مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 26 السنة الثامنة 2006
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الآن... وإلا ـــ عصام خليل

هل تتوجه الولايات المتحدة الأمريكية لتدشّن، رسمياً، عصر الحروب العربية ـ العربية، بعد أن انتهى عصر الحروب العربية، الإسرائيلية؟‏

وهل تكون هذه الحروب البديل الأقلّ كلفةً، بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية من حروبها الاستباقية، التي اصطدمت بمقاومة عنيفة في أفغانستان والعراق، ومنيت بفشلٍ ذريع في لبنان؟‏

لم يعد بوسع الإدارة الأمريكية تجاهل الانتقادات المتزايدة لسياساتها من قبل حلفائها وأعدائها على حد سواء؛ ولاسيما أن نظرية الحروب الاستباقية، التي جرى اعتمادها رداً على حادث اعتداء /11/ أيلول، لم تستطع أن تقدم للعالم دليلاً واحداً مقنعاً على وجود رابط، مهما كان بسيطاً، بين ضحايا هذه الحروب، وبين جناة الحادث!!‏

وبعكس ما كانت الإدارة الأمريكية تأمل من حروبها المزعومة على الإرهاب، فقد ارتفعت، بنسبة مخيفة، العمليات الإرهابية في أماكن مختلفة من العالم، وأصبح الحديث عن الإرهاب، والتخوف من وقوعه، خبزاً يومياً في الإعلام الغربي عموماً، والأمريكي خصوصاً، ما أسهم في تصاعد حدة الرفض لسياسات أنتجت عكس ما زعمت أنها تتوجه لتحقيقه! وأدرك دافع الضرائب الأمريكي أن أمواله، ودماء أبنائه، تستثمر لزيادة أرباح شركات احتكارية عملاقة، يعمل في مجالس إدارتها أكثر المتحمسين لشن هذه الحروب!‏

ومع الأخذ بعين الاعتبار أن عامل الوقت المتاح أمام إدارة بوش، أصبح ضاغطاً بما يكفي لتجاوز بعض النقاط التفصيلية، فلم يعد أمام المحافظين الجدد، في إطار تنفيذ مشروعهم، سوى الإسراع في صنع هذه الحروب محلياً، بدلاً من تصديرها، والتورط في مستنقعاتها؛ علماً أن الحروب الداخلية لم تكن بعيدة عن تفكير المحافظين الجدد، بل لعلها العمود الفقري لمشروعهم، إلا أن نقاط استناد عسكرية، كانت أساسية، بالنسبة لهم، لتفجير هذه الحروب.‏

والواقع أن السياسة الأمريكية دفعت بعيداً باتجاه التفجير الداخلي في عدد من الأقطار العربية، تمهيداً لاندلاع حروب أهلية، تؤدي إلى تفتيت بنية هذه الأقطار، على أسس طائفية وعرقية، وبما يتوافق مع الجغرافية السياسية المرسومة في مشروع الشرق الأوسط الجديد؛ وعلى أن تحمل الصيغ الجغرافية الجديدة، في طبيعتها وتركيبتها، عوامل الصدام مع الآخر المجاور، وتنطوي على قابلية التفجير الداخلي، من خلال وجود أقليات يمكن تحويلها إلى قنابل اجتماعية موقوتة، وتفجيرها عندما تقتضي الظروف السياسية اللاحقة.‏

وإذا كان العراق نقطة استناد عسكرية، وضحيةً أولى لهذا المشروع الاستعماري الجديد، فإنه، في المشهد العام، حلقة في سلسلة متوالية تمتد من إيران في آسيا، إلى السودان في أفريقيا؛ لكن أهمية العراق تكمن في قابليته المفترضة لتصدير حروب إقليمية، إثر خلخلة النسيج الاجتماعي الذي يكوّن طبيعته الديمغرافية. وسيكون سقوط العراق في فخ التقسيم، سقوط الحجر الأول في لعبة "الدومينو"، الذي سيؤدي إلى انهيار المبنى بما فيه، على من فيه!.‏

فالعراق الذي يضم أعراقاً متعددة، وطوائف مختلفة، استطاع، بتجربته الإنسانية العميقة، وإرثه الحضاري، أن يصهر هذه المكوّنات جميعها في هوية واحدة؛ إلا أن الغزو العسكري الأمريكي، والمذابح المتبادلة التي ينظمها، ويشجعها، جعل التناقضات بين مختلف شرائح المجتمع العراقي تطفو على السطح؛ وأخذ الاصطفاف الطائفي والقومي يشكل مفردات الخطاب السياسي لعدد من القوى والأحزاب، تتحكم بسلطة القرار في العراق، وبدأ التمهيد القانوني في المؤسسات الدستورية لإقرار تقسيم العراق؛ الأمر الذي يضع العرب، وإيران، وتركيا، أمام حقيقة وجديّة الخطر الداهم الذي يهدد الجميع بلا استثناء. لأن تقسيم العراق إلى كيانات شيعية في الجنوب، وسنيَّة في الوسط، وكردية في الشمال، سيؤدي، بطبيعته، إلى زعزعة الاستقرار، وسيتحول إلى عامل قلق وتوتر في المنطقة.‏

فهل سيكون بوسع إيران وتركيا وسورية السكوت عن توجهات الدولة الكردية المزمع إنشاؤها، إلى التوسع والاستيلاء على مزيد من أراضيهم، على أساس "استعادة" أرضها؟ وكيف ستتم مجابهة هذه الأطماع في ظل تحريض ومساندة أمريكية إسرائيلية، و"تفهم" أوروبي؟‏

هل ستقبل المملكة العربية السعودية بوجود دولة شيعية على حدودها، ترتبط مع إيران بعلاقات ولاء من شأنها التأثير سلباً على ترابط النسيج الاجتماعي في المملكة، والخليج العربي برمته؟‏

هل تستطيع سورية التعايش مع وجود دولة ذات طبيعة طائفية على حدودها، وهي التي تحمل وتتبنى الخطاب القومي، الذي لا يعترف إلا بالعروبة مرجعية واحدة ووحيدة لأبناء الشعب العربي من المحيط إلى الخليج؟‏

ومع التذكير بأن لبنان هو المرشح الأكثر قابلية للتفجير الداخلي، بعد العراق، بسبب عدة عوامل، أهمها توفر أدوات سياسية تحتكر مركز القرار فيه، وتعمل بالتنسيق مع السفارات المختصة، لتدويل الأزمة اللبنانية، باتجاه استقرار المشروع الأمريكي سياسياً، بعد سقوطه عسكرياً؛ فإن استطراد الأسئلة يتصل بمنعكسات هذه المسألة على الداخل الفلسطيني، وعلى الوضع في الأردن، ومصر التي سوف تستقبل، قريباً جداً، آثار العدوان الأمريكي على السودان بذريعة أزمة دارفور!‏

إن الإجابة الوحيدة على هذه التساؤلات، هي دوامة من العنف تعصف بالمنطقة كلها، تندلع بفعل التحريض الأمريكي، وتتحرك، لاحقاً، بقوة الدفع الذاتي، وبفعل عامل الجذب الذي يشكله استقطاب النسيج الاجتماعي في كل دولة، لمثيله من الدول الأخرى، بما يدخل الوطن العربي في سنوات من الحروب لا تنتهي إلا بانتهاء النفط، وغيره من الثروات، وملايين الضحايا، وعودة العرب قروناً أخرى إلى الوراء، وتنصيب إسرائيل مندوباً أمريكياً سامياً لدى القبائل العربية!‏

ولعل البعض يرى فيما ذكرناه تشاؤماً مبالغاً فيه، إلا أن معطيات الواقع تقودنا إلى القناعة، بأنه ما لم يتم التعامل مع هذا الواقع بما يقتضيه من الوعي والجرأة، فإن القادم أدهى وأمرّ.‏

ولربما كان في جهد عربي مخلص، في إطار الجامعة العربية، إمكان استعادة مفاتيح الأبواب العربية، وسد منافذ الخطر، على أساس الإصرار الكامل على انسحاب الاحتلال الأمريكي من العراق، وفق جدول زمني محدد، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، لا تنفي أحداً، ولا تعطي أحداً أكثر مما يستحق، والتعهد الحاسم والصادق بمقاطعة أي إقليم ينفصل عن العراق، والتنسيق مع إيران وتركيا لبلورة توجه سياسي مشترك، يأخذ التهديدات المحتملة بعين الاعتبار، والعمل لدى الأمم المتحدة لاستبدال القوات الدولية والأفريقية في دارفور بقوات عربية، يتم تشكيلها بالاتفاق مع السودان، من أجل إغلاق منافذ التدخل الأجنبي في الشأن العربي نهائياً؛ إضافة إلى احتواء الأزمة في لبنان عبر إشراك جميع قواه السياسية في مشروع وطني عروبي، يساهم في استقراره، ويعزز وحدته، ويساند مقاومته، ويحوله من نقطة ضعف إلى عامل قوة واستقرار. ومهما يكن الجهد العربي، أو التوجه السياسي العربي الجماعي نحو حل المشكلات العربية، داخل البيت العربي، فإن عليه أن يبدأ الآن، الآن... وإلا!!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244