|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
الديموقراطيات في العالم أنظمتها ـ تاريخها ومتطلباتها ـــ ت: علي باشا أولاً، ما هي الديمقراطيات، أو الديمقراطية، كلفظة لغوية: إنها مؤلفة من جزئين: "ديمو" وقراطي" فهي بالأصل تعبير أو لفظة يونانية، تعني حكم الشعب بالشعب ومن قبل الشعب، أو حكم الشعب لنفسه بنفسه وهي كما قال عنها المفكر الكبير المرحوم "أنطون مقدسي" في تقديمه للكتاب الذي اعتبرته مرجعاً لبحثي، ولمحاضرتي هذه: "الديمقراطية هي دوماً موضوع الساعة، حتى في الأنظمة الديكتاتورية....." والكتاب يتضمن دراسة تطبيقية لعدد لا يستهان به من أنظمة الحكم الديمقراطية، كما تحققت على أرض الواقع في الغرب الأوروبي، وفي اليابان، وفي العديد من الدول الأخرى. وباختصار فإن الديمقراطية ليست وضعاً يستقر فيه بلد ما مرة ولكل مرة، بل هي تجربة يعيشها كل شعب على طريقته الخاصة، ويتجدد إذا عرف كيف يجددها. وهذا الكتاب، بالنظر لأهميته، عرضه التلفزيون العربي السوري في برنامج كان يبثه، تحت عنوان: "كتاب يقرأ". والأفكار والملاحظات والآراء التي سأوردها، ليست من عندياتي، بل هي مستقاة من هذا الكتاب، وهي تتركز على تنوع صيغ وأشكال الديموقراطية، على شروط قامتها، وعلى الصعوبات التي تعترض نموها وتطورها، أي باختصار على المشكلة السياسية، الماثلة في نهاية القرن الماضي ـ ولا يمكن أن نخفي أو ننكر أن الديموقراطية تظل مثلاً أعلى. وهي ليست حالة، إنها مسيرة صيرورة و تطور، لا تصلح إلا للدولة، ولكنها تبدأ في المجتمع وذلك بالنسبة لليابان، على الأكثر، وبشكل خاص وهي كما سبق وذكرت نظام سياسي، يمارس الشعب بموجبه سيادته بنفسه، دون وساطة عنصر يمثله: (الديمقراطية المباشرة) أو بواسطة ممثلين يقومون بذلك نيابة عنه: (الديمقراطية التمثيلية) وهنالك الديمقراطية المسيحية، وهي حركة سياسية نشأت في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر وهي مستلهمة من عقيدة الكنيسة الكاثوليكية، الاجتماعية. وأخيراً، هنالك الديمقراطية الشعبية، وهي نظام يستند إلى سيطرة الحزب الشيوعي، وعلى تأميم الاقتصاد، وهو الذي أقيم في الاتحاد السوفييتي السابق وفي الدول التي كانت تابعة لـه. بريطانيا ونظام الحكم البرلماني الذي يعتمد الأغلبية أربع أمم في مملكة واحدة، وديمقراطية بلا دستور مكتوب فهي تعتمد على الأعراف والتقاليد المتبعة من أقدم العصور: "إنكلترا ، بلاد الغال بجانبها الغربي، أيرلندا بعيداً في الشمال، مايكوسيا في الشمال أيضاً". وهذه الأمم كانت قديماً مستقلة، تضمها الجزر البريطانية، في إطار دولة اتحادية. ومن أهم المظاهر الديمقراطية في بريطانيا أن المعارضة تظل جديرة بالاحترام، وتلقى الاحترام، فعلاً. وكذلك فإن رئيسها يحظى بالاحترام، فعلاً. وهو، منذ عام 1937 يتلقى راتباً من خزينة الدولة، ويجلس مقابل رئيس مجلس الوزراء في مجلس العموم، مفتتحاً جلسات الاستجواب والأسئلة، يومي الثلاثاء والخميس، ويبدأ باستجواب رئيس الوزراء. يستقبله رؤساء الدول والحكومات الأجنبية وتلاحقه كاميرات التلفزيون. كما أن رئيس الوزراء يستشيره في المسائل الهامة المتعلقة بالدفاع وبالسياسة الخارجية. وهكذا فإن رئيس المعارضة يشكل بمفرده مؤسسة قائمة بذاتها. وهو الرئيس البديل، في حالة نجاح حزبه في الانتخابات، وبجانبه تشكيله من الوزراء، تكاد تكون جاهزة لتسلم مقاليد الحكم في حال نجاح حزبها في الانتخابات، وهي ما تسمى في عرفهم وتقاليدهم، بحكومة الظل. الولايات المتحدة: نظام الحكم الرئاسي والاتحادي تاريخ بلاد لا تاريخ لها، و"الدستور خلق أميركا" الرئيس: مبدأ أحادي الدماغ، أو الدماغ الواحد. والولايات المتحدة هي البلاد الحديثة العهد، لديها أقدم دستور لا يزال ساري المفعول، وهذا الدستور نفسه جمع 13 مستعمرة زراعية لا يتجاوز عدد سكانها ثلاثة ملايين، وأصبح ينظم الحكم في خمسين ولاية متحدة، يربو عدد سكانها على (240) مليوناً. الرئيس يحتل المرتبة الأولى، فهو منتخب من قبل الشعب، بناء على واقع الأمر، وهو يشكل حكومته بكل حرية، ولا يستطيع البرلمان أن يسقطها، ونادراً ما يجتمع مجلس الوزراء، والرئيس يفرض على هذا المجلس قراره بكل حرية. والكثيرون يعرفون عبارة "لنكولن" المشهورة: "سبعة أصوات معارضة، وصوت واحد مؤيد، الواحد يتغلب على السبعة! "فيا لها من ديموقراطية!" الأجهزة الموضوعة تحت تصرف الرئيس: ـ مكتب الرئيس التنفيذي ـ إدارات مختلفة تضم (6000) شخصاً منها (600) في مكتب البيت الأبيض، كمستشارين، و (20 ألف عنصر وعميل في وكالة المخابرات العامة: (CIA) و(14) فقط كسكرتيرين ووزراء. هذا النظام، هل هو مرض؟ من المحتمل أنه كذلك، لأنه يستمر، ويدوم، وربما لم يكن كذلك، لأن الولايات المتحدة لم تقض على ظاهرة العنف في المدن، ولا على التفاوت، وعدم المساواة المتزايدة باستمرار، فمتوسط الأجور، بالنسبة للأسرة لدى (السود) يقل بنسبة (40%) عنه لدى (البيض). ومن المحتمل أن يكون مرضياً، لأن الولايات المتحدة تظل القوة العظمى في العالم. وربما لا يكون كذلك، لأنها لم تستطع التخلص من العجز المزمن في ميزانيتها، هذا العجز الذي يسدده الآخرون، وهي تبقي العالم في حالة مأساوية تزداد عمقاً وخطورة، يوماً بعد يوم، بينما ربع الكرة الأرضية يتحسن مستوى معيشة سكانه بشكل مستمر، وثلاثة أرباع يبقى سكّانها على قيد الحياة، في مستوى معيشة، غالباً ما يظل يتدهور من سيئ إلى أسوأ. ديمقراطية التوافق سويسرا بلاد عقلانية، مشبعة تماماً بالثقافتين اللاتينية والجرمانية، وتنتفي فيها مساوئ وانحرافات الاثنتين معاً. سلطات متآلفة تتسم إجراءاتها بالاستعجال والمشاركة بالإدارة. وسويسرا هي الشكل المناقض لبلجيكا: جماعات مختلفة، ومتعارضة تتعايش فيها بالتوافق: النجاح يعود لعوامل تاريخية، وإلى مؤسسات ذات أصالة عالية، هي التي بررت هذه المكانة التي تحظى بها هذه البلاد الصغيرة. والسلطة تتصف بصفة الاستعجال، وهي في متناول الجميع، إذ أن تدخل المواطنين معترف به، والمواطنون يمارسون بشكل لا يحدث في أي بلاد أخرى. ديمقراطية التوافق: أن سويسرا تمارس ديمقراطية تتسم بكثير من الأصالة بواسطة التوسع بتطبيق مبدأ الاتحاد من جهة وبالأهمية المعطاة للاستفتاء و لاستطلاعات الرأي من جهة أخرى. ويعترف الدستور السويسري بأربع لغات قومية، هي (الألمانية، الفرنسية، الإيطالية، الرومنشية) وبثلاث لغات رسمية: (هي الثلاثة الأولى). والمساواة بين هذه اللغات مضمونة ومعترف بها دستورياً. وثلاثية اللغة ـ استخدام اللغات الثلاثة ـ شائع ومكرس في دوائر الدولة، ومن جهة أخرى فإن "الكنتونات" تتمتع بالاستقلال الذاتي اللغوي، أي أن كلا منها حرة بتحديد اللغات الرسمية المستعملة والسارية المفعول على أراضيها. حكومة الائتلاف: تمتص الديمقراطية السويسرية الخلافات والنزاعات التي تحصل بين الأحزاب، بتنظيم التسويات وإقامة الوفاق فيما بينها ـ وباختصار، فإن نظام الحكم الإداري السويسري، يختلف جذرياً عن النمطين التاريخيين (البرلماني والرئاسي). وللالتزام بما هو أساسي، فهو يعهد بسلطات رئيس الدولة ورئيس الحكومة إلى جماعة (متعددة الأحزاب) مؤلفة من سبعة أعضاء: أي "قيادة وحكم السبعة" بشكل ما. وقد استبعد الاستفتاء لزمن طويل النساء من السياسة، ولكن عن طريق الاستفتاء أيضاً، منحت أغلبية من الذكور حق التصويت إلى النساء سنة 1971. وأخيراً، فليس هنالك أية رئاسة فعلية تدير وتحكم مجلس السبعة، فالمسمى رئيساً للاتحاد يقتصر عمله على ترؤس الجلسات، ولا يتمتع بأية سلطة على زملائه، وعلاوة على ذلك فهو يتبدل كل سنة. ويشرف كل عضو من الأعضاء السبعة على أحد الأقسام الوزارية. وفيما عدا هذه الفروق المذكورة، فإن أعضاء المجلس، أي المستشارين الاتحاديين، متساوون فيما بينهم. الديمقراطية الخاضعة للمراقبة ألمانيا ألمانيا أوروبية لا أوروبا ألمانية! العبارة لـ "توماس مان" الكاتب المعروف تطبيق "هيلموت كول": مستشار توحيد ألمانيا، والاتحاد الأوروبي. ـ دولة مركبة: المبدأ الاتحادي. ـ ديموقراطية تعتمد الأغلبية. ـ ديمقراطية المستشار، زعيم الأغلبية: رئيس الحكومة. هنالك مواطن ضعف تاريخية في جمهورية "ويمار" (وويمار مدينة في ألمانيا الشرقية، تعتبر مركز إشعاع فكري وثقافي حول "غوتيه"، فيها وضع دستور (1919) الذي أقيم بموجبه النظام الجمهوري في ألمانيا. ومواطن الضعف، هذه، فتحت الطريق للنازية، ذات النظام الاشتراكي الوطني، الذي امتدح انتهاك الحقوق الأساسية، ودعا إلى ذلك، ثم قام بتنفيذ انتهاكات لم يسبق لها مثيل ولا يمكن تصورها. وهذا التصرف الذي اتسم بالقسوة، لا يمكن أن ينسب إلى أية سمة من سمات الثقافة الألمانية. وعلى صعيد الحقوق الدستورية بشكل محدد ودقيق، فإننا لا نستطيع أن نفهم الكثير عن نظام الألماني الحالي، دون أن نبين أنه كان من البداية متأثراً بما أصابه من صدمات، وبما بقي فيه من أثر الاشتراكية ـ الوطنية ورغبته بأن يمنع بالوسائل الدستورية قيام أي نظام من ذلك الطراز. الدولة لا ينبغي أن تكون قوية أكثر مما ينبغي، والنظام الاتحادي يتيح حاجزاً واقياً. والسلطة التنفيذية لا يجب أن تكون ضعيفة أكثر مما ينبغي لكي لا يمهد عجز النظام البرلماني الطريق للديكتاتورية. والحقوق الأساسية ينبغي أن تكون مكرسة، وهي بالفعل مكرسة ومصانة، بموجب المادة الأولى في الدستور الألماني لعام 1949: "كرامة الإنسان مقدسة، لا يجوز مسها، وجميع السلطات العامة ملزمة باحترامها وحمايتها". وإسقاط الحقوق الأساسية والحرمان منها، لا يمكن بالطبع أن يصدر عن الحاكمين، فهو يعود فقط لصلاحية القاضي الدستوري، الذي يحدد مدة الإسقاط. وواجب احترام الديمقراطية من قبل الشعب، كما من قبل المواطن. ولكن القانون الأساسي يذهب إلى أبعد من ذلك، بشأن العاملين في الدولة، فهو يطالب المواطن بالالتزام بالديمقراطية، ويفرض عليه النضال في سبيلها. وتحتل السلطة القضائية موقعاً حاسماً في حماية الحقوق الأساسية. دولة مركبة: الاتحاد التعددية الألمانية هي قبل كل شيء جغرافية، إذ إن السلطة مقسمة بين "الحكومة الاتحادية" و"حكومات المقاطعات". والتوزع النظري للصلاحيات يتصف بالأصالة، كما أن تقاسم السلطات يكتسي أهمية كبيرة. وتساهم الأحزاب بتكوين إرادة الشعب، السياسية، وتشكيل الأحزاب وتأسيسها حر، ويجب أن يستجيب نظامها الداخلي للمبادئ الديمقراطية، والأحزاب التي تحاول بموجب أهدافها، أو بناء على مواقف منتسبيها النيل من النظام الأساسي الحر والديموقراطي أو الإطاحة به، أو تعريض وجود جمهورية ألمانية الاتحادية للخطر، فهي تعتبر مخالفة للدستور، وتبت المحكمة الدستورية، بمسألة عدم الدستورية. و تنظم القوانين الاتحادية إجراءات وطرق التنفيذ. وفضلاً عن هذا التوضيح الجديد لممارسة ديموقراطية النضال، فإن جمهورية ألمانيا الاتحادية لديها طريقة للاقتراع تمتاز بالأصالة، ساهمت في تكون نظامها الحزبي. فالنواب ينتخبون لأربع سنوات، بطريقة اقتراع خاصة، غالباً ما تعتبر نموذجاً للاقتراع المختلط، بل مختلط ومزدوج، لأن لكل ناخب صوتين، تؤكد ذلك العبارة التي نقرؤها على بطاقة الاقتراع الخاصة بالناخب الألماني والتي تعني أنه يتمتع بصوتين، فبالصوت الأول يختار الناخبون نائباً بالاقتراع الذي يعتمد الأغلبية بدورة واحدة ـ نصف النواب، في إطار 331 دائرة ـ وبالصوت الثاني يختار الناخب إحدى قوائم الأحزاب المقدمة في إطار كل مقاطعة... وبتعبير آخر، نقول أن الاقتراع من الناحية التقنية نسبي تماماً. وفكرة ديموقراطية النضال تعبر عن نفسها، وتبدو واضحة تماماً، وفكرة "الديموقراطية موضوع النقاش" التي بموجبها يستند النظام الديموقراطي على قيم، يجب حمايتها والمحافظة عليها. والشعب الألماني يعترف للإنسان بحقوق لا يمكن انتهاكها ولا نكرانها مهما طال الزمن، كأساس لكل جماعة بشرية، وللسلم وللعدالة في العالم. اليابان "لا يمكن أن يصبح المرء يابانياً، إذا لم يولد في اليابان، من أبوين يابانيين واليابانيون أساساً، لا يحبون إلا أنفسهم". (م.برات "أول مستكشف فرنسي لليابان، من كتابه: قاعدة اللعب، رقم 6، الصادر في كانون الثاني، يناير، سنة 1992). منذ القرن الثاني عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر، عاشت اليابان تحت متغيرات مختلفة من أنظمة الحكم العسكري، والحكومة يرأسها قائد برتبة جنرال، كبديل ينوب عن الإمبراطور. القابع في "كيوتو"، والذي كانت مهمته تقتصر على الزعامة الدينية. وقد حدث الانتقال والتخلي عن مخلفات الماضي، مع إقطاع ورأسمالية، ومن الحكم العسكري، إلى الحكومة المستنيرة، دون تمهيد أو مقدمات مع حلول عهد "الميجي": (MEIJI) سنة 1868، ولكن ذلك لم يأت بالديمقراطية، فالمرسوم الإمبراطوري الذي صدر سنة 1876 دعا لوضع دستور "على أساس النوعية الخاصة التي تتصف بها الدولة اليابانية". وقد خاضت اليابان الحرب، على التوالي، ضد الصين: (1894 ـ 1895) وضد روسيا: (1904 ـ 1905) وضد ألمانيا: (1914 ـ 1918) وضد الصين، ثانية: (1931)، وضد الحلفاء: (1941 ـ 1945). وعقدت الهدنة، بعد إلقاء القنابل الذرية على "هيروشيما" و"ناغا زاكي" بتاريخ 6 و 9 آب، سنة 1945. كما أن الهدنة لم تكن الاستسلام الذي نظنه، فاليابان طلبت، وحصلت على الاحتفاظ بالإمبراطور، رغم مسؤوليته في النزاع، بينما شنق موسوليني وانتحر هتلر، وغورنغ وأعوانه أدينوا في "نورينبورغ". ولكن "هيروهيتو" ظل مطمئناً في قصره. والدولة اليابانية ظلت قائمة، ولم يحدث أي فراغ في الحكم، ولا أي انقطاع في ممارسة السلطة. ولاقت الرأسمالية نمواً استثنائياً: أكثر من (120) مليوناً من السكان 10% من الناتج القومي الإجمالي العالمي، ولكن هذه الثورة التقنية والتجارية لم ترافقها أية ثورة ديموقراطية حقيقية في المجتمع: فقد أعقبت العائلات الإقطاعية الكبرى، سلالات جديدة من المدراء ورجال الأعمال، الذين حققوا تحت سمع وبصر الجميع المعجزة الاقتصادية اليابانية الكبرى، إنها سلالة رجال الحكم، نفسها. والديموقراطية، في اللغة اليابانية تتوافق مع "السلمية" أي مع مبدأ التمسك بالسلام، في بلاد تسودها نزعة عسكرية قوية. ونهاية الحكم العسكري تتوافق مع القبول بقيام إمبراطورية برلمانية. والشعب الياباني الطامح بصدق إلى السلام العالمي القائم على العدل والنظام، يتخلى نهائياً وإلى الأبد عن الحرب كحق من حقوق سيادة الدولة، وعن التهديد أو استخدام القوة كأداة لحل الخلافات الدولية. ثلاثة ملايين قتيل في حرب المحيط الهادئ: (1941 ـ 1945) وقد امتنعت اليابان بعد ذلك، وعلى الدوام، عن صنع الأسلحة والمعدات الحربية، وعن الاحتفاظ بها أو تصديرها. وهي تحتفظ بقوة صغيرة للدفاع المشروع، لا تملك أية أسلحة هجومية ولا يجوز أن تغادر قواتها العسكرية البلاد. (بموجب الدستور) الاتجاه نحو الغرب وتبني مبادئه وأساليبه حقاً أن الديموقراطية الليبرالية قد أدخلت إلى اليابان في حقائب الجنرال "ماك أرثور" ولكنها نوقشت وأقرت من قبل مجلس تشريعي، ثم صدقت و نشرت بمرسوم إمبراطوري، وأكثرية اليابانيين تريدها، بعد أن هيأتها الحركة الديموقراطية، في أواخر القرن التاسع عشر، وقد لاقت القبول، منذ ذلك الحين، لدى الجماهير الواسعة. والإمبراطور من جهته، تابع مسيرة الحياة بعد الهزيمة، ولكنه اعترف بموجب تصريح رسمي، أصدره بتاريخ الأول من كانون الثاني، سنة 1946، بأنه ليس سوى رجل. ولم يعد "هيروهيتو" شخصية مقدسة: "رجل اله" ومصدر جميع السلطات، ولم يعد منذ ذلك الحين سوى: "رمز الدولة، ووحدة الشعب". اقتبس الدستور الياباني عن الولايات المتحدة مراقبة دستورية القوانين، المسندة إلى المحكمة العليا. ونص الدستور على برلمان مؤلف ممن مجلسين: مجلس الناب (512) عضواً، لأربع سنوات، ومجلس المستشارين (252) عضواً لست سنوات، مناصفة كل ثلاث سنوات. والحدود بين عالم الأعمال وعالم السياسة قد أزيلت، ويدير معظم نواب الحزب الذي يتولى الحكم بعض الشركات والمشاريع. ورجل السياسة يعمل كوسيط لدى الدوائر البيروقراطية. والوزير العادي يكون عادة شريكاً بمائة شركة، على وجه التقريب. ورئيس الوزراء "تاناكا" الذي سقط في قضية رشوة من شركة "لوكهيد" ضرب رقماً قياسياً في هذا المجال، بارتباطه بـ (475) شركة. سيطرة الزمر المنشقة والأجنحة يصادر المحافظون السلطة ويحتكرونها تحت سمع الناخبين وبصرهم وهم يتأملون دوران الأجنحة الحزبية وتعاقبها على الحكم. والحزب الليبرالي ـ الديموقراطي تكون في عام 1955، من انصهار حزبين محافظين وكان المحافظون قد احتلوا الحكم لفترة تقرب من نصف قرن، حتى سنة 1993. والحزب المذكور سابقاً يكاد يكون وحيداً من جهة، ومن جهة أخرى، فهو لا وجود له: فليس لـه رجلان، ولا رأس ولا جسم. ليس لـه جسم، "لأنه ليس سوى مكتب لتسجيل كبار رجال وأرباب العمل، الذين يمدونه بالمساعدات المالية للمحافظة على بقائه". وليس لـه رأس، فهو يضم من الزعماء بقدر ما يشمل من أجنحة ومجموعات، وليس لـه رجلان إذ لا وجود لـه على الأرض، لأن "الكوينكي" تقوم مقامه، وهي جمعيات ومنظمات للدعم والتأييد يؤسسها كل منتخب لتضم مختلف قطاعات السكان. إيطاليا النظام البرلماني وحكم الأحزاب السماء تمطر، يا حكومة اللصوص، والسفينة تمخر عباب اليمّ... 1 ـ مظاهر العجز: السلطة غير مخصصة: الجهاز التنفيذي مهمش الجهاز التشريعي مجزأ السلطة مقيدة: حكم الأحزاب واضح ومنتشر في كل مكان ومجال نظام حكم أحادي منحل. 2 ـ مظاهر النجاح في نطاق المؤسسات: الرئاسة التحكيمية الاستفتاء مطوع أو غير مراقب السياسيون: استقرار القادة والحاكمين فعالية وحرية. السلطة التنفيذية مهمشة: السلطة ليست مخولة أبداً لأحد من قبل الشعب: فلا رئيس منتخب من قبل الشعب، ولا رئيس وزراء يعينه الشعب بالواقع. وليس هنالك تناوب على الحكم، والحكومة ليست مزودة بأية أسلحة كي تحكم. ولا تحقق الحكومة وجودها تماماً، ولا تستطيع العمل والتصرف، فيما عدا تصريف الأمور الجارية واليومية، إلا بعد الحصول على ثقة البرلمان. السلطة مقيدة: تنبع السلطة من الأحزاب أكثر مما تنبع من الشعب، وهي تعود لقادة الأحزاب أكثر من كونها تعود لممثلي الشعب. حكم أحزاب شديد الوضوح الحكومة ضعيفة، ولكن بطانة الحكومة قوية، فالأمور الأساسية في السياسة الاقتصادية لا يقررها الوزراء، بل يقررها حيز من السلطة السياسية يكمن في الظل، تمسك به هيئات عامة أو قريبة منها يشرف عليها مسؤولو الأحزاب. والمناصب تشترى لكي تدر الأرباح، لأنها يجب أن تؤمن للأحزاب. والمناصب تشترى لكي تدر الأرباح، لأنها يجب أن تؤمن للأحزاب الموارد المالية التي تحتاجها لكي تحافظ على كيانها، وتكسب الدعم والتأييد. (والوفاق بضاعة تشترى كالبضائع الأخرى). وكان "ميتسي"، "ملك" الصناعات البترولية، والهيدروكاربور، يقول بكل برود، أنه كان يستخدم بعض رجال السياسة أو الأحزاب، كما يستخدم المرء سيارة الأجرة (التكسي) ويدفع أجرة المشوار لإيصاله من مكان إلى آخر. الرئاسة التحكيمية للرئيس امتيازات كثيرة، تمارس جميعها بعد موافقة رئيس مجلس الوزراء، ولقاء توقيعه، وهذا ما يحدد بصورة فريدة وغريبه الاستقلالية الرئاسية، والرئيس يؤدي، مع ذلك بصورة جيدة، الوظيفة التحكيميّة الضرورية فوق الانقسامات والخلافات الحزبية، وحيال سوء سير العمل في دوائر الدولة، أو لمعالجة المشاكل والصعوبات التي تلاقيها أثناء عملها. فالرئيس الإيطالي يبدو وكأنه: "نصف ـ ملك" رمزي و "نصف ـ وسيط"، يحتل أحياناً النقطة المركزية في نظام متفجر جداً. الملكية الديموقراطية إسبانيا (قسم ولاء "الجينراليتا"، القادة العسكريين، لملوك "آراغون" في القرن الخامس عشر): "نحن الطيبين مثلكم، نقسم لكم، أنتم الذين لستم أفضل منا، أن نقبلكم كملك لنا، وسيد علينا، شريطة أن تحترموا حرياتنا وقوانيننا إلا فلا..." الملكية والتحول الديموقراطي إعادة توطيد الديموقراطية في إسبانيا نتجت عن مفارقة مزدوجة: ـ المفارقة الأولى ألغت التناقض، بل التنافر التقليدي بين الديموقراطية والملكية. ـ والثانية تنتج عن أن الملك، أي ملك إسبانيا، وهي موضوع حديثنا، كان قد اختير من قبل الحاكم الفرد (الديكتاتور)، وأن الديكتاتور هو الذي أشرف على تربيته، وهو الذي أجلسه على العرش، آملا أنه بعمله هذا، يعمل على استمرار ودوام شكل من أشكال الحكم الاستبدادي، لا على إلغائه، وإقامة ديموقراطية تامة. ولكن، كما تقول الأمثال: "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن". وقد أوضحت الأحداث بجلاء، أصالة ذلك التحول من الديكتاتورية إلى الديموقراطية. فقد أراد الملك إقامة الديموقراطية، سنة 1976، وقد ساعدته في ذلك القوى السياسية الديموقراطية، بالكف عن مطالبتها بالجمهورية، أي بنظام الحكم الجمهوري، وليس الملكي. مع أن المطالبة بنظام الحكم الجمهوري كانت مادة أساسية في برنامجها وفي تاريخها. ولنذكر أن المعادين لفرانكو كانوا يسمون أنفسهم: "جمهوريين". والملك، دون أن يكون مسروراً جداً لأنه أراد الديموقراطية، فقد أنقذها في ذلك اليوم من شهر شباط، سنة 1981 عندما هاجم جنود انقلابيون، تحت نظر الكاميرات، مبنى البرلمان، والحكومة التي كانت آنذاك في المجلس، للحصول على الثقة. فكان الملك هو الملجأ الوحيد في ذلك المساء. فناشد الجيش على شاشة التلفزيون أن يظل وفياً للديموقراطية، وهذا ما فعله الجيش، منصاعاً لنداء الملك، ومحولاً بذلك، الانقلاب المحتمل إلى مجرد مسرحية. وطويت الصفحة عندما حصل التناوب على الحكم بصورة هادئة، وأتى الاشتراكيون إلى الحكم وهم الذين كانوا يخوضون فيما مضى حرباً أهلية ضد أنصار الديكتاتور "فرانكو". وترأس "فيليب غونزاليز" حكومة البلاد لمدة تزيد على عشر سنوات، و"خوان كارلوس الأول" باق ملكاً على إسبانيا. والحقيقة، هي أن الأمور سارت أحياناً على هذا الشكل في المملكة المتحدة (إنكلترا) وفي بلجيكا وهولندا والدانمارك، في النرويج والسويد. والحقيقة أيضاً هي أن الجمهورية (أي نظام الحكم الجمهوري) لا تحظى بالأغلبية بين الدول التي تشكل الاتحاد الأوروبي (وكان عددها آنذاك اثني عشر دولة). ولكن تواجد وتعايش ملكية دستورية مع ديموقراطية برلمانية. هي قصة قديمة، وثمرة لتحولات هادئة. والحقوق والحريات المعترف بها مستوحاة، قبل كل شيء من الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان، والحريات الأساسية السارية المفعول منذ سنة 1953. وكذلك هي الحال بالنسبة لتكريس المساواة أمام القانون: "دون أي تمييز بسبب المولد، العرق، الجنس، الدين والرأي أو أي وضع أو ظرف شخصي أو اجتماعي، فالمادة 14 في الدستور تشكل هنا صدى للمادة 14 في الاتفاقية المذكورة. والحقوق الأساسية والحريات يمكن أن يطالب بها كل مواطن أمام المحاكم العادية، أو باللجوء إلى تقديم شكوى: AMPARO أو اعتراض إلى المحكمة الدستورية. ونظام الحكم الإسباني نظام برلماني أحادي، فرئيس الدولة، وهو الملك لا يقوم إلا بدور رمزي رغم أهميته، والمجلس الأدنى (مجلس النواب) يمسك بالسلطة الأصلية، ويحدد وجود رئيس الحكومة فهو إذن يتحكم بالسلطة التنفيذية. والنظام ذو مجلسين غير متساويين في السلطة والنفوذ. ورئيس الحكومة ليس أعزل حيال السلطة التشريعية فهو يتمتع أيضاً ببعض الوسائل داخل السلطة التنفيذية. وهو يشكل حكوماته ويحلها. وهو يقود عمل الحكومة، حسب تعبير الدستور الفرنسي لعام 1958 وهذا اقتباس من الجانب الآخر لجبال "البيرنيه" (أي من فرنسا). استقطاب الأغلبية يتيح الاستقرار على رأس الحكم. وهكذا، فبفضل ملك مستنير، وبفضل الحكم البرلماني الموزعة فيه الصلاحيات بشكل عقلاني، وبفضل النسبية المعدل، وبفضل استقطاب الناخبين، فقد نجحت إسبانيا بتحقيق معجزة الانتقال من الحكم الديكتاتوري، والفاشي الجديد، إلى ديمقراطية الأغلبية. فرنسا يقول "ماكس ويبير"، وهو عالم اقتصاد واجتماع ألماني، ولد في "أرفورت" (1864 ـ 1920) مؤسس علم اجتماع أطلق عليه اسم: "علم الاجتماع المتفهم والمتسامح" "لا يوجد سوى خطيئتين في السياسة: عدم الدفاع عن أية قضية. وعدم شعور المرء بمسؤوليته". ويقول "بول فاليري": "أن الثورة أية ثورة تعمل في يومين عمل مائة سنة، وتفقد في سنتين عمل خمسة قرون". والحديث عن فرنسا، وعن الديمقراطية فيها يطول ويطول، وهو ذو شجون ففيها اندلعت الثورات وليس ثورة واحدة، وهي التي أرست أسس الديموقراطية، وأعلنت شعاراتها المعروفة، ونادت بالحرية، بالمسواة وبالإخاء بين المواطنين كافة. فمتى بدأت الثورة في فرنسا؟ قانونياً، فلسفياً وسياسياً، لا يدع الجواب مجالاً للشك: يوم 17 حزيران سنة 1789. في ذلك اليوم حولت طبقة الشعب الوسطى "البورجوازية" المجلس السابق: (LES ETATS GENERAUX إلى جمعية وطنية. وكانت تمثل 24 مليون فرنسي من أصل 25 مليون. ومتى انتهت الثورة؟ هنا تبرز الصعوبات فالثورة لم تنته، هذا ما يؤكده بعض المفكرين. والسؤال المطروح لا يتحدد موقعه مع ذلك، على صعيد الفلسفة السياسية لأن الوفاق بين الديموقراطيين يمكن أن يحصل دون صعوبات كثيرة على لا نهائية الديموقراطية. فمن وجهة نظر التاريخ، إنما ينبغي الإجابة على السؤال. وهناك عدة خيارات متاحة، وقد أوجزها جيداً "فرانسوا فور" في كتابه الرائع: "الثورة 1770 ـ 1880"، فهو يوقف الثورة عند انهيار حكم "نابليون بونابرت"، أو عند تسلمه الحكم، أو حتى عند سقوط "روبسبيير". والتحديد الصحيح للتاريخ يتعلق بالخيارات السياسية لمن يضع التاريخ. ومهما كان الأمر، فإن "فرانسوا فوري" محق عندما أكد أن مكسبين أساسيين للثورة قد كرسا بحيث لم يعودا موضع جدل أو نقاش، منذ مطلع القرن التاسع عشر، وهما: المساواة المدنية، التي تقع على أقصى بعد من الطوائف والتجمعات والطبقات والامتيازات التي كانت سائدة في النظام القديم. والدولة الإدارية المركزية، مع وضع دستور فرنسا الإداري. والثورة قد أضافت مساهمة حاسمة في انتصار فكرة الدستور، وذلك لأنها أرست أسس الديموقراطية الحديثة. ولذلك لابد لنا من أن نترك الثورة الفرنسية بما فيها من ملابسات. فكل ذلك قد أطلع عليه بالتفصيل كل من قرأ تاريخ فرنسا. أما الديموقراطية الحاكمة، فقد أشير إليها في كثير من الأحيان، وقد حان الوقت لإيضاح هذا المفهوم بجلاء. فهو يحيطنا علماً باستحالة تحقيق الديموقراطية المطلقة، أي ممارسة السلطة بشكل دائم وبصورة مباشرة من قبل الشعب. والفيلسوف الفرنسي الشهير "جان جاك روسو" وهو الديموقراطي الأشد تأييداً للديموقراطية المطلقة، قد شعر بذلك. لأنه كان يميز. على الأقل الوظيفة التنفيذية عن الوظيفة التشريعية. وكان يوافق على أن الشعب بإمكانه. بل ومن واجبه، برأي "روسو" ممارسة الوظيفة الثانية، ولكن ليس الأولى، وأن: "شعبا من الآلهة، هو وحده الذي يمكنه أن يحكم نفسه بنفسه بصورة ديموقراطية". والناس الذين بلغوا حد الكمال، يمكن أن يكونوا قادرين على أن يقرروا ليس بعض القواعد العامة وحسب، بل والتطبيق الخاص الذي يتفق مع المصلحة العامة، والتخلي عن مصالحهم الخاصة. ومع ذلك، فإن الديموقراطية تعاني هنا وهناك من مرض آخر مستوطن، فأولئك الذين يمارسون السلطة لم يعودوا يقدمون حساباً عن أعمالهم وتصرفاتهم. حقاً أن الناخبين، عند انتهاء مدة الولاية، يصدرون حكمهم بحق السياسيين المسؤولين، وعلينا أن نركز على جودة وسمو هذه المسؤولية الأساسية الخاصة بالديموقراطية التي تحظى بالأغلبية، وفي ديموقراطية حكم الأحزاب التي تعتمد مبدأ النسبية، ينتفي طرح مسؤولية الحاكمين أمام المحكومين. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |