، من إلغاء وتهميش وإحباط. وقد أثبت الشارع العربي في مناسبات كثيرة، أنه كان سبّاقاً إلى تبني مواقف اضطرت الأنظمة إلى اللحاق به نحوها، حفظاً لماء الوجه، وخوفاً من التداعيات السلبية المحتملة على بنية هذه الأنظمة ذاتها، فيما لو بقيت ـ كعادتها ـ على الضفة الأخرى. مع ملاحظة أن هذه الأسبقية الشعبية لم تتخذ من أجل وضع معيشي، أو قضايا مطلبية، وإنما كانت تعبيراً عن موقف إزاء الصراع العربي الصهيوني، والأحداث المتصلة بهذا الصراع. وفي ضوء ذلك يمكن أن نتلمس مفهومين اثنين لطبيعة الصراع العربي الصهيوني: رسمي وشعبي. وهما مفهومان متناقضان من حيث توصيف طبيعة الصراع، وأبعاده، وبالتالي من حيث وسائل حله، والعوامل المؤثرة في هذا الحل.‏

ففي حين يرى النظام الرسمي العربي أن "إسرائيل" وجدت لتبقى! وأن الولايات المتحدة الأمريكية ـ خصوصاً بعد أن أصبحت قطباً أوحد ـ هي الوحيدة القادرة على الضغط على "إسرائيل" لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، والانسحاب إلى حدود حزيران 1967، والموافقة على إقامة دولة فلسطينية؛ وأن ميزان القوى الحالي، وعلى المدى المنظور، يعطي أرجحية ذات أهمية للعدو الصهيوني؛ وبالتالي فإن التفكير بالمواجهة المسلحة هو ضرب من اللاعقلانية، وهدر للموارد، ومجانية في التضحيات، في المواجهة محسومة النتائج سلفاً؛ وأن اتخاذ قرار المواجهة ليس إلا انتحاراً سياسياً، لأن النظام الذي يتخذه ـ إن استطاع ـ سيتحمل، تاريخياً، مسؤولية هزيمة منكرة.‏

وإذن، فالنظام الرسمي يختزل المسألة إلى مستوى نزاع لا يمكن حله إلا من خلال الطلب إلى الولايات المتحدة أن تضغط على "إسرائيل"، لتحقق لـه بالوسائل السياسية ما قرر عجزه الكامل عن تحقيقه بالوسائل العسكرية!‏

وعلى الجانب الآخر، ينظر المفهوم الشعبي إلى دور النظام الرسمي العربي بوصفه كابحاً للإرادة العربية في التحرير، ويرى أن السياسات القطرية التي يمارسها النظام الرسمي عنصر إجهاض لطاقاتها. ويعتبر أن "إسرائيل" كيان غريب زرع في المنطقة العربية، وأنه صائر إلى الزوال كغيره من الغزوات الأجنبية. كما يعتقد أنه كان لبعض الأنظمة العربية دور في حضانته ورعايته، وتمكينه من الاستيلاء على معظم أراضي فلسطين؛ وأن بعضها ما يزال يلعب دوراً واضحاً لمصلحة بقائه، لأنه "الفزّاعة" التي يصادر ـ باسم مواجهتها ـ حقوق مواطنيه وحرياتهم.‏

ويرى المفهوم الشعبي لطبيعة الصراع العربي الصهيوني، أن الدور الأبرز في استمرار طغيان "إسرائيل" تكفله الولايات المتحدة الأمريكية، على أساس الشراكة الكاملة في العدوان على الحق العربي، لأن "إسرائيل" جزء أساسي من المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية. وأن مسألة توازن القوى ليست أكثر من ذريعة يسوغ فيها النظام الرسمي تقاعسه وتخاذلـه عن واجباته ومسؤولياته، لأنه لا يمتلك إرادة التحرير؛ وإلا فكيف استطاعت المقاومة الوطنية اللبنانية، في ظل خلل فادح في ميزان القوى لصالح العدو الصهيوني، أن تحقق نصراً عسكرياً ساحقاً على "إسرائيل"؟! علماً أن الخلل في موازين القوى يتحمل مسؤوليته النظام الرسمي، لأنه يسيطر على الموارد والثروات، ويتصرف بها بمعزل عن أي رقابة من أي نوع؛ لا بل إن كثيرين في الشارع العربي يعتقدون أن التفوق العسكري "الإسرائيلي" تم تمويله من فائض الأموال العربية المودعة في المصارف الغربية، والأميركية منها على وجه الخصوص!‏

وعليه، فالمفهوم الشعبي للصراع العربي الصهيوني يعتبر:‏

ـ أن هذا الصراع مفتوح، لأنه صراع بين مشروعين متناقضين مصيرياً، ولا يمكن لأحدهما أن يستقر إلا على حساب الآخر. وأي جهود سياسية أو تسويات يتم التوصل إليها، هي حالة تبريد مؤقتة لهذا الصراع، وتأجيل لمواجهة قادمة لا محالة، ولن ينتهي إلا بتحقق النتيجة التاريخية المنطقية لمثل هذه الصراعات، وهي زوال الطارئ العابر، واستقرار الأصيل الغابر.‏

ـ ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، وبالتالي فإن استجداء الرأي العام العالمي، وعواصم دول القرار، والولايات المتحدة الأمريكية، ليس إلا إراقة لماء الوجه؛ لأن العالم ربما يتعاطف مع الضحية، لكنه لا يحترم ولا يقيم وزناً إلا للقوي. والشاهد أن إصرار العرب، بمناسبة وبلا مناسبة، على الإعراب عن رغبتهم "الحارقة" في تحقيق السلام "العادل والشامل" لم يؤثر في المساندة الدولية التي تتمتع بها "إسرائيل". في الوقت الذي ذهبت فيه الولايات المتحدة الأميركية بعيداً جداً في الاستهانة بالعرب، واعتبرت جرائم "إسرائيل" ضد الفلسطينيين "دفاعاً مشروعاً عن النفس"‍ وقتلها للمدنين والأطفال والنساء "مكافحة للإرهاب"!.. لذلك فإن الرهان على وساطة أميركية "نزيهة" هو الذي يشكل ضرباً من اللاعقلانية، والانتحار السياسي.‏

ـ أن الاتفاقات السياسية والتسويات التي وقعتها بعض الأطراف العربية مع "إسرائيل" لم تنه حالة الصراع؛ وأسباب انخراط هذه الأطراف في الصراع ما تزال قائمةً، وأكثر حدّةً وخطورة مما كانت عليه لحظة انفجار الصراع. فضلاً عن أن التسويات الموقعة لم تساهم في تخفيض النفقات والأعباء العسكرية لهذه الأطراف. فإذا كان الصراع، بالنسبة لهذه الأطراف، قد انتهى، عسكرياً على الأقل، فلمن تعد جيوشها؟ ولماذا تستمر في الإنفاق الباهظ على هذه الجيوش؟.‏

ـ أن خروج نظام سياسي من دائرة الصراع لا يعني، بأي حال من الأحوال، خروج الجماهير التي "يتحكم بها ولا يحكمها" هذا النظام من الدائرة. وهذا ما يثير تساؤلات جديةً حول الطبيعة التمثيلية للنظام الرسمي العربي، ومدى شرعيته في التعبير عن رأي الشعب الذي يقدم نفسه حاكماً باسمه، ومن أجله.‏

وخير دليل على ذلك انتخاب "حماس" صاحبة مشروع المقاومة بأغلبية شعبية فلسطينية ساحقة، على الرغم من أن القتل والموت والتهجير والاعتقال، أصبح أسلوب حياة، ونمط معيشة مرير يعانيه الشعب الفلسطيني يومياً؛ لكنه اختار، وفضل المقاومة على الاتفاق السياسي. وهذا يشير، ببساطة، إلى وعي عميق لطبيعة الصراع، وحتمية استمراره بسبب استمرار العدوان؛ ويؤكد أن الشعب عندما تتاح له فرصة التعبير عن نفسه بحرية لن يتردد في اختيار المقاومة. ومنطق التاريخ، وحيوية الحياة، يثبتان أن الشعب، أي شعب، لا يمكن أن يخسر معركة الدفاع عن وجوده ومصيره وحقوقه. وشواهد التاريخ والحياة أكثر من أن تحصى.‏

ولكي يكون الوعي الشعبي، على مستوى الأمة، فاعلاً في إنتاج مستقبله ومصيره، عليه أن يتجاوز عوامل الكبح التي يشكلها النظام الرسمي، وينتزع زمام المبادرة، فيفرض على الحاكم طموحات المحكوم! لأن الخيارات باتت أقل من أن يجري تعدادها؛ فإما أن يتولى المحكوم تجنيد طاقاته المؤجلة، وقدراته المهمشة في قيادة الجهد العربي لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر؛ وإما أن يترك للحاكم "جرّ" فلسطين من النهر إلى "النحر".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244