مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 26 السنة الثامنة 2006
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

القطاع العام واقتصاد السوق الاجتماعي ـــ د.منير الحمش*

أثار (ويثير) مصطلح "اقتصاد السوق الاجتماعي) العديد من التساؤلات بين صفوف المواطنين في سورية، وخاصة بين الاقتصاديين ورجال الأعمال والمثقفين كافة، منذ أن أُعلن رسمياً عن تبنيه من قبل القيادة السياسية في منتصف العام الماضي مع جملة من القرارات والتوصيات التي خرج بها المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي.‏

وعلى الرغم مما قيل حتى الآن عن "اقتصاد السوق الاجتماعي" وخاصة في ندوة الثلاثاء الاقتصادي التاسعة عشرة لهذا الموسم, فإن الأمر, كما أجده لا يزال يحتاج إلى المزيد من البحث والدراسة والحوار. من جوانبه المختلفة، وعلاقاته وارتباطاته مع العديد من القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، كالتي نحن بصددها اليوم, وهي علاقته بالقطاع العام.‏

وعندما نجد في أوساط الحكومة، مَنْ يفسر "اقتصاد السوق الاجتماعي" على أنه مرحلة انتقالية للوصول إلى اقتصاد السوق الحر, وعندما تصدر الحكومة العديد من القرارات في اتجاه المزيد من الانفتاح الاقتصادي, فإن الضرورة تبدو أكثر إلحاحاً لإجراء المزيد من الحوار حول هذا المصطلح. لإزالة الالتباس والرد على الأسئلة التي يثيرها.‏

فما هو "اقتصاد السوق الاجتماعي"؟ وما هي الأسباب الكامنة خلف تبني هذا النوع من الاقتصاد؟ كيف يمكن أن نفهم هذا الاقتصاد وكيف يمكن تطبيقه وما هي مستلزمات هذا التطبيق؟‏

وإذا كان الهدف الارتقاء بمستوى معيشة الشعب, ومعالجة مشكلات الاقتصاد والمجتمع, فهل سيحقق لنا "اقتصاد السوق الاجتماعي" هذا الهدف؟‏

وإذا ما انتقلنا عن علاقة القطاع العام باقتصاد السوق الاجتماعي, فسيطرح علينا سؤالاً محورياً, هو لماذا القطاع العام؟ وما هو دوره في ظل اقتصاد السوق الاجتماعي؟ وما طبيعة هذا الدور؟.‏

إن الإجابة على هذه الأسئلة، تطرح علينا مجدداً مسألة "دور الدولة" في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. مما يطرح علينا مجدداً, أيضاً سؤالاً محورياً آخر, وهو ما الدور الذي نريده للدولة في سياق عملية التنمية؟ هذا مع افتراض أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية تظل الهدف, والوسيلة، للمجتمع, الأمر الذي يطرح مسألة "شكل" الطريق إلى التنمية، وفيما إذا كان "اقتصاد السوق الاجتماعي" ينسجم مع خيار التنمية؟.‏

قد يجد البعض, أن هذه الأسئلة تعيدنا إلى نقطة الصفر. وأجد أن ذلك, إن صح, فهو ضروري, ذلك أن الإشكالية حول شكل وطبيعة الاقتصاد الذي نريده لا تزال قائمة. ولذا فإن "الحوار" في هذا الموضوع مسألة مطلوبة، لا بل ضرورية. لإزالة أي التباس يحاول البعض أن يخلقه, ومن أجل الوصول إلى مفاهيم واضحة، والاتفاق على قاعدة صلبة من المعطيات والوضوح ما يقطع الطريق على مَنْ يحاول حرف المسيرة الاقتصادية عن أهدافها الحقيقية في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.‏

قبل الخوض في هذه المسائل والإشكالات لا بد لي من بعض الملاحظات:‏

أولاً: كان يروج قبل اتخاذ قرار (اقتصاد السوق الاجتماعي) بأن القيادة السياسية، حسمت أمرها واختارت طريق "اقتصاد السوق"، وكان بعض المروجين يحتلون بعض المناصب الرسمية، وكان البعض الآخر يدعي قربه من القيادة السياسية.‏

ولقي هذا الاتجاه بعض المصداقية، من خلال بعض الشواهد:‏

ـ فمن جهة كان بعضهم كما قلنا, يحتلون مناصب هامة في الحكومة، وكان باستطاعتهم إصدار بعض القرارات التي يمكن إدراجها في سياق التحول نحو اقتصاد السوق الحر.‏

ـ ومن جهة ثانية كان زخم التوجه نحو الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية، قوياً ـ فسورية تتعرض للمزيد من الضغوط الأمريكية، ثم تحولت هذه الضغوط إلى ضغوط أميركية ـ أوروبية أو على الأقل أميركية ـ فرنسية، أمكن تحويلها إلى قرارات دولية، وقد كان هذا من عوامل الدفع باتجاه اقتصاد السوق الحر, وهو الشرط الذي تضعه الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية لتوقيع الاتفاقية مع سورية.‏

ـ ومن جهة ثالثة, كان هناك ضغطاً من نوع آخر, وهو ضغط داخلي يتمثل في الجهات التالية:‏

ـ بعض المحيطين بأصحاب القرار السياسي.‏

ـ رجال الأعمال. وأصحاب المصالح.‏

ـ بعض الوافدين من الخارج, من السوريين, الذين تربوا في أحضان المؤسسات الدولية والشركات والبنوك الأجنبية. الذين قدموا من تلقاء أنفسهم, أو بإيحاء من جهات أخرى، بهدف التعجيل بالإجراءات الاقتصادية والتوجه نحو اقتصاد حرية السوق, ولم يتورع بعضهم من الدعوة إلى "الإصلاح بالصدمة" مما يذكرنا بما حصل في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق من فوضى وفساد ومشكلات اقتصادية واجتماعية.‏

ثانياً: إن مسألة "الإصلاح الاقتصادي" هي مسألة سياسية إلى جانب كونها اقتصادية، عن أي توجه اقتصادي لا بد أن يكون مرتبطاً بتوجه سياسي, فضلاً عن التوجهات الاجتماعية، فالسياسات الاقتصادية ترسم وخلفها يقبع تيار سياسي معين, وقوى اجتماعية معينة، ذلك أنها تأتي عادة، انعكاساً لتوجهات سياسية ـ اجتماعية، تخدم في النهاية مصالح معينة تعبر عنها تلك السياسات.‏

وإذا كان قرار القيادة السياسية بالتوجه نحو "اقتصاد السوق الاجتماعي" قد حسم مسألة الخيار الاقتصادي, بإقراره هذا المبدأ، فإن هذا الحسم جاء سياسياً ونظرياً, ويبقى أن يأخذ طريقه إلى التنفيذ, حيث يُحسم من زاوية القرارات والسياسات العملية والممارسة الحكومية، الأمر الذي لم نلمسه بعد, لا بل نجد من القرارات ما يخالف توجهات "اقتصاد السوق الاجتماعي"، وقد يكون هذا متوقع من ناحيتين:‏

الأولى: حداثة تداول المصطلح, الذي يتلاءم مع ضعف الثقافة الاقتصادية.‏

والثانية: إن بعض من يتولى إدارة الاقتصاد الوطني, الآن, هم من دعاة اقتصاد السوق الحر, ومن المنادين بالاندماج بالاقتصاد الرأسمالي العالمي.‏

من هنا تبدو أهمية استمرار الحوار حول مصطلح "اقتصاد السوق الاجتماعي" ومن هنا يبدو اهتمام جمعية العلوم الاقتصادية السورية مبرراً في تركيزها على هذا الموضوع في ندوة الثلاثاء الاقتصادية التاسعة عشرة.‏

ثالثاً: إن المناخ الدولي ـ اقتصادياً ـ يغلب عليه طابع الاقتصاد الحر, وذلك بعد فشل النموذج الاشتراكي السوفيتي وتصوير ذلك على إنه انتصاراً للنظام الرأسمالي وزعيمته الولايات المتحدة الأميركية، وإطلاق الدعوة للإصلاح الاقتصادي وفق الوصفة الليبرالية الاقتصادية الجديدة التي تبناها "تفاهم أو وفاق أو توافق واشنطن" وترويج هذه الدعوة لدى الدول الاشتراكية السابقة، ولدى الدول النامية.‏

ولاقت هذه الدعوة رواجاً منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي, بعد أن زالت أسباب استعصاء التوصل إلى اتفاق بشأن تحرير التجارة في إطار جولة (أرجواي) حيث توجت هذه الجولة بالإعلان عن قيام "منظمة التجارة العالمية" فاستكملت بذلك المؤسسات الدولية الداعية إلى العولمة والاندماج في الاقتصاد العالمي, لتشمل:‏

آ ـ صندوق النقد الدولي.‏

ب ـ البنك الدولي ومؤسساته التابعة.‏

وقد لاقت الدعوة إلى العولمة والترويج لمبادئ الليبرالية الاقتصادية الجديدة، ممانعة واسعة من الشعوب ومن العديد من الدول الطامحة إلى بناء نموذجها الاقتصادي المستقل, بينما بدأ دعاة ومروجو العولمة، وخاصة حملة الفكر المحافظ اليميني المتطرف في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا بعد أحداث 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدةـ، في انتهاج سياسة جديدة تقوم على استخدام العنف والقوة العسكرية في فرض النموذج الليبرالي الاقتصادي الجديد عن طريق "عسكرة العولمة" فقسموا دول العالم وشعوبه إلى دول وشعوب منخرطة في العولمة دعوها بـ (النواة) ودول وشعوب ممانعة للعولمة، دعوها بـ (العثرة) وقالوا بأن إزالة العثرة أمر ضروري, لاستتباب الأمن والسلام والاستقرار ومكافحة الإرهاب في العالم, فكانت باكورة هذا الاتجاه الحرب على أفغانستان واحتلاله, ثم شن الحرب على العراق واحتلاله بهدف فرض نموذج ديمقراطي ليبرالي, يمكن تعميمه على دول العالم أجمع.‏

ثم طرح الرئيس الأميركي بوش، مشروع الشرق الأوسط الكبير, الذي يتضمن من بين أهدافه نشر الديمقراطية الليبرالية، والإصلاح الاقتصادي الليبرالي وفقاً لوصفه "ووفاق واشنطن" الذي يحمل في طياته "النموذج الاقتصادي الليبرالي الجديد" المعبر عن سياسة الانفتاح الاقتصادي والتحرير التجاري إلى جانب باقي شروط وصفة التحول إلى اقتصاد حرية السوق, بما في ذلك الخصخصة والوصول إلى نموذج "حكومة الحد الأدنى".‏

لقد جاء هذا النموذج، كبديل, عن السياسة التداخلية التي اعتمدت (النموذج الكينزي) في البلدان الصناعية المتقدمة بعد الحرب العالمية الثانية، وقد ساعد على نجاحها مشروعات إعادة تعمير ما خربته الحرب, وعجز القطاع الخاص والرأسمالية الوطنية في ذلك الوقت عن النهوض باقتصادات تلك الدول دون تدخل الدولة.‏

ولكن هذا النموذج التدخلي, لاقى بعض الصعوبات في أواخر الستينات, خاصة بعد بروز ظاهرة "الركود التضخمي" وتداعياتها على الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية، مما جعل الولايات المتحدة تلجأ إلى إلغاء العلاقة بين الدولار والذهب, وبدا واضحاً عجز السياسات الكينزية عن مواجهة الأزمة، مما دعا الليبراليون الاقتصاديون الجدد, إلى الاندفاع في تقديم الحلول، وتصوير المشكلة على أنها نجمت عن تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية، وأمام عجز الحلول الكينزية المطروحة، لاقت وجهة النظر الليبرالية الجديدة قبولاً تمثل في نجاح (تاتشر) المحافظة في انتخابات رئاسة وزراء بريطانيا (1979) ونجاح ريغان الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأميركية (1980).‏

وكما فشل النموذج الاشتراكي السوفياتي, لاقت عمليات التنمية في أغلب البلدان النامية، صعوبات وإخفاقات, مما جعل من الممكن طرح برامج الليبرالية الاقتصادية الجديدة، على البلدان النامية (خاصة المثقلة بالديون الخارجية) مما اضطرها إلى قبول تطبيق هذه البرامج في إطار جدولة الديون, ومن خلال الوصفة المقدمة إليها من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. والتي تتمحور حول التوجه نحو النموذج الرأسمالي وفرض حكومة الحد الأدنى, وتطبيق سياسات حرية السوق. هنا نتوقف قليلاً لنقدم ثلاثة شواهد على غاية من الأهمية:‏

أول هذه الشواهد: أنه ليس هناك نموذج رأسمالي واحد, بل أن حركة رأس المال العالمي تبلورت عبر السنين وبنت ثلاثة نماذج للرأسمالية:‏

النموذج الأول: رأسمالية الليبرالية الانكلو ساكسونية الجديدة، التي تطلق العنان لقوى السوق بزعامة الولايات المتحدة، التي ورثت الليبرالية البريطانية، مع إدخال بعض الفوارق التي تميزها عنها, وهي أن المحافظين الجدد في الولايات المتحدة أطلقوا العنان لقوى السوق الشرسة دونما قيود، وعززت الولايات المتحدة ذلك بترسانتها العسكرية، ونفوذها على المؤسسات الدولية. وتحولت إلى عسكرة مباشرة وصريحة للعلاقات الدولية.‏

النموذج الثاني: هو نموذج رأسمالية الدولة الراعية (أو دولة الرفاهية الاجتماعية). وهو نموذج لرأسمالية أيقنت بأن الحيلولة دون قيام صراعات فيما بين القوى الاجتماعية, يكون بدور للدولة الرأسمالية، يتضمن التوازن في نمط توزيع الدخل, بما يؤدي إلى تصحيح الانحرافات التي تنشأ عن إطلاق العنان لقوى السوق. وكذلك الحد من عمل قانون عدم التوازن عبر تقلبات الدورات الاقتصادية، التي هي جزء من طبيعة النظام الرأسمالي, والتي من شأنها أن تُحدث تقلبات في مستوى تشغيل قوى الإنتاج البشرية والمادية وفي مستوى الدخل. وما ينجم عن ذلك من بطالة بشرية وعطالة في الطاقة الإنتاجية.‏

النموذج الثالث: هو نموذج رأسمالية الدولة التوجيهية الساعية إلى رفد المشروع الرأسمالي بأخلاقيات العمل في المجتمع القديم, وحرصت على الحد من التناقض بين المشروعات بهدف تحقيق أداء أكفأ للمؤسسات, وفي العلاقة مع السوق العالمية. كقوة تصديرية ومالية. ويُعبر الاقتصاد الياباني خير تعبير عن هذا النموذج.‏

وثاني الشواهد: إن الحل السحري الذي تقدمه الليبرالية الاقتصادية الجديدة، ويتبلور في (توافق واشنطن) ووصفات الصندوق والبنك الدوليين, ثبت فشله في العديد من الدول النامية التي اضطرت، تحت وطأة ديونها إلى اتباعه. فقد قاد نموذج (حكومة الحد الأدنى) والخصخصة إلى البطالة والاضطرابات الاجتماعية, مما أجبر الصندوق والبنك الدوليين إلى إعادة نظر في برنامج الخصخصة، وإلى الدعوة إلى إحداث الصناديق الاجتماعية لمعالجة تداعياتها, للحد من آثارها الاجتماعية المتمثلة بالبطالة وتوسيع قاعدة الفقر. مما يدحض الرأي القائل بأن الإصلاح الاقتصادي وفق النموذج الليبرالي الاقتصادي الجديد, سوف يحقق النمو الاقتصادي الذي سيعم المجتمع بأسره.‏

وقد ثبت بطلان هذه الأطروحة، ذلك أن الاهتمام يجب أن يكون على إجراءات الإصلاح، وليس على النمو الذي يشكل شرطاً ضرورياً, ولكن غير كافٍ, فالذي يؤثر في المجتمع ويُحسن من ظروف الأغلبية الفقيرة، ليس النمو الاقتصادي بحد ذاته, وإنما نمط هذا النمو.‏

إن المروجين للأفكار الليبرالية الاقتصادية الجديدة، يقدمون الوعود للفقراء محدودي الدخل, بأن الإصلاحات الليبرالية، ستحقق النمو الاقتصادي الذي سوف يصيبهم في المدى البعيد بالمستقبل, عن طريق التقطير من القمة إلى القاعدة, إن هذه الوعود تظل في عالم الغيب وتفتقر إلى المنطق العلمي, ولعل أفضل ما يرد عليها, قول كينز "في المدى البعيد سنكون جميعاً من الأموات"!..‏

أما ثالث هذه الشواهد فهو أن الاندفاع نحو العولمة، وخاصة في المجال الاقتصادي, قد أعيق في بعض جوانبه. فانفتاح كامل للأسواق لم يتحقق وكذلك التحرير الكامل للتجارة تعترضه العديد من العقبات, بسبب استمرار دول أوربا والولايات المتحدة في تقديم الدعم للزراعة (وقد اتفق مؤخراً على أن يُزال الدعم في عام 2013)، وكذلك في وضع الولايات المتحدة وأوربا القيود على بعض المواد والمنتجات المستوردة من اليابان وغيرها فضلاً عن المشكلات الناجمة عن تصدير الألبسة والمنسوجات الصينية، مما يظهر في إخفاق المفاوضات في إطار منظمة التجارة الدولية، وفي المنازعات العديدة التي تنظر فيها هذه المنظمة.‏

فضلاً عن ذلك, فإن حركة رأس المال تواجه بعض القيود والرقابة، بسبب الضوابط المفروضة في إطار مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال. لكن ما يلفت هو القيود التي وضعت على انتقال العمالة، والتي زاد من حدتها الرغبة في إيقاف الهجرة من الجنوب إلى الشمال, والإدعاء بمكافحة الإرهاب. وهذه القيود والانتكاسات لاندفاعة العولمة في بعض تجلياتها, لم تمنع من استمرار الترويج لها والادعاء بقدريتها, والتصميم على نشر ثقافة السوق الحرة، والدعوة إلى بناء سوق حرة عالمية، تفترض مسبقاً, أن تحديث الاقتصاد يعني الشيء نفسه في كل مكان. وبالتالي تفسير عولمة الاقتصاد, بأنها تمثل التفوق الساحق والفريد لنمط الرأسمالية العالمية في نموذجها الأنكلوسكسوني ـ الأميركي. الأمر الذي نعتقد أنه بعيد المنال.‏

نقول هذا ليس فقط بسبب ما يعانيه النموذج الأميركي من مصاعب ومشكلات داخل الولايات المتحدة، ولا بسبب ما تعانيه عسكرة العولمة من ممانعة في داخل وخارج الولايات المتحدة فحسب, بل لأسباب موضوعية تتعلق بطبيعة هذا النموذج، ومخالفته لمسيرة التاريخ, ومناهضته لتطلعات الشعوب، فضلاً عن تناقضاته الداخلية وما نراه الآن من انتكاسات للمشروع الأميركي في الشرق, ومن انتصارات لممانعي الولايات المتحدة ومشروعها في أميركا اللاتينية، خير دليل على فشل عملية تعميم النموذج الأميركي على العالم, ويُعبر هذا الفشل بالتالي عن أهمية البحث عن طريق آخر أو نموذج آخر, ألا وهو طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة على الذات والمنفتحة على العالم بما لا يؤذي استقلالها الوطني.‏

هذا الطريق, وهذا النموذج، وجدته سورية في "اقتصاد السوق الاجتماعي" وبقي أن يؤطر مفهوم هذا الاقتصاد, ويوضح على نحو يبعده عن أي التباس, ولا يترك مجالاً للتشويه أو الانحراف.‏

إن أي نموذج للاقتصاد, في أي بلد, لا بد أن يراعي خصوصيات هذا البلد, ودرجة تقدمه, والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية القائمة، وتراثه وتقاليده الوطنية. لهذا فإن من غير الممكن الحديث, عن نقل النموذج الصيني, أو نقل نموذج الطريق الثالث الذي اختاره بلير في بريطانيا. يمكن الاستفادة من جميع تجارب دول وشعوب العالم, ولكن لا يمكن نقل النموذج الناجح في بيئة معينة، ليلقي نفس النجاح في بيئة أخرى.‏

وفي سعينا إلى تَلَمس الطريق السليم نحو تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في بلدنا, وفي إطار الجهد الموجه إلى رسم معالم "اقتصاد السوق الاجتماعي" يجب علينا أن نتذكر دائماً النقاط البارزة التالية:‏

1 ـ يجب ألا ننسى أن جزءاً عزيزاً من بلدنا يحتله عدو شرس, طامع في مد نفوذه وسيطرته على المنطقة العربية بأسرها, مدعوماً من قوى الشر والعدوان على الأمة العربية في أوربا والولايات المتحدة. وهذا الأمر بالتحديد, يدعونا, مهما كان شكل وطبيعة النظام الاقتصادي والسياسي, إلى درجة عالية من اليقظة والاستعداد.‏

2 ـ إن ما أوردناه في النقطة الأولى، يستدعي, بالضرورة، وجود دولة قوية، قوية في اقتصادها، قوية ف قدرتها العسكرية. قوية في إرادتها.‏

3 ـ ومما يعزز ضرورة وجود الدولة القوية، ما تلاقيه سورية اليوم من ضغوط وتهديدات, تفترض حشد جميع الجهود والإمكانات المادية والبشرية من أجل تعزيز قدرتها على الصمود والمواجهة.‏

إن تذكرنا لهذه النقاط الثلاثة، يجعلنا نتساءل؛ هل اقتصاد حرية السوق يمكن أن يحقق لنا إمكانات بناء اقتصاد قوي ودولة قوية وقدرة على مواجهة الضغوط؟‏

فإذا كانت الإجابة, بأن اقتصاد حرية السوق لا يمكن أن يحقق لنا ذلك, وإذا كان قرار التوجه نحو اقتصاد السوق الاجتماعي قد أصبح حقيقة واقعة، فإن هذا يعني أن ما حسم فعلاً هو أن النموذج الاقتصادي الذي نطمح إليه ليس هو اقتصاد حرية السوق وهذا يعني أن للدولة دوراً اقتصادياً عليها أن تقوم به, ليس من أجل كبح قوى السوق الغاشمة فحسب, وإنما أيضاً من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويبقى أن نحدد معالم وطبيعة ومفهوم هذا الاقتصاد, وطبيعة ومفهوم دور الدولة، ومعالم التنمية المطلوبة والمرغوبة. والمنطلق كما أراه, الوقوف على واقع الاقتصاد السوري, والمشكلات والتحديات التي عليه مواجهتها. ومن ثم رسم ملامح ومفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي ودوره في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.‏

أولاً- واقع الاقتصاد السوري:‏

سوف أكتفي هنا بعض موجز جداً يشخص مشكلة الاقتصاد السوري حالياً, مع إيراد بعض المؤشرات الدالة على حالته, دون الدخول بالتفاصيل, فمكانها في موضع آخر.‏

يعاني الاقتصاد السوري من اختلالات جوهرية، ترجع أساساً إلى مشكلات تتعلق بمصادر النمو الاقتصادي, فهناك تراجعاً كمياً في كل من الاستثمار والتشغيل, كما أن هناك تراجعاً كيفياً في إنتاجية العمل وكفاءة رأس المال و عوامل الإنتاج كافة. ويعكس هذا التراجع تدهوراً في رأس المال البشري الذي يُعد المصدر الرئيسي للإنتاجية والتنافسية، كنتيجة مباشرة لتدني مستوى تعليم وتدريب القوى العاملة من حيث الكمية والكيفية، وعدم تطوير الجانب المعرفي في العملية الإنتاجية، إضافة إلى ضعف استخدام التقانة مما ينعكس سلباً على العملية الإنتاجية.‏

ولعبت السياسات الاقتصادية والمالية، منذ منتصف الثمانينات دوراً, لا يساعد على إيجاد المناخ المناسب لتطور القوى المنتجة، وأشير بوجه خاص إلى السياسة المالية الانكماشية التي جاءت منسجمة مع مطالب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تحت عنوان (موازنة الموازنة) فكان لها دوراً أساسياً في انكماش الاقتصاد وتراجع الاستثمار نتيجة لتخفيض الإنفاق العام, وبدء انسحاب الدولة التدريجي من النشاط الاقتصادي, وتراجعه في الشأن الاجتماعي دون أن يستطيع القطاع الخاص أن يملأ الفراغ, وقد أسهم القانون رقم /10/ عام 1991, بلا شك في السنوات الأولى لتطبيقه في جذب عدد من مشاريع القطاع الخاص, لكن هذا لم يدم طويلاً فالقطاع الخاص لم يبدِ رغبة حقيقية في الاستثمار والإسهام في عملية التنمية كما أن أساليب الإدارة البيروقراطية، وسوء إدارة الاقتصاد الوطني لم يسمحا باستثمار هذا القانون وبعض التشريعات والأنظمة الأخرى لمصلحة الاقتصاد الوطني.‏

لقد انعكست السياسات الاقتصادية والمالية في تراجع معدلات النمو الحقيقية، بحيث أصبحت تقل عن معدل نمو السكان في بعض السنين, وبرز الاعتماد على النفط والزراعة بنسب متزايدة، مرافقاً بضعف الصناعة التحويلية، وتضخم الخدمات (عدا الخدمات المالية التي بقيت الأضعف) مع تنوع ضعيف للصادرات, وانخفاضاً واضحاً في القيم المضافة.‏

وكان من نتائج الأداء الاقتصادي الضعيف انخفاض استغلال الإمكانيات الكامنة الكبيرة نسبياً في الاقتصاد السوري، وخاصة الموارد البشرية. بحيث أدى هذا إلى خسائر اقتصادية واجتماعية من حيث انخفاض العائد الاقتصادي وتراجع المؤشرات الخاصة بتوزيع الدخل القومي, وعدم تحقيق أهداف التنمية في العدالة الاجتماعية.‏

تشير إحصاءات هيئة تخطيط الدولة إلى تراجع معدل النمو الحقيقي السنوي للاقتصاد السوري من 8.45% وسطياً في الفترة ما بين 1990 ـ 1996 إلى 2.37% وسطياً في الفترة ما بين 1997 ـ 2003.‏

ويعود السبب في انخفاض معدل النمو في الفترة الثانية إلى مجموعة من الأسباب, منها ما يعود إلى التبدل في المناخ العام المتفائل في المنطقة العربية عامة وفي سوريا خاصةـ، الذي ساد في الفترة الأولى، ومنها ما يعود إلى ضعف الإدارة الاقتصادية والسياسات المتبعة كما سبق أن ألمحنا, والجدير ذكره أن معدل النمو الاقتصادي انخفض عام 2003 إلى (-0.2%).‏

كما يلاحظ تراجع نسبي في مجال الصناعة التحويلية، فقد بلغت نسبة مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي خلال الفترة 2000 ـ 2003 (3.2% فقط) في حين أنها كانت تصل إلى 11% (1990 ـ 1995) و18% (1996 ـ 1999) وسطياً سنوياً.‏

وثمة ملاحظة أخرى جديدة بالاهتمام, وهي أن هناك سوء توزيع للدخل الوطني يتجلى في انخفاض حصة الرواتب والأجور من الناتج المحلي الإجمالي من 46% عام 1994 إلى‏

38% عام 2003. هذا في حين ترتفع حصة الريوع والأرباح من 54% إلى 62% في نفس الفترة.‏

ومما يلتفت النظر، وكنتيجة من النتائج التي تشكل تحدياً للاقتصاد الوطني, تراجع معدل نمو المشتغلين من 5% في الفترة (1991 ـ 1996) إلى 1.1% في الفترة (1996 ـ 2003) مما يعني تفاقم مشكلة البطالة، التي تكاد تصل في بعض التقديرات إلى أكثر من 18%.‏

ومما يزيد من تفاقم المشكلة الاقتصادية التراجع الواضح في إنتاجية العمل, فقد وصل وسطي معدل نمو الإنتاجية إلى 1.6% في الفترة ما بين (1996 ـ 2003) في حين أنه كان 3.5% في الفترة (1991 ـ 1996).‏

وإذا ما دققنا في مجمل نفقات الخدمة الاجتماعية لوجدناها تتوزع ما بين 64.7% للصحة والتعليم و29.7% للحماية الاجتماعية (حسب الإحصاءات المالية الحكومية لعام 2004 الصادرة عن صندوق النقد الدولي) في حين أن الصورة معكوسة في الدول الصناعية المتقدمة، إذ أن الأولوية تتجه إلى الحماية الاجتماعية بغض النظر عن التوجهات السياسية. ونجد بنفس الإحصاءات أن مخصصات الإنفاق على الخدمات الاجتماعية كنسبة من الإنفاق العام في عام 2000 بلغت في سورية 17.9%, في حين أنها تبلغ في الدول الصناعية أكبر من ذلك بكثير, على الرغم من دعوة هذه الدول للدول النامية إلى تخفيض إنفاقها العام, والحد من تدخل الدولة. وتصل نسبة الإنفاق على الخدمات الاجتماعية في ألمانيا مثلاً إلى 73.4% من الإنفاق العام. بينما تنخفض هذه النسبة إلى حوالي 60% في الولايات المتحدة.‏

إن الانخفاض في مخصصات الصحة والتعليم, صاحب انخفاض نوع في هاتين الخدمتين الهامتين. وقد جاء هذا في إطار الدعوة إلى تخفيض الأنفاق العام, بحجة تخفيض عجز الموازنة، بينما لم نلمس أي تخفيض في مخصصات أخرى تتعلق بالمزايا الممنوحة لكبار الموظفين من سيارات ومهمات وخلاف ذلك. فلو أن الجهود اتجهت إلى مكافحة جدية للفساد, وإلى تخفيض الهدر والإسراف والتبذير والسرقات ونفقات بنزين السيارات الحكومية على اختلاف أنواعها, لأمكن سد العجز في الموازنة، وتحقيق فائض يمكن استخدامه في الإنفاق الاستثماري والمتوجه نحو الخدمات الاجتماعية معاً.‏

لكن هذا لم يحدث, والذي حدث إنما هو توجه نحو اقتصاد حرية السوق, الأمر الذي نلمسه في التخفيض الكبير في "حجم الحكومة" وهو أحد أهم ركائز (وفاق واشنطن) الذي يدعو إلى "حكومة الحد الأدنى" أي حكومة لا تمتلك السيطرة على اقتصاد بلدها, بل تتركه لقوى السوق تتلاعب به وفقاً لمصالحها, حكومة ضعيفة في بلد ضعيف مما يسهل خضوعها للمطالب الخارجية. كما يسهل اندماج الاقتصاد الوطني في الاقتصاد الرأسمالي العالمي والتحاقه بما يدعى "قطار العولمة".‏

وللأسف فإن الشواهد العلمية، تضع الاقتصاد السوري في هذا السياق. فقد تخلت الحكومة عن القيام بجهود أساسية في عملية التنمية وبدأت بالتخلي عن القطاع العام الصناعي بعد أن كادت تنهي تواجدها في السوق التجاري وهذا يعني وكأن التنمية أصبحت يتيمة دون رعاية, حين بدأت الدولة بعملية انسحاب منظمة من النشاط الاقتصادي مع تراجع في الخدمات الاجتماعية، والتوسع في التعليم الخاص, والمستشفيات الخاصة، فضلاً عن المصارف الخاصة وشركات التأمين الخاصة وطبقاً لبيانات البنك الدولي (مؤشرات التنمية الدولية لعام 2000) انكمش حجم الحكومة في سوريا من 48.2% من الناتج المحلي الإجمالي عام 1980 إلى 24.6% في نهاية التسعينات, أي إلى النصف تقريباً, ويشير تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002, إلى أن الإنفاق الحكومي كان في الفترة ما بين 1972 و1984 يبلغ 41% من الناتج المحلي الإجمالي, في حين انخفض في الفترة من 1985 ـ 1998 إلى 25%.‏

ومن المفارقات أن الدول الصناعية الرأسمالية الكبرى، يزداد فيها حجم الحكومة، خلافاً لتوصياتها للدول النامية بتقليص دور الحكومة. ففي إنكلترا زاد حجم الحكومة من 31.6% عام 1970 إلى 39.1% عام 1997. وفي فرنسا ارتفع حجم الحكومة من 39.5% عام 1980 إلى 46.6% عام 1997. ونجد ذات المفارقة في مصر التي انخفض فيها حجم الحكومة من 50.2% إلى 36.6% في نفس الفترة.‏

الطريق إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية:‏

إذا ما أبعدنا عامل الإكراه أو النصح الوارد في مشروعات الشرق الأوسط الكبير والشراكة الأوروبية والشروط والقيود التي تنهال عينا من عمالقة العولمة ومروجيها, وطرحنا على أنفسنا السؤال المركزي التالي:‏

إذا كانت حالة الاقتصاد السوري كما هي الآن, وإذا كنا نطمح إلى النهوض بمستوى شعبنا مادياً وعلمياً وثقافياً واجتماعياً, فما هو السبيل إلى ذلك؟ هل تستطيع, أو ترغب, قوى السوق بتلبية متطلبات النهوض والتقدم؟ هل يستطيع الأفراد (القطاع الخاص) أن يتحملوا هذه المسؤولية بمفردهم؟.‏

وهنا تطرح علينا مسألة دور الدولة. فمن الواضح أن إطلاق العنان لقوة السوق، لن يستطع أن يصل بالمجتمع وبالاقتصاد إلى ما نطمح إليه, فالاقتصاد الحر لن يوصلنا إلى المنافسة الحرة بل إلى الاحتكار والفوضى، وبالتالي اتساع دائرة الفقرة، وزيادة الفروق في الثروة والدخول. وحتى إذا أمكن تحقيق مستوى عالٍ أو محسوس من النمو الاقتصادي, فإن ذلك سيجري لمصلحة فئة معينة، ويؤدي إلى زيادة فقر الفقراء, وزيادة ثراء الأغنياء. بينما المطلوب هو تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، التي لا يمكن تحقيقها ما لم يكن للدولة دور فاعل في الاقتصاد والمجتمع.‏

فالدولة الضعيفة, هي كما وصفها (ميردال) دولة رخوة، وهي "سر البلاء الأعظم وسبب أساسي من أسباب الفقر والتخلف في الداخل, والمهانة وعدم الاعتبار في الخارج, وفي مثل هذا النموذج من الدول، يعم الفساد، إذ أن (رخاوة) الدولة تشجع على الفساد, كما أن انتشار الفساد يزيد الدولة ضعفاً ورخاوة".‏

ويربط جلال أمين بين التخاذل في الاقتصاد والتخاذل في السياسة، وبين التراخي في السياسة الخارجية، والتراخي في السياسة الداخلية. وإذ يُسقط هذه الحالة على ما يحدث في مصر منذ السبعينات يقول: "إنما يجري مجرد انفتاح يوحي بموقف الدولة المصرية من إسرائيل, أو من الولايات المتحدة، بل أن ما يصلح لوصف هذه الحالة هو وصف (الدولة الرخوة)".‏

وبعد أن توضح للعديد من المفكرين الغربيين والأميركيين, ما آلت إليه وصفات "حكومة الحد الأدنى" والسياسات الليبرالية الاقتصادية الجديدة في البلدان التي سارت في هذا الطريق, وبعد أن برزت فضائح الفساد والانحرافات المالية في الشركات الكبرى في الولايات المتحدة، وظهرت الفروقات الهائلة في مستويات الدخول فضلاً عن تفاقم مشكلات العجوز في الموازنات الاقتصادية المختلفة، بدا واضحاً أن الوصفة الليبرالية الاقتصادية الجديدة، لم تكن وبالاً على البلدان النامية فقط, بل أنها كانت كذلك على الدول الصناعية. مما جعل مفكر معروف بأنه من أشد أنصار الليبرالية الاقتصادية الجديدة، وهو (فوكوياما) صاحب نظرية (نهاية التاريخ) يكتب مجدداً حول "استرداد دور الدولة" حيث رأى أن جانباً كبيراً من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والصحية في الدول النامية الضعيفة يعود إلى إضعاف الدولة وترهلها.‏

ولم يكن عسيراً على شخص مثل (فوكاياما) أن يلحظ إن انتهاج هذه السياسات أدى إلى مزيد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية. وهو يلتقي في ذلك, مع ما توصل إليه (جوزيف استيجلتز) نائب البنك الدولي السابق الحائز على جائزة نويل في الاقتصاد.‏

القطاع الخاص والتنمية:‏

وإذ تشترط الشراكة الأوروبية، انتهاج سياسة الاقتصادية تنسجم مع التحول إلى اقتصاد حرية السوق، بما في ذلك إعطاء الدور الأساسي في النشاط الاقتصادي للقطاع الخاص. وإذ يُطرح على نطاق واسع من قبل الولايات المتحدة، مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يلتقي مع مشروع الشراكة الأوروبية في الدعوة إلى اقتصاد حرية السوق وتقليص دور الدولة والخصخصة وما إلى ذلك, فإن ذلك يجعلنا نتساءل, عن سبب هذا الإصرار على الدعوة إلى اقتصاد حرية السوق وتقليص دور الدولة الاقتصادي وإعطاء الدول الأساسي للقطاع الخاص في قيادة الاقتصاد.‏

فإذا كانت العودة إلى اقتصاد حرية السوق تهدف إلى تعميم قيم ومفاهيم واحدة تُسهل انخراط جميع شعوب العالم في العولمة، وتُسهل سيطرة قوى السوق العالمية على دول وشعوب العالم.‏

وإذا كانت الدعوة إلى تقليص دور الدولة والاقتصادي والاجتماعي يُمكن أن يُفهم أنه يهدف إلى إضعاف الدولة، وبالتالي جعلها أكثر طواعية لمقتضيات الخارج.‏

فإن الدعوة إلى تولي القطاع الخاص مهام الدولة الاقتصادية، وقيادة اقتصاد الدولة يظل غير مفهوم، من زاوية ما يمكن أن تهدف إليه من جراء ذلك, كل من الولايات المتحدة وأوربا, فضلاً عن المؤسسات الدولية.‏

والدعوة إلى تمكين القطاع الخاص من السيطرة على اقتصاد الدول ليست جديدة، وصحيح أنها نظرياً تندرج في إطار الليبرالية الاقتصادية، ولكنها أصبحت في السياسة الدولية والإقليمية تندرج في جداول أعمال الدول الكبرى، في علاقاتها مع دول العالم الثالث. ويتمثل ذلك، في أن هذا الموضوع أصبح يحتل إحدى أهم أولويات الولايات المتحدة، وأوربا.‏

يعرض علينا (محمد حسنين هيكل) وهو المتابع الجاد للسياسة الأميركية، في كلمته الختامية في الندوة الفكرية التي أقامها مركز دراسات الوحدة العربية عام 1990. ما ورد في البيان السياسي المرافق لمطلب الاعتمادات المالية الذي قدمه وزير خارجية الولايات المتحدة (جيمس بيكر). في ذلك الوقت، حيث طلب بيكر من الكونغرس رصد اعتماده قدره (20.8 مليار دولار) لوزارته محدداً خمسة أهداف، أوردها لأهمية بيان الترابط بين الأهداف السياسية والاقتصادية للإدارة الأميركية. وهذه الأهداف هي:‏

1 ـ نشر القيم الديمقراطية.‏

2 ـ التمكين لقوى السوق والقطاع الخاص.‏

3 ـ دفع السلام.‏

4 ـ حماية المجتمع الدولي من الأخطار المتعدية للحدود.‏

5 ـ التمكين للتحالف الغربي في عالم حافل بالمتغيرات.‏

ومن الواضح في هذه الأهداف، إن تمكين قوى السوق يحتل مركزاً متميزاً في الاستراتيجية الأميركية. ويقول هيكل أن بيكر أردف عند التفصيل نصاً على ضرورة تحقيق السيادة للقطاع الخاص في اقتصاديات الأمم. كما أن تحقيق السيادة المطلقة للقطاع الخاص ورد صريحاً أيضاً في معظم البنود الإضافية التي طلبها بيكر. وفي تدقيقه لأهداف السياسة الأميركية وأولوياتها يكتشف هيكل:‏

1 ـ أن قوى السوق وتحكيم سيطرة القطاع الخاص، هما الهدف الرئيسي والظاهر، فيما أعلنه بيكر، ثم أنهما الهدف العملي الذي يُمكن السعي إليه بتخطيط واقعي.‏

2 ـ إن التعبير الذي استعمله بيكر في صدد الاثنين (السوق والقطاع الخاص) كان تعبيراً جرى انتقائه بدقة. وهو تعبير (Foster) وترجمته طبقاً لقواميس اللغة وبينها المورد والوسيط مثلاً هي (يرضع، ينشئ، يربي، يرعى، يعزز)، ويلاحظ أنه فيما يتعلق بهدف الديمقراطية وهدف السلام استعمل بيكر تعبيراً يختلف في وقعه، وهو تعبير (promote) أي يدعو ويشجع.‏

3 ـ أن تقرير بيكر، كرر ذكر هدف التمكين لقوى السوق، أو قوى السوق مقترنة بالقطاع الخاص 21 مرة في مساحة عشر صفحات، استغرقها الجزء الأول من تقريره، وهو شيء لافت للانتباه، ويقطع بأن هذا الهدف محوري في السياسة الأميركية الجديدة.‏

وأبدى هيكل قلقه، من هذا الإلحاح الذي تبديه الولايات المتحدة على دور قوى السوق والقطاع الخاص. وذلك لأنه يعتبر ذلك أنه لأول مرة تقوم فيها "دولة بالإعلان على هذا النحو الموجه والمباشر في إلحاحه بأن سياستها هي التدخل النشيط في صميم التكوين الاقتصادي والاجتماعي والطبقي في بلاد مستقلة".‏

ويقول هيكل: "إن مما يؤذي المشاعر أن نجد قوة عالمية تريد أن تحتضن أو ترعي أو ترضع القطاع الخاص عبر حدود العالم بأسره وفوقها، فهذا وضع يكاد أن يكون نوعاً من الحماية المتدخلة، وعلى نحو لم يسبق لـه مثيل حتى في عصور الحروب الدينية المقدسة".‏

إننا إذا نعتقد أن للقطاع الخاص دور في النشاط الاقتصادي، وأنه يجب أن يكون شريكاً في عملية التنمية، وإذا كنا نعتقد أن من الضروري الاعتراف بدور آليات السوق، فإن ما يطرح من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يصل إلى حد ليس التدخل في شؤوننا الداخلية فحسب، وإنما أيضاً أن هذا التدخل يأتي على نحو الساحة العالمية، بدون مراعاة لاختلاف ظروف وأحوال الدول، ودون الاعتراف بأحقية الشعوب في اختيار نظامها الاقتصادي والاجتماعي. مما يشكل ضغطاً شديداً على حرية وحق الاختيار في ظروف تتباين فيها مراحل التطور والتقدم بين الشعوب، وبالتالي تتباين الضرورات الموجهة لحرية الاختيار. وأعتقد أن السبب في ذلك أوهام الغرب والولايات المتحدة، بأنهما يستطيعان اختراق مجتمعاتنا عن طريق ربط مصالح فئة قليلة ممن يدعون أنهم رجال أعمال، بمصالح الخارج الرأسمالي العالمي.‏

أن القطاع الخاص في وطننا لديه تجارب مشرفة وإسهامات جدية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ونحن لا ننتظر من الولايات المتحدة، أو من الاتحاد الأوربي، أن يقدم لنا النصائح بالاعتماد على القطاع الخاص، أو توضع علينا الشروط بالعودة إلى آليات السوق لتكون حاكمة وقائدة لتطور مجتمعنا، وإذ يشير هيكل إلى تجربة مصرف مصر، وطلعت حرب، ودور القطاع الخاص المصري في نهضة مصر، فإن تجربتنا في سورية عظيمة مع القطاع الخاص، الذي أسهم بعد الاستقلال في بناء اقتصاد سورية الحديثة. ولا يمكن للدارس أو الباحث أن ينسى ما قامت به مجموعات من المستثمرين السوريين من نشاط استثماري إنتاجي تمثل في العديد من معامل الغزل والنسيج والكونسروة والإسمنت والزجاج وشركات الكهرباء والمياه وغير ذلك من مئات المنشآت، وإذا كان التأميم قد طال العديد من هذه المنشآت، فإن ذلك قد تم في ظروف سياسية واقتصادية معينة، لسنا هنا في معرض الحديث عنها.‏

ما يهمنا الإشارة إليه هنا، هو أننا لا ننتظر من يقول لنا من الخارج بالاهتمام بآليات السوق والقطاع الخاص، فهذه مسألة تفرضها طبيعة المرحلة التي يمر بها اقتصادنا الوطني، وكذلك مرحلة التطور التي قطعناها، والأهداف التي نطمح إلى تحقيقها.‏

ما أريد أن أشير إليه، قبل الانتقال إلى الحديث عن دور القطاع العام في ظل "اقتصاد السوق الاجتماعي" هو أن القطاع الخاص يشكل ركناً أساسياً في نسيج الاقتصاد الوطني، ولكن عليه أن يعرف أن دوره يأتي من خلال نزوع المجتمع، بجميع أطيافه، ولهذا فإن المجتمع بكامله يدعم إسهام القطاع الخاص في العمل المنتج، بقدر ما يرفض دوره في مجال السمسرة والوساطة غير الشريفة (علماً أن التجارة في إطار العمل المنتج طالما أنها تعمل ضمن القوانين والأنظمة النافذة).‏

لهذا، فإن ما يجب أن يعرفه القطاع الخاص، أن حمايته الحقيقية تأتي من داخل وطنه، ولا يمكن لأي أحد من الخارج أن يملي عليه دوره أو وظائفه. وعندما يقتنع المجتمع بدوره الإنمائي، عندها سوف يلقى هذا القطاع كل دعم وتشجيع من الداخل الوطني، فهو ركن أساسي من الوطن، ويتحمل مسؤولية هامة في تطوره وتحقيق مهام التنمية.‏

دور القطاع العام في ظل اقتصاد السوق الاجتماعي:‏

ما دام القطاع الخاص يمثل هذه الأهمية، إذن فما هو دور القطاع العام؟ أشير في البداية إلى بعض الملاحظات:‏

أولاً: أن القطاعين العام والخاص هما جزء من النظام الاقتصادي للدولة، ويجب أن تسقط جميع المحاولات الرامية إلى وضع أي منها في مواجهة الآخر. والموقف من القطاع العام، يجب ألا ينطلق من خطاب سياسي عفى عليه الزمن، بل من كون القطاع العام، يشكل قسماً أساسياً من الاقتصاد الوطني، مما يستوجب حمايته والارتقاء بإدارته وتطوير أداءه وإزالة العقبات عن طريقه.‏

ثانياً: في معرض الهجمة على القطاع العام، بحجة الفساد أو الفشل، فإن المسألة لا تتعلق بهذه الشركة أو تلك من شركات القطاع العام، أن المسألة هي أكبر من ذلك، أنها تتعلق بإدارة الاقتصاد الوطني وآلياته، وبالحكومة وإجراءاتها، ولهذا فإن المنطق يدعونا إلى المطالبة بإصلاح الحكومة وآلياتها وإدارتها.‏

إن الحكومات على امتداد ربع قرن مضى أو أكثر، كانت تمتنع وتعيق عمليات إصلاح القطاع العام، فإذا استبعدنا سوء النية، (وهو افتراض بعيد) فإن المسؤولية يمكن إلصاقها بسوء الإدارة، أو يضعف الأداء على مستوى المؤسسة وعلى مستوى إدارة الاقتصاد الوطني.‏

ثالثاً: إن الأداء المنخفض للقطاع العام يقابله أيضاً أداء متدنٍ للقطاع الخاص. وهذا الأداء في القطاعين هما نتاج مجتمع غير متطور، وأداء اقتصادي رديء. وأن عملية الإصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعين يجب أن تشمل هذين القطاعين وجميع قطاعات الاقتصاد والمجتمع الأخرى.‏

إن النظرية المنهجية للقطاع العام، تجعلنا نؤكد على عدم الخلط بين مفهوم القطاع العام والاشتراكية، فالاشتراكية نظام سياسي ـ اجتماعي ـ اقتصادي متكامل. في حين أن القطاع العام (كظاهرة اجتماعية ـ اقتصادية) نشأ مع ظهور دور الدولة الاقتصادي ـ لهذا يجب أن ننظر إلى القطاع العام على أنه إحدى وظائف الدولة الاقتصادية، وأن شرعيته تأتي من هذه الوظيفة، مهما اختلف شكل نظام الحكم.‏

اقتصاد السوق الاجتماعي:‏

ينطلق المخططون وراسمو السياسات الاقتصادية والاجتماعية، لدى وضعهم هذه الخطط والسياسات من تحديد أهداف الاقتصاد والمجتمع ومن الإجابة على الأسئلة المتعلقة برسم ملامح النظام الذي يلبي هذه الأهداف. وفي نطاق ذلك، فإن حالة الاقتصاد والمجتمع تكون حاضرة، بل وضاغطة من أجل أن تأتي الأهداف مستجيبة لهذه الحالة.‏

ومن استعراضنا لواقع الاقتصاد الوطني على النحو الذي سبق أن أوردناه، فإن أهداف المرحلة، كما أراها يجب أن تنصب على:‏

1 ـ معالجة الخلل في التوازنات الاقتصادية.‏

2 ـ معالجة الأوضاع المعيشية للسكان وردم الهوة بين الدخول والأسعار. والقضاء على الفقر.‏

3 ـ زيادة نسبة التراكم. ودفع عملية الاستثمار.‏

4 ـ تحقيق مستوى أفضل من الرعاية الاجتماعية، وإبلاء قضايا الصحة والتعليم الأهمية الكافية.‏

5 ـ الاستعمال الكامل للطاقات المعطلة، بما في ذاك البطالة في قوة العمل.‏

6 ـ استكمال بناء المبنى التحتية.‏

7 ـ تعزيز القدرة التنافسية للمنتجات السورية والارتقاء في مواصفات المنتجات الصناعية وتنويعها.‏

8 ـ البحث الجدي عن مصادر بديلة للطاقة. ومواجهة مشكلة التناقض في إنتاج النفط.‏

9 ـ معالجة مسألة الأمية.‏

10 ـ التعامل بجدية مع التطورات الحاصلة في ميدان العلم والتكنولوجيا.‏

إن النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي يستطيع تحقيق هذه الأهداف، ليس هو النظام الذي يدعونا إليه السيد بوش أو الاتحاد الأوروبي، أو ينصحنا به رئيس البنك الدولي أو الصندوق الدولي. إننا أدرى بمشاكلنا وظروفنا ومصالحنا وأوضاعنا، وبالتالي فإننا أقدر على اختيار النظام الذي يحقق لنا الأهداف المطلوبة.‏

لقد تحدث البعض عن النموذج الصيني، وتحدث البعض الآخر عن نموذج دولة الرعاية أو دولة الرفاهية، الذي قام في أوربا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية كما طرح آخرون الطرق الثالث الذي اعتمده بلير في إنكلترا.‏

إننا لسنا ضد الاستفادة من تجارب الآخرين، ولكننا ضد نقل هذه التجارب كما هي، فالنموذج الناجح في بلد ما في ظروف معينة، قد لا يكون ناجحاً في بلد آخر وفي ظروف أخرى.‏

والنظام الذي يمكن أن يحقق لنا الأهداف المرجوة، هو الذي يستطيع أن يحقق لمجتمعنا النهوض والتقدم الاقتصادي والاجتماعي في ظل نظام عالمي جائر، وبالتعامل مع قوى العولمة الشرسة، وفي مواجهة الأطماع والضغوط والمخططات الخارجية مثل هذه النظام، يفترض أن ينبعث من الداخل لمواجهة مشكلات بطبيعتها داخلية في ظل شروط وظروف خارجية. من هنا فإن هذا النظام يجب أن يقوم على مجموعة من التوازنات الاقتصادية والتخطيطية والاجتماعية (ذات الطابع الاستراتيجي) التي لا تستطيع آليا السوق لوحدها أن تجد لها الحلول العادلة والمرضية.‏

إن أسواق البلدان الصناعية المتقدمة، تطورت عبر عقود طويلة، فوصلت إلى ما وصلت إليه من نضج وكفاءة، وتستطيع أن تجد الحلول الاقتصادية والمالية والنقدية لمواجهة المشكلات التي تعترضها، وعندما وقع الاقتصاد البريطاني في أزمة السبعينات من القرن الماضي، وعجزت الكينزية عن تقديم الحلول، اندفعت الليبرالية الاقتصادية الجديدة وقدمت الحلول المناسبة ضمن الظروف القائمة. لكن بعد عقد آخر من الزمن وقعت أزمات جديدة، ثم جاء بلير إلى الحكم كرد للمشكلات التي نجمت عن ممارسات (تاتشر) المحافظة والمتشددة ليبرالياً. وكان رد بلير على تلك المشكلات ما دعاه (جينز) الطرق الثالث، الذي يراعي الجانب الاجتماعي في النظام الاقتصادي دون أن يخرج عن النظام الرأسمالي الناجز في الاقتصاد البريطاني.‏

إن هناك عدداً من المهام أو الموازنات الاقتصادية، لا يستطيع القطاع الخاص أن يقوم بها كما لا يستطيع السوق بآلياته المعروفة أن يقوم بها، خاصة تلك المهام التي تأخذ طابعاً استراتيجياً. وتحتاج إلى تدخل من الدولة، لتحقيق هدفي الكفاءة الاقتصادية، والكفاءة الاجتماعية معاً وبالتحديد تحقيق معادلة: النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. وعلى الأخص نذكر:‏

ـ الموازنة بين متطلبات تحقيق رفاه (الجيل الحالي) وتحقيق رفاه (الأجيال المقبلة) أي الموازنة بين الحاضر والمستقبل.‏

ـ المفاضلة بين توجهات التطور التكنولوجي واختيار التكنولوجيا المناسبة وتوطينها.‏

ـ الموازنة بين التطور في القطاعات الاقتصادية، وخاصة بين الصناعة والزراعة وكذلك بين فروع الصناعة التحويلية، وأنواع المحاصيل الزراعية. والربط بين ذلك كله مع الإمكانات المادية والبشرية المتاحة والقدرة الاستيعابية للاقتصاد والوطني.‏

ـ تحقيق نوع من الموازنة في النمو بين المدينة والريف. وبين التوزيع الجغرافي للثروات الطبيعية والتوزع السكاني.‏

ـ الموازنة ما بين الادخار والاستثمار والاستهلاك.‏

ـ الموازنة بين الأسعار والدخول.‏

إلى غير ذلك من موازنات اقتصادية، وهن الهدف يكون ليس إزالة التناقضات والخلل، بل وأيضاً تحقيق معدلات أكفأ بالأداء بما يحقق مستويات عالية في النمو، مع ضمان عدالة التوزيع وضمان علاقات متوازنة بين الاقتصاد الوطني والاقتصادات العالمية. إلى جانب حل مشكلات الفقر والبطالة والحفاظ على البيئة والإسكان وغير ذلك من أمور لها طابع استراتيجي.‏

فإذا كانت هذه المهام تحتاج إلى الدولة، وإلى مؤسسات قوية تابعة للدولة، فإنها تحتاج أيضاً إلى نوع من التخطيط الملائم.‏

وقبل أن نمضي في بيان دور مؤسسات الدولة (ومنها القطاع العام الاقتصادي) والتعرض لدرجة وشكل التخطيط المطلوب نود الإشارة إلى أن آليات السوق يمكن أن تقوم في ظل (اقتصاد السوق الاجتماعي) بدور هام في إطار القرارات التي لها طابع إجرائي مثل قرارات الاستهلاك والإنتاج، أي القرارات التي لها علاقة بالطلب والعرض. ولكن مع المحافظة على دور للدولة في السوق لمنع الاحتكار والغش والتلاعب بالأسعار.‏

وفي هذا المجال فإن القطاع الخاص يُمكن أن يلعب دوراً رئيسياً، في حين أن القطاع العام يمكن أن يكون لـه دور مساعد.‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244