|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
أمريكا اللاتينية تتجه نحو اليسار ـــ توفيق المديني يجمع المحللون في العالم أن القارة الأمريكية الجنوبية انعطفت إلى اليسار. ففي بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي 1990، وبعد العودة إلى الديمقراطية في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية، اجتاحت القارة الجنوبية رياح عاتية من الليبرالية الجديدة التي أعادت تشكيل السياسات الاقتصادية الاجتماعية التي سارت عليها بلدان أمريكا اللاتينية منذ انتهاء عهد الديكتاتوريات العسكرية مع أواسط الثمانينات من القرن الماضي. واعتقد الجميع أن ساعة النيوليبرالية المظفرة قد دقت. ففي ظل الضغوطات التي مارستها المؤسسات الدولية المانحة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والنظرة المتحرسة للولايات المتحدة الأمريكية، بحثت حكومات أمريكا اللاتينية في أمر معالجة أمراضها الهيكلية ـ الفقر، الفساد، عدم المساواة، والمديونية الخارجية ـ من خلال التكيف مع القواعد الجديدة للعولمة الرأسمالية المتوحشة. باستثناء كوبا، حيث أنه بعد خمس عشرة سنة من انهيار الشيوعية السوفياتية، حاولت هذه الثورة الخمسينية أن تحافظ على أسطورة "الاشتراكية في بلد واحد". وتعيش أمريكا اللاتينية تحولاً عميقاً رصيناً. إنها تتحرر من النماذج الاقتصادية المستوردة التي طبعت كل تاريخها منذ عقود. فمن البنيوية على النقدية، ومن الماركسية إلى الليبرالية، رقصت القارة كلها رقصة دائرية من البراديغمات، متأقلمة في المدارات الاستوائية الدروس القادمة من الجار الكبير الشمالي. إن "توافق واشنطن" الشهيرة وهو عبارة عن مذهب اقتصادي ليبرالي يقوم على فلسفة التقشف، والتخصيص، والتحرير والانضباط في الموازنة، والإصلاح الضريبي، وتخفيض النفقات العامة، وتحرير المبادلات التجارية والأسواق المالية، لم يكن سوى نموذج إضافي. ولقد استنبطت تدابير "توافق واشنطن" هذا الرد على كل المشاكل الاقتصادية التي كانت تواجه معظم بلدان العالم سواء في المراكز الرأسمالية المتقدمة أم في البلدان المتخلفة التي كانت تعاني من عجوزات كبيرة في موازناتها، حيث كانت خسائر المؤسسات العامة غير الفعالة تسهم في هذا العجز. ولذا سوف يسميه خبراء الاقتصاد أيضاً بـ "التفكير الأحادي". وفي عقد التسعينات عملت الولايات المتحدة الأمريكية على فرض هذا النموذج الاقتصادي أي النيوليبرالية في إطار الترويج للعولمة، وبرامج التثبيت والتكيف الهيكلي، وبرامج الإصلاح الاقتصادي أي النيوليبرالية في إطار الترويج للعولمة، وبرامج التثبيت والتكيف الهيكلي، وبرامج الإصلاح الاقتصادي، على معظم بلدان العالم الثالث لكي تتبناه، بوصفه نموذجاً اقتصادياً نيوليبراليا مفروضاً من قبل الرأسمال الاحتكاري الأمريكي مقابل تدفق الاستثمارات. وعلى عكس ما كانت تروج لـه العولمة الرأسمالية تماماً، ازداد الفقر في بلدان أمريكا اللاتينية فالحكومات لم تجلب لهم الرفاهية الموعودة، وهي عاجزة عن إعادة توزيع الثروة بشكل عادل. وهكذا، فإن 71% من الأمريكيين اللاتينيين يعتقدون أنهم محكومون من قبل جماعات صغيرة لا تراعي إلا مصالحها الخاصة ومصالح السوق. ويغذي هذا الإحباط الأحقاد، ويقسم السكان، إلى مجتمعين متصارعين، كما شاهدنا ذلك في فنزويلا، وبوليفيا والأرجنتين أيضاً. وإذا كان سكان المنطقة يعتقدون أن حرية السوق يمكن أن تكون نموذجاً جيداً للتنمية، إلا أنهم يطالبون بتحويل الديموقراطية الانتخابية إلى ديموقراطية أكثر اجتماعية وتشاركية. إن التحول الاقتصادي والاجتماعي في أمريكا اللاتينية لا يسير وفق خط متوازن. يقول المنسق للمجلس الأمريكي ـ اللاتيني للعلوم الاجتماعية، وإيميليو طادي: "نحن الآن في وضع استطاعت من خلاله الصراعات الاجتماعية أن تعبر عن نفسها منذ ثلاث سنوات، إذ نجحت في إنتاج تغيرات على الصعيد المؤسساتي لولا في البرازيل، وكيرشنير في الأرجنتين. أما على الصعيد الاقتصادي، فلم يتم التخلي عن السياسات النيوليبرالية(...) ما يجري حسب تحليله، هو إعادة شرعنة النظام السياسي، مع المحافظة على الصور التقليدية. في الأرجنتين على سبيل المثال، من المفترض أن يحقق النمو رقماً قياسياً بنحو 6% ولكن البطالة هي في ارتفاع مستمر ويعيش 50% من السكان في الفقر. الرياح تغير اتجاهها، فقد حملت الانتخابات الديمقراطية إلى السلطة في بلدان أمريكا اللاتينية، الواحدة بعد الأخرى، قيادات تتبنى بشكل أو بآخر، اليسار. فلم يكد يمر أقل من شهر منذ إعلان فوز زعيم الحركة الاشتراكية، ايفو موراليس، بمقعد الرئاسة في بوليفيا، في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2005 حتى تدعمت ظاهرة الهوية اليسارية الجديدة لأمريكا اللاتينية، تلك القارة الملاصقة للولايات المتحدة وفنائها الخلفي ومجالها الحيوي، وتعزز الانعطاف اليساري في هذه القارة، في ضوء ما أسفرت عنه الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية والتي جرت في تشيلي، في 15 يناير / كانون الثاني 2006، بفوز مرشحة يسار الوسط، ميشال باشليه، على منافسها اليميني سباستيان بنييرا، لتصبح بذلك أول امرأة تصل إلى سدة الحكم بالاقتراع العام في بلادها، وفي عموم أمريكا اللاتينية، ذلك اليسار النابع من الشعب والمندمج بصفوف الكادحين منه وفقرائه ومثقفيه العضويين، عبر انتخاب عدد من الرموز اليسارية وإيصالهم إلى سدة السلطة، وتزايد المخاوف الأمريكية من اتساع نطاق هذه الظاهرة. 1 ـ (الثورة البوليفارية) في فنزويلا للمرة الثانية في عامين، انتصر الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز على معارضيه من النخبة السياسية والاقتصادية الحاكمة سابقاً. ورفضت الولايات المتحدة الأمريكية الاعتراف بنتيجة الاستفتاء الذي أظهر انتصار الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز في الاستفتاء على ولايته وطالبت بإجراء تحقيق سريع وكامل وشفاف في "عمليات التزوير" التي تندد بها المعارضة الفنزويلية. وتضاعف إدارة السيد جورج بوش من تهجماتها الكلامية في حق الرئيس "البوليفاري". وما يثير حنقها يومياً هو أنه لم يبد حماسة كبيرة لالتزام "محاربة الإرهاب" وخصوصاً ضد رجال العصابات الكولومبية، والاتفاقات العسكرية التي عقدها مع الصين وروسيا، وخطابه المعادي للإمبريالية الأمريكية. وكان هوغو شافيز الكولونيل في سلاح المظليين قام بمحاولة انقلاب فاشلة في شباط / فبراير عام 1992، ليضع حداً لثلاثين سنة من هيمنة حزبي الحركة الديموقراطية (اشتراكي ديموقراطي) وكوبايي (الديموقراطي المسيحي)، اللذين كانا، في هذه البلاد المنتجة للنفط، قد أوصلا الفنزويليين إلى ما تحت عتبة الفقر. وبعدما أطلق من السجن، وصل هذا المتمرد بالطرق الديموقراطية إلى السلطة في كانون الأول / ديسمبر عام 1998. وقد سبقت إعادة انتخابه في 30 تموز / يوليو عام 2000 تعديلات جذرية في الدستور، تمت المصادقة عليها عبر عملية استفتاء شعبي. وفي الإجمال، فقد انتصر السيد شافيز وتغيرت القيادة الفنزويلية بصورة سلمية. ومنذ أن تولى رئاسة الدولة الفنزويلية، تقود حكومة تشافيز ثورة لا مثيل لها: "فهي ليست اشتراكية ولا شيوعية، كونها متشكلة في إطار الرأسمالية، لكنها جذرية في حضها على تغييرات أساسية في البنية الاقتصادية"، بحسب ما يوضح الوزير في رئاسة الجمهورية رافييل فارغاس. فقد عملت كراكاس أيضاً، عبر إعادة إحياء دور منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبيك) التوصل إلى سياسة بترولية تسمح بالحفاظ على سعر النفط الخام على مستوى أعلى من 22 دولاراً للبرميل الواحد، مثيرة بذلك الكثير من الامتعاض في واشنطن، كما أنها ضاعفت من تصريحاتها ضد العولمة الليبرالية الجديدة داعية على عالم متعدد القطب، معارضة بذلك سعي الولايات المتحدة إلى الهيمنة. واعتمد الرئيس شافيز على ركيزتين من أجل التغلب على البنى التي تعوق مسيرته، الجيش من حيث أتى، وهو العمود الفقري للدولة، وأبناء الشعب غير المنتظمين الذين أوصلوه إلى السلطة. ففي نيسان / أبريل عام 2001، حين دعا إلى تشكيل "مليون حلقة بوليفارية" لدعمه، استجاب دعوته بحماسة عشرات الآلاف من الفنزويليين، كل في شارعه أو حيه أو في مدن الأكواخ. ولم يقم الرئيس شافيز بحرق المراحل في سبيل تطبيق برنامجه الإصلاحي على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، لأنه كان يعرف جيداً سباق الحواجز نفسه في أجهز الدولة والإدارة التي تأصل فيها الفساد بعد أربعين عاماً من الزباينية. ولم يقم بعملية تطهير داخل أجهزة ومؤسسات الدولة، بل سعى إلى تطبيق الإصلاحات، بالاعتماد على بعض كبار الموظفين داخل إدارتهم، وحاول تأمين التغيير مع الناس أنفسهم، وهم في غالبيتهم من عناصر حزبي الحركة الديموقراطية وكوبايي المعارضتين. فهذا الجيش من الموظفين الوسطاء والمستخدمين يعوق تنفيذ البرامج ويخرب المشاريع ويشل تحويل الموارد إلى الإدارات البلدية. لكن القضية التي أثارت حنق المعارضة المتحالفة مع واشنطن هو وضع الدولة يدها على النفط، الذي يشكل 70 في المئة من الصادرات و 40 في المئة من واردات الدولة. وبعد انهيار أسعاره إثر أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، كان من شأن زيارات السيد شافيز إلى أوروبا والجزائر وليبيا والسعودية وإيران وروسيا وحتى إلى العراق، كما نشاط السيد علي رودريغيز، الأمين العام لمنظمة "أوبيك" الفنزويلي الأصل، أنها ساعدت في تثبيت الأسعار عبر خفض تدريجي منظم للإنتاج. إن شركة بترول فنزويلا (PDVSA) هي شركة مغفلة والدولة هي المساهم الوحيد فيها، لكنها واقعة تحت قبضة مجموعة من أربعين موظفاً كبيراً، و"جنرالات النفط هؤلاء" هم الذين يضعون قوانينها ويطبقون سياستهم، ويعطون الأولوية للمصالح الأمريكية، ويخرقون معايير منظمة "أوبيك" عبر زيادة الإنتاج ويبيعون بخسارة ويضعفون الشركة تحضيراً لخصخصتها. وكان هم الرئيس شافيز أن يعيد لهذه الشركة دورها في المشروع الإصلاحي، فأراد أن تستعيد الدولة السيطرة على هذا القطاع الاستراتيجي الذي تميز نظامه المالي بالانحراف والفساد. فمن أصل 75 في المئة من الأرباح المخصصة للدولة منذ ما يقارب العشرين سنة (فيما تحفظ الـ 25 في المئة للشركة) صارت حصة الشركة 70 في المئة (و 30 في المئة للمالية). وقد عين شافيز رئيساً جديداً للشركة هو السيد غاستون بارا وفريقاً إدارياً معه. لكن وباسم الوعود بالترقي لمن كان الأفضل، والفاعلية في الإدارة والإنتاجية، وتحقيق الأرباح والاستقلالية في مواجهة "التسييس" الذي فرضته الحكومة، تذرع هؤلاء التكنوقراطيين بـ "مفهوم الجدارة" هذا الذي ابتدعوه لكي يرفضوا التعيينات ويدعوا إلى العصيان من خلال التحريض المباشر الذي تمارسه واشنطن عبر أحزاب المعارضة. ومؤخراً، عقد المنتدى الاجتماعي العالمي دورته السادسة في كراكاس عاصمة فنزويلا ما بيم 24 إلى 29 يناير الماضي، واختتم أعماله بعد ستة أيام من المناقشات حول العولمة، وتقدم اليسار في أمريكا اللاتينية، والحرب، هي مناقشات شهدت تجاذباً قوياً بين فريق يدعو إلى تسييس المنتدى، وآخر يرغب في حماية استقلاليته. وقد طغى تسييس المنتدى بقوة، خصوصاً وأن بوصلة أمريكا اللاتينية تتجه نحو اليسار بعد سلسلة الانتخابات العامة الأخيرة التي أكدت انطلاقة تحرر دول أمريكا اللاتينية من الهيمنة الأمريكية. فقد أصبح ثلثا أمريكا اللاتينية يغرد بعيداً عن سرب الولايات المتحدة، بعد أن كانت ومنذ أواسط القرن التاسع عشر تعتبر امتداداً طبيعياً للمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة. لكن الذي أعطى بعداً تسيسياً للمنتدى هو مشاركة الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز شخصياً في أحداث المنتدى، إذ ألقى كلمة في حفل الختام دعا فيها النشطاء إلى إطلاق "حملة عالمية" ضد الرأسمالية والإمبريالية الأمريكية. وأكد أيضاً أن "الثورة البوليفارية" تقدم التجربة الأكثر راديكالية في مناهضة العولمة النيوليبرالية. فما هي الوسائل التي يمتلكها شافيز لتمويل "ثورته البوليفارية"؟ قبل كل شيء، تعتبر فنزويلا التي يصل تعداد سكانها إلى 25 مليون نسمة، خامس منتج للنفط في العالم، وسابع أكبر دولة في أمريكا اللاتينية. وما بين 2003 و 2005، شهد العالم ارتفاعاً جنونياً لأسعار النفط، فتضاعفت العائدات المتأتية من الصادرات النفطية في فنزويلا، لتتجاوز 35،6 مليار يورو أو ما يعادل 42 مليار دولار. وأكثر من نصف موازنة الدولة يتوقف على الضرائب والعائدات المقتطعة من الشركات النفطية. وقد تم أيضاً تعويم خزائن الدولة من خلال مكافحة التهرب الضريبي، في بلد يعتبر التهرب من دفع الضرائب ـ مثل باقي دول أمريكا اللاتينية ـ مرتفعاً تاريخياً. خلال السنتين الأخيرتين، ارتفعت النفقات العامة أيضاً بما يقارب 70% ولكن، من أجل تقدير المجهود المتحقق في هذا الميدان الاجتماعي، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار المبالغ المقتطعة مباشرة على عائدات الشركة الوطنية للنفط، التي ستتزود بما يقارب 5 مليارات يورو في عام 2006. وتشكل التطايرية لأسعار النفط الشك الكبير. ويقدر الخبراء أنه مع وجود سعر للبرميل يقارب الـ 35 دولار، فإن الرئيس الفنزويلي سيواجه مصاعب كبيرة بالنسبة لعام 2006، تشير التقديرات إلى أن سعر البرميل سيكون أعلى من 45 دولار. وبعد الإضرابات البترولية الكبيرة التي قادتها المعارضة في فنزويلا خلال سنتي 2003 ـ 2004، عاد النمو إلى الانطلاق مثل السهم. فقد بلغ 9،5% في عام 2005، بعد أن قارب 18% في عام 2004. وتراجع معدل البطالة بشكل صريح (8،3%) وتم التحكم في التضخم تحت سقف 15%. وأبدى الرئيس شافيز ارتياحاً كبيراً من "النجاح" الذي حققه الاقتصاد الفنزويلي، إذا أصبحت صناديق البنك المركزي ملآنة، والـ 30 مليار دولار من العملات الصعبة ستمكن البلاد من تسديد ديونها الخارجية. ونظراً لحرصه على الدفاع عن "السيادة الاقتصادية" لفنزويلا، فقد تشدد الرئيس شافيز مع الشركات النفطية المتعددة الجنسية، في إطار معاودة التفاوض حول عقود الاستثمار الحالية في سبيل تأمين مشاركة بالأكثرية للشركة الفنزويلية الوطنية للنفط. وبما أن فنزويلا أصبحت عضواً في مجموعة الماركوسور ـ الاتحاد التجاري الرئيس الأمريكي ـ الجنوبي فقد ضاعفت من إبرام الاتفاقيات الثنائية مع البرازيل، والصين، وإيران، من أجل تنويع مصادر الاستثمار والشركاء. ومع ذلك تظل الولايات المتحدة الأمريكية الزبون الأول للبلاد. تراجع الفقر مع دخل وسطي للفرد بنحو 4000 دولار، تتموقع فنزويلا في فئة البلدان ذات الدخول المتوسطة. بيد أن الثروة ليست موزعة بشكل متساوٍ، فهناك 70% من أصل 25،7 مليون فنزويلي يعيشون تحت خط الفقر، بينما لم يكونوا إلا 30% في هذه الوضعية عام 1975. والحال هذه تشير المفوضية الاقتصادية لأمريكا اللاتينية في آخر تقرير لها حول البانوراما الاجتماعية، أن معدل النفقات الاجتماعية للفرد انتقل من 72 إلى 132 دولار في عام 2004، حسب الأرقام الرسمية بتقدم قوي جداً، لاسيما في قطاع التعليم. وللتدليل على هذا التطور المذهل نكتفي في سياق هذه العجالة بأرقام المدارس؛ فقد شيد في عهد شافيز أكثر من (530) مدرسة جديدة واستقبلت المدارس الحكومية مليوناً و 300 طالب جديد، وزادت ميزانية التعليم من 2،8% إلى 7% من الدخل القومي وهي من النسب العالية جداً في العالم. وفضلاً عن ذلك، فإن البرامج الاجتماعية المخصصة للتعليم والصحة ودعم المواد الغذائية، والممولة من قبل فائض الريع النفطي، مست 16 مليون فنزويلي. وقد أبدت منظمة اليونسكو ارتياحها بسبب القضاء على الأمية. كما أن البنك الدولي أصبح يشيد من الآن فصاعداً ببرنامج الطب عن قرب الذي مكن سكان الأحياء الفقيرة من المعالجة المجانية، بفضل تواجد آلاف الأطباء الكوبيين. وتشير الأرقام إلى تراجع طفيف في نسبة الفقر، الذي يضرب ثلثي السكان. وفي إطار الحماس والفوضى يسير الإصلاح الزراعي بخطاً حثيثة، فقد تضاعفت التعاونيات الزراعية، وتم إنشاء "الإدارة المشتركة" في بعض شركات القطاع العام. فـ "الثورة البوليفارية" لها سحرها ومزاياها. وبصورة إجمالية يظل الاقتصاديون الأمريكيون اللاتينيون متشائمين. ويلاحظ بتهوفن هيريرا من الجامعة المركزية لفنزويلا: "أن تجربة فنزويلا ليس لها فوائد كبيرة للبلدان غير النفطية". إن الارتجال الذي يسود في كراكاس، وغياب استراتيجية متماسكة للتنمية تثيران انتقادات وخيبات أمل. ويؤكد الاقتصادي ليونارد فيغا الذي ينتمي للجامعة عينها: "أن إعادة توزيع الريع النفطي نحو القطاعات المحرومة لا تضمن لوحدها نمواً مستمراً يمكن الدفاع عنه". ويضيف وزير سابق للتخطيط، إينزو ديل بوفالو: "إن البرامج الاجتماعية للحكومة خففت من النتائج الكارثية للنيوليبرالية، لكنها لم تغير في العمق بنية الاقتصاد الفنزويلي، الذي يظل تابعاً للنفط أكثر من أي وقت مضى". "الثورة البوليفارية" يمكن أن تنفق من دون اكتراث بالفاعلية. لا يوجد أي شخص يعرف بدقة تكاليف المهمات الاجتماعية. فالأموال تصرف مباشرة من الشركة الفنزويلية للنفط من دون المرور بموازنة الدولة. ففي ظل غياب إدارة فعالة ومراقبة لوقف الفساد، كل شيء يؤكد الاعتقاد أن الفوضى عارمة. في المدى المنظور، هل ستستمر الشركة الفنزويلية الوطنية للنفط في تمويل السياسة الاجتماعية للحكومة والقيام باستثمارات ضرورية لتحديث بنيتها في الوقت عينه؟ يعتقد الخبراء أنه منذ خمس عشرة سنة من اعتناق الليبرالية، استمر القطاع الصناعي الفنزويلي في التراجع. وليس التعاونيات الزراعية أو المنظمات البديلة الأخرى للإنتاج، غير الكفؤة، هي التي ستسمح بتنويع الاقتصاد وجعله تنافسياً. فالنفط والإرادة الطيبة لا يكفيان لبناء اقتصاد حديث، وفعال، وتنافسي. 2 ـ انتخاب إيفو موراليس رئيساً لبوليفيا بعد سلسلة الضربات الموجعة التي تلقتها الولايات المتحدة، خلال السنوات القليلة الماضية، مع وصول أحزاب يسارية ومعادية للسياسات الأمريكية في البرازيل والأرجنتين والأوروغواي وغيرها، إضافة إلى فنزويلا هيغو شافيز، جاءت الضربة هذه المرة من بوليفيا. فقد أصبح من المحقق بعد انتخابات الأحد الماضي. أن زعيم "الحركة باتجاه الاشتراكية"، إيفو موراليس، قد أصبح رئيساً للبلاد للسنوات الخمس القادمة. وحقق اليسار البوليفي فوزاً كبيراً في الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم الأحد 18 ديسمبر 2005، إذ حصل مرشح زعيم الحركة نحو الاشتراكية إيفو موراليس على نسبة 51% من الأصوات، متقدماً بأشواط كبيرة على مرشح اليمين، الرئيس السابق خورخي كيروغا الذي حصل بدوره على 31%. وتأتى أهمية انتخاب موراليس ليس فقط من حيث كونه يسارياً وشديد الإعجاب بالرئيس الفنزويلي، بل أيضاً من حيث كونه أول هندي من سكان أميركا الأصليين يصل إلى منصب الرئاسة، منذ اكتشاف العالم الجديد في القرن الخامس عشر، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يمر دون تداعيات في أمريكا اللاتينية حيث تكثر نسبة السكان من غير الأصول الأوروبية، وربما أيضاً في الولايات المتحدة نفسها. وفي حين أعلن موراليس أن صفحة المعاناة التاريخية من الحقد والتمييز اللذين عاشهما الهنود في بوليفيا قد طويت إلى غير رجعة، سجل المراقبون أن هنود أمريكا قد تعاطوا مع الحدث البوليفي كانبعاث حقيقي لمفاخر أجدادهم التي طمستها خمسة قرون من هيمنة الأوروبيين وأحفادهم. وكان الاستقطاب الحاد للمجتمع البوليفي قد قلص حظوظ مرشح الوسط، صامويل دوريا مدينا. أما الأحزاب التقليدية فقد كانت غائبة عن هذا الاستحقاق الانتخابي، باستثناء الحركة القومية الثورية (يمين الوسط) التي حكمت بوليفيا لمدة طويلة، والتي قدمت اليوم مرشحاً هو ابن مهاجر ياباني ميشياكي ناغاطاني. وقد انتخب الـ 3،6 مليون ناخب بوليفي أيضاً 130 نائباً في البرلمان، و 27 عضواً في مجلس الشيوخ. وضاعفت الحركة نحو الاشتراكية من عدد مقاعدها في البرلمان بحصولها على 65 مقعداً، و 12 عضواً في مجلس الشيوخ. فهي تحقق اختراقاً غير متوقع في إقليم سانتا كروز (شرق البلاد)، القطب الواعد للتنمية الاقتصادية في بوليفيا، والخاضع تقليدياً للمحافظين. وبالمقابل حصل اليمين على 45 نائباً و 12 سيناتوراً أما أنصار مرشح الوسط صامويل دوريا مدينا، فقد حصلوا على 10نواب وعضواً واحداً في مجلس الشيوخ. إنه الحزب التقليدي الوحيد الذي لم يندثر من المشهد السياسي. وتعد الحركة القومية الثورية 8 نواب وسيناتوراً واحداً. ولد خوان إيفو موراليس الهندي المتحدر من قبيلة أيمرا في 26 أكتوبر تشرين الأول 1959 من دون عناية طبية في قرية نائية لا ماء فيها ولا كهرباء في إقليم أورورو جنوب منطقة الالتيبلانو البوليفي، وتعين عليه التوقف عن دراسته الثانوية. وكان لهذا الابن الفقير لفلاحين من قبيلتي أيمرا وكيتشوا الذين يشكلون الأغلبية في بوليفيا ستة أخوة وأخوات، توفي أربعة منهم قبل بلوغهم العامين، واضطر إلى العزف على آلة موسيقية ليحصل على قوته. وفي عقد الثمانينات، دفع الفقر عائلته، مثل العديد من العائلات الفقيرة، إلى هجرة الجبال للإقامة في المناطق الزراعية وفي منطقة تشاباري (شرق)، أصبح إيفو موراليس الزعيم المناهض للإمبريالية يدعو ويدافع عن حرية زراعة الكوكا، وينتقد السياسية الإمبريالية للولايات المتحدة التي تمول استئصال هذه النبتة "المقدسة" المستخدمة في القرابين، والتي تستهلك مع الماء الساخن، أو تمضغ في منطقة الإنديز، وتستخدم كذلك النبتة في إعداد الكوكايين. وفي عام 1977، انتخب نائباً عن محافظته، بحصوله على 70% من الأصوات. وكمناضل نقابي في صلب النقابة المركزية العمالية، ثم قائداً للحركة نحو الاشتراكية، عرف إيفو صدامات كبيرة مع البوليس، وجرد من منصبه كنائب. وفي عام 2002، ترشح للانتخابات الرئاسية، وخلافاً لما كان متوقعاً، حصل على المرتبة الثانية بنيله 21% من الأصوات. وعقب المنتدى الاجتماعي العالمي، تظاهر إيفو موراليس إلى جانب أمهات آلاف المفقودين في ساحة مايو في بيونس أيرس، وألقى خطاباً، دعا فيه إلى تأميم حقول الغاز الضخمة. وفي أكتوبر تشرين أول 2003 قاد النائب زعيم مزراعي الكوكا ثورة ضد الرئيس الليبرالي غونسالو سانشيس دي لوسادا. وأمر الرئيس بقمع هذه الثورة بشدة (80 قتيلاً) قبل أن يهرب إلى الولايات المتحدة. وخلال صعوده السياسي المدوي، أقام إيفو علاقات قوية مع أعداء الولايات المتحدة الأمريكية، مثل الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، والكوبي فيديل كاسترو. لقد كان للتشقق الاجتماعي، والاثني، والإقليمي، الذي تعيشه بوليفيا تأثير واضح على سير هذه الانتخابات. هناك اثنان من أصل ثلاثة بوليفيين يعيشون تحت خط الفقر، و 60% منهم هم من السكان الأصليين (أكثر من ثلاثين إثنية) فالألتيبلانو أنديز (في غرب البلاد) يعارض المتروبول الاقتصادي الجديد سانت كروز (في الشرق) الذي يطالب بالحكم الذاتي. والجدير بالذكر أن 60 في المئة من سكان بوليفيا هم من الهنود الأميركيين، يضاف إليهم 25 في المئة من المهجنين، في حين لا تتجاوز نسبة ذوي الأصول الأوروبية الـ 15 عاماً في المئة من السكان. ومع ذلك استأثر هؤلاء بحكم البلاد منذ الاستقلال عن إسبانيا قبل 150 عاماً جاءت حافلة بالاضطرابات والانقلابات ومظاهر الهيمنة الأميركية التي جعلت بوليفيا في طليعة البلدان الأكثر فقراً في أميركا اللاتينية برغم اتساع أراضيها (أكثر من مليون كيلو متر مربع لنحو تسعة ملايين نسمة) وغناها بالثروات الباطنية وبالإمكانيات الزراعية. وكان في طليعة العوامل التي أسهمت في فوز موراليس تفاقم الأوضاع المعيشية في البلاد نتيجة فشل السياسات الإصلاحية المملاة أميركياً من خلال البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. اليسار في بوليفيا المناهض للإمبريالية ركز في حملته الانتخابية على موضوعين رئيسيين: إصلاح قطاع المحروقات في بوليفيا من خلال تأميم الأرض، بما فيه حقول الغاز، وهي الثروة الأساسية في هذا البلد الواقع على سلسلة جبال الأنديز، ويرى أن موارد الغاز يجب أن يستفيد منها البوليفيون، وليس الشركات المتعددة الجنسيات التي تنشط في هذا القطاع. والدعوة إلى جمعية وطنية جديدة "لإعادة تأسيس بوليفيا"، وإنهاء "الدولة الاستعمارية". وقد أبدت الشركات المتعددة الجنسيات التي تستثمر حقول الغاز والنفط البوليفيين حذراً واضحاً، لكنها تقول أنها مستعدة للحوار عقب فوز الزعيم الاشتراكي إيفو موراليس في الانتخابات الرئاسية. وبالمقابل يبدو أن الرئيس المستقبلي يريد طمأنة الشركات الأجنبية عندما صرح عقب فوزه: "أن حكومته لن تستملك ولن تصادر "امتيازات الشركات العاملة في بوليفيا البلد الذي تقدر احتياطاته من الغاز الطبيعي بنحو 137 مليار متر مكعب. وستتصرف حكومة الحركة نحو الاشتراكية تجاه حق الملكية مثل أي دولة لها واجب التصرف تجاه حق الملكية. ولا يعني هذا استملاك أو مصادرة خيرات الشركات الدولية". لا شك أن هذا الخطاب حول هذا الموضوع الحساس يقلق الشركات المتعددة الجنسيات، لأنه يتسم بالغموض: ففي حملته الانتخابية، وعد إيفو موراليس ب "تأميم" الغاز، بينما حسب الخبراء، لا يعدو أن يكون الأمر متعلقاً بشكل خاص، باستعادة ملكية الأراضي التي تتواجد فيها حقول الغاز. وتسيطر شركة بتروباس البرازيلية على نحو 14% من الاحتياطات البوليفية، منذ أن وقعت عقداً للاستثمار بقيمة 1،5 مليار دولار، في عام 2003. بينما تشارك شركة طوطال الفرنسية في استثمار حقول الغاز بنحو 15% منذ عام 1995. ومع ذلك، خلف هذا الخطاب الراديكالي الذي يجسده مرشح الهنود السكان الأصليين في بوليفيا، يمد المنظر الحقيقي للرئيس الجديد ألفارو غارسيالينيرا يديه للبرجوازية البوليفية مترافقة مع تهديده لرفاقه القدامى، بقولـه: "لقد عزلنا القيادات الراديكالية ووقعنا اتفاقيات مع الحركات الاجتماعية، لكن إذا اقتضى الحال، ستتغلب سلطة الدولة". 3 ـ تشيلي: تحديات الاشتراكية باشليه في ظل مجتمع تشيلي محافظ، هو الأكثر محافظة في أمريكا اللاتينية، حيث تعتبر الكنيسة الكاثوليكية قوية جداً، وحيث الإجهاض حتى الطبي لا يزال يعد جريمة، وحيث الطلاق لم يشرع إلا قبل سنتين، كان من المستحيلات قبل سنوات أن تصعد امرأة إلى قمة السلطة لتخلف الرئيس الاشتراكي ريكاردو لاغوس في مارس 2006. ومع ذلك فازت مرشحة يسار الوسط ميشيل باشليه (54 سنة) في الانتخابات الرئاسية التي أجريت الأحد 15 يناير الجاري في تشيلي، وباتت المرأة الأولى ـ التي تصل إلى الرئاسة بالاقتراع العام المباشر في بلادها، والقارة الجنوبية. "أدعوكم لأن تكونوا شركاء في لحظة تاريخية جديدة بانتخاب أول امرأة لتولي الرئاسة. فلنصنع التاريخ". بهذه الدعوة، دشنت الاشتراكية ميشال باشليه شريط عصر جديد في تشيلي، إذ إن انتصارها يعزز اليسار اللاتيني المناهض للولايات المتحدة. وتفوقت "رئيسة المواطنين" على "برلوسكوني تشيلي"، الملياردير اليميني سباستيان بينييرا ـ الموالي لأمريكا، والذي تدعمه الكنيسة الكاثوليكية واليمين المحافظ الذي وفر تغطية واسعة لحكم الديكتاتور الدموي السابق أغوستينو بينوشيه ـ بحصولها على 53،49 في المائة من الأصوات، في مقابل 46،5 لبينييرا الذي اعترف بهزيمته وهنأ باشليه، واصفاً إياها بأنها رمز "نضال ملايين النساء من أجل انتزاع المكانة التي يستحقنها" ويتساءل المحللون في الغرب، هل أن الرئيسة ميشال باشليه انتخبت بوصفها امرأة، أم بوصفها مناضلة اشتراكية؟ في الحقيقة هناك تقارب بين الاثنتين. لا شك أن انتصارها الباهر يعود إلى الأغلبية الاشتراكية الديموقراطية (يسار الوسط) التي تحكم البلاد منذ عودة الديموقراطية إلى تشيلي في عام 1990ن والتي أصبحت تسيطر على مجلس الشيوخ لأول مرة، وحافظت على أغلبيتها في مجلس النواب، أولاً. ولكونها امرأة، وأكثر من ذلك لشخصيتها الجذابة ثانياً. إنها امرأة شجاعة تمتلك قناعات راسخة، وتعطي الثقة للناس. وقد أثبتت قدراتها وصلابتها عبر مسيرة حياتها الحافلة، إذ ولدت ميشال باشليه في 29 سبتمبر 1951 في سنتياغو، وجابت في طفولتها كل أرجاء تشيلي، إذ كانت العائلة تتنقل تبعاً لانتقال مركز عمل الوالد الذي كان طياراً في الجيش. وعام 1970 بدأت دروساً في الطب وانتسبت إلى الشبيبة الاشتراكية. وبعد الانقلاب العسكري الدموي في 11 سبتمبر 1973، على الحكومة الاشتراكية الديمقراطية المنتخبة بقيادة الزعيم سلفادور أليندي، واستيلاء الطغمة العسكرية بقيادة الجنرال بينوشيه على السلطة، الذي حكم البلاد بالحديد والنار، تحدث كل الأخطار بمساعدتها المناضلين الاشتراكيين الذين يعملون في السرية، وعائلات المساجين السياسيين. إن ميشال باشليه هي ابنة ألبرتو باشليه، وهو ضابط برتبة جنرال في الطيران، من أصل فرنسي، وماسوني، وكان مقرباً جداً من الزعيم الاشتراكي الراحل سلفادور اليندي، وتوفي بعد ستة أشهر في السجن نتيجة التعذيب. وفي العاشر من كانون الثاني 1975، اعتقلتها أجهزة الاستخبارات مع والدتها واقتادتهما إلى فيلا غريمالدي، أحد مراكز التعذيب في تشيلي. ومع الإفراج عنهما بعد 20 يوماً، سلكتا طريق المنفى قاصدتين أوستراليا ثم ألمانيا الشرقية حيث واصلت ميشيل تحصيلها الجامعي. وعام 1979، عادت ميشيل مع طفلها سيباستيان المولود عام 1978 إلى تشيلي حيث حصلت عام 1982 على شهادتها في الجراحة، غير أنها لم تتمكن من الحصول على وظيفة في القطاع العام "لأسباب سياسية". وقد أفادت من منحة دراسية مكنتها من التخصص في طب الأطفال والصحة العامة، وعام 1984 أنجبت ابنتها فرانشيسكا. وفي موازاة كل ذلك، عملت في منظمة غير حكومية تساعد أطفال ضحايا الديكتاتورية وبعد الانتقال الديموقراطي في البلاد عام 1990، كثفت عملا طبيبة في قطاع الصحة العامة وعضواً في اللجنة الوطنية لمرض العوز المناعي المكتسب "الإيدز" ومستشارة لمنظمة الصحة العالمية. وكانت باشليه ترى أن الحزب الاشتراكي الذي تنشط في صفوفه يهمل القطاع العسكري، فباشرت دروساً في الاستراتيجية العسكرية في سانتياغو وفي الدفاع القاري في واشنطن. وعندما وصل إلى السلطة الرئيسة لاغوس في عام 2000، عهد إليها في وزارة الصحة وكلفها إجراء إصلاح واسع النطاق في هذا القطاع، كما كانت عام 2002، المرأة الأولى وزيرة للدفاع في أميركا اللاتينية ودعت في الذكرى الـ30 للانقلاب في تشيلي إلى مصالحة بين المدنيين والعسكريين. ومع هذا الموقف تحديداً، اتسعت شعبيتها وحلقت. إن فوز باشليه الانتخابي، هو انتصار مثلث: انتصار لائتلاف يسار الوسط المتكون من الديمقراطيين المسيحيين، والحزب الراديكالي، والحزبين الاشتراكيين، وانتصار للاشتراكيين، وانتصار شخصي لها. وهذا الفوز يظهر أيضاً قوة اتحاد يسار الوسط الحاكم في تشيلي منذ نهاية الديكتاتورية عام 1989. ماذا يمكن أن يظهر لنا وصول هذه الأم العزباء لثلاثة أولاد من والدين مختلفين انفصلت عن كليهما، والعلمانية، إلى قمة السلطة في بلد كاثوليكي تقليدي تطغى عليه النزعة الذكورية، وتحتل فيه العائلة مركزية القيم، على نقيض جيرانه الأمريكيين اللاتينيين الذين يعيشون حياة عاطفية وسياسية متقلبة جداً؟ إنه يظهر لنا الصعود القوي للنساء في الحياة السياسية في قارة أمريكا اللاتينية، كما في أماكن أخرى، وفي بلدان ليست بالضرورة متقدمة. إن تشيلي بلد محافظ جداً، بل متزمت في تشدده الديني. وكانت الكنيسة تبنت خطاً سياسياً مغايراً في الثمانينات من القرن الماضي، عندما جسدت القطيعة مع معظم الديكتاتوريات العسكرية التي حكمت أمريكا اللاتينية، لكنها ظلت دائماً في خط البابا يوحنا بولس الثاني. ومع ذلك تبنى قسم كبير منها إيديولوجية لاهوت التحرير. فتحول بذلك القساوسة إلى شيوعيين ثوريين مدافعين عن الفلاحين الفقراء، وانخرطوا في حروب العصابات ضد الأنظمة العسكرية والديكتاتوريات لتي كانت تحظى بدعم واشنطن وتأييدها. والحال هذه فإن انتخاب الرئيسة ميشال باشليه يعبر عن ظاهرة تغيير عميقة في العقليات: إنه يظهر لنا أيضاً أنه بعد خمسة عشر سنة من الانتقال إلى الديمقراطية، أن تشيلي تحدثت بصورة عميقة. إن التطورات التي أسفرت عنها العملية الانتخابية في أمريكا اللاتينية، مسألة جديرة بالاهتمام، إذ أن اليسار هو الذي يحقق انتصارات في الانتخابات، وهذا بدون شك يعزز المحور المناهض للولايات المتحدة الأمريكية في القارة الجنوبية. وعلى الرغم من أن بلدان أمريكا اللاتينية اعتنقت نهج الليبرالية الاقتصادية في سياق العولمة الرأسمالية المتوحشة التي تقودها واشنطن، فإن شعوبها زادتها العولمة فقراً على فقر، وفاقمت عندها التفاوتات الاجتماعية الحادة، عوض أن تنتشلها من واقعها المتردي الذي أوقعته فيها الديكتاتوريات العسكرية بعد مرحلة الاستقلال. وهنا يطرح المحللون ما هو دور هذه الرئيسة الاشتراكية المعتدلة في الخريطة السياسية للقارة الأمريكية اللاتينية، التي أصبح يهيمن عليها اليسار أكثر فأكثر؟ إن ميشال باشليه ليست لها نفس الثقافة السياسية للرئيس الفنزويلي اليساري هوغو شافيز المأخوذ بالزعيم الكوبي الشيوعي فيديل كاسترو، الذي ما انفك يناهض السياسة الأمريكية، والذي التحق بالسوق الأمريكية اللاتينية المشتركة "الماركوسور" لإضفاء عليها "مزيداً من الاشتراكية". كما أن باشليه تختلف عن الرئيس البوليفي الهندي الأصل إيفو موراليس، الذي يريد تأميم قطاع الطاقة، لا سيما الغاز، حيث تعتبر بوليفيا أكبر منتج له، وتمت خصخصته في عام 1996، والذي سيتجه بحكمه نحو اليسار، إذ يجمعه بشافيز وكاسترو، ولولا في البرازيل، العداء لأمريكا، وتحقيق مزيداً من العدالة الاجتماعية للطبقات الفقيرة والمحرومة. إن الرئيسة الجديدة لديها تكوين سياسي قوي وليست بحاجة إلى اللجوء للخيار الشعبوي وهذا يعني أنها ستكون متأنية في إقامة علاقات جيدة مع موجة شافيز. فانتخابها بعد موراليس في بوليفيا، سيقوي التحول إلى اليسار في أميركا اللاتينية. بيد أن ميشال باشليه، الاشتراكية، هي أقرب إيديولوجياً إلى سيلفا منها إلى موراليس أو تشافيز. وقد اصطدمت أفكارها الاشتراكية اللبرالية في بعض الأوقات مع أفكار الصفوة المحافظة في تشيلي، لكن قادة الأعمال يثقون في قدرتها على مواصلة السياسات الاقتصادية الحذرة للاغوس. ولن تتراجع عن اقتصاد السوق الذي تبنته تشيلي منذ عقود. فهي لا تريد أن ترعب رجال الأعمال الذين اسهموا في حملتها الانتخابية، وهي لا تريد أن تحيد عن خط الرئيس ريكاردو لاغوس، الذي أعطى أهمية كبيرة لليبرالية الاقتصادية. وهي تريد طمأنة المستثمرين الأجانب الذين يلعبون دوراً حاسماً في النمو الاقتصادي الذي جعل من هذا البلد الأكثر تقدماً في أمريكا اللاتينية. إن اليسار التشيلي يعرف جيداً في أي أوضاع مأساوية تعيش المجتمعات الأمريكية اللاتينية، ويعتقد أنه يجب انتشال البلدان المجاورة نحو الديموقراطية ومساعدتها على إيجاد سياسات فعالة للخروج من أزماتها. فهذا اليسار ليس لـه كراهية أو خوف من "اليسار الآخر" المناهض للولايات المتحدة الذي تولى الحكم في بلدان لاتينية أخرى، مثل الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز، والبرازيلي لويس لولا دا سيلفا، والاورغواني تابار فاسكويز، والأرجنتيني نيستور كريشنر، والبوليفي إيفو موراليس. وينص برنامج باشليه على مواصلة الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية، والدفاع عن تعزيز التوافق الإقليمي حول الماركوسور، باعتبارها الأداة الجوهرية لتطوير السياسات الاجتماعية في أمريكا اللاتينية من أجل إنهاء معاناة الفقراء والمحرومين والأقليات، مع البقاء في الوقت عينه في إطار الاقتصاد الليبرالي. وتلعب تشيلي دوراً ديناميكياً ومؤثراً على صعيد القارة الجنوبية. فبعد سقوط الديكتاتوريات العسكرية في عقد الثمانينات من القرن الماضي، وموجة الديموقراطية التي اجتاحت أمريكا اللاتينية في عقد التسعينيات، هاهو اليسار الاشتراكي المناهض للسياسة الأمريكية يصبح معطى جديداً في القارة الجنوبية. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |