|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
البعد الأيدلوجي في الموقف الأمريكي من القدس ـــ سمير صالح تطرح العلاقات الأمريكية الصهيونية ثلاث إشكاليات نظرية ومنهجية، تتعلق الأولى بغموض وتعقيد هذه العلاقات، وترتبط الثانية باختلاف الرأي حولها، ووجود مفهومين لها، حيث يذهب البعض في تفسيره لهذه العلاقات إلى (هيمنة اللوبي اليهودي) على تفاصيل القرار السياسي الأمريكي المتعلق في الشرق الأوسط، بينما يؤكد البعض الآخر على أن مبعث هذه العلاقة إنما يعود إلى تماثل وتطابق الخطاب الاستيطاني الاجلائي في نموذجه المشترك بين إنشاء الولايات المتحدة على أنقاض الهنود الحمر في أبشع عملية إبادة بشرية شهدها التاريخ الإنساني، وبين إنشاء الكيان الصهيوني الذي قام على أنقاض عمليات الإبادة والتهجير والإجلاء للشعب العربي الفلسطيني، إضافة لتغلغل المفاهيم والنماذج التوراتية التي حملها الآباء المؤسسين من الطهريين والواسب الإنكليز في هجراتهم الأولى إلى العالم الجديد. ومصدر الإشكالية الثالثة هو كيفية التعامل مع هذه العلاقات التي رسمت تفاصيلها الكثير من المقومات الدينية والسياسية والأيديولوجية والاقتصادية. وقد يعود سبب الصعوبة في التحديد، إلى حقيقة كون العلاقات الأمريكية الصهيونية تختلف عن غيرها من العلاقات الدولية، في الطبيعة الخاصة والاستثنائية لسماتها، التي تتضمن مجموعة العوامل والعناصر المتداخلة في المضامين، الأمر الذي يشير إلى عدم تطابق مواصفات العلاقات المعروفة بين الدول على العلاقات المعلنة والخفية بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. فالكيان الصهيوني ليس مستعمرة للولايات المتحدة، كما أنه ليس إحدى الولايات الأمريكية، ولا يمكن اعتباره مجرد موقع جغرافي يقع في قلب المنطقة العربية، بل وحليف استثنائي من نوع خاص للولايات المتحدة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الممارسات الأمريكية الهادفة إلى السيطرة على الوطن العربي، خلال النصف الأخير من القرن العشرين، أشاعت مناخاً إعلامياً وفكرياً عن هيمنة اللوبي اليهودي على تفاصيل القرارات الأمريكية المتعلقة بالصراع العربي ـ الصهيوني، وخلقت الأسطورة القائلة أن الصوت الانتخابي اليهودي هو الذي يدفع رؤساء الإدارات الأمريكية المختلفة إلى الانحياز للكيان الصهيوني، وهي برأينا أسطورة مبسطة ومشوهة وجبرية، عن علاقات أيديولوجية معقدة ومصالح بالغة الدقة والانحياز. فمن المعروف أن شهرة هذا اللوبي لا تعود إلى وزنه وقوة تأثيره، بل تعود أساساً إلى الأساطير التي نسجت حوله عن قصد، فمن المعروف أن نسبة اليهود لا تتعدى 2,7 في المائة من مجموع سكان الولايات المتحدة البالغ 271 مليون نسمة وعددهم ينحصر في زهاء خمسة ملايين وسبعمائة ألف نسمة، يملك حق الانتخاب منهم حوالي أربعة ملايين نسمة، وإن كانوا يتمتعون بنفوذ اقتصادي ملحوظ، يضاعف من حضورهم الثقافي والسياسي(1). إن أسطورة "اللوبي اليهودي" التي يسوقها الإعلام والساسة الأمريكيون، تتجاهل الحقائق الواضحة بأن هناك بعدان للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وليس بعداً واحداً. البعد الأول: ويتجسد بالصهيونية ـ اليهودية، وأداتها منظمة أيباك التي تشكل الذراع الطويلة للوبي اليهودي في الكونغرس، والبيت الأبيض ووسائل الإعلام. البعد الثاني: وهو البعد الصهيوني ـ المسيحي الذي يشكل "اللوبي الصهيوني" وهو فاعل ومؤثر في الإدارات الأمريكية، وينجح في الضغط على صناع القرار السياسي الأمريكي، ويتحكم في وسائل الإعلام ودوائر المال والأعمال، فهو يشكل الرأي العام، ويصنع قادة الرأي العام، وصناع القرار. إنه لوبي مؤثر، عماده السيطرة، وآلياته التنفيذية تتشكل من منظمات الصهيونية المسيحية، وأصواتها الانتخابية التي تتعدى 70 مليوناً كما تقول هي عن نفسها، وأعضاؤها في غالبيتهم من المسيحيين الأمريكيين الذين يعتنقون النظري الألفية، والولادة من جديد(2). الولادة، وينشطون سياسياً واقتصادياً في الولايات المتحدة، ولهم شبكاتهم الأخطبوطية الإعلامية. فستيفن شبيغل أستاذ العلوم السياسية واليهودي الأمريكي البارز يقول أنه: (إذا ما ركز المرء على قوة الجماعات اليهودية فقط فإنه يخطئ وجهة السفينة، إن اليمين المسيحي يتمتع بنفوذ فعلي في صياغة موقف الحزب الجمهوري تجاه إسرائيل) وفي دراسة نشرت عام 1990 يقول أورغنانسكي: (أن لا تأثير هناك على التصويت المؤيد لإسرائيل في الكونغرس، فالتأييد في حقيقته ليس بسبب اللوبي اليهودي أو هبات الحملات، لكنه الأيديولوجية، والمشرعون الأكثر تأييداً لإسرائيل(2). البعد الأيديولوجي في الموقف الأمريكي من القدس. إذا كانت الصهيونية تعتبر التوراة ميداناً فسيحاً للروح النقية لليهودية، فيؤكد دعاتها على الطابع الخاص للدولة ذات الصبغة التوراتية، التي لا يمكن أن تحقق مشروعيتها التاريخية إلا من خلال السيطرة على القدس بالذات، فإن كهنة الصهيونية المسيحية يلتقون في هذا الميدان بالاعتقاد أن الدولة اليهودية المعبدة بروح التوراة النقية لا يمكن لها أن تستقيم وتتحقق إلا بعهد عجائبي يعيد التوازن للتاريخ الملفق، ويحقق للجغرافيا اليهودية معناها ومبناها، كمقدمة (لليوم العظيم الذي تتجلى فيه النبوءة ويظهر زمن المخلّص المنتظر الذي يمكّن المولودين من جديد من السيادة والتملك على أمم وشعوب الأرض ألف عام). ففي أمريكا على الأقل بالمقارنة مع الكنائس الأنطاكية الثلاث، فهناك ما يسمى حركة (الصهيونية ـ المسيحية) وهي حركة سياسية تنطلق من أيدلوجيا دينية / رؤيوية تهدف إلى إقامة إسرائيل وتجميع يهود العالم فيها، وإعادة بناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى لتوفير شروط العودة الثانية للمسيح. ولقد تم تعريف هذه الحركة على أنها (الدعم الصهيوني للمسيحية). وقيل عنها أيضاً: (أنها حركة قومية تعمل من أجل عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين، وسيادة اليهود على الأرض). حدد والتر ريغتر الأمين العام لما يسمى السفارة المسيحية عضوية هذه الحركة من أنها تتكون من (أي مسيحي يدعم الهدف الصهيوني لدولة إسرائيل وجيشها وحكومتها وثقافتها)(3) وقد أصبحت دعاوى هذه الحركة ركيزة محورية من ركائز اليمين التشددي الأمريكي، ودخلت مقولاتها السياسية والغيبية برامج المحافظين الجدد، وتسللت إلى كتابات المفكرين والفلاسفة، ومراكز الأبحاث والدراسات الأمريكية، بحيث طغت خلفياتها ومحركاتها الفكرية اللاهويتة في السنوات الأخيرة على وثائق الصراع في الشرق الأوسط، وباتت تثير علامات استفهام كبرى، مما يدفعنا للسؤال: هل يقر السياسيون الأمريكيون النبوءات بما هي نبوءات فقط؟ أم أنها عامل محرك للفعل السياسي، يرسم صوره، أدواته!. إن المتتبع لمسار الحركة الإنجيليّة الأصولية في أمريكا، والمدقق في دعاواها ومنطلقاتها، يجد أن تبنت وبشكل جذري الأيدلوجيا الألفية. فقد استند الأصوليون المسيحيون في رؤيتهم لمدينة القدس، موقعاً ومكانة ودوراً، إلى أيدلوجية الرؤيا الألفية ونظرية الملك الألفي، المؤمنة بالعودة الثانية للمسيح، الذي سيعود إلى هذا العالم، محاطاً بالقديسين ليملك في الأرض ألف سنة، وبأن مستلزمات هذه العودة، تقتضي بناء الهيكل في مدينة القدس، وقيام إسرائيل دولة لكل يهود العالم على كل (الأرض الموعودة). وقد تبلورت هذه الأيدلوجيا بناء على ما ورد في "رؤيا" يوحنا الإنجيلي (ثم رأيت عروشاً منح الجالسون عليها حق القضاء، ورأيت النفوس الذين قتلوا في سبيل يسوع، وفي سبيل الله، قد عادوا إلى الحياة وملكوا مع المسيح ألف سنة، هذه هي القيامة الأولى. أما بقية الأموات فلا يعودون إلى الحياة حتى تنقضي الألف سنة)(4). لقد استند الأصوليون المسيحيون الذين اعتنقوا الرؤيا الألفية إلى هذا النص الذي يبشر بعودة المسيح، وبأنه سيحكم من مدينة القدس من انتسب للديانة المسيحية بعد بعثهم من الموت مدة ألف عام، بغض النظر عن تقوى أو الحاد أو كفر من انتسب إليه، أما بقية البشر من غير المسيحيين، فسيقومون بعد ألف سنة فيما يسمونه بالقيامة الثانية، وسيخلدون بنار جهنم! كما أن الأصوليين الألفيين استندوا في موافقتهم الضمنية لإبادة الأرض ومدينة القدس على وجه الخصوص على ما يسمى معركة "هر مجيدون"، اعتماداً على قول يوحنا في الرؤية (ثم رأيت سماء جديدة، وأرضاً جديدة، لا بحر فيها، لأن السماء والأرض القديمتين قد زالتا، ورأيت المدينة المقدسة أورسليم الجديدة نازلة من السماء من عند الله، وسمعت صوتاً هاتفاً من العرش: "الآن صار مسكن الله مع الناس، هو يسكن بينهم. والله نفسه يكون معهم إله لهم، وسيمسح كل دمعة من عيونهم. إذ يزول الموت والحزن.. لأن الأمور القديمة كلها زالت")(5). وطبقاً للنظرية الألفية التي وردت في سفر (يوحنا الإنجيلي) التي بنيت المواقف الإنجيلية البيوريتانية عليها: (فإن العالم قد أشرف على النهاية، وأما كيفية حدوث التطورات التي تفضي إلى مرحلة الألفية والمؤسسة ضمن (خطة إلهية) تمهد لعودة المسيح المخلص، فالحروب والاضطرابات تثار في غير مكان، وفي غمرة كل هذا فإن المسيح الدجال سوف يظهر ويضع لنفسه تمثالاً في (الهيكل اليهودي) في مدينة القدس، ويطلب من العالم بأجمعه أن يعبده (كإله)، وفي ذلك الوقت سيذبح الملايين من اليهود، وحسب الرؤية ستستمر هذه الفترة الدموية مدة سبع سنوات، وهي علامات لا عودة عنها على قرب النهاية التي ستتوجها معركة (هر مجيدون) التي يقول السفر المنوه عنه (حينئذ رأيت ثلاث أرواح نجسة، شبيهة بالضفادع، تخرج من فم التنين، وفم الوحش، وفم النبي الكذاب، إنما هي أرواح شياطين تصنع آيات، وتنطلق إلى ملوك اليوم العظيم.. ها أنذا كاللص، فطوبى لمن يسهر، ويحفظ ثيابه، فلا يمشي عرياناً ويرى الناس سوءته، فجمعتهم جميعاً إلى الموضع المسمى هر مجيدون)(6) وهر مجدون قرية مذكورة في سفر الرؤيا وهي تقع شمال القدس. من هذه الرؤية الحلمية بنى الأصوليون مواقفهم الأيديولوجية حول تلك المرحلة التي تعيد المسيح إلى الأرض، والتي يسبقها حسب الرواية الآنفة الذكر معركة (هر مجيدون) وبحيث أن (مدن الأمم تنهار، وكل جزيرة تتلاشى، والجبال تدك، كما تخبرنا الرؤية أن نهر الفرات يجف، مما يمكن ملوك الشرق من اجتيازه، حيث يتم تدمير مدينة القدس، كما وتضيف ـ أن الخبثاء ـ سوف يظهرون وإن الرب سوف يبتلعهم من خلال روح فمه، وسوف يدمرهم من خلال ضوء حضوره)(7) وتذهب هذه الرؤية في روايتها إلى أن المسيح المخلص سيظهر من قلب هذه الفوضى، على ظهر سحابة لينتشل (المولودين من جديد) فيلاقونه في الهواء، وبعد هذه المعركة وانتصار حركة المسيحية اليهودية، يؤمن من بقي من اليهود بالسيد المسيح ورسالته، ويدوم عهده ألف سنة من الاستقرار والازدهار. إن اخطر ما فعلته هذه الرؤيا، هي أنها خلقت لدى الطائفة البروتستانتية، عقائد جديدة مرتبكة ومشوهة، فيما يتعلق بموقع اليهود المستقبلي، ودورهم الحاسم في عملية تعجيل قدوم المسيح المخلص، وفيما يتعلق بالأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني، والمسجد الأقصى، حيث تم النظر للأرض الفلسطينية على أنها أرض بلا شعب، وللشعب الفلسطيني على أنه خليط غير متجانس من أقوام وشعوب، لا رابط بينه وبين الأرض الموعودة، وبالتالي لابد من العمل على إجلاء وتهجير هذا الخليط وتوزيعه على الدول العربية، وتدمير المسجد الأقصى تمهيداً لبناء الهيكل. إن هذه العقائد المشوهة قد أنست هذه الطائفة التعاليم الحقيقية للمسيحية السمحة، بل أنستهم المواقف الجذرية التي كان يتخذها السيد المسيح نحو اليهود. والصهيونية المسيحية حركة مهيمنة ومتنفذة، وتشكل أهم العوامل الضاغطة والأوراق المهمة في آليات صنع القرار الأمريكي، تستند في ذلك إلى شبكة أخطبوطية من العلاقات والمصالح ومراكز النفوذ المؤثرة اعتماداً على اليمين الديني المتطرف، الذي يوظف في دعاواه آلاف الكنائس والقساوسة والدعاة والمنظرين، المتمسكين بالتفسير الحرفي للكتاب المقدس، والذين يذهبون إلى محاولات دمج النبوءات التوراتية" بأساطيرها واختلاقاتها مع الدين المسيحي بشكل مشوه وقسري. فالقس "جيري فالويل" مؤسس جماعة العمل السياسي الأصولي المسماة "الأغلبية الأخلاقية" لا يكف عن القول (الذين يباركون إسرائيل يباركهم الرب، وإن الذين يلعنون إسرائيل يلعنهم الرب.. وإن من يؤمن حقاً بالكتاب المقدس حقاً يرى المسيحية ودولة إسرائيل مترابطين على نحو لا ينفصم إن إعادة إنشاء دولة إسرائيل في العام 1948 لهي في نظر كل مسيحي مؤمن بالكتاب المقدس تحقيق لنبوءات العهدين القديم والجديد).(8). وقد تغلغلت هذه الرؤية على المستوى الثقافي والديني، وتبلورت عناصرها الأولى مع وصول المستوطنين "الطهريين" البروتستانت" إلى العالم الجديد والذين ارتكبوا أبشع الجرائم التي عرفها التاريخ البشري، وأبادوا شعوب "العالم القديم" وهدموا حضارته، يحركهم في ذلك مفاهيم مثل الأرض الموعودة، وكنعان الجديدة، وشعب الله المختار، ومن خلال وجهة نظر لا ترى في هذه المجازر سوى ضرورة تاريخية مبنية على تزاوج فكري بين المعجزة التي تحققت مرتين، الأولى في فلسطين "مملكة إسرائيل"، والثانية في أمريكا؟ كما اتخذت معتقدات المسيح المنتظر، والعصر الألفي السعيد مكاناً بارزاً في العقلية الأمريكية، والتي بلغت ذروتها في ثقافة شعبية متميزة تتضمن كثيراً من تعاليم اليهودية الروحية والدينية، وميل قوي للاعتقاد بأن مجيء المسيح المنتظر يجب أن يسبقه إنشاء دولة اليهود في فلسطين، وإقامة الهيكل في مدينة القدس، وقد شكلت هذه الأيدلوجيا جزءاً من مصفوفة التاريخ الفكري الأمريكي التي كانت تتضمن دائماً خيطاً من العصر الألفي السعيد. ولقد استهوت الأيدلوجيا الألفية التيار المحافظ في البروتستانتية الأمريكية، كالمعمدانية واللوثرية والمشيخية، المؤمنون بالتفسير الحرفي للأيدلوجيا الألفية، وبالإحياء القومي للوجود اليهودي، وقد دفعتهم هذه الأيدلوجيا إلى اعتبار اليهود مفتاح المستقبل، واعتبرت كل الإشارات المتعلقة باليهود التي وردت في رؤيا يوحنا، إشارات إلى "إسرائيل الطبيعية" التي تعني "الأمة اليهودية" وكانوا يعتقدون إن (الله، طوال الوقت، كان يهدف إلى غرضين متميزين: أحدهما متعلق بالأرض وشعبها وأهدافها الأرضية، وهي اليهودية. وثانيهما: مرتبط بالسماء وأهلها وأهدافها السماوية وهي المسيحية، وبالتالي فإن حدود الأرض الموعودة ستعاد خلال العصر السعيد، وسيعود المسيح إلى مملكة سياسية ثيوقراطية قائمة على الأرض على غرار الحكومة الوطنية القائمة)(9). وقد تسربت هذه الرؤى العبرية إلى الثقافة والفنون والآداب الأمريكية، وتركت بصماتها الخالدة على الحضارة الأمريكية، وبدأت فلسطين كوطن لليهود تحتل مكانة خاصة في الثقافة الأمريكية، وأصبح الربط بين القدس واليهود يتم تلقائياً، وأصبحت عودة اليهود إلى (الوطن التقليدي) فكرة مهيمنة وطاغية. ولربما أن هرطقة مونتانس الفريجي (نحو العام 172م) كانت التعبير الأكثر وضوحاً عن النسيج الأسطوري للحركة الألفية، الذي اعتبر أن حياة أعضاء الكنيسة الروحية والأخلاقية قد تدهورت كثيراً بسبب تأثير العالم السيئ عليها فأراد أن يرجعها إلى عصر الرسول الأول، وادعى أنه النبي الجديد الذي أوكل الله إليه هذه المهمة، فراح يبشر بقرب نزول (القدس) السماوية من السماء ومجيء السيد إلى فريجيه العليا (آسية الصغرى) لتأسيس مملكته ذات الألف عام (10). وعلى الرغم من الاعتقاد السائد أن الولايات المتحدة لم تول الاهتمام المسألة الفلسطينية إلا في مرحلة متأخرة نسبياً، وذلك من خلال سعيها لتأمين مصالحها في الدولة العثمانية، إلا أن الاهتمام الذي أبدته بأحوال اليهود في فلسطين، وبقضايا الاستيطان والهجرة الصهيونيتين، بموجب الامتيازات الأجنبية، وبحجة العطف الإنساني، كان اهتماماً لافتاً، فقد كان آخر ثلاثة سفراء، بعثتهم الولايات المتحدة إلى الآستانة من اليهود (أشهرهم مورغنثو). وقد ظهر الانحياز الأمريكي لليهود والمبني على المنطلقات الأيدلوجية الألفية إثر موافقة الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون على وعد بلفور. وتقول الباحثة ريجينا الشريف (لقد نشأ ويلسون على التعاليم البروتستانتية الأمريكية التي كانت تؤمن بالأسطورة الصهيونية، حتى ولو كان ذلك من ناحية روحية، ومع ذلك فقد وفرت لـه رصيداً غير مباشر من المشاعر والأفكار التي تركت أثراً على موقفه المستقبلي من الحركة الصهيونية وأهدافها. وكان يسعد ويلسون أن يكون لـه دور في إعادة اليهود إلى "أرضهم" ويعد اعترافه بأنه وهو (ربيب بيت القسيس ينبغي أن يكون قادراً على المساعدة على إعادة الأرض لأهلها)(11). وبعد وعد بلفور تناول تشارلس غولد بات في دراسة لـه عن أثر هذا الوعد في أمريكا، عينة من الصحافة الأمريكية العامة، بما في ذلك الدوريات الدينية، فتوصل إلى أن المشاعر الصهيونية كانت شاملة وعلى جميع مستويات الطبقات الاجتماعية (وكانت المشاعر الوحيدة المعادية للصهيونية التي يمكن استشفافها في الصحافة هي تلك المنبثقة عن تصريحات صادرة عن شخصيات يهودية معادية للصهيونية).(12). كما كانت الموافقة على وعد بلفور متوافقة تماماً مع موقف الكونغرس من الوعد فقد نشر روبن فنك إحصائية قامت بها المنظمة الصهيونية في حزيران عام 1918 حول موقف الكونغرس من الوعد، أجاب فيها 69 من الشيوخ و31 من النواب على استجواب المنظمة، فوافقوا جميعاً على الوعد، ولم يكن هناك خلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين، كما أنه لم يكن هناك ما يشير إلى أن هؤلاء الأعضاء كانوا متأثرين بوجود جمهور من الناخبين أو ما يسمى بالأصوات اليهودية(13). كما كانت عقيدة الرئيس ويلسون المتشبعة بالمفاهيم الألفية والتوراتية، هي المحرك الأساس لتأييد ويلسون للصيغة المقترحة لوعد بلفور والمتناقضة تناقضاً جذرياً مع المبادئ التي أعلنها على العالم لإقرار السلام العالمي، وضمان حق الشعوب في تقرير مصيرها!!. ويذهب بعض الباحثين إلى أن مبادئ ويلسون عن حق تقرير المصير كانت متناسقة مع المنظور الصهيوني، حيث أن النقطة الرابعة عشر من مبادئ ويلسون التي نصت على أنه (يجب أن تؤمن الفرصة للأقليات غير التركية في الإمبراطورية العثمانية للتطور الذاتي). إنما كانت تعني تحديداً اليهود والأرمن. فحسب منطلقات هذه المبادئ فهما وحدهما من تنطبق عليهما مبادئ تقرير المصير. وبعد موافقة وودرو ويلسون بدون شروط على وعد بلفور أخذ خلفاؤه في الرئاسة يلزمون أنفسهم بالموقف الصهيوني بطريقة أو بأخرى، ومنذ ذلك الحين أخذ كل رئيس يعبر عن تعاطفه مع الحركة الصهيونية، ويسلم بهدفها في فلسطين، وكان نطاق المساعدة العملية للصهاينة يتفاوت تبعاً لمدى إحساس الرئيس شخصياً بالتزامه بالأيدلوجيا الألفية، وثمة أمر لافت أن الموافقة على الوعد كانت متساوقة، وبشكل مذهل، مع الرأي العام الأمريكي الذي أيد بشدة وعد بلفور. وفي فترة ما بين الحربين كان هناك اتجاهان أساسيان في الولايات المتحدة حول الموقف من القضية الفلسطينية وآليات التعامل معها: الاتجاه الأول: وتمثله الصهيونية المسيحية، وهو الذي هيمن على وزارة الدفاع وحظي بشعبية في أوساط الصحافة والمحللين السياسيين والكونغرس، وكان يرى بأن حل المشكلة اليهودية يقوم على إقامة الوطن القومي بفلسطين لاعتبارات عديدة منها إنها الأرض الموعودة والوطن التاريخي لليهود!!. الاتجاه الثاني: وانطلق من الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة المشتركة مع جميع الأطراف في المنطقة، وساد في وزارة الخارجية الأمريكية، وظل يدعو حتى قرار التقسيم لعدم التورط في الشرق الأوسط، وإلى محاولة استيعاب القضية الفلسطينية، ومن أبرز ممثلي هذا الاتجاه روبرت لانسنغ وزير الخارجية في حكومة الرئيس وودرو ويلسون الذي عارض موافقة رئيسه على وعد بلفور، وأشار إلى أن موقف الرئيس من الصهيونية كان واضح التناقض مع مبدئه في حق تقرير المصير. ومع تحول جهود الحركة الصهيونية العالمية نحو الولايات المتحدة الأمريكية، وتبدل خارطة المصالح الإمبريالية العالمية، وبروز الولايات المتحدة كقائدة للمعسكر الإمبريالي في العالم، إثر المكتسبات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي جنتها الولايات ا لمتحدة من مشاركتها في الحرب العالمية الثانية، فقد أصبح هناك اتجاه تبادلي بين الصهيونية والولايات ا لمتحدة لبناء علاقات تحالف ومشاركة لما في ذلك من فائدة للطرفين. وقد كان للرئيس هاري ترومان الدور الكبير في تمرير قرار تقسيم فلسطين وإنشاء الكيان الصهيوني في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 29 تشرين الثاني 1947، كما أنه قدم اعترافه بالدولة الصهيونية بعد عشر دقائق من إعلان بن غوريون قيام ما يسمى (دولة إسرائيل)!!. ومما لا ريب فيه أن خلفية ترومان الدينية قد لعبت دوراً مهماً في حياته، فخلفيته المعمدانية وتربيته كانتا تركزان على عودة اليهود إلى صهيون. ولقد كان أعضاء المؤتمر المعمداني الجنوبي أشد الناس حماساً للصهيونية، وكانوا يؤيدون الدعاوى الدينية اليهودية حول أرض فلسطين، كما كان المعمدانيون يميلون إلى اعتبار إقامة دولة يهودية إن هو إلا برهاناً واضحاً على تحقيق النبوءات التوراتية. وكان معروفاً عن ترومان حبه للفقرة التوراتية الواردة في المزمار 137 والتي تبدأ (لقد جلسنا على أنهار بابل، وأخذنا نبكي حين تذكرنا صهيون)(14). وبهذه الموافقة فإن هاري ترومان ألزم رؤساء الولايات المتحدة والرؤساء الذين جاؤوا من بعده، بالموافقة شبه المطلقة على الاستيطان والتوسع الصهيونيين، ولم يشذ عنه من الرؤساء إلا دوايت إيز نهاور. وهكذا حصلت الجماعات الصهيونية على أقصى طموحاتها بفوزها بتأييد الولايات المتحدة للمشروع الصهيوني في الأمم المتحدة. ومن هنا يمكن القول إن ا لجهود المكثفة التي بذلتها الجماعات الصهيونية الأمريكية، والتي تركزت على أعمال الدعاية والضغط بأشكالها المختلفة، مكنت الحركة الصهيونية من خلق تيار هام بين المواطنين الأمريكيين، وخاصة بين المسؤولين الأمريكيين النافذين، يقبل بالمطالب الصهيونية في فلسطين. وقد استطاعت الولايات المتحدة بعد الاغتصاب الصهيوني للأرض الفلسطينية، الإسهام وبشكل كبير في إضفاء الشرعية الدولية على الكيان الصهيوني، من خلال دورها الحاسم الذي لعبته في الجمعية العامة للأمم المتحدة وبموافقة بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي، ليصبح هذا الكيان بتاريخ 18/ 5/ 1949 العضو التاسع والخمسين في الأمم المتحدة. وفي أعقاب قيام الكيان الصهيوني حدد الرئيس ترومان الدور والمهام الاستراتيجية لهذا الكيان في منطقة الشرق الأوسط وذلك للتصدي (لتيار القومية العربية)(15). وفي خمسينات ا لقرن العشرين كان الصهاينة المسيحيون يشيدون التحالف المصيري مع التيار المحافظ في الولايات المتحدة، سعياً لاستعادة الصورة العامة لنظام البيوريتان ونفخ الروح الجديدة في الأيدلوجيا الألفية، لمواجهة التيارات الليبرالية في المجتمع الأمريكي، ولتقويض برنامج (الاتفاق الجديد)(3)الاتفاق وإزاء الأزمة العاصفة ما بين الأفكار الليبرالية والأفكار المحافظة، التي أثارها الاتفاق الجديد، فقد رأى المحافظون أنه قد تم انتهاك قواعد اللعبة الديمقراطية، وهي اللعبة التي رسم حدودها ومعالمها المحافظون الذين وضعوا القانون العام الذي ينص على أن انتماء العامل إلى أي نقابة يعرضه لخطر جسيم وهو الحكم عليه بالتآمر، ويطارد من قبل الميليشيا (الحرس الوطني) التي يجندها أصحاب العمل، ومعها قوات الشرطة والجيش اللذان تسيطر عليهما الدولة، ويوضعان في تعزيز هيمنة وسيطرة نخبة المحافظين، المتحالفة مع نخبة الطبقة الوسطى التي تعيش في ظلال المحافظين الأكثر ثراء، لمواجهة مطالب العمال الإنسانية بتحقيق شيء بسيط من الديمقراطية بتخفيف وطأة رأس المال واستغلاله(16). وكان هناك بعض التلاقي بين نهضة الجامعات، التي ازدادت نقمتها على الحياة العامة، وبين بعض النجاحات الفكرية التي حققتها الأجيال اليهودية الشابة، وقد بدا أن زعامة فكرية تسعى لتحل مكان الزعامة الاجتماعية والسياسية والأدبية القديمة للمحافظين. وبالفعل حصل انصهار بين النخبة اليهودية ونخبة البيوريتان البروتستانتية، لكن القيم الأيدلوجية التي كانوا يمثلونها كادت أن تنقرض، تلك القيم المشبعة بالمحافظة وانتظار المسيح المخلص والعقيدة القيامية المبنية على الأيدلوجية الألفية، ولأجل المحافظة عليها رفدت مراكز البحوث والدراسات، والجامعات عالية المستوى، والمؤسسة العسكرية، والمؤسسات والجمعيات الكنسية، والشركات المهمة، بالكوادر الأيدلوجية المتخصصة، التي هدفت إلى بسط الهيمنة الكونية الشاملة. وفي سعيها لذلك زرعت في الداخل الأمريكي الخوف من أخطار العدو الداخلي والخارجي، الذي دون وجوده وابتداعه تتنامى دواعي التخلخل الداخلي، خصوصاً مع تنامي دور الأقليات غير الأوروبية، برغم ما يبدو من نجاح نسبي في تدجين شرائح واسعة منها، ودمجها في معادلة النظام تحت لواء الوطنية، الأمريكية الفضفاض، وكان وسيلة المحافظين لذلك تهديد الحريات وخنق الرؤى الديمقراطية بتعميم الخوف من الشيوعية (العقيدة المستوردة التي تقوض أسس المجتمع الأمريكي)(17). ونظرية المؤامرة التي تستهدف تقويض نمط الحياة الأمريكي، وكانت حقبة المكارثية تتويجا لسلسلة طويلة تمتد جذورها إلى الأفكار البيوريتانية (الطهرية) المحافظة التي تبعث إلى المشنقة كل من لا ينهج نهجهم في التفكير، وفي الفلسفة القصيرة النفس، فلسفة واضعي قانون التمرد، العازمين على سحق كل معارضة، وفي شراسة الهجوم على (الجمعيات الديمقراطية) في عهد واشنطن، وفي المحاكم التي أودت بالعديد ممن اختلفوا مع التيار المحافظ إلى المشنقة، وفي (لجان القانون والنظام التي ابتدعتها غرف التجارة في الحرب العالمية الأولى)(18). وقد فتح احتلال مدينة القدس عام 1967 الباب الواسع للكيان الصهيوني لتبديل مرتكزات التحالف داخل الولايات المتحدة، حيث قام بنقل تحالفاته من المسيحيين الليبراليين، إلى المسيحيين الأصوليين، الأمر الذي أكسبه دعم أشد الكنائس الأصولية المؤمنة بأن (الله يريد أن تحصل إسرائيل على أي جزء من الأراضي العربية، وعلى كل الأراضي التي تتمكن من مصادرتها)(19). كما كان لهذا الانتقال الأثر الحاسم الذي ساهم في تعزيز النزعات "النبوئية" ففيه تبدت (إسرائيل) قوة أسطورية لا تقهر، ومن خلالها تم استعادة رواية التوراة عن "داوود الصغير الذي واجه جوليات العملاق وهزمه". آنذاك تم التوجه إلى الكيان الصهيوني بنظرات إعجاب وعواطف أقرب ما تكون إلى العبادة، في وقت كان فيه الإنسان الأمريكي يبحث لـه عن مثال أسطوري، وهو الذي لا يستطيع الاستمرار بدون مثال خارق، في وقت كانت الولايات المتحدة وجيشها المدجج بأحدث أنواع الأسلحة تترنح وهي تغوص في الرمال الفينتامية، ويتعرض جيشها للهزائم من خلال ضربات المقاتلين الفيتناميين الباحثين عن الحرية، وقد زاد من تهود المسيحية الأمريكية التحولات العميقة في الثقافة الدينية الأمريكية منذ السبعينات، فقد خرجت الكنائس من الزوايا وهوامش المجتمع إلى صدارة الحدث السياسي والاجتماعي، بفضل ثورة الإعلام والاتصال، وخصوصاً عبر ما يدعي (الكنائس التلفزيونية)، وتوسعت الطوائف الأصولية كالمعمدانية والمنهجية والمشيخية وغيرها على حساب المسيحية التقليدية، وأصبح تيار المولودين من جديد في اتساع مطرد، وهو أكثر التيارات المسيحية تماهياً مع اليهودية، وبالتالي مع عصمة اليهودية وقدسيتها. تجليات الرؤى الأيدلوجية لتدمير القدس إن القادة الصهاينة الذين وضعوا على رأس جدولة أولوياتهم، تحقيق المهمات والوظائف التي أوكلتها لهم الأساطير اليهودية، من التعبئة والإرغام، وتحشيد الرأي العام الصهيوني، لاستنباط أفضل الطرق والسبل التي تتيح للأفكار اليهودية حول الهيكل والسيطرة على القدس آليات تحققها، لم يكتفوا بهذا الحد، بل اعتمدوا على التحريض، والمساندة والدعم للحركات الصهيونية المسيحية الداعية لهدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل كمقدمة للبشارة بقدوم المسيح المخلص، فكان ذروة التصعيد في 21 آب 1969، عندما قام أحد المتطرّفين الصهاينة من أعضاء حركة الصهيونية المسيحيّة من الذين هاجروا من استراليا إلى الأراضي الفلسطينية بحرق المسجد في جريمة وحشية أثارت قدراً كبيراً من المواقف وردود الأفعال الغاضبة والمستنكرة(20). وفي نفس السياق قامت "مؤسسة معبد القدس" المنتمية إلى منظمات الصهيونية المسيحية الأمريكية، بتقديم الأموال الطائلة للمحامين الذين رافعوا عن تسعة وعشرين إرهابياً صهيونياً حاولوا تدمير المسجد الأقصى عام 1983، وقد تمكن المحامون من إطلاق سراحهم بعد اعتقالهم ومحاكمتهم صورياً، كما أن هذه المنظمة تقدم الدعم المتواصل لمعهد (ميشيفا) اليهودي الذي يعد الكهنة للخدمة في الهيكل الذي يخططون لبنائه(21). وبتاريخ 21 نوفمبر 1985 نشرت مجلة (صوت القرية) الصهيونية تفاصيل مخطط تدمير المسجد الأقصى من خلال قصفه بالطائرات الحربية من الجو التي حاول القيام بتنفيذه مناحم ليغني ـ قائد وحدة احتياط في فرقة الهندسة في الجيش الصهيوني، وقائد الحركة السرية في منظمة غوش إيمونيم ـ وبالتوازي مع ذلك عقد في مدينة (بال) السويسرية. في عام 1985 مؤتمر صهيوني ضم الكنائس الإنجيلية المتصهينة التي تعتبر قيام (صهيون) أمراً تمهيدياً لابد منه للعودة الثانية للسيد المسيح، ترأسه الدكتور (فان دير هوفن) رئيس الكنيسة الإنجيلية الهولندية، وحضره 589 شخصية دينية من الولايات المتحدة وأوربا وكنائس مماثلة في دول أفريقية وآسيوية، وقد انبثقت عن المؤتمر منظمة تحمل اسم (السفارة المسيحية الدولية من أجل القدس) ومهمتها توظيف النفوذ المادي والمعنوي لتنفيذ قرارات المؤتمر وأهمها: التنديد بالكنيسة المسيحية لأنها (خذلت اليهود) خلال تاريخهم الحافل بالآلام ونداءات إلى يهود العالم ليروا كيف أن يد الله أعادت الأرض وفق تنبؤات كتابهم المقدس؟؟ والدعوة للهجرة إلى فلسطين، وعلى كل الدول أن تعترف (بإسرائيل)، وبالقدس عاصمتها الأبدية. (22) ولعل الفترة الأبرز في التاريخ الأمريكي التي ألقت الضوء على علاقة الصهيونية الإنجيلية مع الصهيونية اليهودية، هي فترة إدارة الرئيس ريغان 1981، فمع بدء الإعداد لانتخابات الرئاسة الأمريكية التاسعة والأربعين عام 1980،بدا الوضع مختلفاً إلى حد كبير في صفوف الحزب الجمهوري الذي خاض الانتخابات من خلال مرشحه الرئاسي (رونالد ريغان) وذلك نتيجة متغيرين أساسيين لم يبرزا في المعارك الانتخابية السابقة داخل الحزب الجمهوري: الأول سيطرة الاتجاه اليميني المحافظ على مقاليد القرار في الحزب الجمهوري والذي استطاع فرض وجهة نظره في تحديد الأجندة الداخلية، ورسم معالم مواقفه للسياسة الداخلية. وأما المتغير الثاني فهو تبلور وظهور تيار المسيحيين الصهاينة أو ما يسمى بتيار المولودين من جديد، كقوة حاسمة فاعلة ومؤثرة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالشرق الأوسط والصراع العربي الصهيوني. وفي نطاق هذين المتغيرين ولتعزيز مواقفه وأفكاره دفع التيار المحافظ بمرشحه المتطرف، رونالد ريغان، الذي كان يعتنق أيدلوجية محافظة للغاية، وملتزماً باللاهوت القدري روحياً وفكرياً وينتمي إلى تيار المسيحيين الصهاينة، ويؤمن إيماناً أعمى بنظرية ظهور المسيح المخلص ومعركة هر مجدون وقد ساهم بهذا الفوز بشكل كبير تيار المسيحيين الصهاينة الذي ساند ريغان بقوة، ومن الثابت أن الرئيس ريغان كان منخوراً حتى النخاع بأيدلوجية المسيحيين الصهاينة، المتعلقة بظهور المخلص ومعركة هر مجيدون. ففي إطار استعداداته لخوض معركة الرئاسة الأمريكية، قال ريغان عام 1980 للإنجيلي جيم بيكر في مقابلة تلفزيونية أجراها معه (إننا قد نكون الجيل الذي سيشهد هر مجدون).. وفي نفس السنة أعطى ريغان مرشح الرئاسة مثلاً آخر نقله معلق صحيفة نيويورك "وليم سافير": (كان ريغان يخطب في مجموعة من القادة اليهود عندما قال: "إسرائيل هي الديمقراطية الثابتة الوحيدة التي يمكن أن نعتمد عليها كموقع لحدوث هر مجدون)(23). وفي عام 1983 كشف ريغان عن أهمية اعتناقه لنظرية ظهور المخلص في سفر يوحنا، حين قال لاتحاد المذيعين الدينيين الذي يتألف معظمه من الصهيونيين المسيحيين: (بين دفتي هذا الكتاب الوحيد توجد جميع الإجابات على جميع المشاكل التي تواجهنا اليوم)(24). وقد خاطب ريغان الاتحاد ا لوطني للمذيعين الدينيين ثلاث مرات في أعوام 82 ـ 83 ـ 1984 وكان في كل مرة يؤكد أن (الحرب النووية قادمة، وأن ذلك مقبل أكثر مما نتصور)(25)؟. وقد كان ريغان من أكثر الرؤساء الأمريكيين إيماناً والتزاماً بعقيدة الصهيونية المسيحية، وكان يؤمن بنظرية هر مجيدون، حيث قال للزعيم اليهودي توم داين: (كما تعرف إنني أستند إلى أنبيائك القدامى في العهد القديم، وإلى المؤشرات التي تخبر بهر مجدون وإني أتساءل هل نحن الجيل الذي سيشهد وقوع هذه الواقعة؟ لا أعرف إن كنت قد لاحظت مؤخراً أياً من النبوءات، ولكن صدقني إنها تصف حقاً الوقت الذي نمر به)26). وأما في حديثه إلى الإنجيلي "هارولد برتسن" من كليفورنيا فقد أكد ريغان (على حقيقة الوعد بأن القدس سوف تدنس تحت أقدام العامة "جنتيل" إلى أن ينتهي وقت العامة، وهذه النبوءة تحققت في عام 1967 عندما أعيد توحيد القدس تحت العلم الإسرائيلي)(27) ولذلك فإن فترة رئاسته اعتبرت الفترة الذهبية للصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة. في كتابها (النبوءة والسياسة) تقول الكاتبة الأمريكية غريس هالسل: (عندما وصلنا إلى الحرم الشريف الذي يضم قبة الصخرة والمسجد الأقصى وهما يمثلان أكثر الصروح الإسلامية قدسية في القدس.. قال لنا الدليل وهو يشير إلى قبة الصخرة وإلى المسجد الأقصى: هناك سنبني الهيكل الثالث. لقد أعددنا جميع الخطط لبناء الهيكل، حتى أن مواد البناء أصبحت جاهزة، إنها محفوظة في مكان سري، هناك معامل عديدة لإنتاج التحف الفنية التي سنستعملها في الهيكل الجديد، إن أحد الإسرائيلي ينسج الآن قماشاً من الحرير الخالص لاستعماله في صناعة أثواب الحاخاميين في الهيكل). وتقول الكاتبة ـ التي كانت تكتب الخطاب السياسي للرئيس الأمريكي الأسبق ليندون جونسون ـ : بعد الزيارة تملكني الخوف من أنه إذا شن اليهود المتعصبون بمؤازرة المسيحيين المتعصبين حرباً مقدسة، أو أقدموا على تدمير أكثر الأماكن المقدسة في القدس، فإنهم قد يتسببوا في حرب عالمية ثالثة ومجزرة نووية). وتنقل غريس هالسل عن أحد أعضاء منظمات الصهيونية المسيحية قولـه (إننا نؤمن أن التاريخ الآن يطوي مرحلته السابعة وهي مرحلة الذروة: إقامة مملكة المسيح حيث يحكم المسيح في القدس لألف عام. إن كل اليهود سوف يتحولون إلى المسيحية، وسوف يساهمون في مملكته الألفية، مملكة حقيقية تكون القدس مركزها ا لرئيسي)(28). وهناك الكثير من القساوسة من اليمين الديني المتطرف الذين يدعون إلى قيام المعركة الكبرى بعد تدمير المسجد الأقصى من أمثال جيري فالويل وبات روبرتسون وهول ليندسي، وجيمي سواغارت وغيرهم. فجيري فالويل زعيم الأكثرية الأخلاقية الأمريكية، الذي نشر عام 1983 كتاباً بعنوان (الحرب النووية والمجيء الثاني للمسيح) لا يكف عن الترديد أن هر مجيدون هي حقيقة، ويقول (إن من يؤمن بالكتاب المقدس حقاً يرى المسيحية ودولة "إسرائيل" الحديثة مترابطتين على نحو لا ينفصم، وإن إعادة دولة إسرائيل وإنشائها في العام 1948 لهي في نظر كل مسيحي مؤمن بالكتاب المقدس تحقيق لنبوءات العهدين القديم والجديد). وأما بات روبرتسون فقد رافق جورج بوش الأب إلى جنوب السودان أثناء عملية ترحيل اليهود الفلاشا، ثم قام بتأليف جماعة الائتلاف المسيحي، وأصدر عام 1985 كتاباً يحمل اسم النظام العالمي الجديد(29). لقد تمدد هذا التيار، بشكل مذهل أثناء إدارتي ريغان وبوش المحافظتين، وكان من أبرز رموزه القس بات روبرتسون الذي كان طموحه خلق مجتمع ديني (يخاف الله) يوازي المجتمع العلماني، وكان روبرتسون وفالويل وغيرهم من رموز الصهاينة المسيحيين، والذين يقودون الجماعات المغرقة في التدين والطقوس، يطالبون كما يقول (جان دانيال) بقيام (ديانة مدنية قائمة على احترام الله والحرية الدينية، وقيم العائلة، والنضال ضد الفجور، والإجهاض، والشذوذ الجنسي، والأفكار الليبرالية المستوردة من أوروبا)(30). كما تنامت حركة (المسيحية الصهيونية) في الحزب الجمهوري بشكل خاص، بعد الخلاف الأمريكي الصهيوني حول ضمانات القروض قبل مؤتمر مدريد، في تلك الآونة قامت "إيباك" اللجنة الأمريكية الصهيونية للعلاقات العامة والتي يدعمها حزب الليكود، ببذل جهود كبير للعمل على تطويق الحزب الجمهوري والذي لم يكن معروفاً بولائه الشديد للكيان الصهيوني، كما هي حال الحزب الديمقراطي، وعملت على تغذية حركة ا لمسيحيين الصهاينة، والجناح المحافظ الجديد في الحزب الجمهوري، فحصد هؤلاء خلال عشر سنوات تأييداً واسع النطاق من مفكري اليمين، وانطلق مفكرو المحافظين الجدد ومن بينهم كتاب وصحافيون بارزون من أمثال تشارلز كراوتهمامر، وبيل كريستول، ونورمان فودهوركز في إطلاق حملة لدعم الكيان الصهويني. وقد عمل مناحيم بيغن رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأسبق على عقد أواصر التحالف والعلاقات غير المشروطة بين الليكود واليمين المسيحي الأمريكي المتطرف؟ القدس عنوان المقاومة. من المعروف أن الجنرال شارون شق طريقه إلى رئاسة الحكومة الصهيونية، وإلى زعامة حزب "الليكود" من خلال عملية تدنيس المسجد الأقصى في الثامن والعشرين من أيلول عام 2000 بحماية ثلاثة آلاف جندي صهيوني، ومن المعروف أيضاً أن هذه العملية فجرت الانتفاضة الفلسطينية المستمرة منذ ذلك الوقت وحتى الآن. وقد شكل انتخاب (جورج بوش) رئيساً للولايات المتحدة، وسيطرة المحافظين الجدد، وفي القلب منهم تيار (الاستراتيجيون الإسرائيليون) المدعوم من قبل تيار (المسيحيين الصهاينة) على مقاليد القرار في الولايات المتحدة، وبالتزامن مع انتخاب (آرييل شارون) زعيم حزب الليكود رئيساً لحكومة الكيان الصهيوني في السادس من شباط 2001، وبأغلبية 62.3%، بمنعطفات كانت تشي ومنذ بداياتها بأخطار هائلة تستجمع نذرها للاتجاه نحو الانتفاضة، فقد أظهرت تلك الانتخابات مقدار التماثل والترابط بين صعود التطرف اليميني في الولايات المتحدة وتنامي تيار التطرف في الكيان الصهيوني، فكل منهما تطور بشكل دراماتيكي خلال عقد التسعينات من القرن الماضي، وكل منهما تجنب الظهور والتحدث عن مقدار قوته وتأثيره خلال تلك الفترة. الرئيس بوش الذي ينتمي إلى اليمين المسيحي الأصولي قدم إلى الحكم وهو يمثل قوى سياسية أيدلوجية، ذات مكانة اقتصادية هائلة، لها أهدافها ودوافعها المحددة، حيث تم تلاقي المحافظين الجدد مع الإنجيليين الجدد، وأصبح ديك تشيني، نائب الرئيس هو المسؤول عن طاقم المحافظين كله، باستثناء كولن باول الذي أصر عليه بوش الأب، بيد أن هذا (الانقلاب) ما كان ليكتمل لولا أن الرئيس بوش قد (اكتشف) نعمة الإيمان والتدين من خلال (الولادة من جديد) اعتماداً على الأيدلوجية الألفية المتشددة، فتراكب محور التطرف الديني، مع محور المحافظة، فبوش أقسم اليمين الدستورية على الإنجيل أمام جيري فالويل خلال تنصيبه رئيساً، وجيري فالويل هو الذي وسم النبي محمد (بأنه إرهابي) وهو الذي قال: (وعد الله لإبراهيم منذ أربعة آلاف عام.. سأبارك من يبارك إسرائيل وألعن من يلعنها، ومن هذا الموقف اللاهوتي فإنه على الولايات المتحدة أن لا تتردد في تقديم كل المالي والعسكري لإسرائيل) ويقول (الله يحب اليهود لأن الله يتعامل مع الأمم حسبما تتعامل هذه الأمم مع إسرائيل ومخلصنا المسيح كان يهودياً)(31). والذي ترأس قداس الصلاة بمناسبة أداء جور ج بوش القسم الدستوري عام 2000 هو فرانكيلين غراهام الذي لعب دوراً أساسياً في رحلة جورج بوش من التحلل إلى الإيمان. يقول القس جورج أوتيس وهو من أحد أبرز قيادتي هذه الحركة (إنشاء إسرائيل الحديثة هو إيفاء لا ينازع للنبوءات التوراتية ونذير بمقدم المسيح "إضافة إلى علامات أخرى هي تبشير العالم، وسقوط بابل، ونشوب الصراعات والحروب، يليها ظهور الدجال، حيث تتوج بعدها بمعركة هرمجدون التي تهاجم فيها (الأمم ـ أعداء الله) (شعب الله المختار) ويقهرون ويخضعون فيها لحكم صهيون)(32). وقد تحول هذا التيار في عهد بوش الابن إلى قوة ريادية داخل الإدارة الأمريكية، لأنه قام بدور فعال في توليه منصب الرئاسة، ومن هنا كان هذا الفريق يلعب دوراً رئيساً وهاماً في صبغ لون تفكير الإدارة الأمريكية، ورسم سياساتها، إما على قاعدة الانتماء المذهبي، أو القومي،أو على مبدأ المنفعة. وترتدي أحداث 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة، أهمية بالغة الدلالة لما تحمل في ذرائعها من محاولات لا محدودة لإعادة تشكيل وعي عالمي جديد، يسير في اتجاه تعزيز دور الولايات المتحدة من خلال صيغة هيمنة متطورة تقوم على فكرة مقاومة الإرهاب، وتنطلق من المواقف الدولية التي احتشدت لإدانة هذه الأعمال، وكان باعثها الأساسي لذلك أخلاقي وقانوني وإنساني، قبل الباعث الاصطفائي الأمريكي في تحديداته النظرية وأهدافه المضمرة في تأطير مفهوم الإرهاب، فقد كانت أحداث 11 أيلول خطوة مهمة ليخطو صقور الإدارة الأمريكية الذين ينتمون إلى تيار المحافظين الجدد والذين حملوا معهم أجندة كونية لفرض الهيمنة الأمريكية على ا لكرة الأرضية، خطوات مهمة وعميقة، واعية بملامحها وأبعادها لتطبيق رؤيتهم التي تستهدف إقامة نظامهم الإمبراطوري الأحادي، فأشاعوا في وسائل الإعلام أن العدو الذي دمر المركزين اللذين يرمزان إلى جبروت القوة الأمريكية هو عدو غير منظور، سري، متعصب وشرير، مغرق في كراهيته للولايات المتحدة الأمريكية (الطيبة)، التي تجسد الخير كله؟!، وهو من دون شك يستعد لتوجيه ضربات جديدة. فقد اندفع المحافظون بعد ضربة 11/ 9 الزلزالية إلى التعامل مع المحيط الخارجي بكل فلسفة القوة المدمرة الوحيدة، بعد اتهام العرب والمسلمين بأنهم مسؤولون عنها ليس فقط بالمعنى المباشر، أي بمعنى المسؤولية عن تلك الأحداث بل وباعتبار أن بنيتهم ا لمجتمعية هي المسؤولة عن تفريخ الإرهاب، ومن هنا سنحت الفرصة للمحافظين الجدد بكل غلوهم في التطرف، لكي يعتبروا أن هناك عدوا بالغ الخطورة يتربص بالولايات المتحدة، وإن لهذا العدو امتدادته عبر أكثر من دولة، وهكذا فإن ساعة (الحرب الصليبية المقدسة) قد دنت ضد الإرهاب. وفي هذا السياق ظهرت زلة لسان أكثر من مسؤول أمريكي في وسائل الإعلام، لتشي بإدراكهم للصراع باعتباره (حرباً صليبية جديدة) أو صراعاً مع حضارة متدنية هي الحضارة الإسلامية، مما جعل الرئيس الأمريكي يندفع وراء (الحلم الأمريكي الجديد) بحماس منقطع النظير مستخدماً خطاباً أيدلوجياً دينياً رؤيوياً لتبرير مشروعه يتعالى فيه فوق كل ا لاعتبارات التي اعتادت السياسة الدولية اعتمادها، ووجدت أفكار تغيير العالم بالقوة لصالح قيم الولايات المتحدة ومصالحها، التربة الخصبة للتطبيق والأدوات السياسية والعسكرية للمضي قدماً لتطبيق مشروعها الإمبراطوري. وبالتوازي مع ذلك، وفي مواكبة مثيرة للجدل، أشار شارون في مؤتمر صحفي إلى مسؤولية المسلمين عن هذا العمل، وحاول في الوقت نفسه، دمج ما حدث في نيويورك وواشنطن، بما تشهده فلسطين المحتلة من شعب يطالب بحقوقه الوطنية التي كفلتها الشرعية الدولية، حيث قال: (إن ما حصل للولايات المتحدة تعيشه إسرائيل يومياً،.. (ثم أضاف) إنها معركة واحدة ضد الإرهاب تجمع إسرائيل وأمريكا والعالم الحر)!.. أما شمعون بيريز فقد قال في ا ليوم نفسه: (الهجوم لم يكن فقط على أمريكا، بل على الحضارة، وهدفه سيادة شريعة الغاب)(33). وقد تصادف وجود إيهود باراك رئيس وزراء الكيان الصهيوني في لندن أثناء الهجمات حيث فتحت لـه أبواب (البي بي سي) ليبث من خلالها آراءه الحاقدة على العرب والمسلمين من خلال تأكيده أن (الدين الإسلامي دين إرهاب)(34). إن مقاربة ردود الأفعال العنيفة جداً ومطابخ صناعة القرار، تحيلنا إلى المنظمات الأمريكية المتطرفة، وإلى منظمات المسيحية الصهيونية، ومن يساندها في وسائل الإعلام، التي اقتنصت الفرصة الذهبية، وعملت على تفعيل الحدث نهاية إلىالحل التاريخي حسب مفاهيم وتصورات هذه الجماعات في معركة هر مجدون ونشوب الحرب (الإسلامية ـ المسيحية) المفترضة!! وقد كان التهافت الصهيوني في الذهاب إلى أبعد مدى ممكن لاستثمار هذه الأحداث وتجييرها لخدمة مصالحه فقد قال باراك رئيس وزراء الكيان الصهيوني السابق في حوار أجرته معه صحيفة لوموند الفرنسية ونشر بتاريخ 14/ 9/ 2001 (على كل طرف أن يختار فريقه، وإذا كان من الضروري ألا تبدو محاربة الإرهاب وكأنها حرب "يهودية ـ مسيحية ضد الإسلام، فإن من واجب كل طرف أن يختار فريقه وبالتالي ينبغي ألا يقتصر الجهد المقبل على ضرب البنية التحتية للذين نعرفهم جميعاً، أي بن لادن وحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي)(35). وحسب هذه الرؤية طرحت الحكومة الصهيونية مفهوماً لما كانت تعتبره إرهاباً، مغلقاً بالتضليل المعرفي والنفاق الأيدلوجي، واعتبرت الانتفاضة الفلسطينية، على أنها انتفاضة إرهابية، وتبنت أمريكا ووسائل إعلامها هذا المفهوم وعملت على ترويجه. هذه الرؤية النابعة من التقاليد الراسخة للعلاقة الأمريكية ـ الصهيونية، التي تذهب إلى استغلال وتجيير كل المتغيرات الدولية لصالحها، وتكرس جميع المتغيرات خدمة للنموذج الصهيوني الأمريكي، قد جعلت الانتفاضة الفلسطينية تواجه جرائم الإبادة الجماعية، والمجازر الجماعية على غرار ما حدث في العديد من المخيمات منها على سبيل المثال لا الحصر، مخيم جنين، مخيم رفح. هذه الجرائم التي أوضحت بشكل واضح "إرهاب دولة" سعى من خلاله الكيان الصهيوني وبقوة لا حدود لها إلى فرض رؤيته الوحيدة الجانب والتي تقتضي إخضاع الشعب العربي الفلسطيني للمطامع الصهيونية في الأرض الفلسطينية. واليوم وفي ظل هذه المتغيرات الدولية الهائلة التي تأتي في وقت يشعر فيه الكيان الصهيوني أنه يملك أوراق جميع الأوراق المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ولا سيما بعد "الحرب على العراق" والتجديد الانتخابي لإدارة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، اجتمعت ثلاثة أحداث في القدس، الأول تمثل في قرار سلطات الاحتلال الصهيوني إغلاق ستة مراكز انتخاب في القدس الشرقية في 13 أيلول 2004، والثاني اقتراح المخطط الهيكلي الجديد في 21 أيلول 2004 بإبطاء وتيرة النمو السكاني في البلدة القديمة، وذلك بمنع الاكتظاظ، في إشارة إلى الحي الإسلامي أكثر الأحياء المكتظة، وعرض تعويضات لمن يغادر بيته إلى خارج القدس، والثالث تمثل في التحذير الذي أطلقته الأجهزة الأمنية الصهيونية في السادس والعشرين من أيلول 2004من احتمال حدوث انهيار بالمسجد الأقصى في شهر رمضان المقبل، وهو ما اعتبرته الأوقاف الإسلامية تمهيداً وتهيئة لهدم المسجد. إن المتغيرات التي حصلت في المنطقة والعالم جعلت الكيان يشعر أنه باستطاعته استكمال الحلم العنصري الصهيوني الأكبر والمتمثل بما يزعمه الصهاينة من ضرورة إعادة بناء الهيكل، واعتبار الوجود العربي الإسلامي في القدس "احتلالاً"، واستمرار المسجد الأقصى وكأنه عدوان عليهم. فإنه من المهم بمكان إطلاق حملة إعلامية سياسية لدى الرأي العام العربي والإسلامي، والرأي العام العالمي، وحتى داخل الدول التي تجهر بمناصرتها للكيان الصهيوني، تفضح المخطط الذي يتم التحضير لتنفيذه، والذي قد يتم الإقدام عليه في أسرع وقت ممكن، من خلال استغلال الكيان الصهيوني وجود قوى التطرف والتعصب على رأس الإدارة الأمريكية وخاصة بعد ما فازت هذه الإدارة بفترة رئاسة ثانية. الهوامش (1) سمير صالح، دوائر الخراب ـ الاستشراق والعنصرية الصهيوني، دار النمير، دمشق، 2002، ط1، ص 282. (2 د. طلال ناجي، النفوذ الصهيوني في العالم بين الحقيقة والوهم ـ الولايات المتحدة نموذجاً، مركز دراسات الغد العربي، 2004، ط1، ص 204. (3 الدكتور القس رياض جرجورة، صناعة القرار في أمريكا، الدين ـ الاقتصاد ـ السياسة، مركز الإمام الخميني الثقافة، بيروت، 2004، ص 18. (4) إصحاح الرؤيا ليوحنا الرسول ـ الكتاب المقدس ـ العهد الجديد ـ دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، 1996. (5) المصدر السابق. (6) المصدر السابق. (7) المصدر السابق. (8) غريس هالسل، النبوءة والسياسة، ترجمة محمد السماك، إصدار جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، طرابلس، الجماهيرية الليبية، 1989، ط1، 53. (9) ريجينا الشريف، الصهيونية غير اليهودية، ترجمة أحمد عبد العزيز، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 96، 1985، ص 186. (10) جيروم شاهين، هل جورج بوش يتهيأ لمعركة هر مجدون، صحيفة المستقبل، بيروت تاريخ 18 آذار 2003. (11) ريجينا الشريف، مصدر سابق، ص 190. (12) المصدر السابق، ص 216 (13) المصدر السابق، ص 216 (14) المصدر السابق، ص 215 (15) علي أبو الحسن، فلسطين العربية في ظل الاحتلال الصهيوني نتطقة نفوذ للولايات المتحدة الأمريكية، دار الحكمة، بيروت، 1990، ص 54. (16) نورتون فريش. ريتشارد ستيفتر، الفكر السياسي الأمريكي، ترجمة هشام عبد الله، إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1991، ص 53. (17) كلود جوليان ـ الحلم والتاريخ أو متنا عام من تاريخ أمريكا، ترجمة نخلة كلاس، إصدار دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق 1989، ص 208؟ (18) نورثون فريش. ريتشارد ستيفتر، مصدر سابق، ص 19. (19) سمير صالح، مصدر سابق، ص 245. (20) محمد السماك، الحرب على العراق.. وعلى المسجد الأقصى، صحيفة الاتحاد، الإمارات العربية المتحدة، تاريخ 18 نيسان 2003. (21) حسن الباش، القدس بين رؤيتين.. هل تحسم النبوءات الصراع، دار قتيبة، دمشق، 1997، ط1، ص 98. (22) غريس هالسل، مصدر سبق ذكره، ص 133. (23) المصدر السابق، ص 67. (24) المصدر السابق، ص 67. (25) المصدر السابق، ص 67. (26) المصدر السابق، ص 68. (27) المصدر السابق، ص 68. (28) المصدر السابق، ص 94. (29) سمير صالح، مصدر سابق ص 238. (30) د. غسان رفاعي، محاكم تفتيش، صحيفة تشرين / دمشق ـ العدد 9037 تاريخ 5 أيلول 2004 (31) سامي عجمي، صناعة القرار في أمريكا، مصدر سابق ص 62. (32) (33) سمير صالح، مصدر سابق، ص 264. (34) المصدر السابق، ص 264 (35) المصدر السابق، ص 265 (1) الولادة من جديد: هي عقيدة بروتستانتية تحدد وتعترف فقط بالمسيحيين الذين تسنى لهم معرفة عقيدتهم المسيحية للمرة الثانية في حياتهم، إذ تحسب عليهم معرفتهم الثانية للدين المسيحي كالعمادة الفعلية والحقيقية، لا الأولى التي تلقوها بعد الولادة. كما تعتقد أن الولادة الثانية تحصل من خلال تجربة فردية تواجه الإنسان ويغير من خلالها الإله مسار حياته، كما تعتبر أن اكتشاف حقيقة الإيمان والدين هو أمر يتجلى في علاقة متميزة تكون بمثابة احتكاك شخصي بين الإنسان وبين خالقه. (2) باحث وكاتب فلسطيني. (3) الاتفاق الجديد هو البرنامج التشريعي والإداري الذي أطلقه روزفلت في منتصف ثلاثينات القرن الماضي لمواجهة أزمة الركود الاقتصادي العظيم من خلال سلسلة طويلة من الإجراءات الاقتصادية، عمدت الحكومة خلالها إلى توسيع نطاق مسؤولياتها وصلاحياتها في ضبط رأس المال المتوحش الذي لا يهمه سوى الربح، وخول لها تلك الصلاحيات التي تدعو الحكومة الفيدرالية إلى تولي المسؤولية في إدارة الاقتصاد، بما في ذلك تحديد شروط عمل عادلة، وتنظيم الأجور وساعات العمل، والنقد والبنوك، وضمان المبادلات، وغير ذلك وتشريع برامج (الرفاه) التي تهدف إلى تقديم الرعاية الصحية للمسنني وللعاطلين عن العمل من قبل الحكومة. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |