|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
على.. رقعة الشطرنج الأمريكية ـــ إسماعيل الملحم مقدمة: ما بين العرب والغرب (الأمريكي والأوربي) علاقة قديمة تلبس في كل مرحلة لبوساً مختلفاً، لكنها دائماً، ذات أهداف واحدة بالنسبة للطرف الثاني. ومنذ بداية العصور الحديثة تعامل الغرب مع العرب معاملة بعيدة عن روح الشعائر التي تغنّى بها ويتغنّى في كل يوم، مذكراً بعنجهيته وغطرسته بتعامله مع العرب، سواء في عهود الاحتلال والوصاية والانتداب، أو فيما تبع ذلك بعد نهاية نموذج الاستعمار القديم. وتجلت أبشع صور التعامل وأكثرها إجحافاً وظلماً فيما نتج عنها من تجزئة كرست قطرية تكسرت على حدودها آمال الأجيال العربية في تحقيق مشروعها القومي في بناء دولة العرب الموحدة. وتجلى الظلم والحيف الذي لحق بالعرب جراء زرع الكيان الصهيوني الغريب في القلب من بلاد العرب، وما تبعه من تأثير في عمليات التنمية العربية المشتركة منها والإقليمية والمحلية.. ومازال هذا الكيان يشكل عقبة كأداء وخطراً جسيماً على مستقبل الأمة العربية. يهمل بعض العرب، أفراداً وبعض الجماعات، العلاقة التي يريدها الغرب بعيدة عن الندية؛ وقائمة على الغلبة والقهر والهيمنة والعنف. ومما يؤسف لـه، أن هذا الفريق أو الفرقاء يصدرون عن انبهار بتجربة الغرب، ويرون بالغرب عامة وبالولايات المتحدة الأمريكية بخاصة، نماذج تمكّن العرب أن ينجوا من مظاهر التخلف بالاعتماد على التقرب من الغرب ونقل تجربته، متخذين غطاء دعواتهم من مفاهيم ملمعة، مثل سيادة القانون وضمان الحريات العامة وتحقيق الضمان الاجتماعي وغيرها.. يتغافل هؤلاء عن تجارب البلدان العربية إبان مراحل الانتداب والوصاية والحماية، وعن علاقة الغرب بالمشروع الصهيوني ودولته في فلسطين. ومما يبعث على التساؤل المر، ما تعرضه شاشات التلفزة، من فضائية وأرضية، من صور للجندي الأمريكي في العراق بعد احتلاله ومباشرة تدميره، ومثلها في فلسطين. ولا يقتصر الأمر على السلوك العنصري، بل يتعدى الأمر ذلك إلى استهداف الشخصية القومية للأمة وتوشيه خصوصيتها الثقافية. ويمكن تعميم ذلك منذ الحروب الصليبية ودعوة كولومبس بعد اكتشافه أمريكا ونثره الذهب في البلاط الإسباني محرضاً على ما دعاه تحرير الأراضي المقدسة واحتلال مدينة القدس، وذلك في طلب منه قدّم إلى ملك وملكة إسبانيا.. (إيزابيلا والفونسو) في القرن السادس عشر بتجريد حملة لاحتلال هذه البلاد... ومن محاكم التفتيش في إسبانيا إلى سياسة هدم البيوت وقلع الأشجار وقتل الأطفال والنساء وإلقاء القنابل والمتفجرات على دور العبادة في فلسطين منذ ما قبل 1948 إلى ما يجري يومياً على أيدي القتلة الأمريكيين في العراق الذين جاءوا إليه تحت شعار زائف (حرية العراق وتحرره) حيث يتعرض العراقيون يومياً للجوع والموت وهم في قبضة الخوف وغياب الأمن. [1] 11 أيلول ظلاله وتداعياته: أول ما يقفز إلى الذهن بعد ذلك اليوم المشؤوم في تاريخ العالم بعد الحرب العالمية الثانية تلك الصورة المهيأة سلفاً لدى الإدارة الأمريكية عن العرب قبل أن يتبدد دخان الانفجار ويهدأ الغبار المنبعث عنه وملخصها أن الثقافة العربية والإسلامية بقضها وقضيضها مجافية للعصر والتحرك الاجتماعي وهي ثقافة ظلامية. وتبع ذلك استعجال استراتيجية أمريكية قديمة جديدة عجلت في ردود أفعال أمريكية تمثلت في: آ ـ منح السياسة الأمريكية وأصحاب القرار في الإدارة الأمريكية، من مصممين ومحرضين ومنفذين، شرعية التحول من الخطى الوئيدة المتلطية بأقنعة من مستويات مختلفة من حيث شفافيتها إلى حق الفعل العنيف المباشر، حتى إذا أدى إلى الانخراط في سياسات عدائية صريحة.. وقد ظهر ذلك في تصريحات متعاقبة للرئيس الأمريكي (بوش) حين أطلق شعار (من ليس معنا فهو ضدنا أو عدونا). ب ـ إعلان الإدارة الأمريكية مشروعها الاستعماري الواسع المدى، والعالمي الطابع ضد كل السياسات والأيديولوجيات التي تجرأت على مقاومة النزعة الأمريكية(1). [2] أمريكا والعرب: لعل الاستراتيجية الأمريكية بالنسبة للوطن العربي ولمفهوم القومية العربية وفكرة العروبة تبدو في أجلى صورها فيما قاله جيل كيبل عند انطلاق ما سمي بمسار التسوية العربي الإسرائيلي: (وانطلاق مسار التسوية، مهما كانت عوائقه ونتائجه، قد أعلن نهاية فكرة العروبة، من حيث كونها نظاماً أيديولوجياً ونمطاً تعبوياً للمجتمعات العربية، على الرغم من أن هذه الفكرة استطاعت لأكثر من قرن أن تواجه ثلاث وضعيات متمايزة، هي، الهيمنة العثمانية، الاستعمار الأوربي، والصهيونية الإسرائيلية". ويشاركه في تبني هذه النظرية، برنارد لويس، في قولـه: إن حلم الوحدة العربية قد تحطم، وأن الدول العربية أصبحت كيانات قطرية متجاورة، لا رابطة قومية تربطها ولو أنها تشكو من مشاكل متماثلة، على نحو ما هو الحال بالنسبة لدول أمريكا اللاتينية(2). لا تتحاشى كل من أمريكا وإسرائيل إخفاء عدائهما لفكرة القومية العربية. ويعود هذا، في الأساس، إلى تطلع الولايات المتحدة الأمريكية نحو المنطقة، وسعيها إلى تحقيق مصالحها. وهو عداء سافر برز في أوضح صوره منذ قيام الكيان الصهيوني فوق أرض فلسطين. وليس استهداف العراق، وهو البلد القوي من نواحٍ كثيرة إلا نتيجة من نتائج هذا الاستهداف والعداء. وكأن وضع العرب اليوم، بات رهينة السياسة الأمريكية، وأنه يتقرر بشكل ما على ضوء العلاقات مع هذا القطب المهيمن، وإن بدأت تظهر هشاشته في سلوكه المتخبط في العراق. ويبدو لبعض (الواقعيين) أن أسلوب التفكير الأمريكي يقرر من الآن فصاعداً في ضوء التفرد الواضح، إلى حد ما، ببنية العلاقات الدولية الراهنة بين ملايين البشر في أرجاء العالم كافة(3). فإذا كانت أمريكا في القرن التاسع عشر، لا تزال دولة ذات أهمية ثانوية، ألا تهتم ببقية أرجاء العالم دون التخلي عن مبادئها، في التوفيق بين إيمانها بالفرد مع كونها تجمعاً سياسياً متميزاً دونما مواجهات صعبة، وكان لها أن تستمر بذلك. إذ كان العالم كله تتوجه جماعات منه، هنا وهناك، في الهجرة نحوها. كانت وفية لرسالتها العالية، لكن تزايد نفوذها في منعطف القرنين التاسع عشر والعشرين زاد من اندفاعها نحو العالم القديم، سعى تيودور روزفلت إلى تحويلها لتكون قوة إمبريالية كلاسيكية، وأراد وودر ويلسن جعلها عضواً مثل القوى الأخرى في عصبة الأمم. وكان لها رأي في سياسات الانتداب، بخلاف ما أثر عنه ـ ويلسن ـ بوصفها ذات وظيفة تمدينية لتنقية شعوب الشرق الأوسط وترقيتها... وهكذا بدأت أمريكا تتجه بسرعة لتكون جزءاً من العالم، ولم يعد بمكنتها الانعزال عنه(4). ومسار العلاقة مع هذه الدولة الكبرى في المنطقة العربية يندرج مع هذه الاتجاهات في عملية حراك لم تنته بعد وهو منسجم مع اتجاه قيام إمبراطورية أمريكية كونية. توجهت أنظار الأمريكيين نحو ما درجت تسميته الأدبيات السياسية والاقتصادية بالشرق الأوسط حتى بدايات القرن العشرين بأن خصته بأعداد من المبشرين الذين أموه ومارسوا عمليات التبشير في معظم أجزائه، كما افتتح الأطباء الأمريكيون والممرضون فهي المشافي الحديثة وأنشئوا كلية الطب في بيروت. وأقام المدرسون منهم المدارس الثانوية والكليات الإنجيلية في كل من تركيا ومصر وسورية.. وكان أبرزها الكلية الإنجيلية السورية في بيروت التي كانت أساس إنشاء الجامعة الأمريكية(5). ومع إطلالات القرن العشرين كثّف علماء الآثار ودارسو الكتاب المقدس الأمريكيون حضورهم إلى المنطقة واهتمامهم وجاءوا إليها من جامعات أمريكية عديدة مقابل هجرة عشرات الألوف من السوريين واللبنانيين إلى أمريكا، كما نشطت التجارة بين المنطقة وأمريكا فكانت قيمة البضائع المتبادلة مع الشرق الأوسط بين عامي 1900 و1920 ملايين الدولارات(6). ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية تبدلت المصالح الأمريكية في المنطقة من شكل ثقافي إنساني إلى أشكال أخرى رسمتها اعتبارات صانعي السياسة في أثناء الحرب الباردة، حيث غدت المنطقة العربية ذات مجال حيوي بخاصة وقد صار النفط في مركز هذه الاعتبارات إلى جانب قيام الكيان الصهيونية وتعهد أمريكا برعايته وحمايته وجعله قوياً على الدوام... "دعا هاري ترومان" رئيس الولايات المتحدة في تلك الفترة بوقاحة إلى هجرة مئة ألف يهودي إلى فلسطين قائلاً: يجب أن أستجيب لمطالب مئات الألوف من التواقين إلى نجاح الصهيونية، وليس لدي مئات الألوف من الناخبين العرب(7). وقد برز هذا التحول في نظرة الولايات المتحدة للمنطقة العربية منذ بداية القرن العشرين حيث أُحدث في وزارة الخارجية الأمريكية لأول مرة فرع خاص بشؤون الشرق الأوسط. ومنذ انتهاء الحرب العالمية الأولى بدأت شركات النفط الأمريكية بمساعدة وزارة الخارجية بتحدي الاحتكار البريطاني في مجالي التنقيب والحفر. وألحت أمريكا على بريطانيا للسماح للشركات الأمريكية في الحصول على منافذ متساوية إلى نفط الشرق الأوسط في العراق أولاً ثم في مناطق الخليج العربي(8). [3] الاستراتيجية الأمريكية في الوطن العربي: إلى جانب مقاومة فكرة العروبة فإن الاستراتيجية الأمريكية في الوطن العربي تقوم على: آ ـ تفتيت المنطقة ودلالات ذلك في رسم خريطة جديدة للعراق بعد حرب 2003 بتقسيمه إلى ثلاث مناطق.. والتفتيت هنا لا يشمل الأرض فحسب ولكن الناس ويتمثل ذلك في تغذية النزاعات المناطقية والتحريض على السلوك الطائفي والعرقي وغير ذلك من عمليات تقسيمية هدفها الأهم إضعاف الشعور القومي بل والقضاء عليه. ب ـ وراثة الاستعمار القديم. جـ ـ الهيمنة على النفط. ء ـ تسويق النموذج الأمريكي الاستهلاكي المؤدي إلى الجريمة وتناول المخدرات وسيادة أخلاق استهلاكية تدمر القيم الأخلاقية والعلاقات الإنسانية بين المواطنين. هـ ـ رعاية الكيان الصهيوني وتقويته.. وقد سارت الولايات المتحدة في تحقيق ما رسمته بطرق وأساليب متنوعة منها: آ ـ تعهد الأنظمة الديكتاتورية والتسلطية. ب ـ اختراق التنظيمات الاجتماعية والسياسية. جـ ـ خلق تكتلات إقليمية جديدة لا تقوم على أساس المصلحة القومية للعرب. عبر الترويج للسوق الشرق أوسطية وتدمير النظام العربي لحساب نظام شرق أوسطي تكون إسرائيل موجودة داخله وتكون جزءاً من نظام عالمي جديد تقوده وتؤثر فيه الولايات المتحدة الأمريكية. وهو النظام الذي أطلقه بوش الأب لأول مرة خلال قمّته مع غورباتشوف في 11 أيلول من عام 1990 في موسكو. وتكشّفت أبعاد هذه العبارة المخاتلة عام 1991 حين لفظ الاتحاد السوفييتي بعد المنظومة الاشتراكية النفس الأخير. وخرج بوش قائداً منتصراً في حرب الخليج الثانية التي كان من نتائجها أن أصبح التدخل العسكري الأمريكي في أية بقعة من العالم أيسر من الناحية السياسية عما كان عليه من قبل.. وبدأ العالم يتغير بوتيرة متسارعة.. أبرز مظاهرها: ما حدث من حروب في يوغوسلافيا السابقة وتشرذمها. حيث دخلت بلاد البلقان في فوضى عارمة. ودخل العالم في حالة ارتباك كانت سمتها الغالبة بروز القطب الواحد المهيمن على مجلس الأمن وتسخيره لتحقيق أهدافه، وحين تقع الواقعة وتتعقد الأمور يبرز نفسه منقذاً وربما المنقذ الوحيد وخلال ذلك كانت المنطقة العربية على الدوام في مركز الأحداث والاهتمامات وشكلت حيزاً كبيراً في المخططات الأمريكية المختلفة السياسية منها والاقتصادية والعسكرية، سيما وقد أصبح النفط العربي تحت سيطرة الشركات الاحتكارية الأمريكية شبه الكامل وبحراسة القواعد الحربية والأساطيل المدججة بالصواريخ والأسلحة المدمرة الأخرى. حتى أنه منذ بداية هذه المرحلة أي بعد الحرب الأولى على العراق بدا أن العراق يعيش حالة ما قبل الانفجار.. وتنامت لدى الأفراد والجماعات في بقاع مختلفة من العالم شهوات تدفع نحو سلوك استهلاكي يتمرد على القيم والمواصفات الأخلاقية والاجتماعية تتمثل بشهوات الكسب السريع المنفلت من كل قيد، وطلب الرفاهية والتسابق المحموم على السلع الاستهلاكية. وبدأت تختفي من التداول مفاهيم كَثُر الناعون لها من مثل القومية والخصوصيات الثقافية وسلم القيم الأخلاقية لتفسح المجال للاعتبارات المادية(9). وتمخض عن هذا كله ظهور الولايات المتحدة الأمريكية في البداية (دولة رقم 1) ثم قوة عظمى وحيدة، أو كما وصفها وزير خارجية فرنسا السابق أنها الدولة فوق العظمى. وأخذ العالم يتجه أكثر فأكثر نحو تدمير بنيات شعوبه فإغراءات العولمة على مستوى النخب الاقتصادية في العالم تسوقها نحو القطيعة مع مجتمعاتها، وهذه القطيعة لا تتمثل بما يتعلق بأنماط العيش والتفكير فحسب، وإنما بالتمايز الاقتصادي متمثلاً بفصل المجتمع أفقياً حيث تتكدس الثروة لدى طبقة محددة عن طريق الامتصاص من الطبقات الأخرى حتى يصبح الفصل نهائياً. فتعيش تلك الصفوة حياتها وفق نموذج أغراها في البداية فاندمجت فيه وبقية الناس يعيشون حياة الكفاف، أو ما هو أدنى من ذلك. ويقود هذا إلى تباعد ثقافي أفقي يبدأ بطيئاً ثم لا يلبث أن يتسارع فتحدث فجوة بين الطرفين يغدو جسرها شبه مستحيل إن لم يكن مستحيلاً. وهذا الاتجاه الذي يندفع العالم فيه هل سيكون سالكاً إلى ما لا نهاية. معاداة المشروع النهضوي العربي سلوك واضح لا لبس فيه في العلاقة العربية الأمريكية، وهو يتجلى في سياسة أمريكية لا غموض فيها ولا مواربة أو مداراة، وهي سياسة قائمة على تشجيع القطرية وتغذيتها، وعلى تفكيك الوطن العربي، إضافة لكياناته القطرية، إلى شيع وطوائف واثنيات قومية.. والتحالف العضوي مع الصهيونية ومشروعها الاستيطاني القائم على الإرهاب والعنف والتمرد على القرارات الدولية وشرعية الأمم المتحدة. هذا بالنسبة للعلاقة المباشرة (العرب وأمريكا). لكن سلوك الولايات المتحدة تجاه العرب والعالم لا تتضح صورته تماماً إلا عبر فهم الاستراتيجية الأمريكية كما يبرزها الدارسون والباحثون الاستراتيجيون الأمريكيون أنفسهم.. [4] السياسة الأمريكية نظام أمني عابر للقارات: بعد أن فرضت التطورات العالمية الولايات المتحدة الأمريكية (القوة رقم واحد) في العالم أو الدولة فوق العظمى يمكن تلمس إدارتها للعالم من خلال نظام أمني يشمل العالم وبالأخص (أوراسيا) بهدف استقرارها كدولة في الداخل وتنامي نشاطاتها للإمساك بسياسات العالم من ناحية أخرى. وهذا النظام، كما يوصف من قبل الاستراتيجيين الأمريكان، نظام عابر للقارات يشمل في القرن الواحد والعشرين (ناتو) موسع بعد أن صار هذا الحلف أمراً قاراً بعد أن بلغت حدوده مشارف القارة الأوربية شرقاً إضافة إلى تركيا العضو القديم.. ولكنه أي الناتو بحسب الاستراتيجية الأمريكية يجب أن يقيم تعاوناً أمنياً مع كل من الصين وروسيا واليابان.. ويستدعي هذا في المستقبل مزيداً من المشاركين الآسيويين. ويصف بريجنسكي مادة النظام الأمني الأوراسي بأنه المبادرة المعمارية الكبرى للقرن الحادي والعشرين. ويضيف أن هذا النظام سيخفف مستقبلاً من الأعباء التي ستضطلع بها أمريكا في الوقت الحالي وسيكون نجاحه ميراثاً يتلاءم مع الدور الأمريكي باعتبار أمريكا القوة العظمى الأولى والوحيدة في العالم. هذه الاستراتيجية المتكاملة والشاملة التي تختص بأوراسيا أبرزها كتاب (رقعة الشطرنج الضخمة) لمؤلفه (زيغنيو بريجنسكي) ـ وهو الذي شغل منصب مساعد الرئيس الأمريكي للأمن القومي في الفترة من 1977 ـ 1981 وهو أيضاً مستشار في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ـ وقد نشر أحد فصول هذا الكتاب في مجلة (فورين أفير) عدد أيلول وتشرين الأول 1997 ونشرت ترجمة هذا الفصل إلى العربية في مجلة الثقافة العالمية العدد 86 شباط 1998. جاء في الفصل المذكور أن جنوب أوراسيا المتقلب يستدعي تشجيع انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي ومعاملتها كدولة أوربية وإلا ستنحو منحىً إسلامياً. ويجب أخذ إحساس تركية بالشراكة الاستراتيجية مع أمريكا فيما يتعلق بحوض قزوين ووسط آسيا بالاعتبار ودعم مصالحها في أن يكون لها خط أنابيب من باكو في أذربيجان إلى سيهان على ساحل المتوسط.. وعلى أمريكا عدم إطالة عدائها مع إيران، فالأخيرة قوية يحركها الباعث الديني وليست معادية للغرب بتعصب وستكون في مصلحة الولايات المتحدة.. وفي سياسة الاحتواء هذه تشجع أمريكا انضمام جمهوريات البلطين الثلاث إلى الناتو وتقرير انضمام كل من رومانيا وبلغاريا مع الجمهوريات الثلاث إلى عضوية الاتحاد الأوربي وكذلك أوكرانيا. لأنه بحسب بريجنسكي أوربا أكثر اتساعاً وناتو أكثر أعضاء يخدم المصالح السياسية للولايات المتحدة أما أوربا أكثر اتحاداً فيجب أن يظل رهن الإرادة الأمريكية أي باختصار أوربا قوية بقيادة أمريكية. وتنطلق هذه الاستراتيجية ابتداء من مبادئ يبرزها الكتاب المذكور على النحو التالي، إضافة لما ذكر: آ ـ أية دولة أصبحت ذات سطوة في أوراسيا قد تسيطر بطريقة آلية على الشرق الأوسط وأفريقيا. ب ـ أصبحت أمريكا دولة لا يستغنى عنها في العالم، وسوف يجري اختبار ريادتها بالتوتر والقلاقل والصراع المتكرر. جـ ـ أوربا أكثر اتساعاً يؤدي إلى اتساع مدى النفوذ الأمريكي دون أن تخلق في الوقت نفسه أوربا على قدر كبير من الاندماج السياسي الذي يمكنها من تحدي الولايات المتحدة. والناتو الأكثر أعضاء يخدم المصالح الأمريكية. ولا تعمد أمريكا إلا إلى سياسة احتواء (أوربا قوية بقيادة أمريكية). ء ـ قد تعزز المشاورات المستمرة مع أنقرة فيما يتعلق بحوض قزوين وسط آسيا إحساس تركيا بالشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية. هـ ـ ليس من مصلحة أمريكا إطالة أمد العداء مع إيران. ولا تزال الأخيرة يحركها الباعث الديني وليس المعادية للغرب بتعصّب في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية. و ـ الدعوة إلى مزيد من العلاقات الثنائية بين دوائر الدفاع الأمريكية والهندية. ز ـ الصين وأمريكا بحاجة إلى بعضهما في أوراسيا للحد من قوة روسية من جهة والهند من جهة أخرى. ح ـ ليس لليابان دور سياسي تقوم به في آسيا. هذا الذي لخصناه كتب قبل 11 أيلول.. فما الذي تغير فيه بعد زلزال الحادي عشر من أيلول 2001؟ ربما سرّع هذا الزلزال التحرك الأمريكي وأعطاه المسوّغات الكافية لتحركه البربري في أفغانستان والعراق وفي تشجيع العدوان الصهيوني على أبناء فلسطين.. أمريكا بعد 11 أيلول صارت بعبع العالم.. قوة تخويف عالمية. قوة تنشر العنف والفوضى. في كتابه (بوش في حرب) يقول (بوب وودوارد) مقتبساً من جورج بوش ما قاله بشأن أفغانستان: "إن استراتيجية الولايات المتحدة في أفغانستان هي خلق فوضى، خلق فراغ. فمن الفوضى والفراغ ستنبثق الأشياء الجديدة... سنقوم بتصدير العنف والموت في أركان العالم الأربعة دفاعاً عن بلدنا العظيم"(10). وما حدث في العراق كان الجواب الفاضح عن هدف الاستراتيجية الأمريكية المتمثلة بالحرب الاستباقية التي فلسفها بلير في إشارته للخطر العراقي على العالم حين قال كاذباً: "العراق قادر خلال 45 دقيقة على إنتاج سلاح دمار شامل وربما نووي". والتخرصات الأمريكية حول ضرورة شن الحرب على العراق قامت على اختلاق الأسباب التي تحتم بنظر الإدارة الأمريكية شن الحرب العدوانية.. لكن سيلاً آخر من التصريحات سبق الحرب وكشف النوايا والأهداف الحقيقية.. وقصة أسلحة الدمار الشامل المختلفة لم تكن لتقنع أحداً والعراق منذ العام 1991 تحت المراقبة وخاضع للتفتيش.. أما المشاعر الأمريكية الحساسة نحو المواطنين العراقيين والعمل على تخليصهم من نظام الحكم الديكتاتوري فهي لا تقل من حيث معيار الصدق والكذب عن أية كذبة أمريكية أخرى بخاصة وقد اختصت الولايات المتحدة الأمريكية خلال النصف الأخير من القرن العشرين بهندسة الانقلابات العسكرية في قارات العالم قاطبة. مثال ذلك: "وثائق حكومة الولايات المتحدة ـ على سبيل المثال ـ تبين أنه في الفترة من تشرين الأول 1948 وآذار 1949 كان عميل السي آي إيه (C. J. A) ستيفن ميد ناقش مع حسني الزعيم عدة مرات احتمال القيام بانقلاب عسكري على الحكم، وطلب الزعيم لمرة واحدة على الأقل المال لتنفيذه، ويبقى غير واضح فيما إذا أمد الزعيم بالمال فعلاً. وبعد فترة وجيزة من زيارة مساعد وزير الخارجية الأمريكية جورج ماكغي إلى دمشق، (التي ربما هدفت إلى تشجيع الزعيم الذي طال تردده)، قام حسني الزعيم بانقلابه واعتقل القادة المدنيين"(11). فالحرب على العراق صممت ونفذت لأهداف أخرى ليست قريبة أو بعيدة من الهدفين المذكورين آنفاً. ودليل ذلك في تصريح (كولن باول) وزير خارجية بوش الذي أعلنه في 25/9/2002: "الولايات المتحدة لا تستبعد شن هجوم عسكري على العراق حتى لو سمحت بغداد بعودة المفتشين الدوليين، وحتى لو التزمت بقرارات الأمم المتحدة للتفتيش عن الأسلحة". وفي شباط 2003 يقول البليونير (مردوخ) بخصوص الحرب على العراق: "الشيء الأعظم الذي تحققه الحرب على العراق للاقتصاد العالمي: ـ إذا كانت هذه الصناعة ممكنة ـ هو أن ينخفض سعر برميل النفط إلى عشرين دولاراً. وسيكون هذا أكبر من أي خفض للضرائب تقرره الولايات المتحدة الأمريكية". ومردوخ هذا هو الإمبراطور الإعلامي، كما تصفه أجهزة الإعلام، والذي يصفه أحد كبار المالكين الفرنسيين بأنه صاحب الأسلوب الأمبريالي الوحشي يملك حصصاً وأسهماً في معظم الدول الغربية وخارجها. وقد حذر (توني بلير) رئيس وزراء بريطانيا زميله الفرنسي (ليونيل جوسبان) يوم كان الأخير رئيساً لوزراء فرنسا من ميردوخ ونيته في شراء حصة في شركة (فيفندي) الفرنسية، قائلاً: ـ حذار من أن تدخل الذئب إلى الحظيرة(12). وكان وزير الدفاع الأمريكي واضحاً جداً، في هذا الصدد، حين أقرّ بأن قيام أمريكا بغزو العراق لم يكن بناء على معطيات استخبارية جديدة بشأن أسلحة الدمار الشامل، وإنما كان بناء على إعادة النظر في الموضوع من منظور الحادي عشر من أيلول 2001. [5] العراق على رقعة الشطرنج: لا يمكن تجاوز الحالة العراقية في محاولة رسم صورة العرب على خريطة العالم المعاصر، فالعراق ليس إقليماً منفصلاً عن المنطقة العربية ولا محذوفاً من خريطة العالم، وإن جرى خلال العقود الماضية عزله وحصاره والتخلي عنه حتى من أكثر الدول تماساً معه واستفادة من قدراته.. وليس ما جرى ويجري على أرض العراق منفصلاً عن قدرات العراق أرضاً وبشراً. فعلى أرضه عرف الإنسان الزراعة لأول مرة في تاريخ المعمورة، وبنى من طين ترابه أعظم المشاريع الحضارية التي مازالت تذكر على مر العصور بعظمة هذا القطر وبالقدرات التي يختزنها والحضارة الإنسانية التي يمثلها.. وظل العراق بسبب من ذلك وقبل اللحظة النفطية التي زادت الوبال وبالاً، محط أنظار الطامعين ولصوص الحضارة والتاريخ على مدى تاريخه. ومنذ بدايات القرن العشرين عاد العراق ليشكل دائرة انشدت إليها أنظار الطامعين من أشرار العالم وصار المنارة التي انشدت إليها أفئدة العرب الطامحين لتحقيق مشروع نهضة عربية تعيد العرب إلى دورهم الفاعل في نماء حضارة تحترم الإنسان وتعمل من أجل خيره وتقدمه. وبرز في العراق منذ ذلك الحين العديد من قادة الفكر وأصحاب المشاريع الذين دعوا إلى يقظة عربية بدأت مسيرتها في العقود الأخيرة من عهد الدولة العثمانية وكان منهم رواد أو قادة أسهموا في الثورة العربية الكبرى عام 1916. وبعد ذلك كان العراق سباقاً في نزعته إلى التحرر من الاستعمار الغربي المتمثل بالانتداب البريطاني ونظام الحماية في ثورة 1920 فاتحة ثورات العرب على الاستعمار القادم من الغرب. وتندرج ثورة رشيد عالي الكيلاني في هذا المسار التحرري ذي الطابع القومي العربي المتميز. وكان العراقيون على الدوام مندمجين وفاعلين في القضية العربية الأولى المتمثلة بالصراع العربي الصهيوني وتقديم خيرة أبنائهم شهداء في معارك الأعوام 1948 ـ 1967 ـ 1973 وغيرها.. ومثل العراق خلال عقود القرن العشرين بؤرة عمل معرفي وثقافي وبرز فيه أعلام في الإبداع الأدبي والفني يبشرون بانفتاح عصر إبداعي عربي جديد.. وكان العراق سوقاً رائجة لتداول الكتب والدوريات على مختلف موضوعاتها وتسابقت دور النشر العربية لتحظى بموطئ لها في أسواقه.. وقد شكل العراق منذ العام 1958 نقطة تحول في الساحة العربية عندما سدد ضربة قاضية لحلف بغداد المعروف. وأفلت رسمياً من قبضة الارتهان للغرب. مما سبق وغيره يمكن أن نتلمس الأسباب الكامنة وراء استهداف العراق أرضاً وشعباً من قوى الهيمنة والاحتكار العالميين ومن قادة النهب العالمي المتسترين وراء شعارات مزيفة (الديمقراطية، حقوق الإنسان وغيرها...). هل كانت ممارسة النظام العراقي وراء استهداف العراق في الحرب عليه ربيع عام 2003؟ وهل كانت هذه الممارسة سبباً كافياً لشن الحرب العدوانية الشرسة عليه؟ وهل كان النظام لأخطاء في حساباته ولغرور في أشخاصه سبباً آخر كافياً لوقوعه في مرمى الخطر الذي مثل على أرضه وفي سمائه؟ وهل أن ثروات النفط العراقية على الأخص هي الهدف الأهم للعدوان؟.. وهل كانت أمريكا وبريطانيا فعلاً منطلقتين من هدف تدمير أسلحة الدمار الشامل لديه؟ هذه الأسئلة جميعها وغيرها المتمثلة في السؤال عن وقوع العراق في المصيدة التي شارك فيها أصدقاء لـه وأشقاء عندما استدرجوه للقبول بعودة المفتشين الدوليين وبعد ذلك إلى تدمير صواريخه المتوسطة المدى وغير المخالفة لقرارات مجلس الأمن.. وغيرها وغيرها من كثرة الجواسيس الذين أموه متسترين وراء شعار براق (أنهم دروع بشرية لحمايته من العدوان المفاجئ). بعد هذه التساؤلات وغيرها الكثير يمكن تلمس أهداف أمريكا في العراق وهي أهداف لم يغفلها كتاب (رقعة الشطرنج الضخمة): آ ـ ثروات العراق النفطية والمائية وتنوع تضاريسه كلها أمور تثير شهية الاحتكارات العالمية الكبرى.. كان ذلك قبل احتلاله من قبل بريطانيا في أعقاب الحرب العالمية الأولى وبقائها ـ أي بريطانيا ـ متشبثة بهيمنتها على مقدراته حتى 14 تموز 1958 حين رُحّل آخر جندي بريطاني عن أرضه.. ولكنه ـ أي العراق ـ لم يغب عن اهتمامها.. وحين جاء طوني بلير في 29 أيار 2003 لتفقد قواته في جنوب العراق إنما أراد أن يكون هذا اليوم فاتحة عهد جديد في تاريخ الاهتمام البريطاني وشهوته للعراق. ب ـ قدرات العراق البشرية وسعيه الحثيث منذ غزو المغول لأرضه في القرن الثالث عشر إلى تحقيق ذاته "وحين أصبح على مشارف ذلك وتداخل اكتمال تشكله بانطلاقه نحو هدف أبعد مما هو مفترض أو معروف حوله وعلى مستوى العالم في الانتقال إلى عصر ما بعد الصناعة والتحفز لدخول زمن التكنولوجية مما يعد انقلاباً استثنائياً بالنسبة لبلد معتبر من العالم الثالث، وهو انقلاب مع الأسف لم يُعترف به، والنخبة العراقية نفسها لم تكتشفه بينما هو يقف بلا أدنى شك في خلفية الانشغال الأمريكي الاستثنائي بهذه البلاد... وهو ما يفسر سعي الولايات المتحدة إلى كبح المشروع العراقي عن طريق تدمير المجتمع وقتل آلياته الوطنية"(13). جـ ـ إعادة العراق ومن ورائه المنطقة إلى بيت الطاعة الاحتكاري الإمبريالي عن طريق إقامة نظام يخدم مصالح أمريكا ويكون خاضعاً لها وهو نظام يرسم ضمن الحرائق والغبار المنطلقين بسبب الفوضى التي تكرسها القوات الأمريكية ليذعن العراقيون ويقبلوا بنظام تقود مؤسساته الشركات الأمريكية. والبداية تمثلت بإعلان قوات الاحتلال حل الجيش العراقي ووزارة الدفاع ووزارة الإعلام. ومن المتوقع أن تستمر حالة الفوضى إلى أن يصبح القبول بعملية إنقاذ أمريكية جديدة للخروج من المأساة المتوالية الفصول أمراً مقبولاً أو مطلوباً. والفوضى بعد ما سمي تحرير العراق هي مستقبله لأنها ستكون مناخاً صالحاً للسوق السوداء والاتجار بالمخدرات والأسلحة وتفريغ عصابات من اللصوص (أولهم لصوص الآثار). وربما أدى ذلك لخلق الظروف لقيام حروب أهلية تغذيها مراكز خارجية من دول التحالف وغيرها. ء ـ تدجين المنطقة والإذعان للمخططات الصهيونية الأمريكية في قمع الانتفاضة الفلسطينية وترتيب الصراع العربي الصهيوني لإنهائه وفق رغبات الأقوياء وأهدافهم. هـ ـ استخدام العراقيين كفئران التجارب المخبرية من اختبار الأسلحة الأمريكية الجديدة وتطويرها وهي أسلحة ذات تقنية عالية. ففي الحرب الأخيرة جربت: 1ً ـ الصواريخ الدقيقة التصويب وجرب نحو 400 نموذج منها. وهو استمرار لما جرى في العملية العسكرية الأمريكية عام 1998 وجاء ذلك على لسان الخبير العسكري الروسي "فلاديمير سليبشينكو" الذي أضاف أن أمريكا واجهت هذه المرة مهمة صعبة غير مسبوقة إذ توجب عليها تغيير نظام سياسي استلزم استخدام الهجوم البري لتصفية الجيش العراقي في أنحاء البلاد كافة. 2ً ـ استخدمت أمريكا في هذه الحرب القنابل الانشطارية التي ينبعث عن كل منها عشرات أو مئات القنابل القادرة على تحديد هدفها بنفسها. 3ً ـ جربت أمريكا قنابل مايكروويف وهي قنابل تبعث إشعاعاً كهرمغناطيسياً تبلغ قدرته 3 ميغاوات ويؤدي إلى تعطيل الإلكترونيات وأجهزة الاتصال والرادار والحواسب وأجهزة الراديو وحتى أجهزة ضبط إيقاع القلب. 4ً ـ تجربة عدد من صواريخ كروز. 5ً ـ استخدام قنابل دقيقة التصويب تنفذ إلى عمق ثلاثين متراً مخترقة خرسانة عرضها 12 متراً. 6ً ـ تجربة عدد من الأقمار الصناعية الجديدة وحشد ستين جهازاً فضائياً(14). ما دلالات ما يحدث في العراق؟ يكرر المسؤولون الأمريكيون أكذوبتهم في إنقاذ العراق. وهم في كل ما فعلوه لم يشيروا ولو بإشارة واحدة إلى أفق العراق المستقبلي.. فلا هم جاءوا ببرنامج (إنقاذي) محدد المعالم ولا قطعان البلاستيك المدوّر من معارضة (الفنادق والسفارات الأوربية..) الذين دخلوا مع القوات الغازية وبعضهم مرّ في طريق عودته المظفرة على الكيان الصهيوني يلتمس البركة من حاخامات الموضة الديمقراطية الحديثة جاءوا ببرنامج أو برامج عمل.. وكل ما ترسمه أمريكا لمستقبل العراق سعيها لدى دول العالم لإرسال قوات إلى العراق للمساهمة في عودة الأمن (لكنه ليس الأمن للعراقيين بالتأكيد وإنما للقوات الأمريكية المرعوبة من العراقيين) وهذا يعيد إلى الذهن ما جاء من أن الجيش الأمريكي قد أنبأ جنوده في البوسنة عام 1996 أن حماية القوات الأمريكية هي هدف إدارتهم وهي مهمة لها الأولوية على ما عداها وأن عملية السلام لا تأتي إلا في مرتبة ثانوية. وأن الجندي الأمريكي في العراق لا يعرف سبباً لوجوده هناك سوى الثأر والانتقام لما جرى في بلاده خلال 11 أيلول 2001 دون أن يحاول فهم العلاقة بين أحداث أيلول تلك والعراق. ألا يحق للمتابع ولو عن بعد أن يربط بين ما تفعله القوات الأمريكية في مدن العراق وبلداته وباديته من عنف يطال الناس في الشوارع والمزارع وداخل بيوتهم أن يربط بين ذلك وبين ما فعله المستوطنون الأمريكان الأوائل بالهنود الحمر من سلخ الجلود وقطع الرؤوس. ألم يتخذ الأمريكان من شعار لهم سواء في حربهم لإبادة الهنود الحمر أو في حروبهم الجديدة في أفغانستان وفلسطين والعراق ما أطلقه (جون شفنغتون): اقتلوا الهنود واسلخوا جلودهم ولا تتركوا صغيراً أو كبيراً فالقمل لا يفقس غير القمل)(15). أليس هذا هو شعار ما يسمى بجيش الدفاع الإسرائيلي في قتل وإبادة الفلسطينيين! وهو ذاته ما يحصل في العراق حيث تعدى الأمر سلخ الجلود والقتل إلى حرق الجثث والتشفي بالقتلى من شهداء العراق وعرضهم على شاشات التلفزة وفي الساحات العامة. فعلامَ يدل هذا الذي حدث ويحدث كل يوم؟ وعلام تدل عمليات النهب والسرقة للمتاحف والتماثيل وغيرها من آثار بلاد الرافدين والاعتداء على المباني العامة وما يحدث من أفعال وقحة ومخزية تتغاضى عنها قوات الاحتلال في السماح للصوص بانتهاك الأملاك الخاصة والعامة والاستيلاء على مقرات وبيوت وقصور حكومية وإعلانها مكاتب ومقرات لتجمعات من المرتزقة والمصنعين سياسياً وهم من راقهم العيش والتسكع على أبواب السفارات والإقامة في فنادق العالم الفخمة وارتياد أشهر المطاعم والمرابع الليلة تمولهم استخبارات من كل صنف ولون جاؤوا العراق لا لينقذوه وإنما لتقاسم الكعكة. ما دلالات ما رافق الحرب على العراق من ظهور أصوات وشخصيات تتكلم بلسان عربي وذات مراكز مرموقة في مؤسسات بحثية مشهورة أخذتها الوقاحة حد التصريح بعدائها لفكرة العروبة والانتماء إلى القومية العربية والثقافة العربية أمثال فؤاد عجمي وكنعان مكية وغيرهما الكثير وقد تجاوز حد الدفاع عن غزو العراق والحرب عليه إلى الطعن بوجود الأمة العربية وبقدرات أبنائها. فيقول (مكية) بالصوت الملآن أن الفكر القومي كلام فارغ ويكرر ذلك من على الشاشات العربية وهو الذي كان يعد نفسه للإسهام في كتابة دستور العراق الموعود. أما فؤاد عجمي لا يندى جبينه أبداً من إعلان انتمائه للمشروع الصهيوني. وهذا الرجل الأكاديمي قد كتبت منذ عام 1977 معلناً نهاية العروبة وقد جاء ذلك في مقالة لـه نشرتها مجلة (فورين أفيرز) الأمريكية تحت عنوان (نهاية العروبة) يصدر فيها وفي معظم ما كتب غيرها وتحدث به عبر الفضائيات عن قناعة تامة بالفكر والممارسة المتميز بهما اليمين الأمريكي المتصهين. وقبيل الحرب على العراق وتحديداً في شباط 2003 كتب في المجلة نفسها بحثاً بعنوان العراق ومستقبل العرب). لم يخف فيها تحريضه للحرب على العراق وتهيئة الرأي العام الأمريكي لتقبل الضربة المهيأة للعراق وهو ما لم يكتمه في مقابلاته التلفازية. وأصر في كل ما كتب وقال على وصف هذه الحرب بأنها حرب نبيلة محاولاً في كل ذلك تثبت فكرة أن العقل العربي بحاجة إلى عملية تحديث لا يمكن أن تبلغ هدفها إلاَّ بضغط من الخارج وأن الحرب على العراق هي البداية. وبعد ما هي النتائج المباشرة للحرب على العراق واستهدافه؟ يمكن تلخيص ذلك في نقطتين رئيسيتين وغيرها هو عناصر في هاتين النقطتين: 1 ـ تطمين إسرائيل على أنها قد تجاوزت مفترق الطرق إلى الطريق الذي يجعل مستقبلها أكثر أماناً. ودلالات ذلك في وضع ما يسمى بخارطة الطريق على طاولة المفاوضات حيث لا يبدو لها هدف خارج عملية إلهاء العرب وإعطاء ساستهم فرصة لإعادة هدوئهم والخروج من دائرة الفزع على مستقبلهم أمام شعوبهم وإشعال حرب فلسطينية ـ فلسطينية لا تخفي إسرائيل انتظارها بفارغ الصبر وأخيراً إدخال الفلسطينيين من جديد في دوامة الاجتماعات وإطلاق التصريحات بما يحقق رغبات أمريكا والصهيونية. 2 ـ تسابق بعض الأنظمة العربية للدخول في بيت الطاعة الأمريكية وهو ما يظهر في حالة الضياع التي يعيشها عدد من الأنظمة علماً أن الأمين العام أعلن أمام الفضائيات العربية والأجنبية عن (أسفه واعتذاره بالنيابة عن الجامعة العربية أي بالنيابة عن الدول العربية التي تخلت عن شعب العراق... أي أنه يعتذر عن الجامعة لأنها لم تقف ضد العراق طيلة العقود الثلاثة الماضية(16). فماذا يقصد الأمين العام غير التصفيق لأمريكا عبر اعتذار ليس من اختصاصه وليس مما يقتضيه ميثاق الجامعة ونظامها. نتيجة: نتيجة لكل ما تقدم، في علاقة العرب بأمريكا يجب أن يوضع في الاعتبار دوماً أن أمريكا المنتصرة في الحرب الباردة قد أفلتت من عقالها قوة عسكرية جهنمية تحتكر العنف وتختلق المشكلات العالمية وتتصرف دونما رادع يردعها لا في الداخل ولا في الخارج فحين شنت حربها على العراق لم تراع الرأي العام العالمي الذي قلما خلت دولة من دولة من مظاهره احتجاج على دق طبول الحرب. ولم تراع الرأي العام الأمريكي نفسه الذي عبر عن رأيه في عدم الذهاب إلى الحرب فلم يسبق أن أحيطت معارضة الحرب في كل الحروب الخارجية التي خاضتها أمريكا بمثل هذه اللامبالاة بالرأي العام الأمريكي في الحرب على العراق. وأمر آخر يجدر الاهتمام به هو وهن المقاومة المشروعة للسلوك الأمريكي ليس على المستوى العربي فحسب ولكن على مستوى العالم. وتعدى الأمر إلى حد أن كثيراً من المبشرين بالوعد الأمريكي أخذ يسوق الولايات المتحدة، على الرغم من المجازر التي لا تكف عن القيام بها، كدولة ضرورة في واقع دولي مضطرب وهو لا يتورع عن الدفاع عن سياساتها في البلقان وأفغانستان والعراق ومساندتها غير المحدودة للكيان العنصري الصهيوني، بل ويدعو إلى تبرير تدخلها العسكري ولا يرى في سلوكها لتكون إمبراطورية العالم الوحيدة أي عيب باعتبارها الدولة العظمى الوحيدة في عالم ما بعد الحرب الباردة. وهذا ما يحدو بالمثقفين العرب والنخب الفكرية العربية أخذ زمام المبادرة ببداية عمل هدفه إنجاز مشروع قومي عربي بعيداً عن إطلاق الشعارات الفاقعة والتهويش الديماغوجي. وهو مشروع يسهم فيه مثقفون من اتجاهات مختلفة بخاصة أولئك الذين لم يقعوا في الفخ الأمريكي. منطلقين من المشوار الطويل والصعب مما يتطلب جهوداً غير عادية من الجميع دون استثناء يقوم على: آ ـ تشخيص الواقع العربي وتحديد حجم المشكلة أو المشاكل التي تعاني منها الأمة وتؤثر في مصيرها ومستقبلها. ب ـ عمل ثقافي هدفه تحصين الذات القومية يقوم على خطاب جديد لا تقيده قواعد الماضي وممارساته وينطلق من حاضر لا يتملكه الخوف ويتطلع إلى مستقبل لا مكان فيه للخرافة والغيبيات التي ما صنعت غير الهزائم وخلق المسوّغات لها وعدم ربطه بأية سلطة سياسية أو اجتماعية أو رسمية قائمة كيما ينمو نمواً سليماً ويبلغ درجة من النضج كافية لمواجهة التحديات والحد من السقوط. وإسقاط الدعوة الأمريكية القائلة أن العرب إرهابيون تحركهم أصولية ظلامية مجافية للعقل والتقدم. جـ ـ عمل تربوي يهتم بالإبداع ويأخذ من المقاربات العلمية أساساً لتربية بعيدة عن الجمود قابلة للتجديد، وتنمية وعي نقدي قادر على تجاوز ذاته باستمرار. ء ـ التركيز على الحريات العامة من حرية التعبير والنقد والرأي واستيعاب الآخر بعيداً عن الجمود العقائدي الذي يجب أن يستمر في دائرة النقد المتواصل. (1) فتحي العفيفي، الإستراتيجية الجديدة في منطقة الخليج العربي ـ المستقبل العربي ـ ع 289 ص 33. (2) برنارد لويس أستاذ جامعي إنكليزي، الاستشهاد من مجلة فورين افيرز ـ مجلد 71 ـ ع 4 ـ شتاء 1992 عن محمد زكريا إسماعيل: النظام العربي والنظام الشرق أوسطي ـ المستقبل العربي ع 196 ـ ص 5. (3) أمركة العالم أم عولمة أمريكا: بقلم جان، م، جيهنو ـ الثقافة العالمية ع 100 ـ ص 14. (4) السابق ص 15. (5) بوني. ف ساندرز: الولايات المتحدة والقومية العربية ـ ترجمة سامر خليل الكلاس ـ دار نينوى ـ دمشق 2002 ـ ص 19. (6) السابق ص 20. (7) السابق ص 35. (8) السابق ص 30. (9) باسكال يونيفوس: تفتت الدول والتشرنق الاستراتيجي ـ ترجمة أماني درويش ـ الثقافة العالمية ع 95 ـ ص 20. (10) محمود عوض: حقائق الحالة الإمبراطورية ـ الحياة: 16/7/2003. (11) ب. ف. ساندرز: السابق ص 41. (12) مجلة الوسط: 5/5/2003 ص 12. (13) عبد الأمير الركابي: شروط صعود العراق وهبوطه ـ الحياة 2/6/2003. (14) الكفاح العربي 22/7/2003 ـ عن نوفوشي. (15) منير العكش: أمريكا والإبادات الجماعية، منقولة عن سلمان عز الدين الثورة 20/3/2003. (16) جميل مطر: العراق والعرب ـ الحياة 30/7/2003. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |