|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
الاستبداد في نهاية التاريخ "لـ فوكوياما" وصدام الحضارات لهنتغتون ــــ عبد النور الهنداوي قد يكون كتاب ـ فرنسيس فوكوياما ـ نهاية التاريخ والإنسان الأخير، من أهم الكتب التي صدرت على الصعيد الأيديولوجي في الولايات المتحدة الأمريكية قبل استعمارها العرب، وبعد تفكّك الاتحاد السوفياتي بكل ما يمتلكه من ممتلكات. الولايات المتحدة الآن ـ سيدة التاريخ لأنها استأنفت مشروعها وحيدة، لا ينازعها أي جبار (أيديولوجي) أو عسكري سياسي، أو معارضة قادرة. إن فوكوياما، لا يعتمد على قوة الكتاب الفكرية، ولا على الحقيقة التاريخية.. بقدر ما يستند على المتغيرات، أصولية، أو سياسية، أو ما تنتجه المصطلحات الاستراتيجية. الذي يقرأ نهاية التاريخ جيداً سيواجه مستويين للنص، أحدهما المصّرح عنه، وهو جملة التحليلات السياسية المتناهية دائماً ـ مع ـ سلطة الأحكام المسبقة ـ والقبلية. أما المستوى الثاني.. فإنه يتعلق بالمقدمات الفلسفية الشمولية، والمقحمة ـ فتح الحاء ـ من أمكنتها البعيدة، إلى حيّز آخر يتعلق بالقصد الذي هو عقيدة الكاتب. نحن إذاً، أمام اغتصاب جديد لمفهوم التاريخ، وحركته، ونهايته، مع أنه يأخذ شكل التأويل ليبني مشروعاً إيديولوجياً في عصر تّم الإنفاق على وصفه بأنه عصر انهيار الإيديولوجيات، ومن أهم ما بشّر به فوكوياما، هو التقسيم الجيوسياسي ـ أي الجغرافيا السياسية تحديداً ـ تحت القناع الفلسفي الذي مهمته ـ تقسيم الإنسانية بحسب فرز الثقافات، إلى ما يمتّ رجعياً إلى التاريخ. يقول فوكوياما: يمكننا التأكيد دون شك، ودون أن نتعرّض للخطأ كثيراً، بأن القرن العشرين، وما بعده، جعل ـ منّا ـ متشائمين في أعماقنا.. وإننا كأفراد، نستطيع الحفاظ ـ بتفاؤلنا ـ فيما يتعلق بأحوال البشرية. مثلاً، تقليد ثابت، يجعل الأمريكيين شهيرين، لكونهم يحتفظون بالأمل المتعلق بمستقبلهم الشخصي. فالأمة كمفهوم مجرد، مرتبط إمّا بمفهوم الدولة أو بمفهوم الهوية القومية. وحين ننتقل إلى مفهومٍ عينيّ ومتوسط للأمة، علينا استخلاص المعاني والدلالات الثقافية منه، عبر سلسلة من التقاطعات الكامنة معرفياً. أو عبر مواقف نظرية أساسية، من موضوع الأمة "دون الإدعاء بتغطية كافة الأدبيات المتعلقة بكل مفصل.. لتصبح الحدود أكثر وضوحاً بين الأمة والقومية". إن الفرق بين الأمة والقومية يتم عبر وحدة جدلية بينهما لكي لا يزحف الأول على الآخر أو العكس. وكما مرّ مفهوم المجتمع المدني بعملية نشوء وارتقاء تاريخية، كذلك مرّ مفهوم الأمة بعملية مشابهة تماماً. لذلك بإمكاننا أن نميز بين الأمة والقومية،وبين الأيديولوجيا والقومية، كما بإمكاننا أن نفصل بين الكيان السياسي لدولة ما، وبين الانتماء لسكانها. حتى هنتنغتون فإنه لا يختلف عن فوكوياما بأفكاره واستراتيجيته وتحليلاته كثيراً حول ما يريده من فرض قوة الثقافة وإشكاليتها بشيء، الأول يحكم على نهاية التاريخ من خلال القوة والمعطيات التي يحملها الغرب، والذي يؤكد على الاستلاب والاستبداد من خلال الاثنيات والصراعات لدى شعوب الشرق، بدءاً من فكرة الحضارات وإشكاليتها، حتى العلاقة ما بين القوة والثقافة، والتوازن البنيوي للقوة المتغيرة بين هذه الحضارات والصراعات، التي ولدّتها العالمية الغربية من أصولية إسلامية، إلى الانتباه إلى الصين ونهوض القوى الفاعلة التي لا تعترف بالغرب. وخطوط الصدع بين هذه الحضارات. فقد قدم هنتغتون مفهوميته في صدام الحضارات من خلال الخطاب الذي يمتلكه الفرد الغربي لتميزه وتفرده عن الحضارات الأخرى. فمن المركزة، إلى الموروث إلى اللغة والسلطة الدينية والقانونية والتعددية. ومن أبرز توقعات هنتغتون، تفكك الاتحاد السوفياتي وإزاحته، كونه التحدي الخطير الوحيد للغرب. إن هذه الصورة الاستبدادية للسياسة العالمية هي لعالمٍ ما بعد الحرب ـ الباردة ـ الساخنة ـ لذلك تشكّلت بعض عوامل ثقافية اشتملت على تفاعلات خطيرة بين دول، وجماعات من حضارات مختلفة، لهو أمر في غاية البساطة بالنسبة لعالم هو الآن ـ المحور والرافد ـ لكل ما يدور في العالم الآخر. ـ فرنسا مثلاً، أكثر ثقافية من كونها عنصرية بأي معنى من المعاني. الفرنسيون، قبلوا الأفارقة السود الذين يتحدثون اللغة الفرنسية، ولكنهم لم يقبلوا البنات المسلمات المحجبات في المدارس. إن معارضة الإنسان الأوربي للهجرة، والعداء تجاه المهاجرين، ظهر واضحاً وجلياً في أعمال العنف ضد الجامعات والأفراد والتي أصبحت قضية مهمة تقلق الإنسان الأوروبي في أوائل التسعينات. والآن ـ فإن الأحزاب الأوربية المعارضة لهجرة المسلمين تحديداً، كانت في جزء منها صورة معكوسة للأحزاب الإسلامية في البلاد الإسلامية (الجانب الأوربي، الجانب الإسلامي، كلاهما أدان فساد المؤسسات وأحزابها) ومع ذلك يستغلان المعاناة الاقتصادية وخاصة البطالة والاستغاثة الدينية الإثنية (في كلا الحالتين؟ هذه الجماعات مارست أعمالاً إرهابية بدقة متناهية). يقول هنتغتون: إن يقظة الغرب ـ الوحشية ـ قد جدّدت البرهان على أنه لا فكاك للرأسمالية من السيطرة بشكل كلّي على الآخر. إن تقسيم العالم بين تاريخي، وما بعد تاريخي، يتعدى مجرد الشائعة الأيديولوجية الجديدة لأنه يمهّد إلى نوع من إعادة التشكيل التاريخي، قديماً، وحديثاً، وما بعد. أي تأسيس قطيعة صارمة في صميم الكيان الإنساني، لإخراج معظم أو بقية العالم من دائرة تصنيف البشر القادرين على فرض الاعتراف بهم، ممّا يبرّر حرمان هؤلاء البشر الفاشلين (من الحياة)، والوصول إلى حالة من التطابق بين المثل والواقع. فالغرب يؤكد على أن العالم اليوم، يولد جديداً ومجهولاً وبريئاً. وللحفاظ على شكل التاريخ لابدّ من الدخول في النظام المعرفي الإنساني والإقرار به، مع إلغاء المركزية الواحدية التي تتبناها، سياسة الاستقطاب، وهذا ما يعيدنا إلى استثمار الزمان والمكان، للخروج بتجربة ممكنة وعقلانية لاستيعاب المعرفة. إن الغرب ـ الذي هو أمريكا، بدأ يفرض نفسه بكل أشكاله على الآخر، مع تلقين هذا الآخر، أنه لا يمكن أن يتحرّر من غزوه واستعمارِه، بل باتباع الطرق ـ والأساليب التي ابتكرتها المعرفة الغربية في معالجتها لقضاياه! ـ إنّ فوكوياما، يؤكد على عدم حاجة المركزية إلى محيط، كوجود فعلي (سياسي ـ اقتصادي معرفي). حيث العالم الغربي (أمريكي) فقط، لأن الآخر ليس هو الذي يتحول، بل الغرب، لأنه هو الذي أنشأه ليستهلكه. ومن يحلم بالسيطرة على العالم، لابدّ لـه أولاً من اقتحام البوابة العربية... وهذا ما يجعل الحلم الغربي (يؤكد على الوصول بسرعة إلى المرحلة التي يمكن فيها الغرب، أن يحقق الدورة الاقتصادية الكاملة، داخل حدودها الطبيعية دون الحاجة إلى هامشٍ من الآخر. في كتاب (نهاية التاريخ) نعرف جميعاً أنّ لا جديد فيه، إنما الجديد هو محاولة تغيير الخطاب الواقع عند الآخر، وتثبيت النفعية المركزية للقطب الواحد. صحيح أن فوكوياما، دخل في كتابه إلى عمق الإنسان الأوروبي من خلال عطاءاته، وفهمه الخطاب الذي يعيشه، لكنه لم يتطرق أبداً في كيفية الدخول إلى التاريخ من خلال الآخر؟. يقول: أنا لست مسؤولاً عن ما أقول.. ولن أطلب من أحد فرض الحماية على الأفكار التي أطرحها. الإنسان هو المسؤول عن تاريخه، وعن عقله، وعن مصيره!. بهذا الطرح التعفسيّ، يحق للمركزية أن تسبغ الصلاحية التي تريدها على أي نظامٍ سياسي معين. لاشك هنا، أن المثقف الأمريكي، قد يستهويه أن يجد في نظامه الاقتصادي السياسي من خلال دولته، يرتفعان فجأة إلى مصاف الكمال التاريخي، أو أنهما يجسدان الاختيار الوحيد المتبقي أمام الإنسانية جمعاء. فالإنسان الأمريكي، لن يستطيع العثور على البراهين الواقعية التي تبرّر هذه العقلانية التي تتمتّع بها ـ أمريكا ـ بوش في كونها تسجّل وفي زمنها ـ نهاية التاريخ، أو الكمال الإنساني. إن التحليلات السياسية ترتكز الآن على سلطة الأحكام المسبقة، مغيِّبة الرأي الآخر وحقيقة تحركه. في نهاية التاريخ ـ التاريخ هو خط حركيّ، لـه بداية ونهاية.. والأحداث تتلاحق فيه.. بحيث يبدو كأنها تصنع كمالاً ما. إنّ هذا الكمال، يعني نهاية التاريخ. ونهاية الأحداث المحركة للاستعمارية، ونهاية الكلّ الهامشي. الغرب الآن، يؤكد على ربط نهاية التاريخ، بإيجاد النظام الاجتماعي الاقتصادي القاتل، لأنه يحقق إمكانية هذا النزوع الطبيعي للفردية. هنا، لا غرابة أبداً أن يبرز الغرب منذ بداية وعيه كقوى حرب طاعنة، بامتلاك ما يستطيع امتلاكه.. مهما كانت الأسس المبنية عليه. يعترف ـ فوكوياما ـ بأن المختلف، هو قوة مباشرة بقاعدة عريضة وقوية، وإن عقله، لا يعترف إلاَّ به. لن القوانين الحركية للاقتصاد الرأسمالي، تتقارب بحركة شديدة القوة، كي يؤدي بالتالي إلى خلق تراكم رأسمالي بعيد المدى، وهو ما تقوم به أمريكا من خلق ذرائع سخيفة تحقق من خلقها هذا؟، بعض تراكم استراتيجي ـ ما ومناخ حيويٍّ ضعيفٍ ـ هو الآخر ـ وبالرغم من أن الواقع السياسي يقدّم أحداثه الكبرى والصغرى، وفق ظروف لا يمكن التنبؤ بها.. إلاَّ أن الخطاب الأيديولوجي العلمي حاول دائماً أن يقدم المصلحة. وكأنها منبثقة من مرجعية الحدث. فبالنسبة لأمريكا.. النتيجة لهذا الرأي موجودة، بل موضوعة سلفاً، لأنها تشكّل عمق قضيته، منطلقة من قوته الفردية، لأن لغة التاريخ، هي لغة دلالية مقرونة بالغطرسة الواضحة، وهذه الإشكالية المعرفية، فجّرت فلسفة النوع والاختلاف الأمريكاني الذي فيه معايير لا تنطبق إلاَّ عليهِ وفيه ولـه. فالفرد العربي، لا يمكن أن يكون كذلك؟ لأنه يشكّل دائماً ضلع الزاوية الثابتة، والمحركة، مع أن العلاقة بين الفرد ونفسه، هي العلاقة الأصعب، لمواجهة الفلسفة المعاصرة.. فنهاية التاريخ هي نهاية دلالية جاهزة لكل شيء، لأن التاريخ يشتغل على فراغ حقيقي، ومع أنه لا يدري كيف صار بعيداً. إن الفرد الذي هو الآخر، لا يقتنع بالتبرير، لذلك يمكن عزل النص أحياناً.. لتتسع رقعة السيطرة الأمريكية على العالم!. لأن التشبث بالأيديولوجيا، هو تشبث إصلاحي من أجل الخطاب؟ وكأن التاريخ بريء ممّا تفعله الإمبراطورية الأمريكية الاستعمارية. من خلال النماذج التي نراها اليوم، يجب تحديد مكان السقوط الذي اعتمده فوكوياما للسيطرة على الصيرورة، وعلى التاريخ. إنّ هذه النهاية هي نهاية الحداثة المعاصرة، حيث السلطة القوية، هي سلطة إطلاقية لا متناهية! والأهم من كل هذا الكلام فإن التاريخ سيظل مراوحاً حول نفسه، وحول الأحقاب التي كانت في يوم ما، أكبر من الأسطورة فهل يمكن استبدال العنف الشامل القادم واقعياً.. بعنفٍ جزئي يحقق أهداف الإنسانية عامة؟ على هذا الأساس.. لا خلاص من دون تضحية، هذا على صعيد التاريخ، أمّا الخلاص الأيديولوجي، فإنه من الصعب جداً بلورة الأحداث التي تمّت وتتم الآن لاكتساح العالم، دون أن يكون التطابق المعرفي، هو تطابق تبريري نتيجة عمق التاريخ واستمراريته. إن المجتمع المعاصر لا زال داخل الحركة، غير أن المشكلة المطروحة في الغرب، هي في معرفة إلى أي حدّ يمكن لعقد غير تاريخي، أن يربط مجتمعاً تاريخياً وكيف لنا تعريف الاستبداد أمام المغامرة الأيديولوجية الكبرى، ممثلة بأميركا، وبما تنتجه الظروف المحيطة بها. إن فوكوياما يؤكد على الحيّز الفردي الذي تريده أمريكا.. إنه ذاته الذي يخصّنا، لأن الجدل لم يتقدم خطوة واحدة عن بداية التاريخ بهذه الأفكار التي بين أيدينا، يمكن عزل النص الأيديولوجي، عن بقية النظريات، لأن معرفة النص الأولي.. تستدعينا جميعاً الخروج فوراً من هذا الفناء!. ولا يفوتنا أيضاً، أن ـ فوكوياما ـ ركّز كثيراً على الليبرالية. لأنها الاسم السياسي الذي اتخذته تيارات الفكر الأوروبي.. منذ منعطف الحداثة حتى أيام الفلسفة التحليلية. وبالتحليل الموضوعي لما كتبه ـ فوكوياما ـ وهنتغتون ـ فإنه لا زال هناك مستويات عديدة لأي نصّ،.. مع أنّ هناك تساؤلات عديدة حول معنى التاريخ وتحركه باتجاه غائيته التي بدأت تلاحقنا جميعاً. ـ إن نقد ـ نهاية التاريخ ـ عبارة عن كتابة مختلفة، لزمن لا يريد أن يختلف على انتزاع الزمن من المستقبل، كي لا تستبيحه الغيبوبة. أما الفرد العربي، فهو لا يزال يدور حول نفسه، بحسب الحقبة المعرفية التي يعيشها. لذلك، فهو غير قادر على وضع حدود بين حقبته الجديدة، وبين تمركزه حول ذاته، هذه الخصوصية، هي الآن صيرورته، ومفهومه الذي لا يزال ثابتاً؛ أمّا من حيث العلاقة بينه وبين الإشكاليات التي تدخله دون إرادته فإنّها وحدها التي تميزه عن كافة الروافد، والمركزيات الشديدة التطرف. فما هو حداثي معرفي، هو مغاير بنفس الوقت، لما نراه على شكل وجود. (صحيح أن الحداثة التقليدية أدخلت العالم الاستعمارية إلى حيّز المفهوم؟ لكنها بالمقابل أجازت للعالم أن يكون داخل المفهوم). إن المشروع الثقافي الحداثوي العربي، قد حقق فعلاً معرفيته بالرغم من تاريخه الحافل بالأيديولوجيات الصارمة. فهل لدينا إمكانيات للتصدي لهذا المشروع الثقافي الحداثوي؟ فالذي كان معرفياً بطريقة ما.. صار ينتج المعرفة، وينظّمها بالوقت نفسه. فالفرد، هو كائن لغوي قابل للكلام، وما أنتج عبر هذا الفرد، إنما ليتصالب مع المعرفي الأساسي لأي نظام. نقول: إنه الزمن الثقافي الذي أعلنت عنه الحداثة البعيدة.. في حين أن الغرب الآن يقوم بتصفية حساباته مع ثقافات الشرق، ليبقى القطب الواحد الاستبدادي ـ النفعي، وبكل فظاعاته للسيطرة على الحداثة، وما بعدها. ـ إن فوكوياما.. يصّر على أن الخطابات، تسبق اكتشاف أنظمتها، لأن المجهول يشكل الوعد المستمر للمعرفة بالتقدم، بينما نحن "قد" غيّبنا الزمان والمكان معاً، لتظهر المصطلحات بشكل واقعي. نهاية التاريخ، هو الواقع الأمريكي.. بل المجهول الذي يجب أن يعرف؛ أمام هذا الواقع؟ نستذكر السؤال الذي طرحه سقراط على الحاكم، حول معنى العدالة!. فالغرب هو أمريكا، والدلالة هنا، أنه لا "يكفيها" ما فقده الآخر؟. ومن المفيد أيضاً، أن نلاحظ كيف الدول الكبرى في هذه الأيام. تربط أمنها الذاتي، بأمنِ ما يسمى النظام العالمي كلّه، وهذا ما جعل أمريكا تعتبر أن أمن إسرائيل، التي تبعد عن جغرافيتها آلاف الأميال جزءاً من أمنها القومي، تهدّد بالحرب الذرية، عندما كادت إسرائيل تخسر الحرب، في يوميها الأولين عام 1973. فهل انقضى أنموذج الدولة الشاملة في نوعها الفاشيّ الاستعماري "التي" قصدها أو يقصدها الغرب؟ ما تعنيه الأمركة هنا. هو الاستبداد الكليّ لشعب يتلمس تكوينه. لهذا.. فإن ـ فوكوياما ـ ، أوضح ما يريده الغرب الحديث. كمفهوم وكحركة، وصاغ كل ما رآه أمامه، ليكوّن حماية لأيديولوجيتهِ ولمستقبله. إن الغرب لا يعنيه الخوض في تفاصيل هذه الأخلاقيات، لأنه وحده الذي يتحدّى، ليستذكر "استعماره" لمعظم الأقطار العربية؛ فالمشهد الاستعماري الذي نراه اليوم إنما للتأكد على آليته الفوقية اللا متناهية.. وهذا هو المنطق الأولي، الذي يمثّل الوجود الواحد، دون غرور إنه الاستبداد. فالمحرقة التي تعرض لها اليهود في ألمانيا الهتلرية أثناء الحرب العالمية الثانية، تمثّل اكبر معضلة للمثقفين العرب، إذ تسيطر على رؤية كثير منهم، المآسي التي تعرّض لها، الفلسطينيون، والعرب، والآخرون.. على أيدي الدولة العبرية في فلسطين وخارجها؛ ويرون، أن اليهود استخدموا المحرقة، وسيلة، وذريعة، لتسويغ احتلالهم لفلسطين، وطرد العرب منها. فالكثير من هؤلاء المثقفين أكدوا على وقوع المحرقة، لكي ((لا يقعوا)) تحت طائلة اتهامهم بمعاداة السامية، ـ وهي ـ ما يعني قول أي كلمة لا ترضى عنها اليهود. فمن الظواهر التي يحاول بعض المثقفين العرب إبرازها.. أن اليهود، خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية، يستغلون هذه المأساة استغلالاً متطرفاً، حتى أصبحت أداة مثالية، لإسكات أي صوت ينتقد إسرائيل. وممّا ـ يجب الانتباه له، أن بعض المثقفين والمفكرين في أمريكا، كان لهم دوراً بارزاً في محاولة الاستغلال المتطرف من أجل وضع التجربة اليهودية فوق كل التجارب المؤلمة التي مرّ بها الإنسان.. ولا يزال يمرّ بها في أماكن كثيرة من العالم. المؤرخ الأمريكي ـ هاوردزن ـ ينظر إلى ـ الهولوكست ـ في إطار أشمل من الإطار الذي توضع فيه عادة في السياق الأمريكي. قبل عشرين سنة تقريباً، طلبت إحدى الجماعات اليهودية من هاوردزن ـ إلقاء محاضرة عن المحرقة. وبالفعل، تم إلقاء المحاضرة: بموعدها المحدّد. لكنه لم يتحدث فيها عن إبادة اليهود أثناء الحرب العالمية.. يعني أنه ـ أي المحاضر لم يتحدث عن إبادة.. ستة ملايين من اليهود.. مع أن الزمن الذي ألقيت فيه المحاضرة ـ هو أواسط الثمانينات، وهي الفترة التي كانت بها حكومة الولايات المتحدة، تؤيد الحكومات التي يمكن وصفها ـ بأنها فِرَقٌ من القتلة في أمريكا الوسطى. لقد تحدّث ـ زن ـ عن إفناء مئات الآلاف من الفلاحين في غواتيمالا والسلفادور ـ الذين هم كانوا ضحايا السياسة الأمريكية، فكانت وجهة نظره، أنه يجب أن لا تحاط ذكرى المحرقة اليهودية بأسلاك شائكة، وهو ما يعنيه، أن تكون هذه الذكرى.. مقصورة أخلاقياً ـ ومعزولة عن المذابح الأخرى في التاريخ. فقد بدا أنّه لا يمكن استذكار ما حدث لليهود.. أن يخدم أي غرض مهم، إلاَّ إذا نشأ عنه النقمة، والغضب، والعمل ضد المآسي كلها في كل مكان في العالم. بعد أيام قليلة على انقضاء المحاضرة، نشرت صحيفة الجامعة ـ في بوسطن ـ رسالة من أحد أعضاء هيئة التدريس، الذي كان أحد الحاضرين في المحاضرة، وهو مهاجر يهوديّ كان قد نزح من أوربا، إلى الأرجنتين، ومن ثمّ إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وقد اعترض في رسالة كتبها بقوة ـ للمحاضر ـ محتجّاً على توسعه ـ للدرس الأخلاقي "للمعرفة" ـ لكي يتجاوز اليهود في أوربا في الأربعينات إلى شعوب أخرى في أنحاء العالم في زماننا الحاضر. إنّ المحرقة في نظر اليهودي، بل برأيه ـ ذكرى مقدسة ـ بل هي حدث فريد ويجب ألاَّ تقارن بها أية أحداث أخرى. وممّا فاقم من غضبه، أن المحاضر اختار الكلام عن أشياء أخرى مختلفة. على الرغم أنه دعي أساساً ليحاضر عن المحرقة. ـ يقول هاوردزن ـ: تذكرت هذه التجربة، حين قرأت مؤخراً كتاباً ألفه ـ بيترنوفيك ـ بعنوان.. المحرقة في الحياة الأمريكية.. وقد صاغ ـ نوفيك ـ المسألة التي بدأها كتابه، بالسؤال التالي: ما السبب الذي جعل المحرقة، بعد /50/ سنة من حدوثها تلعب دوراً مركزياً بارزاً، لنجد أعداداً كثيرة من الشواهد على مركزية هذه القضية في أمريكا ـ مثل متحف المحرقة ـ في واشنطن، ومئات البرامج المخصصة لها في المدارس، وهذه الشواهد يفوق عددها، ما كان موجوداً في العقود الأولى التي تلت الحرب العالمية الثانية. من المؤكد هنا.. أن الواقع الرئيسيّ وراء هذا الاهتمام بذكرى المحرقة،.. إنما هو الرعب الذي يجب أن لا يُنسى. لكن المهم جداً هنا أن نشير إلى انه قد نشأت على هوامش ذلك الاهتمام المركزي الغنيّ عن أي تعزيز ـ صنعهُ المفكرّون ـ الذين يعملون المستحيل، كي تستمرّ الذكرى حيّة من أجل أغراضهم الخاصة. لقد استخدم اليهود ـ المحرقة ـ وسيلة للمحافظة على هويتهم الفريدة، ألا وهي اليهودية التي يرون أنها مهدّدة بالزوال، نتيجة للتزاوج مع غير اليهود، والذوبان في المجتمع الأمريكي، كما استخدم الصهاينة منذ حرب ـ 1967 ـ لتسويغ التوسع الإسرائيلي المتزايد في الأراضي الفلسطينية، ولرصّ صفوف التأييد لإسرائيل المحاصرة ((وهي التي أصبحت محاصرة أكثر، كما توقع بن غوريون بسبب احتلالها للضفة الغربية ـ مثلاً ـ كما استغلّ أيضاً بعض السياسيين من غير اليهود ـ المحرقة ـ لكي يحصلوا على تأييد الناخبين اليهود الذين يشكلون مجموعة قليلة العدد، لكنها ذات تأثير كبير جداً، كما يذكّرنا ـ هواردزن ـ بالتصريحات المهيبة التي يطلقها الرؤساء الأمريكيون، وهم يعتمرون الطاقية ـ اليهودية ليؤكدوا تعاطفهم الحزين مع ضحايا المحرقة؛ وهذا ليس من الممكن أن أكون مؤرخاً، لو كنت أعتقد أنه سيلزم من جانبي المهني، أن أكتفي بالرجوع إلى الماضي، وعدم الخروج منه.. وأن أقصّر جهدي على دراسة الأحداث التي وقعت في الأزمان الغابرة، وألاّ أتذكرها، إلاّ بسبب كونها فريدة.. وألاّ أربط بينها، وبين الأحداث التي وقعت في الزمن الذي أعيش فيه، وكأن اعتقادي دائماً، أنه كان يراد أن يكون للمحرقة أي معنى عند سماحنا بحدوث المحرقة وبعدم السماح بحدوث المذابح المماثلة الآن. ـ نعم ـ يجب علينا أن نستغل يوم الغفران، لا للدعاء للأموات، بل للعمل من أجل الأحياء وللعمل من أجل أن ننقذ أولئك الذين يتهددهم الموت عن قريب. فحين ينكفئ اليهود على أنفسهم، إنما لكي يركّزوا اهتمامهم على تاريخ لهم وحدهم، ثم يشيحون بأنظارهم عن المآسي التي يتعرّض لها غيرهم، أي أنهم يرتكبون بشكل دقيق ما ارتكبه الآخرون في العالم، حين سمح أولئك بحدوث المذابح لليهود. إن ـ هاوردزن ـ ركّز جيداً حين رأى اللحظات المخزية التي كانت فيها المنظمات اليهودية، تعمل جاهدة في الضغط على أعضاء مجلس النواب الأمريكي، كي لا يعترف المجلس ـ بالمحرقة التي تعرّضت لها ((الأرض)) عام 1915 متذرعين بأن هذا الاعتراف، سوف يسهم بالتقليل من شأن ذكرى المحرقة اليهودية. وهذا الموقف، يعدّ نقيضاً للتوجهات الإنسانية اليهودية، أو حين يتخلى المنفذون، لمتحف المعرفة، ذكر ((الإفناء)) الذي تعرض لـه الأرمن ـ كما تقدم ـ خضوعاً للضغوط التي مارستها الحكومات الإسرائيلية. فقد وقعت حوادث موازية تماماً ـ لما يسمّى إبادة اليهود ـ حين رفض ـ ايلي ويزل ـ رئيس لجنة الحقائق التي شكّلها الرئيس الأسبق ـ جيمي كارتر ـ عن المحرقة، في أن يتضمن ـ وصفها ـ إفناء هتلر للملايين من غير اليهود. ويعلّل ذلك بأن ذكر الضحايا الآخرين ـ وهو تزييف ـ للحقيقة، باسم الاهتمام بالنظرة الكلية الإنسانية. من هذا الكلام، يعني أن أولئك الضحايا، يسرقون المحرقة ((منّا)) ولـهذه النتيجة، لم يتضمن متحف المحقرة، إلاَّ ذكراً عابراً ـ لخمسة ملايين ـ أو أكثر من غير اليهود، ممن لاقوا حتفهم في المعسكرات النازية. إن بناء سياجٍ حول فرادة المحرقة اليهودية، يعني أن نتخلّى عن فكرة الوحدة الإنسانية. وأن نتخلى أيضاً، عن فكرة كوننا جميعاً شيئاً واحداً، بغضّ النظر عن اللون والجنسية، والدّين. مع أننا جميعاً، نستحق أن يكون لنا بعض حقوق متساوية في الحياة، والحرية، والسعي، من أجل السعادة والاستقرار. صحيح أن ما حدث لليهود في عهد ـ هتلر ـ فريد في تفاصيله، لكنه يشترك في خصائصه الإنسانية مع كثير من الأحداث في التاريخ الإنساني. مثلاً ((تجارة الرقيق عبر الأطلسي، والمذابح التي تعرّض لها الأمريكيون الأصليون، بل وحالات الإبادة التي واجهت العمال من أجل خدمة الرأسمالية الأمريكية التي تقدّم الكسب وتكديس الثروات على الحياة الإنسانية)). في إحدى حوارات روجيه غارودي يقول: في السنوات الأخيرة من القرن العشرين، كنّا نعبّر عن احترامنا المتزايد لضحايا المحرقة بوصفها الرمز الأكبر لقسوة الإنسانية ضد الإنسان، لذلك قمنا عن طريق الصحف بعدم الاعتراف بالمساعدة في ((حدوث)) سلسلة لا حدّ لها من أنواع المآسي. ألم يكن قصف هيروشيما بالقنبلة الذرية ومذبحة ((ماي لاي)) في فيتنام، إلاّ الرمزين الأكبرين لتلك المآسي الفادحة. في عام 1931 حكم بالموت على مجموعة شباب، وهم تسعة من الأمريكيين السود الذين حوكموا في ولاية ـ ألاباما ـ بتهمة اغتصاب امرأة بيضاء ـ وأيضاً المجازر التي ارتكبت في ـ رواندا ـ ومجاعات الصومال، والحصار الاقتصادي على العراق؛ والولايات المتحدة وأوربا كلّها تتفرج على ذلك ولم تحرك ساكناً كما وهناك بعض الجماعات تنفّذ عمليات واسعة من القتل من أمريكا الوسطى. المفارقة هنا أن الأمريكيين الأتقياء المحافظين على ارتياد الكنيسة، كانوا يعملون هم أنفسهم على تزويد منفذي حوادث ((الإفناء)) بوسائل القتل والإبادة. لقد أشار ـ هاوردزن ـ إلى أن هناك مأساة مستمرة بسبب نقص الغذاء والرعاية الصحية في وفاة عشرة ملايين من أطفال العالم مع أنّ أمريكا بإمكانها اقتطاع جزء ضئيل جداً من المخصصات العسكرية في موازنتها للقضاء على مرض السلّ قضاء مبرماً. هذا الدرس المهم من كل ما تقدم، ليس إلغاء تجربة المحرقة اليهودية، إنما صنع كوابح بعدم توسيع هذه التجربة.. وهو ما يعني ـ الانتماء للإنسانية ـ مقابل القومية التي تتمحور حولـها إسرائيل.. أو كما يقول غارودي: مرة أخرى إلى الضمير الاجتماعي الأشمل، الذي كان يعبر عنه في السنوات القليلة الماضية ((أولئك)) الأمريكيون الذين يحتجون على تعذيب الفلسطيني أثناء الانتفاضة. أما الآخرون، سواء كانوا من الأرمن، أو من الأمريكيين الأصليين، أو الأفارقة، أو شعوب البلقان أو العرب. يعني ذلك الاستفادة من تجاربهم التاريخية المؤلمة، لا لتمييز أنفسهم عن الآخرين.. بل لخلق تضامن أكبر ضدّ أصحاب الثروات، والقوة وهم أولئك الذين يعملون على خلق المآسي المعاصرة، والتأكيد على بقائها. إلى هنا، يمكن العودة إلى بعض الآراء التي قالها غارودي يقول: ربما أفادت تجربة المحرقة اليهودية في خدمة هدف قوي جداً، إن استطاعت أن تؤدي بنا إلى التفكير في العالم اليوم، كما لو أن ألمانيا في أثناء الحرب العالمية الثانية.. حيث تلقّى ملايين البشر حتفهم، فيما انصرف بقية العالم إلى ما اعتادت القيام به يومياً، بخضوع تام للقوة، وللرأسمالية. إنها فكرة مفزعة حقاً أن يكون النازيون المهزومون، منتصرين اليوم. فاليوم ألمانيا، وغداً العالم كلّه، وسوف يكون ذلك المصير المنتظر، إن لم نتحرر نحن العرب من الاستكانة، والخضوع التام لمعرفة جديدة، و((نازيون من طراز فذّ)). هوامش: ـ نهاية التاريخ. فرنسيس فوكوياما ـ مركز الإنماء القومي ـ بيروت 1993.. ت: د. فؤاد شاهين. د. جميل قاسم. رضا الشابي. - تحديداً المقدمة التي كتبها مطاوع صفدي وتحليله لمنطق الاستبداد من وجهة نظر الرأسمالية الجديدة، وتأثيرها على أوربا أيديولوجياً ـ صدام الحضارات. صموئيل همنتغتون ـ الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلام ـ ليبيا ـ ت: د. مالك عبيد أبو شهيوة. د. محمود محمد خلف 1999. وللعلم فإن نظرية هنتغتون تعتبر ساقطة، ومن دون جدوى، بسبب السياسات الأوربية الجديدة، إزاء الشعوب الأخرى.. الفقيرة، والضعيفة، بقيادة أمريكا. ـ روجية غارودي ـ الخرافات المؤسسة للسياسات الإسرائيلية وخاصة الرسائل المتبادلة بين غارودي والراهب ((لولويانغ)) منشورات دار الفكر دمشق. ـ إدوارد سعيد. الثقافة والإمبريالية.. ورأيه في ((رواية قلب الظلام)) لجوزيف كونراد. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |