مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 26 السنة الثامنة 2006
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

عرض كتاب مشروع القومية العربية إلى أين؟ ـــ فادية غيبور

ضمن منشورات دار الفرقد للطباعة والنشر لعام 2006م صدر مؤخراً للأديب الباحث د. حسين جمعة رئيس اتحاد الكتاب العرب في سورية كتابٌ جديد تحت عنوان " مشروع القومية العربية إلى أين؟!" علماً أن هذا الموضوع المهم كان في مقدمة اهتمامات د. حسين جمعة في العام الفائت ولا يزال..يقع الكتاب في مئتين وإحدى وخمسين صفحة بما فيها الصفحات السبع التي تضمنت قائمة المصادر والمراجع التي تم الرجوع إليها في أثناء إعداد الدراسة..‏

يتألف الكتاب من مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة جاءت تحت عنوان آراء وآفاق ونتائج، وسنحاول استعراض فصول الكتاب التي حملت عناوين فرعية تتعلق بمضمون البحث.‏

وتأتي أهمية هذه الدراسة وأسبابها كما يقول الكاتب كونها "تؤكد أن التحدي الأعظم الذي يواجه العرب إنما يتجسد بالمشروع الصهيوني والكيانات القطرية الهزيلة العاجزة، وحرص بعض أنظمتها عليها، إذ لا استمرار لهم من دونها، بينما تتجه بعض الدول إلى عملية دمج فيما بينها على صعد عديدة لتحقيق مصالحها، كما يحدث في أوروبا على سبيل المثال، فإذا انتهى الأمر إلى العرب وجدنا الدوائر السياسية المتعددة دولاً وأحزاباً تحرص على الدولة القطرية العربية ما جعل الفكر السياسي يحل محل الفكر القومي؛ ومن ثم نشأ بين المفكرين والمثقفين العرب خلاف حادّ حول الهوية العربية.. مما فرض لدى العرب تحدياً آخر على المستوى العسكري ثم المعرفي والتقني، ليس فقط في تراكم الأسلحة المتخلفة التي قذفها الغرب إلى كل دولة؛ وليس في برامج التدريب والتعاون المشترك مع الآخر غير العربي؛ بل في الانقطاع المعرفي والمنهجي والعسكري الحاصل بين العرب، على الرغم من وجود الجامعة العربية، والمؤسسات الثقافية والعلمية الموحدة فضلاً عن وجود مجلس الدفاع المشترك".‏

وقد أورد د. جمعة في مقدمة كتابه عدداً من الأسئلة الضرورية التي تنتظر من المواطن العربي أن يجيب عليها أو عن بعضها إذا ما تعذرت الإجابة عنها كلها..ومن هذه الأسئلة على سبيل المثال:‏

ـ لماذا أخفق العرب حتى الساعة في ابتداع نهضة حضارية معاصرة وأصيلة؛ ومن ثم لماذا عجزوا عن تحقيق مشروعهم القومي الوحدوي؟ ما البرامج التي وضعتها كل دولة قطرية في غياب التضامن العربي الحقيقي حتى بقيت تراوح في هذا المستوى المتواضع من التقدم المعرفي والفكري والفني والتقني والاقتصادي....؟!‏

ـ إلى أي مدى استطاع الواقع الراهن المفزع للعرب أن يتقدم إلى الأمام بعدما صار المشروع الصهيوني استعماراً استيطانياً سرطانياً يهدد الوجود العربي وتقدمه الحضاري فيقتل ويشرد ويخرّب؟!..وهل التقدم الحضاري مرتهن لدى العرب جميعاً بالتخلص من هذا الخطر الداهم والشر المستطير الذي استظل بمظلة الإمبريالية العالمية الممثلة بالهيمنة الأمريكية؟!..‏

ومن الأسئلة المهمة التي طرحها د. جمعة: هل يستطيع العرب تجاوز خلافاتهم لتحقيق مشروعهم القومي؛ وكل ما يحيط بهم آخذ بالتطور السريع في شتى المجالات، والزمن لا يعبأ بالعجزة والجهلة والمتخلفين..‏

* ومن الملاحظ أن الكاتب استخدم مصطلح " المشروع القومي" في فصول كتابه جميعها، وأتساءل: لماذا لم يعتمده في عنونة كتابه هذا؟!.. ولو انه فعل لكان ذلك أكثر موضوعية وشمولية، فالقومية العربية إرث وواقع له مكونات وجوده؛ لكن المنتمين إلى هذه القومية كان لهم مشروعهم القومي على مرّ العصور، ولا سيما الحديثة منها..‏

وسنحاول فيما يلي عرض ما جاء في فصول الكتاب الثلاثة على التوالي:‏

الفصل الأول‏

وجاء تحت عنوان: "الأسباب الداخلية لانكسار المشروع القومي"‏

تناول الفصل الأول الأسباب الداخلية لانكسار المشروع القومي وأوضح "أن الجرح النازف من أوصال الجسد العربي الممزق لا يوحي بالبُرْءِ والشفاء القريب؛ لأن العرب لم يستطيعوا حتى الساعة أن يهزموا عوامل القهر والتجزئة من نفوسهم؛ بل ربما زادت عند بعض الكيانات لأنها تحقق مصالحهم الضيقة والأنانية"..‏

وعرض د. حين جمعة أدوار المثقفين والكتاب والأدباء العرب في مختلف المراحل التاريخية، وتوصل إلى أن المشروع القومي ما زال هاجسهم الأول باعتبار "أن العروبة إنجاز قومي وإنساني غير عنصري, ولا متعصب لذاته, ولو بقي عدد من هؤلاء المعنيين متأثراً على نحو كبير بالأفكار الغربية حول القوميات"، ويخلص الكاتب إلى القول: "إن المشروع القومي على أيدي هؤلاء انتصر للمشروع السياسي على حساب بقية المشاريع الأخرى, وأحلّ المفاهيم السياسية محل المفاهيم الفكرية".‏‏

يذكّر الباحث بأسماء عدد من المفكرين العرب الذين أهمّهم واقع الأمة على اختلاف انتماءاتهم السياسية في المراحل التاريخية المتعاقبة،‏

ومن أبرزهم في العصر الحديث: محمد عابد الجابري وحسين مروة، وإلياس مرقص، والطيب تيزيني، وعلي حرب؛ وعبد الله العروي وجلال صادق العظم، وحسن حنفي وغيرهم.. ثمّ يلخص رؤيته بقوله: "ونرى أن تحقُّق المشروع القومي منوط بالتوحد حول مفهوم الهوية العربية والمفاهيم المعرفية العديدة؛ وإذا تحقق الثاني تحقق الأول".‏

قارئ هذا الفصل يدرك منذ الصفحة الأولى أن الكاتب يهتم باستخلاص الرؤية الفكرية الخاصة لعدد من التيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية العربية حول مفهوم الهوية العربية بغض النظر عن تفاصيل نشوئها وبنيتها ومصادرها وأعلامها، بل كتيارات مختلفة حول مفهوم العروبة والقومية، ويبين في الوقت عينه اختلافها حول الهم الوطني ومفهوم الهوية ووعيها، مما عرقل مسيرة مشروع العرب الأمثل وحلمهم الأهم والأعظم وأعني الوحدة العربية الكبرى.. ولم ينس الكاتب الإشارة إلى ضعف التجارب الوحدوية التي عرفها العرب في النصف الثاني من القرن العشرين؛ كونها لم تستطع بلوغ النضج القومي الذي يؤهلها لمقاومة أعدائها.. على الرغم من المقومات التي يفترض بها أن تجمع العرب وتحقق وحدتهم المنشودة..‏

وفي سياق عرضه لأدوار المثقفين والكتاب والأدباء العرب توصل د. حين جمعة إلى أن المشروع القومي لا يزال يشكل الهاجس الرئيس لعدد كبير من هؤلاء المثقفين والكتاب باعتبار أن العروبة إنجاز قومي وإنساني غير عنصري, ولا متعصب لذاته, علماً أن عدداً من هؤلاء المعنيين متأثر على نحو كبير بالأفكار الغربية حول القوميات..‏

ويبين د. جمعة أن دراسته تحاول أن ترصد وتعالج ما تمر به الأمة العربية من واقع ثقافي متخلف منكفئ على الذات؛ لهذا السبب أو ذاك، ومن هذه الأسباب اختلاف المثقفين والأدباء والكتاب والمفكرين على مفهوم الهوية أو العروبة، ووجود الأنظمة الفاسدة التي كرّست التفرق من خلال تشبثها بالدولة القطرية، ويرى أن إخفاق المشروع القومي مرده إلى عدم قدرة الأحزاب الإيديولوجية على حل الأزمة الكامنة وراء إخفاق المشروع القومي، وانحياز دعاة الإقليمية إلى المسالك الضيقة في مساحات صغيرة جرياً وراء أوهام خاصة بهم..‏

أما في القسم الثاني المخصص للمثقفين والمفكرين العرب الذين جمعوا بين العروبة والإسلام‏

فيتوقف الكاتب عند المفكرين العرب الذين جمعوا بين العروبة والإسلام؛ فدعوا إلى "الجمع بين مفهومي العروبة والإسلام والتوفيق بينهما على الأرض العربية في إطار النشأة التاريخية والبنية الثقافية والاجتماعية العربية"؛ وحاولوا وضع الإسلام في قلب المفهوم القومي على اعتبار أن وحدة المجتمع العربي تكمن غالباً في وحدة الدين والعادات والتقاليد التي أنتجها، فالهوية العربية تزداد أهمية وتألقاً بما حققه الإسلام ذات زمن بعيد من توحيد لديار العرب وتشكيل بنية ثقافية اجتماعية متجانسة على نحو ما، ثم جعل اللغة العربية العنصر الجامع والأهم في تشكيل الهوية العربية".‏

ويرى د. جمعة أن من تبنى هذا التوجه حاول الجمع بين فصائل المثقفين القوميين والإسلاميين في وقت واحد، ولكنه وقع ـ أحياناً ـ في تصادم فهم حقيقة الهوية حين عجز عن استلهام العلاقة بين العروبة والإسلام؛ سواء أكان هذا في صيغ الحكم أم في جلسات الحوار والمناقشة. ولهذا كثرت الأفكار التي تناقش قضية العروبة والإسلام، وحاول كثر الإجابة عن سؤال: هل هي قضية متعلقة بالعرب وحدهم أم أن لها امتداداً ثقافياً وسياسياً يشمل غير العرب من المسلمين؟. ومن خلال هذا النقاش المستمر أدرك أرباب هذا القسم أن الإسلام جوهر والعروبة مادة وامتداد تاريخي ولغوي وثقافي، وأن أي صدام بينهما يمكن أن يزول على أساس هذه القاعدة.‏

ولهذا قامت بعض التيارات القومية بمصالحة بعض التيارات الإسلامية والعكس صحيح، حيث أدرك اصحاب هذه التيارات أنه لا يمكن لأحدها أن يلغي الآخر؛ على اعتبار أن المشروع النهضوي القومي مضمون عربي حضاري ذو محتوى ثقافي إسلامي، وذكر الكاتب أسماء عدد من هؤلاء المفكرين ومنهم:‏

رفاعة رافع الطهطاوي، أحمد فارس الشدياق، خير الدين التونسي، وعبد الحميد الزهراوي وغيرهم كثير، فهؤلاء وأمثالهم حاولوا "إقامة توازن بين العقيدة والعروبة من جهة وبينهما وبين الإفادة من الغرب من جهة أخرى، وفق مبادئ اعتماد العقل والحرية والعدل السياسي والاجتماعي" كما يقول الكاتب.‏

وواضح أن هؤلاء المفكرين المستنيرين لم يستطيعوا صياغة المشروع القومي الموازي لحماستهم، وذلك لأنهم أرادوا إصلاح نهضة الأمة بإصلاح الأنظمة الحاكمة فقط، تاركين الشعوب لجهلها وتخلفها وأحلامها الرومنسية..‏

ومما زاد الطين بلة أن الجامعة العربية التي تأسست في مرحلة لاحقة لم تستطع أن تؤدي الدور المنوط بها لتأسيس المشروع القومي..‏

وفي مجال إشكالية وعي التراث العربي بين المثقفين استعرض د. جمعة آراء مختلفة ليخلص إلى "أن للتراث أهمية متعاظمة في بناء الهوية العربية, وتمييزها عن غيرها, ومن المفروض أن نتفاعل معه لنعيد إليه تجلياته الباعثة على نهوضنا, ولكن نظرتنا إليه ليست إحساساً بالجامد, وإنما اعتقاد الانتماء بالأصول المتجذرة بالماضي, والطامحة نحو المستقبل".‏‏

وفي موضوعة الأنظمة والدولة القطرية تحدّث الكاتب عن الأنظمة العربية التي فرضتها اتفاقية سايكس بيكو في نهاية الحرب العالمية الأولى "فصارت مخلصة لمصالحها ومنافعها أكثر من إخلاصها للمشروع القومي" ما جعل الاعتبارات السياسية والاقتصادية النفعية أساساً في تشكل الدولة خاصة أن بعضاً منها تركزت اهتماماته حول جملة من السياسات, والنظريات الحديثة المتأثرة بالثقافة الغربية وجعلت من الثقافة العربية أسيرة لها إلى أن أصبح فكر الدولة خاضعاً لإرادات أحادية متعالية تقر الاتجاه نحو سيادة كل نظام على حدة. ونتج عن هذا التشتت الفكري حول المفهوم القومي هويات ثقافية منعزلة عاجزة عن صياغة أي مشروع مشترك.. غير أن هذه المعادلة ـ من وجهة نظر الكاتب ـ سقطت على اختيارات وتبنيات التيارات والأحزاب العربية إيديولوجيات متعددة متضادة "منها ما هو قومي ليبرالي, أو قومي إسلامي, أو قومي ماركسي".. مما أدى إلى صراع وصل حدّ العداء بين الأحزاب والحركات القومية، وعطّل الفاعلية السياسية للمشروع القومي.‏

ويرى الكاتب أن هذا الإخفاق الذي منيت به التيارات القومية أدى إلى "تقوية الميل لدى عدد من المفكرين والمثقفين إلى تبني الحدود الإقليمية الضيقة لانتمائهم, سواء أكان هذا داخل الكيان القطري, أم داخل كيان أكثر ضيقاً في الحدود"، ومن هنا نشأت الدعوات الإقليمية.‏‏

ويؤرخ الكاتب لنشوء هذه الدعوات في بداية القرن التاسع عشر وعلى امتداد القرن العشرين، ويتحدث عن تجليها بأشكال مختلفة على صعيد الدعوات الفردية والحزبية، واستمرارها لدى أصحاب الدعوة إلى الفينيقية في لبنان أو الفرعونية في مصر أو الأمازيغية في المغرب؛ بل تعدى الأمر إلى أكثر من ذلك، حيث وجد من ينادي بالأمة التونسية، ومن هؤلاء البشير بن سلامة الذي دعا إلى ذلك في كتابه (الشخصية التونسية) الذي ربط فيه بين مفهومي الدولة والأمة فقال: " فكأن مفهوم الدولة لم يتم ولم يكتمل في هذه البلاد إلا عندما اكتمل مفهوم الأمة".‏

ولم يقتصر الأمر على ما تقدم فقد أخذت تظهر أشكال ممزقة أخرى تتمثل في الكيانات الطائفية والمذهبية؛ مما يجعل مفهوم الأمن القومي معدوماً. وكانت هذه الأشكال تستند إلى منهجيات دقيقة وفلسفات مثيرة في صميم العداء للعروبة، مثل تقويض الحريات والديمقراطية.‏

وهذا ما نراه واضحاً في لبنان والعراق ـ بجهود غربية أمريكية مكثفة ـ حيث ارتفعت أصوات الكثيرين من أبنائهما بالدعوة إلى تكوين كيانات مستقلة على أساس عرقي أو مذهبي..‏

* من الواضح أن ثمة مواطنين مخلصين لمواطنتهم في البلدين الشقيقين يقفون في وجه هذه الدعوات بأجسادهم وعقولهم وأرواحهم، فقد غرقت الإدارة الأمريكية في المستنقع العراقي حتى الجنون الذي استعرت حمّاه بعد انتصار المقاومة اللبنانية في حرب تموزـ آب الأخيرة التي غيّرت الواقع وفرضت معطيات جديدة وجددت الأمل بقدرات الإنسان العربي..‏

ـ الفصل الثاني‏

الذي يتناول الأسباب الخارجية التي أعاقت تحقيق المشروع القومي.‏

يتناول د. حسين جمعة في الفصل الثاني الأسباب الخارجية لانكسار المشروع القومي؛ ويرى أن مشروع القومية العربية تعرض لحملات متتالية من الغرب, والصهيونية, وخاض معارك غير متكافئة مع الأشكال الغازية ثقافياً، عسكرياً, ومادياً.‏

ويرى الكاتب ضرورة التوقف عند فكرة المؤامرة على العرب وعدم تجاهلها، ويحدد خروج العرب من الأندلس (1492م) تاريخاً لولادة هذا التآمر، ويذكّر بالاستشراق الذي خدم كل دولة أوروبية على حدة, وأن تحدياته الاستعمارية تكتمل بالعولمة المزمعة بالنمط الأميركي المستوهم.‏‏

وفي البحث المخصص للهوية العربية والعولمة ركز د. حسين جمعة على مكونات الخصوصية التاريخية لكل أمة و"الثقافة أهم عناصرها", ورأى أن الأمة العربية تمتلك مقومات وجودها بأصالة ووضوح، ولم ينس الإشارة إلى الإشكاليات التي أُثيرت وما تزال تثار حول "مفهوم المشروع القومي العربي"، ويعترف بأن "التشتت كائن لا ينكر وواقع منظور في المفاهيم, والرؤى قبل تطبيق مستحقات هذا المشروع في الممارسة السياسية, والثقافية, والاقتصادية".‏‏

الفصل الثالث آليات تحقيق المشروع القومي وتصورات نجاحه‏

ـ وفي فصله هذا حول "آليات تحقيق المشروع القومي وتصورات نجاحه" يرصد الكاتب اتساع الفجوة الحضارية بين العرب وبين الغرب المتقدم، ويؤكد على ضرورة ردمها والأخذ بأسباب العمل الجاد لتكوين الشخصية العربية الفاعلة المؤثرة وتنمية قدراتها المعرفية والتقنية والاقتصادية.. واستعمال كل ما يتعلق بالتقنيات الرقمية في مجالات التنمية خاصة لتواكب هذا العصر كثير التغيّر، والسريع في التطور، ومن ثم السريع في إنتاج معلومات كبيرة وراقية على مختلف الصُّعد.‏

ومن خلال القسم الثاني يبين أن مواجهة المشروع الصهيوني ضرورة ملحة لأبناء العروبة جميعاً؛ لا سيما وأنه أفرز مشاريع كثيرة أخطرها مشروع (الشرق الأوسط الكبير) الساعي إلى الهيمنة على المشروع القومي العربي وإحباطه، ومن ثمّ يحلل الكاتب قواعد الإخفاق في المشروع الصهيوني وهزائم هذا المشروع لاسيما بعد فوز حماس في فلسطين، ويمكن أن نضيف الآن بلا تردد (انتصار المقاومة) في لبنان..‏

ويذكّر الكاتب أن أمريكا تحاول جاهدة إكمال ما بدأ به الاستعمار الأوربي؛ وتعمد بكل ما تملكه من قوة عسكرية وإعلامية وتقنية واقتصادية إلى تعزيز الهويات القطرية والطائفية والمذهبية والعرقية للقضاء على كل ما هو عربي وقومي، مستغلة أحداث الحادي عشر من أيلول تحت مصطلح محاربة ( الإرهاب) لقمع كل أشكال التحرر الوطني والقومي.‏

ويستعرض الكاتب سقوط دعوات الحرية والديمقراطية التي تخفي أغراض الامتداد, والتدخل, وخرق السيادة. وينبه إلى المكونات العاطفية التاريخية المجمعة في القضايا القومية للأمة العربية, ويشير إلى تراجع مدّ العولمة الأمريكية وإرهاصات انحسارها..‏

ويتناول موضوع الوعي التاريخي للمشروع القومي وضرورة الالتزام بالقانون والهوية القومية والحكومة الإلكترونية, وكذلك قضايا الديمقراطية وحرية التعبير, ومن ثم العناصر المشتركة للهوية العربية, والتخلص من الفكر الإنشائي, والخطاب اللفظي ودخول حالة من الاختيار الثقافي والقومي وصولاً إلى عملية توازن بين الثقافي والسياسي, وتحديد الخطوات الممكنة للعمل العربي المشترك.‏‏

ولم يكتف بذلك بل وضع جملة تصورات لإعادة بناء المشروع القومي وفق القيم الإيجابية ومنها: ضرورات استخدام الدراسات التقنية, والإعلامية, والتنسيق البحثي بين العرب حتى يتواضع الجميع على إعادة بناء المشروع القومي وفق قيمه الإيجابية, وبالسياسات المؤدية إليه، كما أشار إلى أهمية حرية التعبير في دعم المشروع القومي؛ وتسريع الوصول على حالة من التضامن العربي الذي تفرضه معطيات العصر جميعها.‏

وفي مجال القراءة النقدية الواعية لمفهوم الأصالة والمعاصرة يرى الكاتب "أن التحولات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي يشهدها العالم اليوم دفعت بالعرب إلى الحضور المكثف على الساحة الدولية في إطار جماعي، والسعي الحثيث إلى التوفيق بين أصالتهم الفكرية الروحية وبين مفاهيم المعاصرة المتعددة ويمارسون ـ على نحو ما ـ تعميق ثقافة الحوار فيما بينهم وبين الآخر، وعلى مختلف الصُّعُد، ويعيد كثير من الدارسين النظر في البنى المعرفية والعلمية والتقنية لتطويرها وتجديدها، في الوقت الذي أخذوا يتعاملون فيه مع التراث تعاملاً علمياً ولا ينظرون إليه نظرة الجامد أو المقدس"..‏

ويذكّر الكاتب بأن العرب اتصلوا بالثقافة الغربية منذ مطلع القرن التاسع عشر، فأرسلوا البعثات تلو البعثات إلى الغرب للإفادة من خبراته وعلومه ولم يجدوا في ذلك غضاضة، مما يدل على وعيهم وسعة آفاقهم الفكرية والمعرفية، وإدراكهم أن أي ثقافة على وجه الأرض لا يمكن أن تعيش معزولة بذاتها؛ لأن انعزالها يعني موتها، ما جعلهم ينفتحون على الثقافات الأخرى قديماً وحديثاً.‏

ويرى أنه حين "يتخذ العرب شعار التوفيق بين الأصالة والمعاصرة فإنهم يؤسسون مفاهيم التقدم والارتقاء، في إطار الحفاظ على الخصائص الذاتية، دون أن ينصهروا في الآخر المغاير؛ ودون أن يقعوا في حالة الاستلاب والتبعية الاجتماعية والفكرية والنفسية".‏

ويؤكد أن على العرب "التخلص من القناعات السطحية الموروثة حول العديد من المفاهيم والعادات والأحكام، وتعميق الأصيل والإنساني فيها، وإجراء مراجعة ذاتية مستمرة لدراسة التجارب القومية والإفادة منها ومحاولة تحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة بما فيها محاولة تبني الحضارة التقنية المعاصرة أياً كانت أشكالها".‏

وأخيراً يخلص الباحث الأستاذ الدكتور حسين جمعة إلى جملة آراء وآفاق ونتائج أبرز ما جاء فيها يوضح ما يلي:‏‏

إن الاختلاف حول مفاهيم الفكرة القومية, والهوية العربية قد حولها إلى فكرة سياسية دون أن تكون فكرة اجتماعية ومعرفية مما جعل المشروع القومي العربي يتأثر بسمات التدهور السياسي الذي حصل في النظام العربي كافة, حيث لم يتحقق أي نوع من الأمن العربي رغم وجود الجامعة العربية, واتفاقات الدفاع المشترك.‏‏

وينتقد الكاتب مثقفي الأمة العربية الذين انشغلوا بما يعرف بالتحرر الوطني والمعرفي والعلمي من آثار التخلف والجهل بعد تحررهم من الاستعمار الأوروبي, مما أعاق محاولات تحقيق المشروع القومي وعرقلها، هذا بالإضافة إلى مسألة عدم الربط بين التحرر الوطني, ووحدة العرب وتضامنهم ما أفضى إلى فقدان الكثير من حرية المواطن, ومن قدراته على ممارسة الحياة الفكرية, والسياسية, والاجتماعية.‏

ويؤكد الكاتب على العرب عامة وحملة المشروع القومي خاصة إلى مواكبة آليات الحضارة وردم الفجوة الرقمية التي تزداد بين العرب والعالم المتمدن.‏

وفي خاتمة دراسته يبدو د. جمعة متفائلاً بمستقبل المشروع القومي، ومن ثمّ يحاول نشر عبير تفاؤله مؤكداً " أن المشروع الصهيوني قد أخذ يتآكل من الداخل والخارج لكنه يسعى لتحديد ذاته من جديد بمشروع "الشرق الأوسط الكبير" المدعوم أميركياً وأوروبياً"..‏

ويدعو العرب إلى التفكير بآليات منهجية, وعلمية, ومعرفية, وسياسية, وعسكرية, وتقنية, وبهذه الآليات يمكن للمشروع القومي أن يحيا من جديد, وللسياسات القومية أن تحقق وحدة الكينونتين الوجودية والحضارية.‏‏

كما يوجه دعوة للقارئ العربي أينما كان موقعه كي "يمارس قولاً وفعلاً مهمة البحث عن السبل التي تحقق وجودنا القومي وفي طليعتها توحيد المفاهيم وحرية التعبير المسؤولة، لأنه لا مكان لنا بين الأمم إلا بتحقيق ذلك كله"..‏

* نتمنى أن تلقى هذه الدعوة الاستجابة الحقيقية القادرة على تحويل الحلم واقعاً في مستقبل قد يكون قريباً أو بعيداً، كي لا يتساءل د. جمعة وأي مفكر عربي آخر: " على من تقرأ مزاميرك يا داود"!..".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244