|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
لقاء مع الرئيس أحمد بن بيلا ـــ عبود كاسوحة في يوم 21 من نيسان الفائت، كان للصحفية السويسرية سيلفيا كاتوري لقاء مع الرئيس أحمد بن بيلا. قدّمت لـه على النحو التالي: أحمد بن بيلا وجه من الوجوه البارزة للقومية العربية. وكان واحداً من أعضاء اللجنة الثورية الجزائرية التسعة، التي قدمت إلى حيّز الوجود جبهة التحرير الوطني الجزائرية. وقد اعتقله المحتلون الفرنسيون عام 1952، فهرب من السجن. ثم ألقي القبض عليه ثانية عام 1956 مع خمسة من رفاقه، فأودع في سجن سانتيه (Sante) حتى 1962. وحين جرى التوقيع على اتفاقيات إيفان (Evian) أصبح الرئيس الأول المنتخب للجزائر المستقلة. اعتمد على الصعيد الداخلي سياسة اشتراكية تميّزت ببرنامج إصلاح زراعي واسع. أما على الصعيد الدولي، فدخل ببلاده إلى هيئة الأمم المتحدة، وانضم إلى منظمة الدول غير المنحازة، وأدّى تأثيره المتنامي في حركة الكفاح ضد الإمبريالية لأن تتضافر جهود القوى العظمى للعمل على إزاحته بانقلاب عسكري. وضع قيد الاعتقال في إقامة جبريّة دامت من 1965 حتى 1980. وبعد ذلك التاريخ اتخذ موقفاً محايداً من شؤون بلاده الداخلية، لكنه واصل أداء دور دولي، لا سيّما بوصفه رئيس الحملة الدولية ضد العدوان على العراق. وقد ردّ بوصفه ممثلاً فاعلاً على مسرح التقلّبات التاريخية، على أسئلة سيلفيا كاتوري، التي تنشر مقالاتها على موقع فولتير. *********** سيلفيا كاتوري ـ هل تواصل الإقامة في سويسرا، حين لا تكون على سفر؟ أحمد بن بيلا ـ كلا فأنا أعيش في الجزائر، وأحضر إلى سويسرا كثيراً. لقد أمضيت هنا عشرة أعوام متواصلة، على أثر خلافاتي مع حكم العسكريين الجزائريين. وحين أكون في الجزائر، أغدو محاصراً بالصحفيين. أما حين يعوزني قسط من الراحة، والتنحي عن مسرح ما يقع هنالك من أحداث، فإنني أحضر إلى هنا حيث احتفظت بشقة صغيرة. وأنت تعرفين على كل حال أنني بلغت التسعين! س. ك. ـ لكنك في إهاب الشباب! (يضحك). أنت تدري، أيها الرئيس بن بيلا، أن لك صورة مشرقة جداً في قلوب الناس، في كل مكان من هذا العالم؟ بن بيلا ـ الحق أنني عشت حياة خاصة بعض الشيء. فقد ساهمت في تحرير بلادي. وكنت واحداً من منظمي كفاحها التحريري. كذلك ساهمت مساهمة فعّالة في كافة أشكال النضال من أجل التحرير. س. ك ـ أنت من أصل عربي مغربي. فما الصلة التي تحتفظ بها من أصولك الريفية؟ بن بيلا ـ أنا جزائري. ومغربي الأصل عن طريق والديّ. لكن الجزائر هي حياتي كلها. أنا ابن فلاحين فقراء، جاؤوا في مقتبل العمر للعيش في الجزائر. ولم أرَ إلا مؤخراً، مسقط رأسهم في ضواحي مدينة مراكش. س. ك ـ حين جئت لمقابلتك، تولد في نفسي انطباع بأنني متوجهة لمقابلة الشعوب وقضايا الشعوب التي ناضلت من أجلها طول حياتك. إنه لمؤثر جداً أن يتحدث المرء معك هنا عن كفاحك في سبيل عالم أكثر إنسانية، وأكثر عدلاً. ألست تجسّد ذلك كلّه؟ بن بيلا ـ بلى. فحياتي حياة نضال. ويسعني القول إن ذلك لم يتوقف لحظة واحدة. إنه كفاح بدأته وأنا في السادسة عشرة. وقد بلغت التسعين من غير أن يتغير الحافز: الحماس الذي يعتمل في نفسي. لمّا يزل كما كان. س. ك. ـ تسلمت في 1962 أعلى المناصب في الجزائر المستقلة. وكانت الآمال كلها مفتوحة على مداها. لكنك، من الجزائر المستعمرة حتى تحريرها، ومن المشهد السياسي الدولي حتى الصراع العالمي الخارجي، دفعت غالياً جداً ثمن عدم خضوعك. بن بيلا ـ أجل. دفعت غاليا جداً ثمن معركتي في سبيل العدالة، وحرية الشعوب. لكن هاأنا قد قمت بما شعرت أنه واجب والتزام. لم يكن الخيار إذن شاقاً جداً علي. كنت فتياً جداً حين انخرطت في طريق النضال من أجل بلادي. وتفتّحت آفاقي. فأدركت سريعاً أن المعضلات تتجاوز الجزائر، وأن الاستعمار يطال العديد من الشعوب، وأن ثلاثة أرباع بلدان الكرة الأرضية مستعمر بشكل أو بآخر. في ذلك الحين، كانت الجزائر بالنسبة لفرنسا، مقاطعة من مقاطعاتها التي تقع فيما وراء البحار، فمن الجهة الأخرى من المتوسط تقع فرنسا. لقد دام استعمار فرنسا للجزائر طويلاً جداً: دام 132 عاماً. شاركت في ذلك الكفاح وأنا في الجزائر. وبعد الاستقلال مباشرة، وجدتني شريكاً لكافة الذين كانوا يناضلون في العالم من أجل تحرير بلدانهم. كانت هنالك إذن تلك المرحلة من الكفاح في سبيل التحرير الوطني، وقد ساهمت فيها مساهمة كلّية. لقد أضحت الجزائر في تونس وفي المغرب وفييتنام، الوطن الأم لحروب التحرير إلى حد ما. كنا نمدّ لهم يد العون، حتى ونحن لا نملك سوى وسائل محدودة. نمدّهم بالسلاح، وبشيء من المال، ونمدّهم بالرجال عند الضرورة. س. ك. ـ لم يكن الفرنسيون، هم الذين زجوا بك في السجن عام 1965، بل هم إخوانك ورفاقك في السلاح. فما تقول اليوم في أولئك الذين سدّوا الطريق في وجهك بمثل ذلك العنف؟ بن بيلا ـ لا أشعر حيالهم بالازدراء ولا أشعر بالحقد. أرى أنهم قاموا بشيء غير مناسب على الإطلاق، ومؤسف إلى أبعد حد. وليس ذلك بالنسبة للشعب الجزائري فقط، بل بالنسبة للشعوب الأخرى التي كانت تعتمد على دعمنا لها. كان كفاحي لتوفير أفضل شروط الحياة للجزائريين، الذين كانوا يعانون آنذاك من بؤس شديد، ونضالي لمساعدة الشعوب الأخرى الرازحة تحت نير الاستعمار على نيل حريتها، سبب إزعاجاً كبيراً لبعض الحكومات. فقد مضيت بعيداً جداً حسب وجهة نظرهم. وكان علي أن أتوارى عن الساحة. وأقصد أنه لو لم يقم الجيش الجزائري بالانقلاب علي، لقامت بذلك جهات أخرى. كان على أن أتوارى لأنني أصبحت أسبب إزعاجاً فائقاً. لقد كنت من الناحية العملية أؤمّن المأوى لكافة حركات التحرير، بما فيها الحركات القادمة من أميركا اللاتينية. س. ك. ـ هل كنت على صلة بفيديل كاسترو؟ بن بيلا ـ أجل. لقد جاء تشي غيفارا إلى الجزائر، يحمل لي رسالة من كاسترو الذي التقيت به مرّتين لقد طلب ألينا مساندة حركات الكفاح التي تنمو في أميركا الجنوبية، لأن كوبا لا تستطيع أن تفعل شيئاً. فهي خاضعة لمراقبة الولايات المتحدة التي تحتل خليج غوانتانامو. فلا يمكن أن يخرج شيء من كوبا، ولو بحجم علبة ثقاب من غير أن تدري به الولايات المتحدة. فلم أتردد ثانية واحدة. وهكذا فمن الجزائر، وبمساهمة من تشي غويفارا، الذي مكث عندنا طيلة ستة شهور، أنشئت هيئة أركان جيش التحرير لأميركا الجنوبية. ويسعني الآن أن أقول ذلك: إن كافة المناضلين الذين ساهموا في الكفاح من أجل التحرير في أميركا الجنوبية جاؤوا إلى الجزائر. ومنها انطلق كافة الذين انخرطوا في الكفاح. لقد عملنا على تدريبهم، وعملنا على أن تصل إليهم الأسلحة، وقمنا بإنشاء شبكات. س. ك. ـ في أي عام جاء تشي غيفارا إلى الجزائر؟ بن بيلا ـ جاء تشي في عام 1963، بعد وصولي إلى الحكم بفترة قصيرة. لقد تعهدت مع حكومتنا على تقديم العون لحركات الكفاح للتحرير الوطني. ففي ذلك الوقت كانت بلاد كثيرة ما تزال مستعمرة، أو خرجت لتوها من تحت نير الاستعمار. فإفريقيا كلها كانت عملياً على تلك الحال. وقمنا نحن بدعمها. لقد جاء كل من نلسون مانديلا وأميلكار كابرال إلى الجزائر أيضاً. وتوليت أنا تدريبهما، ثم انطلقا ليتولى كل منهما الكفاح من أجل تحرير بلاده أما الحركات الأخرى التي لم تكن تخوض كفاحاً مسلحاً، أو التي لم تكن بحاجة إلا لدعم سياسي، مثل مالي، فقد ساندناها على صعد أخرى. س. ك. ـ من الذي تولى إقصاءك تحديداً عام 1965؟ هل هو الجيش الجزائري أم قوى خارجية؟ بن بيلا ـ أنا على يقين من تدخّل قوى خارجية، تدخلاً غير مباشر. إذ ما لبثنا أن شهدنا الآليات نفسها في أمكنة أخرى. فحيثما حقق الكفاح المسلح النصر، وقام بتشكيل سلطة وحكومة، تلته انقلابات عسكرية أطاحت بزعمائه. لقد تكرر ذلك مرات ومرات. وفي غضون عامين وقع 22 انقلاباً عسكرياً، في إفريقيا بشكل أساسي وفي العالم الثالث. وكان الانقلاب العسكري في الجزائر عام 1965 فاتحة الطريق. لم تكن الجزائر إذن غير بداية شيء كان مبيّتاً: لذلك أقول إن النظام الرأسمالي العالمي هو الذي تولى في نهاية الأمر الرد علينا. س. ك. ـ هل أنت ماركسي؟ بن بيلا ـ لست ماركسياً، لكن موقعي في اليسار بكل ثبات. أنا عربي مسلم، أتوجه يساراً في فعلي وقناعاتي. لذلك وجدتني على الدوام، حتى لو كنت لا أعتنق النظرية الماركسية، بجانب كافة الحركات اليسارية في العالم وفي البلدان الاشتراكية، مثل كوبا والصين والاتحاد السوفييتي، التي قادت الكفاح المعادي للاستعمار والإمبريالية. فقد شكلنا معهم جبهة للتحرير وقدمنا دعمنا اللوجستي للجيوش الشعبية، لمساعدة بلدانها على الخروج من الاستعمار وإقامة نظام داخلي وطني تلك كانت مرحلة إزالة الاستعمار. فالاستعمار فكرة ولدت في الغرب وقادت البلدان الغربية ـ مثل فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وبريطانيا ـ إلى احتلال بلدان خارج القارة الأوربية. وهو استعمار في شكله البدائي، أي عبر إقامة سلطات أجنبية قمعية في البلد المحتل، مع جيش وأجهزة أمنية وشرطة. وقد عرفت هذه المرحلة أشكال احتلال استعمارية عنيفة دامت قرابة 300 عام في أندونيسيا. س. ك. ـ ألم تكن بعد هذه المرحلة ناشطاً في حركة البلدان غير المنحازة؟ بن بيلا ـ لم يعد للبلدان غير المنحازة من وجود. فقد أنشأ تلك الحركة رجال عظماء من أمثال نهرو وماوتسي تونغ وعبد الناصر، وأسماء أخرى كبيرة. كان ذلك في عصر معرض لتهديد حرب نووية. إنه عصر المجابهة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. كما على شفا الحرب النووية. وقد أدت البلدان غير المنحازة دوراً كبيراً في سبيل منعها. دامت تلك الحركة عدداً من السنين. لكن النظام العالمي الجديد ما لبث أن أتى عليها. س. ك. ـ ألم تقم بعد ذلك بأداء دور كبير في تنمية حركة العالم الثالث؟ بن بيلا ـ إن النظام العالمي الذي يتزعم كل ما سبق الحديث عنه، ابتكر شكلاً آخر من أشكال الهيمنة: إنها "العولمة". "العولمة" كلمة جميلة جداً بحد ذاتها. كلمة تستطيع أن توحّد، وأن تقود إلى التآخي بين الشعوب. بيد أن كلمة "عولمة"، على نحو مفهومها، كلمة تسبب ضرراً كبيراً. إنها كلمة جلبت على العولمة البؤس والجوع والموت: يموت سنوياً 35 مليوناً من البشر نتيجة سوء التغذية. أجل، كانت كلمة عذبة لو جرت عولمة الخير، ولو حملت الرفاهية للجميع. لكن العكس تماماً، هو الصحيح. إنه تعميم مضلل. هي عولمة الشرر وعولمة الموت وعولمة الفقر. س. ك. ـ ألم يكن للعولمة سوى آثار مشؤومة؟ بن بيلا ـ الفائدة الوحيدة التي جنيناها أننا اليوم أفضل استعلاماً من الأمس. لكن ليس من يستطيع أن يتجاهل أن هذا النظام يؤدي إلى توسيع رقعة الجوع. لقد أنشئت ثروات, لكنها ثروات خلّبية. إنها شركات متعددة الجنسيات مثل جنرال موتورز ونسليه, وهي مجموعات صناعية كبرى، وزنها على الصعيد المالي أكبر بكثير من وزن بلدان كبيرة مثل مصر. فإذا اعتمدنا على الأرباح, على سبيل المثال, وجدنا جنرال موتورز، أكثر غنى بأربع مرات من مصر, التي يبلغ تعداد سكانها 70 مليوناً. مصر, بلاد الفراعنة، البلاد الخارقة للمألوف, والبلد العربي الأوسع تعليماً! ذلك يقدم لك صورة عما تعني كلمة "عولمة". وهو ما دعاني لمحاربة ذلك النظام الذي يرعى مجموعات, تمثل على الصعيد المالي, ما يفوق بكثير دولة كبيرة، وتؤدي إلى الكثير من الفوارق. وذلك ما يدعونا, لأن نقوم من جانبنا, بتفهم أكبر للمعضلات, التي جرى تعقيدها عمداً, لكنها تعبّر في نهاية المطاف عن شيء واحد: إقامة نظام خال من الإنسانية. س. ك ـ على الرغم من أن ثلاثة أرباع شعوب الأرض قد عبرت عن آرائها عام 2003, فإن الحركات التقدمية لم تقوَ على منع قيام الحرب. ألا يساورك الشعور أحياناً بأن الذين يتزعمون تلك الحركات قد زلّت بهم أقدامهم؟ أو أنهم ضلوا الطريق حين لم يحسنوا تشخيص حقيقة الدوافع لدى خصومهم؟ بن بيلا ـ يسعني أن أؤكد, وأنا رجل من الجنوب، أن شيئاً في الشمال قد تغيّر, ومن الأهمية بمكان ملاحظته. إن ما تغيّر تحديداً في تلك المنطقة من الشمال التي توصف بالمتقدّمة، والتي أعلنت علينا الحرب واستعمرتنا, وقامت حيالنا بأفعال رهيبة، أن فيها اليوم رأياً عاماً يعبّر عن نفسه, وفيها شبيبة تقول "كفى". ويدل ذلك على أن هذا النظام العالمي الفاسد لا يصيب بشروره الجنوب فقط بل يصيب الشمال أيضاً. فيما مضى، كان الكلام عن الجنوب فقد مقروناً بالبؤس والفقر. أما اليوم فيوقع الكثير من البؤس والألم ضحايا في الشمال أيضاً. وقد أصبح الأمر جلياً: إن هذا النظام العالمي لم يقم في سبيل خير الجميع, بل قام لخدمة الشركات متعددة الجنسيات. هنالك إذن, في داخل هذا الشمال الذي طالما قاتلناه, حركة واسعة. هنالك شبيبة راغبة في العمل وفي اتخاذ القرار, إنها تنزل إلى الشارع وتعترض, حتى لو لم يستطع اليسار أن يقدم, لأولئك الشباب الراغبين في التغيير, مفاتيح الحل. فقد جرت الحال على ذلك النحو دائماً: فكل حركة تبدأ على هذا الشكل. إن حركة التحرير التي توليت قيادتها في الجزائر, والمنظمة التي أنشأتها لمحاربة الجيش الفرنسي, كانت لدى انطلاقتها حركة صغيرة لا تكاد تذكر. لم نكن سوى بضع عشرات عبر الجزائر كلها, وفوق أرض تبلغ خمسة أضعاف مساحة فرنسا. س. ك ـ ماذا جنت تلك الأجيال من الشباب, الذين علّقوا أكبر الآمال على حركة الكفاح Attac التي تقترح على سبيل المثال "إصلاح العولمة"! لكن أما كان ينبغي رفض المبدأ نفسه واعتماد إجراءات أكثر راديكالية، لمواجهة راديكالية النظام الموصوف بالليبرالية؟ بن بيلا ـ حين يتسلّم اليساريون زمام الحكم, لا يعودون يشكلون فارقاً كبيراً عن أعضاء الأحزاب الأخرى. ولقد حاولنا, فيما يتعلق بالجزائر, أن نتعاون مع اليسار الفرنسي. إلا أننا لم نعرف من نظام حكم أسوأ من النظام الذي مارسه الحزب الاشتراكي الفرنسي. إن أسوأ الأشياء التي أصابتنا, إنما أصابتنا على يد الاشتراكيين. فما من سلطة سياسية سابقة قاتلتنا بالقسوة التي قاتلنا بها نظام الاشتراكي غي موليه. وأنا أكلمك عن وقائع دقيقة. أكلمك عما هو معروف. كنت على رأس جبهة التحرير الوطني الجزائرية، حين قامت حكومة غي موليه ـ بعد أن أدركت أن فرنسا لن تستطيع البقاء في الجزائر ـ بالاتصال بجمال عبد الناصر ليسألنا إن كنا على استعداد للحوار معهم. وكان ذلك ما توقعت على الدوام. إذ لا بد أن يأتي يوم نجلس فيه حول مائدة لنحدد أفضل طريقة لتصبح الجزائر مستقلة تمام الاستقلال. فذلك هو الهدف الذي كنا نطمح إليه: أن نعود أحراراً, وأن لا نعيش من بعد سيطرة نظام قمعي. أجبت بالإيجاب وأنني على استعداد للتفاوض, بشرط أن يكونوا هم, الفرنسيين, الذين يتوجّهون بالطلب. وتلك مسالة هامة. لأن الأضعف هو الذي يتوجه دوماً بطلب التفاوض. وطالبت بأن تجري المفاوضات في مصر. دامت المفاوضات ستة أشهر, توصّلنا في نهايتها إلى حل. وضعت ورقة الاتفاقية في جيبي وتوجهت في أيلول 1956 إلى المغرب, لأحيط الملك محمد الخامس علماً بالأمر. ذلك أنه انخرط في ذلك الكفاح, ومدّ لنا يد العون, بما فيها المساعدة العسكرية. أما من بعد, وفيما كنا متوجهين إلى تونس حيث كنا ننوي إعلام السلطات هنالك بالأمر نفسه. جرت مطاردة طائرتنا من قبل الطيران الفرنسي. تلك كانت أول عملية اختطاف طائرة في التاريخ. كان في تلك الطائرة ثلثا زعماء الثورة الجزائرية. وكان في نيتهم القضاء علينا فوراً. وإنها لمعجزة أن نكون نجونا من الموت. كل هذا لأقول لك رأيي بالاشتراكيين: إنه غي موليه, الذي ما كاد يوقع تعهداً حتى نكث به. ويسعني قول الشيء نفسه على حكومة لاكوست، ذلك أنه اشتراكي هو الآخر. كلا, إن الأحزاب اليسارية لم تساندنا. على كل حال, إن اليسار هو الذي يجتذبنا, وأنا أواصل كفاحي مع اليسار. أنا رجل يساري. س. ك ـ هل يقع لك, والحال هذه, أن تقول حين تلتقي بممثلي الأممية الاشتراكية، وهم يرتقون منصات المنتديات الاجتماعية، إنهم هنالك من أجل الحفاظ على رونقهم الشخصي قبل كل شيء؟ بن بيلا ـ بلى، إذ يقع لي أن أظن أنهم غير جادين. فأنا من ناحيتي أريد حقاً أن يتغير هذا العالم. أريد لهذا العالم أن يتغيّر. ويلزمنا لتغيير الأشياء أناس صادقون ونزيهون, قبل كل شيء. س. ك ـ هل تؤمن حقاً بضرورة التغيير؟ بن بيلا ـ أجل. فمنذ فتوّتي وأنا أؤمن بهذه الضرورة. وسوف أعود إلى قولك. إلى ما يقودني شخصياً إلى نوع من الثقة بالمستقبل. أريد الكلام عما ألاحظ هنا في الغرب. إنني مقتنع بأن النظام الليبرالي لا مستقبل له. فأود أن أقول لهؤلاء الشباب, لهؤلاء التلامذة الذين رأيتهم ينزلون إلى الشوارع. هؤلاء الشباب الذين يتظاهرون، سعياً وراء قيم جديدة: "أنا بدأت على هذا النحو، حين كنت في سنّكم. بدأت بخطوات صغيرة. وشيئاً فشيئاً سار ورائي شعب بكامله". وحين أتوجّه إلى المظاهرات, أراقبهم وأتحدث إليهم, وأرى أنهم هم الذين يمسكون بالأوراق في أيديهم. س. ك ـ هنالك سؤال يطرح طرحاً ملحّاً: ألم يراع زعماء الحركات المناهضة للإمبريالية إسرائيل, وهي الدولة العنصرية إيديولوجياً وتشريعياً, والتي تطبّق منذ إنشائها سياسة تطهير عرقي في فلسطين؟ فقاموا بالتالي بحرف أجيال من الشباب عن وجهتهم, وزوّروا الجدل. في حين كانت إسرائيل تعمل بكل نشاط, مع الولايات المتحدة, على محاربة الشيوعية ومحاربة عبد الناصر والقومية العربية، ومساندة الأنظمة الرهيبة؟ بن بيلا ـ هذه المسائل مطروحة اليوم على بساط البحث, وهي تثير الجدل. نحن لا نرغب في تضامن زائغ. ولا نرغب في دولة، تكون كإسرائيل, الأداة الفضلى بيد ذلك النظام الشمولي الظالم الذي تقوده الولايات المتحدة, التي تطبق سياسة سبق لها أن تسببت بشرور كثيرة. ونحن نرى وجود غدر مزدوج. هنالك أولاً غدر الذين كان عليهم, وهم في معسكر اليسار, أن يقفوا إلى جانبنا مخلصين للقضية الفلسطينية والعربية. لكنهم لم يفعلوا. وهنالك من بعد غدر كافة أولئك اليهود الذين نشعر حيالهم بالقرابة، والذين بيننا وبينهم نقاط تشابه ونعيش معهم بتناغم تام. إن العرب واليهود أبناء عمومة. فنحن نتكلم اللغة نفسها, إنهم مثلنا ساميون. فهم يتكلمون الآرامية ونحن نتكلم الآرامية. للآرامية عدة فروع: إثيوبيا تتكلم الآرامية، وإريتريا تتكلم الآرامية، والذين يعتنقون اليهودية يتكلمون الآرامية والعرب يتكلمونها أيضاً. إن ذلك ما يؤلمنا أشد الألم: أن نشعر أن أقرب الناس إلينا قد غدروا بنا, غدر بنا أناس هم أبناء عمومتنا, ويشبهوننا ويتكلمون الآرامية مثلنا. اللاسامية نحن نعرفها، فنحن ساميون. وأضيف على ذلك أن نبيّهم هو نبيّنا. إن موسى والمسيح من الأنبياء عندنا. س. ك ـ منذ نهاية التعددية العسكرية، وهيئة الأمم المتحدة واقعة تحت الوصاية الأميركية والمحافظين الجدد. وكل بلد عربي لا يخضع لإملاءاتهم, يغدو معزولاً بين الأمم. فكيف ترى هذا الوضع؟ وكيف السبيل إلى الخروج منه؟ ومن جهة أخرى، أليست حماسة، في مواجهتها الأحادية الجانب مع إسرائيل, مهددة بالفشل والسقوط, والتخلي عما يقاتل من أجله الشعب الفلسطيني منذ 60 عاماً؟ بن بيلا ـ أعتقد أن حماس مثال متميّز لما يجري لدينا, ولهذا البعد الذي يتخذ الآن لوناً دينياً شديداً, يتحمل مسؤوليته الإسلام. أنا عربي مسلم, لكنني لا أرغب في العيش في بلاد توجهها أصولية إسلامية، إلا أنني, وهنا أكلمك بكل صراحة، لا ألومهم. فهذه الحاجة إلى الدين, إنما أوجدتها التواءات النظام الرأسمالي. إن إفراط المتطرفين في إسرائيل والولايات المتحدة في إلحاق الأذى بنا, بدلاً من أن يؤدي إلى قيام حركة ذات صبغة عروبية، تأتزر بالثقافة والانفتاح, جعلهم يجدون أنفسهم حيال هذا المأزق. فهم المسؤولون عن خلق هذا الوضع. س. ك ـ ألست راغباً في الخطاب الديني؟ بن بيلا ـ أنا مسلم, لكنني لا أتمنى أن يكون الخطاب دينياً. ولست أرفض الواقع الديني بحد ذاته, وأرفض أن لا يتوجه الخطاب الديني نحو تجديد الإسلام, وأن يكون خطاباً إسلامياً رجعياً, يعود بنا القهقرى. في حين أننا نتميّز في الإسلام بالإيمان بالديانتين: الديانة اليهودية والديانة المسيحية. فليس محمد بالنسبة لنا سوى استمرار ليسوع المسيح وموسى؟ س. ك ـ أليس المسلمون هم الذين يتولون اليوم زمامة المقاومة ضد الاستعمار؟ أليس هنالك ما يدعو للاعتراف بأن العرب والمسلمين لا يناهضون قيم الغرب وإنما سياسته العدوانية؟ ألم يقم حزب الله, على سبيل المثال, وهو لا يتمتع بأية سمعة حسنة عندنا, بدحر الإمبريالية والإسرائيلية في لبنان؟ ألا ينبغي على التقدميين أن يتجاوزوا أحكامهم المسبقة حيال المسلمين, وأن يعتبروهم عنصراً فاعلاً في الكفاح ضد الظلم وأن يدعموهم؟ بن بيلا ـ أجل, أجل. فالمسألة هنا مسألة تربية. فمن واجب الذين يتولون قيادات الأحزاب التقدمية, أن يردوا رداً ملائماً على مثل هذه الأوضاع. لكن ذلك لا يحصل. نحن لدينا علم ولدينا نشيد وطني. أما بشأن الباقي, فإن الغربيين, من كافة النوازع والأهواء, هم الذين يتولون اتخاذ القرارات بدلاً عنا. ويتم ذلك في لبوس كلام جميل منمّق, تحت مظلة مساعدة المنظمات مثل البنك العالمي وصندوق النقد الدولي. وهي منظمات لا تتعدى كونها وسائل تعذيب أوجدها الغرب ليواصل سيطرته علينا. وذلك يعني أننا خرجنا من نظام استعماري مباشر لنبادله بشيء يبدو مظهره أفضل, إلا أنه ليس في حقيقته كذلك. على كل حال أعود لأقول لك, إنني أضع أمني في هذا الشمال الذي سبق فألحق بنا ضرراً كبيراً, فجيل الشباب يعي هذا المنطق من السيطرة التي تتسبب بفقر متزايد في الشمال كما في الجنوب على حد سواء. وإذا لم تكن السيطرة هي نفسها المطبقة في الجنوب، فإنها تتسبب في وضع من العوز لا يسع كائناً حراً أن يقبل به. فكم يبلغ عدد الناس الذين يعانون من البطالة ومن الفقر فيهيمون على وجوههم في الشوارع؟ قد يكون ذلك ما سيحرّض شعوب الشمال على تغيير نظرتها لتنضم إلينا انضماماً صريحاً. س. ك. ـ لكننا لا نرى في الغرب اليوم أناساً كثيرين يحتجون على الفظائع التي ترتكب في العراق وفي فلسطين وفي أفغانستان. أليس لديك انطباع بأن هنالك الكثير الكثير من الأحكام المسبقة, ضد العرب والمسلمين, والتي أحسنت صياغتها وترسيخها ـ حتى في صفوف المنظمات المناهضة للحرب ـ بحيث أضحى دعم العرب في مقاومتهم فكرة بعيدة عن أولئك بعداً كبيراً؟ بن بيلا ـ هذا صحيح, والأحزاب اليسارية التي كنا نعوّل عليها خيّبت آمالنا. فاتخذت منا موقفاً معارضاً.فما إن تحدثيهم عن الإسلام حتى يقولوا لك بن لادن. أنا لا أرغب في العيش في ظل نظام يتزعمه بن لادن, لكنني لا أنتقده. فحين أرى ما فعلت يدا بوش, لا يسعني أن أنتقد بن لادن. وأقول لك بكل صراحة: إنني لم أشجب الهجمات على أبراج نيويورك. أنا أدين بوش وأدين الحكومة الأميركية، لأنني أعتبر بن لادن ثمرة السياسة الأميركية. لقد أغلقوا كافة أبواب الحوار مع العرب والمسلمين. وجعلوهم يعتقدون طيلة عقود بأنهم إن يفعلوا هذا الشيء أو ذاك, فإن الغرب سيحل العدل في فلسطين. وواقع الحال أن إسرائيل وحلفاءها لم يرغبوا يوماً في إحلال السلام عندنا. فإسرائيل لم تكف عن محاربة الشعوب وترويعها. وبن لادن هو الصنيعة غير المباشرة لبوش وإسرائيل. فهذان البلدان يزرعان الموت والحقد في الشرق الأوسط والعالم: فلم يدعا أمامنا من خيار آخر سوى المجابهة العنيفة. فكافة الحركات الراديكالية التي توصف بـ "الإرهابية" أو "الأصولية" إنما نشأت رداً على الإرهابيين, الذين يقودون من تل أبيب وواشنطن، حروب دمار ضدا لشعوب العربية. فأي خيار أمام تلك الشعوب التي يقصفونها بمثل تلك الهمجية؟ وماذا أمامهم من سلاح، وهم في مجابهة جيوش حديثة، سوى التضحية بحياتهم وهم يفجرون أنفسهم؟ إن ذلك يدعى في القرآن "الشهادة". إنها فكرة خارقة يجري التعبير عنها بهذه الكلمة. إنها حالة يأس, لا يعود الذي يحسن بها, قادراً على العيش. إنه يضحّي بنفسه, لا ليحصل على حياة أفضل لنفسه, بل على أمل أن يتمكن ذووه من العيش عيشاً أفضل. إنها أعظم تضحية. أما هنا في الغرب فيسمونهم "إرهابيين". وأنا أقول لك بكل صدق, وأؤكد على أنني انحني احتراماً أمام امرئ يقوم بمثل تلك التضحية. س.ك ـ إن كنت قد أحسنت فهمك، فأنت تقول إن كل ما يتسبب في إثارة سخط الناس في الشرق الأوسط قد نشأ بواسطة الغرب. وإن على الذين يقاتلون أن يضحوا بأنفسهم وأن يتألموا من أجل الآخرين. وإن العرب أبدوا كل تسامح في الماضي؟ بن بيلا ـ تماماً. فالعنف الذي يتجلى في العالم العربي والإسلامي إنما هو ثمرة ثقافة الحقد والعنف التي بذرتها إسرائيل حين فرضت نفسها بالقوة على الأراضي العربية. إن الفظائع التي ترتكبها تلك الدولة اللاشرعية هي التي ترغم أبسل الناس على الرد. ولست أظن أن هناك من نضال يفوق شرفاً نضال الفلسطينيين الذي يقاومون المحتل. فحين أرى ما عانى هذا الشعب منذ ما يزيد على قرن من الزمان, وأنه ما يزال يجد القوة على متابعة الكفاح، تمتلئ نفسي إعجاباً. أما اليوم فإن هؤلاء الذين يعملون في هذا الشعب تقتيلاً, هم الذين يظهرون رجالات حماس على أنهم فاشيون وإرهابيون. لكن ليس هؤلاء بفاشيين وليسوا إرهابيين, إنهم مقاومون! س. ك ـ فلسطين وطن سجين. فكيف انتهى الأمر, حتى مع اليسار, للكلام عن "إرهاب", بدلاً من الكلام عن الحق في المقاومة المسلحة؟ فهل ترى جوانب موازية أم فروقات رئيسة بين الاستعمار الفرنسي للجزائر واستعمار فلسطين من قبل إسرائيل؟ بن بيلا ـ الوضع في فلسطين أسوأ بكثير. يضاف إليه التمييز العنصري. فما كان بوسع الفرنسيين أن يطردونا خارج حدود بلاد أكبر مساحة من فرنسا بخمس مرات. لقد حاولوا أن ينشئوا في شمال البلاد منطقة عازلة، تضم أقل عدد ممكن من الجزائريين, لكن ذلك لم ينجح. ولم ينشئوا على الأرض نظام تمييز عنصري كما يفعل الإسرائيليون في فلسطين. لقد أنشأت إسرائيل أكثر أشكال الهيمنة فظاعة. س. ك ـ هل تعتقد بأن الفلسطينيين سيعيشون تحت الاحتلال زمناً أقل مما عاش الجزائريون تحت الاحتلال الفرنسي؟ بن بيلا ـ أجل أعتقد ذلك. فالاستعمار, بادئ ذي بدء, ظاهرة محظورة بالقوانين الدولية. ومن ناحية أخرى، إن كان لمسألة أن تحظى بالإجماع في العالم العربي, فهي المسألة الفلسطينية. وما دام الفلسطينيون لم ينالوا حقوقهم العادلة، فإن العالم العربي الإسلامي لن يشعر بحريته, هو أيضاً. سيظل العرب يشعرون بأن قطعة من جسدهم ما زالت في الأسر. س. ك. ـ لم تكن السياسة فيما مضى أكثر نبلاً، لكن كان هنالك توازن. أما مع انتهاء ثنائية الأقطاب, فإن المبادئ الأخلاقية الأساسية جداً قد كُنست. فأينما تتوجّه تسمع حديثاً عن "الإرهاب"، لكن ليس من يذكر بكلمة واحدة 800 طفل قتلوا في فلسطين برصاص الجنود الإسرائيليين منذ عام 2000. ولا ملايين الأطفال العراقيين الذين قتلوا، أو المرضى الذين لم يعد من حقهم أن يأملوا بحياة طبيعية. هل كان لسجون غوانتانامو أو أبو غريب أن تقوم, لو كان لدى الأسرة الدولية اللباقة الكافية لتقول كلا بوجه عنف واشنطن؟ ومن هو رجل الدولة المسؤول الذي ما تزال يداه نظيفتين بعد تلك الحرب المزعومة ضد "الإرهاب"؟ بن بيلا ـ إن ما قد حدث في غوانتانامو وأبو غريب وفي أماكن أخرى لشيء رهيب. وما زال ذلك الهول كله في انتشار متواصل ليولد آلاماً أكبر. وقد بلغنا أن الولايات المتحدة أقامت سجوناً في أوربا الشرقية لتكون في مأمن من الملاحقات القضائية في بلادها، وأن أوربا ضالعة في ذلك كله. بل جرى توجيه لوم إلى سويسرا لأنها سمحت بأن تحلق فوق أراضيها تلك الطائرات التي تحمل سجناء مجهولين, جرى اختطافهم ثم أخضعوا للتعذيب. س.ك ـ ما هي, حسب رأيك, الوسائل الكفيلة بالوقوف في وجه الاستراتيجية التي يعتمدها بوش والمحافظون الجدد؟ بن بيلا ـ إنها حركة أصولية، لكن هذه مسيحية! فالمعضلة التي نواجهها اليوم هي التالية: إن إيديولوجية بوش هي أسوأ أصولية يمكن أن نتخيلها. فالإنجيليون البروتستانت المعروفون، هم مصدر وحي بوش وإلهامه. وهي أصولية رهيبة. فما الوسائل المتوفرة لدينا في نهاية المطاف للكفاح؟ كلّمتك عن الآمال التي أعلّقها على الشبيبة, مع علمي الأكيد بأنها لا تملك وسائل حقيقة لمقاتلة ذلك النظام المرعب. وأنا أعلم حق العلم أن النزول إلى الشارع لا يكفي. فينبغي الانتقال إلى شيء آخر, وابتكار وسائل فعل أخرى. لكن ينبغي الفعل والتأثير, لا مجرد التلقي. وحين يتولانا الإحساس بعدم التقدم, ينبغي أن نقول إننا نمر في أطوار, وإنه يلزمنا بعض الوقت لبلوغ الفهم من قبل العدد الأكبر. فنبدأ الفعل مع الذين يتمتعون بفهم واضح, حتى لو لم يكن ذلك يغطي كافة المسائل. لكن ينبغي من بعد أن نتجاوز العوائق وأن نقول لأنفسنا إنه ليس الحزب الاشتراكي الذي سيغير العالم, مهما قال عن نفسه إنه اشتراكي, ولا أيّ تجمع أخرى. س. ك ـ هل سيأتي الحل, لبلوغ شيء من عودة التوازن، من جانب الصين وجانب روسيا؟ بن بيلا ـ أعتقد أن الأمل يمكن أن يأتي عن طريق الصين. لقد ساعدتنا روسيا في الماضي مساعدة خارقة. لكن روسيا, ولسوء الحظ, ليست الآن في وضع سهل. فلن أعلق آمالاً عليها. سأراهن على الصين أكثر بكثير. فلديها من المبررات ما لا يتوفر لدى روسيا. والصين على رأس البلدان التي تنمو وتزدهر. والغرب نفسه في طريقه للاستقرار في الصين من أجل تنشيط اقتصادها. ولسوف نرى بعد 20 عاماً ظهور خارطة سياسية جديدة. س. ك ـ وبانتظار ذلك, ما عسانا نقول للشعوب المتروكة لمصيرها مثل فلسطين والعراق؟ بن بيلا ـ إننا لا نقوم بالفعل أبداً ونحن نفكر في أننا سنكون في عداد المنتفعين. إننا نقوم بالفعل لأن من واجبنا أن نفعل. وما كانت الإنجازات العظمى قط, ثمرة جهود جيل واحد. يقال عندنا إن من يأكل ليس من يُعدّ الطعام. فلا بدّ من إنشاء شبكات تضامن تدعم كفاح تلك الشعوب دون شروط. س. ك ـ وما عساك تقول أيضاً لتلك الشبيبة التي ذكرت, لا سيما أنها الشاهد على كل تلك الخروقات؟ بن بيلا ـ على الشباب أن يتجاوزوا هذا الواقع, وان يتخذوا المبادرات. ولئن لم يعد كافياً عقد لقاءات دورية وإقامة تجمّعات كبرى, وإذا لم يتغيّر من شيء, فينبغي التحول إلى شيء آخر: ينبغي ابتكار أشكال جديدة من النضال دون أي انتظار. س. ك ـ لكن أما آن للعرب أن يمسكوا بأيديهم بزمام الحركة المناهضة للحرب, والتي ما تزال بأيدي الغربيين؟ بن بيلا ـ بلى، بلى. ونظراً لخطورة الوضع في الشرق الأوسط, فإن على الفلسطينيين أو على ممثلي الحركات في العالم العربي أن يتحرّكوا. وأعتقد أن على هذه الحركة العربية، والحركة الفلسطينية، وكافة تلك القوى، أن تتضافر معاً وتتجاوز خلافاتها. أن تمثّل أملاً, وليس للعرب فقط. إنها تستطيع أيضاً أن تساهم في تغيير هذا العالم, وفي تغيير النظام العالمي على نحو ما يعمل الآن. س.ك ـ إنك تبدو متفائلاً! بن بيلا ـ أنت تعرفين أنني لست مجرد متفائل: فأنا أمضي حياتي وأنا أفعل. فلا اكتفي بإلقاء الخطب. إنني أكرّس وقتي كله للفعل عن طريق منظمة الشمال ـ الجنوب. وعلى ذلك اعتقد أن قوى الأمل تأتي أحياناً من حيث لا نتوقع قدومها. س. ك ـ عقد في القاهرة، في نهاية آذار الماضي, المؤتمر التأسيسي الأول للتضامن الشعبي العربي مع المقاومة. ودعا المشاركون الشعوب للانضواء "تحت لواء الأممية لدعم الشعب العربي في كفاحه ضد العدوان الإمبريالي". أليست نقطة الانطلاق لحملة, بوسعها, إذا ما انضمت إليها الأحزاب التقدمية في الغرب, أن تشكل الحركة للتيار المناهض للحرب, وأن تمضي ضمن مسار آمالك؟ بن بيلا ـ أنا أؤيد شخصياً هذه المبادرة. والأساس هو التقدّم. فالمرء لا يتقدّم حين تساوره الشكوك, وحين يظن أن كل شيء قد انتهى. أو حين يستقر به المقام فوق المنازعات. على المرء أن يتقدّم وأن يصلح الأخطاء. على هذا تقوم الحياة. وما يزال في المعسكر العربي عقبات كبيرة لا بد من تجاوزها. والواقع أننا نعاني, في الحركة العربية، من نقاط الضعف نفسها التي تعاني منها الحركة المناهضة للإمبريالية في الغرب. س. ك ـ هنالك ما يقرب من عشرة آلاف فلسطيني معتقل اعتقالاً تعسفياً في السجون الإسرائيلية. وليس من يعترف بهؤلاء سجناء سياسيين. وجرى في آذار الماضي اختطاف أحمد سعدات وخمسة من رفاقه من سجن أريحا ـ بينما كان في ظل حراسة أميركية بريطانية مشتركة ـ ومن حينها وهو عرضة لتعذيب متواصل. ولقد عاد فكرر عزمه على الصمود قائلاً: ما همني مكان وجودي, فسوف أواصل النضال". س. ك لا بدّ أن تجد نفسك في هذا التأكيد, لا سيما أنك تعرف ما يعني العيش معتقلاً؟ بن بيلا ـ أجل. فقد أمضيت في السجن 24 عاماً ونصف العام. حين اعتقلني الفرنسيون في سجن سانتيه (Santè), وضعوني مع السجناء الذين ينتظرون الإعدام بالمقصلة. كنت أشاهد المقصلة من زنزانتي. إن ما تلحقه إسرائيل بالفلسطينيين من سوء المعاملة، لأمر مشين ورهيب. وليس لدي حالياً سوى مشروع واحد: إنه فلسطين. سوف أقوم بما وسعني لمساعدتهم. أما التوصل إلى السلام في فلسطين وفي العالم, فيستوجب إزالة نظام التجار القائم هذا. وأما وأن المعضلات هائلة الحجم, فإن الإضرار هائلة الحجم أيضاً. وإنها لجريمة أن نترك العالم في أيدي التجّار والقتلة. فذلك هو الإرهاب, وليس بن لادن. س. ك ـ حين تسمع رؤساء دول يقولون إنهم يخوضون الحرب في العراق باسم الحرية والديمقراطية, فماذا ترغب في أن تقول لهم؟ بن بيلا ـ أقول لهم إن الحق في الحياة هو أول حقوق الإنسان. وإن حقوق الإنسان إنما هو حق الحياة. يتكلّم كافة الفلاسفة عندنا عن حق الحياة. فأول ما يطمح إليه كل إنسان, هو الحفاظ على الحياة، هو العيش. وواقع الحال أن النظام العالمي, لا يأبه بالحفاظ على هذا الحق. فهو يستغلّ, وهو يقتل. وحين لا يستطيع القتل, يقوم ببناء سجون وحشية. وهي أشكال من الإفراط والمزاعم بإحلال الديمقراطية. لقد أخذت الولايات المتحدة تفعل في أفغانستان والعراق, ما قامت به إسرائيل في فلسطين على الدوام. إنهم يكلموننا عن ديمقراطية إسرائيلية وأميركية. ولكن بأية ديمقراطية جاؤوا وهم يقومون بتدمير كل أمل في الحياة؟ س. ك ـ أنت تتألّم من أجل العراق؟ بن بيلا ـ إيه! العراق بالنسبة لي.. لو تعلمين أنني ذهبت إلى العراق خمس عشرة مرة. (صمت). أوشكت أن أقتل في العراق. إن رؤية ما ألحقوا بالعراق تفوق القدرة على الاحتمال. بتلك البلاد التي هي مهد الحضارة. بدأ الإنسان الزراعة في العراق. وهنالك ولدت البشرية، هنالك وضعت الشرائع الأولى، وهنالك ولدت الأبجدية، وأول قانون وضعه حمورابي. وذلك كلّه جرى تدميره بأيدي قادة جهلاء, وبعمل أمة لا يزيد عمرها عن 250 عاماً من التاريخ, بعد أن كانت مستعمرة بريطانية. لقد أزالوا الاستعمار البريطاني ليقيموا استعماراً على صعيد الكون كله. فما حال الهنود الأمريكيين وتعدادهم 80 مليوناً من البشر؟ لن أعود إلى أميركا أبداً, لأنها بلاد لصوص. س. ك ـ هل ترى أن الحروب التي شنّت في أفغانستان والشرق الأوسط حروب عنصرية؟ بن بيلا ـ تماماً. فهي حروب شنّت على الإسلام وعلى الحضارة العربية. وهذه حقيقة جليّة. فليس بين البلدان الخارجة عن القانون (المارقة) حسب بوش, سوى بلد واحد من خارج حدود البلدان العربية والإسلامية، وهي كوريا الشمالية. أما الأخرى: أي سورية والعراق والسودان وإيران فكلها بلدان إسلامية. قيل إن الحروب الصليبية كانت ترمي لاستعادة قبر يسوع المسيح. وأحياناً أقول للغربيين وأنا أقصد مناكدتهم: أية لغة كان يتكلم يسوع المسيح؟ كان ينطق بلغتي أنا, لا بلغتكم أنتم. كان يتكلم الآرامية مثلي أنا. حين تقرؤون الإنجيل تجدون المسيح يقول: "أيلي, أيلي, لما شبكتني؟" (1) ونحن في الجزائر نقول: "إلهي, إلهي, لماذا سبكتني". إنها الكلمات نفسها التي تفوّه بها يسوع المسيح. كان المسيح يتكلم مثلما أتكلم أنا. والإسلام يأخذ أشياء كثيرة من الإنجيل أو من التوراة، التي جاء ليتممها. إنني أوشك أن أنفجر لشدة ما أرى من ظلم. لقد أساؤوا إلينا كثيراً. لقد أصابونا في كرامتنا. من غير أن نتكلم عن ذلك الشعب الصغير في فلسطين. فكم عدد الفلسطينيين المرغمين على العيش تحت النير الأشد إذلالاً؟ ليس في ردة فعلنا شيء من العنصرية. لكن حسبنا ذلك. فقد أساء الغرب إلينا كثيراً. ألم تقم في الغرب تحديداً أسوأ الجرائم ضد الإنسانية؟ فأين ولدت الفاشية؟ وأين ولدت النازية؟ والستالينية أين ولدت؟ وأين نشأت وتطوّرت مرحلة التفتيش التي دامت 400 عاماً؟ أقول بصراحة إنه يلزمني يومياً كثير من إنكار الذات كي لا أقول في نفسي إنني لا أريد أن أكره الغرب. س. ك ـ ألا ينبغي تجريم القائلين بـ "صراع الحضارات"، والموالين لإسرائيل, بوصفهم على رأس المحرّضين على الحقد ضد العرب وضد الإسلام, ذلك الحقد الذي ينتشر انتشاراً مقلقاً ضد شعوبكم؟ بن بيلا ـ صحيح تماماً. فاللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة شيء مرعب. كان الكلام عنه حتى الآن محظوراً خوفاً من الاتهام بمعاداة السامية. وجاءت مؤخراً عدة دراسات, مدعمة بأمثلة لا تدحض, لتبين مدى الوزن الذي يشكله اللوبي الإسرائيلي على اتخاذ القرارات السياسية والعسكرية ضدنا. وليس من يستطيع اليوم أن ينكر أهمية، ناهيك بخطر, هذا اللوبي الذي يخترق كافة المدارات الاستراتيجية. إنني معنيّ إذن بهذا المظهر للأشياء, الذي يجعل تسوية المسألة الفلسطينية أكثر مشقة. ولسوف أقول لك شيئاً عن الإسلام الذي عرف مشقات كثيرة. إن الإسلام لم يلحق من أذى بلدان أخرى. لقد أظهر الإسلام عبر التاريخ تسامحاً لا مثيل لـه في أي مكان آخر, في حين أن إسرائيل تمكنت من أن تنغرس بالقوة ضمن فضاء وفي مكان كان يسكنه الفلسطينيون ـ وهم شعب من أكثر الشعوب العربية تطوراً ـ وأن تنشئ عن طريق انتزاع أرضهم منهم, دولة عنصرية. وما دامت إسرائيل تنكر على الفلسطينيين حقهم في الوجود, وحقهم في الرجوع إلى أراضيهم, فلن يكون في العالم سلام. (1) المسيح بالآرامية, وهو على الصليب, وتعني: "إلهي, إلهي, لمَ تركتني؟". |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |