|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
العروبة والإسلام في استراتيجيّة الحاضر العربي والمستقبل ـــ د.فايز عز الدين مصطلح عرب: أتى من: عرب الرجل يعرب عرباً... أي فصُحَ لسانه بعد لكنةٍ عرب الرجل يعرب... أي كان عربياً خالصاً ولم يلحن. والعَرَبُ: أمة سامية الأصل... نشأت في شبه الجزيرة العربية... ثم انتشرت في جميع البلاد الواقعة بين الخليج العربي شرقاً، والمحيط الأطلسي غرباً... والنسب إلى العَرَب... عربي... والعُربُ... العَرَبُ... يُقالً: لسان عربي: ولغة عربية، وأمة عربية. والعُرُوبة:... والعُرُوبيّة... إسمان يُراد بهما جملة خصائص الجنس العربي، ومزاياه. عَرَبٌ عَرْبَاءُ: صُرَحَاءٌ خُلّصٌ... وهم الذين تكلموا بلسان جدِّهم: يَعْرُب بن قحطان. وعَرَبٌ مستعربة: تكلموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام... وهي لغات الحجاز وما والاها. فالعروبة إذاً هي: انتماءٌ، وأصلٌ، وهويّة. الإسلام: لغةَ: من أسلَمَ... أي إنقاد. وأسلم... صار مُسلِماً. فالإسلام: الانقياد لله تعالى... والإسلام: هو الدين السماوي الذي نزل على محمد بن عبد الله النبي العربي ((). والمسلم: هو مَن سَلِمَ الناس من يده ولسانه بعد أن صَدَقَ في خضوعه وانقياده لله. فالإسلام هنا: رسالة روحية ربّانية نزلت من الله لتتم مكارم الأخلاق. الحاصل هنا يشير إلى أن العروبة... انتماء، وأصل، وهوية. والإسلام... رسالة، وتعاليم أخلاقية، من أجل خير ووحدة الإنسانية. العروبة... انتماء موجود مع وجود الأمة العربية في التاريخ أي منذ (4000)ق.م. والإسلام... رسالة سماوية نزلت مع بداية القرن السابع الميلادي. الوجود التاريخي للأمة العربية، وأشكال حضارتها: تعد الأمة العربية من أقدم الأمم التي وجدت على مسرح التاريخ، وما زالت عليه. فوجودها يرجع إلى /4000/ عام قبل الميلاد... وفي الوطن العربي (وسوريا بخاصة) ظهر الإنسان القديم، والمجتمعات البشرية... وفيه أقدم الحضارات (حضارة بلاد الرافدين... وبلاد الشام... ووادي النيل... واليمن). وفي الوطن العربي انتقل الإنسان من مرحلة الصيد، والرعي، إلى الزراعة، والحرفة وفيه نشأت المدن الأولى في التاريخ... واخترعت الكتابة (أوغاريت). كذلك فيه ظهرت الثقافات... والمعتقدات القديمة... والأديان السماوية... وقد عاشت الأمة العربية ـ منذ نشأتها ـ في إطار مفهومين: أ ـ المفهوم الجغرافي لها... أي ضمن جغرافية محددة، وخارطة لها حدودها على الأرض. ب ـ المفهوم البشري... أي ضمن جغرافية متحركة تفرضها جملة من الظروف أهمها: المناخ. فالوطن العربي (أرض الوجود للأمة العربية) كان يشمل: الجزيرة العربية، وبلاد الرافدين، وبلاد الشام إلى الألف الرابعة قبل الميلاد... ومنذ الألف الرابعة قبل الميلاد خرجت من جزيرة العرب جماعات بشرية بشكل هجرات انتشرت في بلاد الرافدين، والشام، ودلتا النيل، وأقاصي أفريقيا. وصارت حياة العرب على تلك الأرض تلوّن الحضارة باللون العربي، والطابع العربي. وقد شهدنا مصداقية هذا الأمر في سهولة اندماج أهل تلك الأقاليم بالدولة العربية الكبرى التي قامت بعد ظهور الإسلام... وكذلك بقيت العروبة على أرض العرب المحرّك الأساس في ظروف انحطاط الدولة العربية وانقسامها، واحتلال الأجنبي لها... (أي منذ عام 1251م حين احتل هولاكو بغداد إلى عام 1946 حين تحررت الأقطار العربية من الاستعمار الغربي...). وقبل نزول الدين الإسلامي عُرفت كلمة عرَب في النقوش القديمة (الآشورية، والبابلية، والفارسية). بادئ ذي بدء كانت هذه الكلمة: عرب تعني حالة البداوة أو ما سمي: الأعراب لكن مدلول هذه الكلمة تبلور، وأخذ مضمونه القومي الصريح منذ ظهور الإسلام... حين نسبَ القرآن إلى أنه: قرآن عربي... والرسول العربي. وظهرت لهجة قريش لتصبح اللغة العربية في إطارها... وتُعتمد لغةً للقرآن أي: قرآن عربي... ورسول عربي.. ولغة للقرآن عربية. وعليه فيمكن لنا أن نميز ـ في الوجود التاريخي للأمة العربية ـ بين مرحلتين أساسيتين: ـ الأولى: قبل الإسلام أو قبل الأديان السماوية. ـ الثانية: بعد الأديان السماوية ولاسيما الإسلام. قبل الإسلام: حيث بقيت الأمة العربية ضمن مفهوم جغرافي محدد (الجزيرة العربية، بلاد الرافدين، بلاد الشام، واليمن، ودلتا النيل). بعد الإسلام: أصبحت الأمة العربية تعيش وتتواجد ضمن مفهوم بشري تحدّده الهجرات البشرية لها التي وصلت إلى أقصى الشرق من أفريقيا، وأقصى الشمال الغربي منها كذلك. قبل الإسلام... كانت اليمن خاضعة للاحتلال الفارسي... وبلاد الرافدين خاضعة للاحتلال الفارسي... ونتذكر بطش الأكاسرة بالمناذرة العرب وبلاد الشام، ووادي النيل خاضعة للاحتلال البيزنطي... وفي شبه الجزيرة العربية كانت القبائل العربية مشتّتة، متصارعة... ومع ذلك فالحجاز، وشبه الجزيرة العربية بقيتا متحررتين من الاحتلال الأجنبي... حين حال انتصار العرب في معركة ذي قار دون التوغل الفارسي في شبه الجزيرة العربية. ومعركة ذي قار، مع انتصار عرب الحجاز بقيادة مكة على الغزو الحبشي تُعدّان من العوامل الهامة في تبلور الوعي القومي العربي. ومن المعروف أن بقاء الحجاز ـ ومكة خصوصاً ـ متحرراً من الاحتلال الأجنبي قد أعطاها فرصة التطور بمعزل عن الضغوط الخارجية... وجعل الحجاز محط أنظار العرب جميعاً... ولقد لمسنا هذا عند ظهور الإسلام، والشروع بإقامة الدولة العربية الإسلامية حيث انتصرت الفتوحات الإسلامية بسرعة فائقة، لكونها كانت لم تلقَ أية مقاومة، إلا من قوات الاحتلال الفارسية، والبيزنطية فقط. ومن الجدير بالذكر أن الدولة العربية الإسلامية قد رافقت ـ في ظهورها ـ القرون الوسطى منذ البداية، حتى النهاية.. أي من (476م إلى 1453م)... وهذا يعني أن ظهور هذه الدولة العربية الإسلامية قد عاصر مرحلة وسطية بين سقوط الحضارة اليونانية والرومانية، وظهور الحضارة الأوروبية الغربية الحديثة. وفي هذا العصر نرى أن الدور الحضاري الذي تولته الدولة العربية الإسلامية قد مثّل ذروة التطور الحضاري العالمي آنذاك... حيث كان العالم يفتقر إلى دولة متقدمة تتولى مهمة مواصلة دفع الحضارة البشرية إلى الأمام فحملت الأمة العربية هذه الرسالة، وأدّت هذه المهمة. وحين نعود إلى العرب بعد الإسلام سنجد أن مفهوم التوحيد للمجتمع العربي المشتت المتصارع أصبح هو السائد في استراتيجية الرسول العربي محمد (() وصحابته ((). وقد بدأ العرب يشهدون الوحدة الروحية (حيث انتهت مفاهيم الوثنية، وتوافرت لدى العرب نظرة موحِّدة إلى شؤون الحياة، والموت... ونُظّمت العلاقات مع الجماعات العربية التي بقيت على أديانها السماوية... فأصبح العرب عرباً موحدين ضد أعدائهم). والوحدة الثقافية... حيث تجلّت هذه الوحدة في مسألتين: الأولى: ترسيخ وحدة اللغة العربية ـ في ظل القرآن الكريم ـ حين أصبحت لغة القرآن بعد أن كان العرب يتكلمون لهجات مختلفة. الثانية: وحدة السلوك الفردي، والاجتماعي التي أتى بها الإسلام وحدّد فيها نظريته الأخلاقية. والوحدة السياسية:... أي وحدة المجتمع العربي في ظل سلطة واحدة هي سلطة الرسول العربي وخلفائه من بعده. إذ كان العرب ـ قبل ذلك ـ يُحكَمون من قبل سلطات قبلية متعددة. والوحدة الاجتماعية:... إذ سقط ـ في عهد الرسول ـ مبدأ العلاقات الاجتماعية القديمة الذي كان قائماً على التمايز: الأسري، والقبلي، والعنصري... وعلى التفاوت الطبقي... فأصبح المجتمع العربي برمته يُعدُّ وحدة متكاملة، متكافلة، متعاضدة، وصار مفهوم المساواة على أساس إنساني هو السائد... وأُلغي مفهوم الرِّق من الحياة العربية الإسلامية. والوحدة الاقتصادية:... حيث أُلغي الربا، وفرضت الزكاة، وأسست مالية الدولة (بيت المال) لكي يتحقق في المجتمع العربي التكافل الاقتصادي. إذاً... في مرحلة سادت العالم فيها علاقات الاستغلال، والاستبداد، والظلم الاجتماعية كان العرب يعيشون في إطار علاقات إنسانية متقدمة... تصون الحياة البشرية. والحرية الإنسانية ولا تهدر كرامة الفرد. وبالمحصلة نجد أن المجتمع العربي قد مرَّ منذ ظهوره بمختلف المراحل الرئيسية لتطور المجتمع البشري، وذلك يحكم كونه من أقدم المجتمعات البشرية التي شهدت ظهور الإنسان وتطوره. فالبيئة الجغرافية التي ظهرت فيها الأمة العربية، وتطورت: (شبه الجزيرة العربية، بلاد الشام، والرافدين، ووادي النيل، والشمال الإفريقي) هي مهدٌ من مهود الإنسان الأول... ومركز من المراكز الرئيسية التي ظهرت فيها الحضارة. والشعب العربي في العصر الحديث هو استمرار لهذه المجموعة البشرية التي عاشت في الوطن العربي منذ أقدم العصور ولا تزال تجدد وجودها، وتنتج حضارتها. وقد أنتج المجتمع العربي حضارته ـ عبر تعاقب العصور، وانتشار رقعته الجغرافية ـ وقدّم تراثاً حضارياً لعب دوراً كبيراً في تطوير الحياة البشرية: 1 ـ اختراع الكتابة... 2 ـ اللغة العربية الواحدة.. وهي أرقى نموذج لمجموعة اللغات الساميّة. 3 ـ آداب، وفنون، وعلوم، وفلسفات، ومعتقدات أثرت الحياة الإنسانية. ولعظمة الإرث الثقافي للأمة العربية قبل الإسلام رأينا كيف استطاع الإسلام أن يجمع العرب ويبني القوة اللازمة لقيام الدولية.. بأقصى سرعة، وأقصر زمن. كذلك نرى أن الواقع الحضاري للأمة العربية ـ قبل الإسلام، وفي ظلّه ـ قد صَمَدَ في وجه عوامل التحدي: الخارجي، والداخلي للعرب... ولعب دوراً حاسماً في المحافظة على الشخصية المتميزة للأمة العربية... وإثبات سِمَتَها التاريخية بأنها أمةٌ هاضمة... فلا تزول، ولا تُهضم. وفي عصرنا اليوم تبدو الأمة العربية ـ رغم فقدان دولتها القومية الدولة الأمة، وتقسيم رقعتها الجغرافية عبر دول قطرية وصلت إلى /22/ دولة، ورغم زرع الكيان الصهيوني في قلبها فلسطين، ورغم تواصل السياسات الغربية الإمبريالية في التدخل بأشكال سيادتها وتجريف ثروتها النفطية وغيرها ـ تبدو أمة قوية، تملك إرثها، ومخزونها، وطاقاتها... ولا تحتاج إلى شيء سوى إلى توافر الإرادة السياسية في الوحدة، وقهر أعدائها. العروبة، والإسلام في مهمات الوجود، والحضارة: جدل العلاقة بين العروبة، والإسلام هو جدل تاريخي، اجتماعي، بنيوي... قام ولا زال على الأسس التالية: 1 ـ إن الإسلام رسالة سماوية أنزلت على العرب، فالنبي عربي، ولغة القرآن عربية. 2 ـ لقد مثّل العرب مادة الإسلام وقوته البشرية، والروحية فانتصر بهم، وانتشر. 3 ـ ساهم الإسلام بتغيير الواقع، والوقائع العربية المعاشة في مستهل القرن السابع الميلادي حيث كان الانقسام العربي، والصراع على أشدّه، وكانت الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع العربي في تدهور مستمر... فحين ظهر الإسلام ظهرت معه مفاهيم الأخوة والوحدة والتعاضد في سبيل قيام المجتمع العربي المتماسك، والجاهز لرد التحدي الجاثم على صدر المنطقة العربية المحتلة من قبل: الفرس، والبيزنطيين. 4 ـ حمل الإسلام من روح العروبة: الإنسانية، ومفاهيم المساواة، والعدل، والتكافل حيث خرجت الأمة العربية برسالة إنسانية تقدمها إلى عالم ذلك الزمان، وتشيع فيه. 5 ـ لقد عزز الإسلام مفهوم الأمة العربية الذي استخدم في القرآن، والحديث النبوي، وقد راعى الإسلام أن لا يواجه في مفهوم الأمة الذين يعيشون بين ظهراني العرب من غير العرب من منظور المحتوى الحضاري للدعوة الإسلامية، والرسالة الإنسانية للعرب بالإسلام (لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى). 6 ـ إن الفصل المتعسف بين العروبة، والإسلام يتناقص مع أبسط قوانين تطور المجتمع العربي كما إن قصرَ العروبة على الإسلام فقط يتناقص كذلك مع المحتوى الحضاري الشامل للإسلام نفسه باعتبار أن الأديان السماوية التي نزلت على الأرض العربية اختتمت بالإسلام. فالعلاقة بين العروبة، والإسلام علاقة الجسد بالروح، فالعروبة الجسد، والإسلام هو الروح التي جعلت الحياة تتحرك في كافة أنحاء هذا الجسد، ورأينا كيف أن المدينة في عصر الرسول قد شهدت نواة أول دول عربية إسلامية، مثلت منطلقاً للعرب في الدولة العربية الإسلامية الكبرى. آراء ونتائج: الرأي الأول: إن الوجود العربي في مفهوميه: الجغرافي، والبشري كان نابضاً بفكرة العروبة منذ الألف الرابعة قبل الميلاد، والنقوش، والرُقَم الآثارية دلالة كبيرة. وإن عروبة التاريخ القديم للوطن العربي قبل الإسلام حقيقة تعززها وحدته الحضارية وتبرزها شواهد التاريخ التي لا تزال بين ظهرانينا. الرأي الثاني: إن مقولة نفي عروبة الوطن العربي (من الخليج إلى المحيط) قبل الإسلام ستجعل من العرب المسلمين الذين جاءوا من الجزيرة العربية إلى بقية مناطق الوطن العربي غزاة لا علاقة لهم بالبلدان التي دخلوها وعلينا أن نتفهم خطورة مثل هكذا مقولة على جغرافية الأمة العربية بالأساس. الرأي الثالث: إن عدم الانطلاق من عروبة الوطن العربي بحدوده المعروفة قبل الإسلام يعطي المسوغ للدعوات الإقليمية (كالفرعونية، والفينيقية، والبربرية) لتصبح هي الأصل، ولها المشروعية فتنفي عروبة الوطن الذي عاش عليه العرب منذ أكثر من /4000/ سنة ق.م وتقيم على أرضه كيانات إقليمية تنسف فكرة الوحدة العربية من الخليج إلى المحيط. الرأي الرابع: إن تشويه تاريخ الوطن العربي قبل الإسلام يمنح الفرصة للحركة الصهيونية كي تؤكد على نفي عروبة فلسطين في التاريخ وقبل الإسلام، وادعاء الحق التاريخي لهم فيها، وأنها أرض الميعاد لهم. باعتبار أن الوجود اليهودي في فلسطيني العربية كان قبل الألف الثانية قبل الميلاد. وفي النتائج: يمكن أن نحدد ـ ونحن نبحث في جدل العلاقة التاريخية، والراهنة بين العروبة، والإسلام ـ النتائج التالية: النتيجة الأولى: العروبة ـ كما وصفناها ـ انتماء، وهي ظاهرة علمية ـ اجتماعية (سوسيولوجية) مكوناتها قائمة في ضمير هؤلاء الذين عاشوا، وأعمروا في جنبات الأرض العربية من خليجها إلى محيطها. وما لدينا من أوابد، وتراث ثقافي يدلنا على قوة الحضارة: المادية والعقلية عند العرب. والإسلام نزل دين حق وعدالة ومسواة ليكمل مكارم الأخلاق... وليختم إرادة اللاهوت التي حملتها الأديان السماوية التي سبقت في جعل البشرية موحدة أمام خالقها. ومن هنا نفهم فكرة التوحيد التي باشرها الرسول الكريم منذ شروعه بتحديد شكل مجتمع المدينة النموذج، الذي كان إرهاصاً طبيعياً لشكل المجتمع الإسلامي القادم. النتيجة الثانية: نزل الإسلام على أهل الحجاز، ومكة وقبله كانت المسيحية، وقبل المسيحية كانت اليهودية... ومن نزول الأديان السماوية على أرض العرب نتفهم إرادة الله في إعلاء شأن أمتنا وتكريمها وجعلها خير أمة أنزلت للناس. النتيجة الثالثة: الإسلام دين، ورسالة سماوية أنزلها الله للعالم بأسره، فهو ليس للعرب وحدهم، وإنما العرب منهم للإسلام ومنهم لغيره من أديان الله، ودور العرب في مرحلة، والعرب المسلمين في مرحلة ثانية، ثم والمسلمين عامة في المراحل اللاحقة أنهم ساهموا جميعاً في نشر رسالة الإسلام إلى بقاع الدنيا ومن هنا نفهم عملية الجدل التاريخي بين الحركة العربية والإسلام. النتيجة الرابعة: نفهم العروبة أنها وعاء حضاري، ورابطة عقلية ثقافية، ونسيج تاريخي وعندما نقول نحن العرب فلا يعني أننا نقصد صفاء الدم ونقاء العرب بل نقصد جميع الذين يتكلمون اللغة العربية وينتمون إلى وجود واحد، ومصير واحد، وإرادة واحدة. وفي التاريخ شواهد كثيرة على تحرك جميع المسلمين بصفتهم كياناً واحداً وبنياناً واحداً. ونفهم الإسلام على أنه رسالة التسامح، والنور والهداية لنا ولغيرنا من شعوب الأرض... وهو دين التوحيد كما أرد لـه الله. وكل من يوظف الإسلام بغير حقائقه الربانية، وينحو به نحو التعصب والتطرف والانغلاق، والاجتهادات التقسيمية إنما يضرب الإسلام أولاً. النتيجة الخامسة: لا يمكن للموضوعية العلمية التاريخية أن تجترح فصلاً متعمداً بين العروبة والإسلام فالجدل بينها جدل التوافق... جدل الترابط، والتأثير المتبادل فالعروبة وعاء حضاري ورابطة إنسانية توحد مشاعر الشعب من الماء إلى الماء والإسلام رسالة حضارة للعالم أجمع... توحد الإنسانية برمتها. فالعروبة مكَّنت الإسلام من التأسيس والانتشار والتبشير بمجتمع إنساني. والإسلام نصرَ العروبة، ومكّنها من تثبيت مفاهيمها في:الأمة، والدولة والكيان. وبناء عليه فلا يمكن أن نفتعل التعارض بين العروبة والإسلام الروحي بل نعتبر أن الإسلام ذروة من أهم ذرا تراث عروبتنا وقوميتنا. النتيجة السادسة: إن الحركة العربية في طرحها للعقيدة القومية اعتمدت على بعث أمجاد، وتاريخ، وتراث الأمة العربية وجعلت منه مشروعاً حضارياً وسياسياً قاعدته الربط بين العروبة والإسلام وهذا المنطق لا يزال الحقيقة التي تحرك الجماهير الوطنية، مثلما تحرك جماهير الأمة العربية من أجل بعث أمجادها، وتواصل رسالتها: الإنسانية، والحضارية. النتيجة السابعة: لا تزال أجزاء من الأرض التاريخية للأمة العربية محتلة.. وعبر التاريخ قد حملت العروبة، وحمل الإسلام مهمات تحرير الأرض والإنسان وإذا كانت هذه هي ملامح الدور التاريخي التحريري للعروبة، والإسلام معاً، فكيف لنا أن لا نواصل هذا الدور بالروح التاريخية ذاتها، والقوة العروبية والروحية ذاتها. إن الذين اجتهدوا كي يجعلوا الإسلام لا يستوعب الفكرة القومية عند العرب وحمّلوه ما لم يكن فيه بالأصل... قد أخطؤوا بحق العروبة والإسلام بآن معاً. الإسلام في التنزيل، والنبي، واللغة كان عربياً فكيف لا يتبنى الرابطة العربية لأمته التي قال عنها: إنها خير أمة أنزلت للناس، وبدون عصبية، وبكل معاني العيش المشترك الكريم؟. النتيجة الثامنة: للإسلام ـ كما للعروبة ـ مفاهيم متجددة، متطورة، متناسبة طرداً مع جدّة الحياة والعصور... ومن يُلزم البشر في أن يقفوا ـ في فهمهم للإسلام ـ عند حدّ ما: ماضوياً كان، أم حاضرياً لا يقدم للإسلام خدمة، ولا نفعاً... ويضرُّ بعروبتنا أيما ضرر. فالعصر الحاضر عصر الألفية الثالثة، كانت مقدمات الدخول فيه هائلة، ومنذرة، وخطيرة على جغرافية أمم الأرض برمتها. فالمتغيرات الدولية التي بدأت منذ عام 1985، ولا تزال تتفاعل عواملها على أرض الكرة، وفي سمائها لم تبق صورة العالم كما ورثها، وصنع بها البشر على هذا الكوكب الأرضي، ولاسيما بعد حوادث الحادي عشر من أيلول 2001 في أمريكا. فنحن الآن أصبحنا أمام التعامل في: ـ عالم الفضاء، بعد أن كنا على مدى ألفي عام نتعامل في عالم الكرة الأرضية، وعالم الفضاء اليوم يعتمد على منجزات الثورات التي حققتها الرأسمالية المتطورة وهي (الاتصال، والانتقال، والإعلام، والتقانة، والمعلوماتية) ومن خطورة ما أصبحت تشيعه هذه الثورات في الوعي الإنساني المعاصر هو تركيزها ـ المدعم بكامل قوة الإعلام الدولي المؤثر لديها ـ على أن النظريات المعرفية التي اشتغلت فيها الإنسانية قد انتهت منذ ظهور ظاهرة المتغيرات الدولية وأفكار النظام العالمي الجديد، ولم يعد في عصر اليوم، والمستقبل أي دور أو مشروعية لمثل هذه النظريات. فهم يزعمون: 1 ـ أن النظريات المعرفية... الإيديولوجية، والسياسية... والأحزاب الإيديولوجية... والجماهيرية القائدة... والدول الإيديولوجية، والشمولية لم يعد لها مسوّغ. والمطلوب أن نقدم الفكر التكنولوجي، والتقني، والشأن الاقتصادي على كل نظرية عمل نعمل فيها... والمهم أن نستبعد النظرات الاجتماعية القومية التي تعزز مفاهيم الهوية، والشخصية الثقافية، والخصوصية. 2 ـ إن البشرية المعاصرة قد تجاوزت الفكرة القومية، والمرحلة القومية، والدولة القومية لتدخل في العصر الكوني (الكوكبي) والقرية الكونية الصغيرة... فيصبح الحضاري هو الأساس وليس القومي. فالهدف النهائي هو إنهاء دور الدول الوطنية، واختراق سيادتها من أجل مصالح الشركات العابرة للقارات تحت مسمى القرية الكونية. فالقرية الكونية هذه فيها نسيج جديد لبشرية جديدة، يحدده نظام العولمة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية... الخ. وحين يأتي السؤال: صورة مَنْ سيحمل لنا نظام العولمة؟ لابد أن تكون الإجابة: صورة الطرف الدولي الأقوى فيها أمريكا. والذي نستنتجه هنا يشير إلى أن الألفية الحاضرة ستحمل مشروعاً عولمياً تفكيكياً لأمم الأرض، وتركيبياً لها... وهذا الحال ألا يدعونا للنظر في الاستراتيجية العولمية الراهنة لكي يكون لنا من التأمل والتماسك إزاءها ما نحافظ به على هويتنا وشخصيتنا الحضارية؟ النتيجة التاسعة: إن جميع مراحل التحرر القومية التي شهدتها الأمة العربية ـ عبر تاريخها ـ تعطينا عبرتها التي تقول: (حين تجتمع قوى الأمة تنتصر إرادتها، وتحرر ذاتها، وتطرد أعداءها وحين تتشتت قوى الأمة تنكفئ، وتخرج من التاريخ). إذا كنا نرى الخطورة بارزةً من سمات الألفية الثالثة التي نعيشها في ظل نظام العولمة الدولية فهل سنجد المبرر المقنع في أن نبقى متعارضين... منقسمين... متصارعين في تيارات: قومية، وإسلامية، ويسارية، وليبرالية؟!! أم إن نُذر العصر الراهن ستعطينا من طاقة عقلنا التوحيدي، المستنير المتفتح، المتفاعل مع الذات، والآخر... ما يجعلنا ننطلق من حقيقة أن المركب إذا قُيّضَ لـه أن يغرق بالجميع فكيف يجوز لأحدً منا أن يعتقد بنجاته منفرداً؟ وبذلك تصبح مهمة العقل السياسي في جوهر العمل العروبي والإسلامي على أرضنا العربية تنحصر في أن نكون صفاً واحداً بكامل تياراتنا السياسية والاجتماعية والروحية والثقافية وعبر إطار الوحدة الوطنية الجامعة للكل الوطني في لحظة المواجهة التاريخية الأصعب للتحديات الداخلية والخارجية على حد سواء. مصادر البحث: ـ الموسوعة السياسية. ـ المنجد. ـ الندوة الفكرية الأولى للبعث. ـ كتاب: كذلك قال الأسد. ـ د. توفيق برو: تاريخ العرب القديم. ـ الوحدة والقضية القومية. ـ العبور إلى المستقبل: إعادة بناء الفكر العربي، د. محمد صالح الهرماسي. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |