|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
مستشرقو القرن التاسع عشر وجذور النزعة الاستيطانية في الجولان ـــ تيسير خلف حظي إقليم الجولان باهتمام كبير من قبل المبعوثين والمستشرقين الغربيين، الذين جالوا ودرسوا بلادنا في القرن التاسع عشر، ذلك القرن الذي شهد ظهور المشروع الاستعماري الغربي الطامح للسيطرة على العالم القديم، وعالمنا العربي بطبيعة الحال جزء أساسي من ذلك العالم. فبعد فشل حملة نابليون على بلاد الشام وتوقفها عند أسوار عكا، بدأت حمى التنافس الاستعماري بين بريطانيا وفرنسا، وكان لابد من دراسة هذه البلاد وإرسال التقارير عنها من قبل المبعوثين والجواسيس تمهيداً لعقد الصفقات مع تشكيلاتها الاجتماعية المختلفة، وخلق الحلفاء والموالين من زعماء العشائر والطوائف لباريس أو للندن كخطوة سابقة على التدخل المباشر ووضع اليد عليها بعد اقتسام تركة "الرجل المريض"، أي السلطنة العثمانية، التي تأجل الإجهاز عليها نهائياً قرابة نصف قرن، لحين تقاسم التركة بشكل متفق عليه بين الدول الاستعمارية الصاعدة آنذاك، وهي بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية. بعد حملة نابليون تنقسم الدراسات الاستشراقية الاستكشافية وأخبار الرحلات التي تناولت الجولان في القرن التاسع عشر إلى أربعة أقسام، قسم أعده مغامرون وجواسيس بهدف معرفة هذه البلاد المرشحة للاستعمار بعد حملة نابليون، وقسم أعده رجال أصوليون بروتستانت كان هدفهم الأول والأخير إثبات صحة الجغرافيا الكتابية (التوراتية)، أو باحثون أكاديميون كان هدفهم البحث عن جذورهم الصليبية في بلادنا، وقسم ثالث أشرف عليه مهندسون وضباط عسكريون اهتموا بالخرائط والمعطيات الطوبوغرافية، ومهدوا بشكل أو بآخر للاستعمار الغربي لمنطقة المشرق العربي عموماً، ثم للاستيطان الصهيوني في الأراضي المقدسة لاحقاً. أما القسم الرابع والأخير، فهو تلك المجلدات المزينة بالرسوم الشاعرية، التي يغلب عليها الطابع السياحي الديني المسيحي. وتتميز تقارير ومفكرات ورسائل سيتزن، والتي جمعها ونشرها البروفيسور فريدريك كروزة في برلين عام 1854 في أربعة مجلدات، بمعلوماتها الغنية والطريفة. فقد وصف لقاءاته مع أصحاب الأملاك والباعة المتجولون والخدم، وروى حوادث شاهدها في الأسواق والحانات، ولكن هذه التقارير والمفكرات في الوقت نفسه تفتقر إلى الترابط المنطقي، فمن الممكن أن تقرأ معلومة تخص مدينة الدرعية في هضبة نجد ومحمد بن عبد الوهاب في سياق حديثه عن جبل الشيخ في بلاد الشام. والسبب في ذلك انه لم ينسق معلوماته ولم يعدّها للنشر، وربما كان ينتظر فرصة سانحة إلى أن ينتهي من رحلاته بشكل نهائي كي يتفرغ للصياغة والتحليل، ولكن القدر لم يسعفه. وتعد اكتشافات الدكتور أولريخ سيتزن ومفكراته ورسومه التخطيطية وثيقة مهمة ومرجعاً لكل المستشرقين الغربيين الذين أتوا بعده. وقد تميز بشيء من النزاهة التي افتقر إليها الكثير من المستكشفين اللاحقين. ولعل المثلبة الكبرى في منهجه اعتماده "الكتاب المقدس"، بعهديه القديم والجديد، كدليل في قراءته لتاريخ وآثار المنطقة، إلا أنه لم يخضع كلياً للمفاهيم الكتابية (التوراتية) ونجده قد حكّم عقله في تحليل الكثير من الوقائع التي عاينها بنفسه. والمهم أنه كان لا يحمل مشاعر مغالية في عدائها لأهل البلاد الذين احتك معهم في رحلته، رغم انزلاقه إلى هذا المنزلق في بعض المواضع، عندما تحدث عن نزوع فطري للسلب لدى البدو!. وقد سيطرت على سيتزن طوال رحلته مشاعر الحذر والتوجس والأفكار المسبقة، وهي مشاعر مستمدة من المخيال الغربي حول الشرق، والذي ساهمت في تشكيله الأدبيات والمفاهيم الموروثة من الحروب الصليبية وأفكارها المغلوطة عن بلادنا. ويمكن استخلاص الكثير من المعطيات التاريخية والجغرافية والسياسية والاجتماعية المتعلقة بالجولان قبل قرنين من الزمان من خلال هذه الرحلة القيمة. ولعل النتيجة التي نصل إليها بعد قراءتنا لهذه الرحلة، هي أن الفعاليات الاجتماعية والسكانية التي يتحدث عنها هي نفسها التي كانت موجودة قبل الاحتلال الإسرائيلي للجولان عام 1967. جذور العنصرية الاستعمارية بعد سيتزن زار الجولان رحالة سويسري عمل جاسوساً للانكليز اسمه جون لويس بوركهاردت. غير أن سيرة هذا الرجل الذي اعتنق الإسلام ووضع تقارير منصفة عن إنسان بلادنا أثارت حفيظة بعض المستشرقين الذين انتقدوا انحيازه للعرب وإنصافه لهم، حيث يقول القس والمستشرق الأميركي دابليو. م. تومسون صاحب الكتاب الشهير "الأرض والكتاب" الذي طبع منتصف القرن التاسع عشر : " ويدهشني أن أجد سادة عقلاء ومثقفين بدرجة عالية من المدافعين والمادحين للبدو. فبوركهارت كان علامة ومؤلفاً صريحاً غير معقد، ومع ذلك يبدو وكأنه قد أسرته شخصية وعادات هؤلاء العرب المتوحشين.." وحسب وجهة نظر تومسون هذا فإن العرب "أمة من الكذابين الشاملين واللصوص وقطاع الطرق، وفيهم كل الشرور التي يجب أن ترتبط دائماً بحياة خشنة كهذه. كما أنهم جبناء وخسيسون... ووفقاً لشخصيتهم ككل فإنهم يمارسون الطغيان على النساء اللواتي هن عبداتهم، في الحقيقة، وعليهن أن يقمن بجميع أعمال الكدح القاسية الوضيعة الملازمة لطراز حياتهم، فالرجال يتسكعون بكسل في أرجاء الخيمة ويدخنون ويشربون القهوة ويمارسون ألعاباً تشابه النرد ولديهم أنواع كثيرة منها. إنهم قذرون بشكل مريع ورائحة فمهم كريهة وغير متعلمين إطلاقاً ومتكبرون للغاية. فضائلهم ذاتها رذائل، أو أنها مشوبة بأنانية بغيضة. وهكذا الأمر بالنسبة لفضيلتهم الوحيدة التي يتفاخرون بها ألا وهي الكرم. إنها مجرد تنظيم اجتماعي، ودون وجود شيء من هذا النوع لا تستطيع هذه الجماعات من قراصنة البر أن تواصل مهنتها البغيضة ـ لا تستطيع حتى أن تعيش. لنترك، إذن، كل هذا الحديث المثير للغثيان حول الشخصية الوحشية لهؤلاء البرابرة الوقحين! فهم قد يحولون الجنة نفسها إلى برية خاوية في خمس سنوات، وليس هناك حكومة متحضرة تستطيع أن تتحملهم أو يمكن أن تتحملهم ليوم واحد. وهذا أمر يعرفونه جيداً، ومن ثم تجد لديهم خوفاً شديداً وغيرة من الزيادة المستمرة للنفوذ الأوروبي في هذا البلد. وهم لا يترددون بالقول إنه عندما يصبح هذا النفوذ مهيمناً عليهم أن يرحلوا إلى الأبد. وهذا ما سيحدث بالتأكيد، وسوف يبهجني أن أشهد تحقيق أسوأ مخاوفهم. ولن يكون بالإمكان إحياء هذه الأرض الجميلة الخصبة قبل أن يحدث ذلك". ولعل الكلمات الأخيرة التي كتبها تومسون أثناء تجواله في جنوب الجولان، تفضح حقيقة المشروع الذي يسعى هو ومن أرسله لتحقيقه، أي طرد العرب عن هذه البلاد، وجلب شعب آخر "لإحياء هذه البلاد الجميلة"!!، وهي الفكرة نفسها التي انطلقت منه الايدولوجيا الصهيونية اليهودية بعد ذلك بنحو نصف قرن. ولا نبالغ إذا قلنا إن جذور هذه الفكرة موجودة في كتاب رحلة إربي ومنغلز الضابطين البريطانيين اللذين استكشفا المنطقة بحثاً عن طريق بري إلى الهند، حيث نلحظ في نص إربي ومنغلز حول الجولان حضوراً كبيراً للمؤرخ اليهودي جوزيفوس فلافيوس، وغياباً شبه تام لأي معلومات عن السكان والأحوال الاجتماعية، باستثناء ينابيع الحمة، فكأنهما يطوفان في أرض خالية من أهلها. وهذا الموقف الاستعلائي يعبر بشكل واضح عن الغاية الحقيقية التي قادتهما إلى هذه البلاد، فلم يكن هدفهما استكشاف تاريخ وآثار "الأراضي المقدسة" والإطلاع على أحوال أهلها، كما هو الحال مع سيتزن وبوركهارت، بقدر ما كان بحثاً عن طرق تجارية تعزز الهيمنة الاستعمارية الإنكليزية على البلدان والطرق الذاهبة إلى درة التاج البريطاني (الهند)، الأمر الذي نلحظه بشكل جليّ خلال زيارتهما لبحيرة فيالا (مسعدة) وتجاهلهما لقلعة الصبيبة المجاورة، والتي يسميانها قلعه السراسين، وهي تسمية قديمة للعرب والمسلمين، كان يستخدمها البيزنطيون والصليبيون. والغريب أن اهتمام المستشرقين والمستكشفين الغربيين بهذه البحيرة الصغيرة القابعة قرب قرية مسعدة، تجاوز الاهتمام بمدن تاريخية مهمة، حيث أن الصفحات الكثيرة التي كتبت عن هذه البحيرة تفوق ماكتب في ذلك الزمن عن مدينة مثل حمص أو اللاذقية، والسبب في ظننا ان جوزيفوس فلافيوس ذكرها في تاريخه!!. هوس الاستيطان لقد اتضح الآن أن أحد أهداف بحوث المستشرقين والمستكشفين الغربيين لبلادنا إقامة مستوطنات وطرد السكان المحليين أو إبادتهم، غير أن بعض الباحثين توصل إلى فكرة استحالة تحقيق الاستيطان نتيجة وجود واقع يختلف عن الواقع الافتراضي الذي رسمه بعض المؤلفين. ومن هؤلاء سيلاه ميريل الذي يمثل الجيل الثاني من علماء الآثار الكتابيين (التوراتيين) الأميركيين الذين قصدوا "الأراضي المقدسة" بحثاً عن جغرافيا الكتاب المقدس، التي كانت تشغل رجال الدين الأنغليكان بشكل خاص. وخلافاً لرجال الدين المتحمسين لإعادة اليهود إلى فلسطين وصولاً إلى "البهجة" الكبرى التي تسبق معركة هارمجدون، توصل ميريل إلى نتيجة معاكسة لذلك، أوصلته إليها معايشته الوثيقة للواقع عندما عمل بين عامي 1882 و1886 كقنصل في سفارة الولايات المتحدة الأميركية في القدس، حيث أصبح من أشد المعارضين للاستيطان اليهودي (الزراعي) الذي بدأ بالانتشار في الربع الأخير من القرن التاسع عشر". وكما أسلفنا ترسخت قناعات ميريل بعبثية الاستيطان اليهودي في فلسطين، والأراضي الواقعة إلى الشرق من نهر الأردن، بعد أن عمل قنصلاً أميركياً في القدس، فقبل ذلك، أي أثناء أعماله الاستكشافية في منطقة جنوب الجولان في 6 آذار (مارس) 1876، لم يخف تطلعه لتوطين شعب "متحضر" في هذه الأراضي حيث يقول: " وإذا ما خضعت سوريا يوماً لحكومة صالحة وقطنها شعب ذكي متحضر، فإن هذه الينابيع (الحمة) سوف تصبح، دون ريب، واحداً من أروع المنتجعات المائية في البلاد كلها". ولكن وبعد 15 عاماً كان هو نفسه واحداً من أشد المعارضين لمذكرة بلاكستون (العضو الفعال في الكنيسة التدبيرية)، التي يعتبرها الكثيرون الوثيقة الصهيونية الأولى الداعية لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين عام 1891، أي قبل كتاب هيرتزل "دولة اليهود" والمؤتمر الصهيوني الأول بسنوات. لقد كان رأي ميريل في التقرير الذي وجهه إلى الحكومة الأميركية رداً على مذكرة بلاكستون المرفوعة إلى الرئيس الأميركي بنيامين هاريسون ووقعها 413 شخصية من نخب المجتمع الأميركي، تتلخص في أن الذين وقعوا على المذكرة "يجهلون حقيقتين عظيمتين الأولى أن فلسطين لَيستْ مهيأة لاستقبال اليهود والثانية أن اليهود أنفسهم لَيسوا مهيئين للذهاب إلى فلسطين". ومما قاله ميريل: "يتوجب على اليهودي أن يتَعَلّم بأنّ مكانته في العالمِ يقررها ما يمكن أن يصنعه هو لنفسه، وليس ما كان النبي إبراهيم قد صنعه من أجل نفسه قبل أربعة آلاف عام". لقد مثلت مشاعر ميريل رأي نخبة من رجال الدولة الأميركيين الذين خدموا في الدبلوماسية والإدارات القنصلية، وغلّبوا لغة العقل على طغيان المشاعر الدينية الألفية التي كانت تلهب حماس رجال الدين البروتستانت من أمثال بلاكستون وغيره، والسبب أنهم لم يكونوا يريدون أن تقوم دولة اليهود في جنوب سوريا، والتي بدأ الغرب يفكر فيها منذ حملة نابليون، ضمن جو من عدم الاستقرار واحتمالات نشوء صراع دموي طاحن بين اليهود والعرب من جهة أو بين اليهود أنفسهم من جهة أخرى. وهذا بالضبط ما قاله ميريل في تقريره آنف الذكر: "من شأن ضخ عشرات الآلاف من اليهود في هذا البلد الغارق في الفقر أن يفضي إلى كارثة غير قابلة للتصور بالنسبة على البلد واليهود أنفسهم.. أين تعلموا فن الحكم الذاتي؟ ومتى؟ لعل أسرع طرق الإجهاز عليهم هي وضعهم في فلسطين دون قيود أو نفوذ لأي حكومة متمدنة، وتركهم يحكمون أنفسهم، إذ لن يتأخروا في تدمير بعضهم بعضاً". إذن، اعتراضات ميريل تنصب على الظروف وليس على الفكرة بحد ذاتها، وهو ما يمكن أن نلمسه من خلال نصوصه المتعلقة بجنوب الجولان التي ضمنها كتابه "شرقي الأردن". لقد كان ميريل، شأنه شأن رجال الدين البروتستنانت الأميركيين في ذلك الزمن، أسيراً للفهم الكتابي (التوراتي) للتاريخ، فالأماكن التي كرس جهده للبحث عنها هي تلك الواردة في الكتاب المقدس، والتلمود، وكتب المؤرخ اليهودي جوزيفوس فلافيوس المعروف بمبالغاته التي لفتت نظر أكثر المؤرخين انحيازاً للفهم الكتابي للتاريخ. لقد ركز ميريل على منطقتي الحمة وفيق لأنه يعتبرهما مسرحاً لوقائع تاريخية كبرى في التاريخ اليهودي المزعوم، الذي يستمد مادته من الكتاب المقدس بشكل رئيسي، فتجده يتحدث عن تاريخ أفيق الكتابي متجاهلاً الكم الكبير من النقوش العربية التي يمر عليها، دون أن يوليها حتى مجرد نظرة عابرة. المنطق الاستيطاني تأخذ فكرة توطين اليهود في فلسطين والجولان وشرق الأردن أحد أكمل وجوهها مع الرحالة البريطاني وعضو مجلس اللوردات لورانس أوليفانت الذي تقدم للسلطان عبد الحميد بمشروع متكامل رفضه الأخير وعاقب بسببه والي سوريا مدحت باشا والصدر الأعظم خير الدين باشا اللذين تجاوبا مع هذا المشروع أبديا موافقة مبدئية عليه. ففي كتابه "أرض جلعاد" الذي يسجل فيه وقائع رحلته عام 1879 في الأراضي الواقعة إلى الشرق من وادي الأردن بما فيها الجولان، يبسط أوليفانت أفكاره حيال هذه الأرض التي ينظر إليها بمعزل عن سكانها الأصليين، فالهاجس الذي كان مسيطراً عليه، بفعل أفكاره البروتستانتية المغرقة في تطرفها، تقريب موعد القيامة عبر إعادة اليهود إلى الأراضي المقدسة الواقعة على جانبي وادي الأردن حسب الفهم الكتابي (التوراتي)، ولذلك تجده في مقدمة كتابه يحاول أن يبرر هذا الأمر منطقياً بعرضه مجموعة من الاحتمالات التي تستقر على اليهود وحدهم. فحسب مشروعه الاستيطاني الذي يهدف إلى النهوض بواقع السلطنة العثمانية! وتخليصها من عثراتها، يقترح تأسيس شركة مساهمة لإقامة مستوطنة أو مستوطنات في مناطق مختلفة من فلسطين والجولان وشرق الأردن، ويعرض بطريقة "المنطق الصوري" جلب مستوطنين غربيين مسيحيين إلى هذه المستوطنات، ولكنه يقرر أن الأوروبيين يتطيرون من فكرة أن يصبحوا رعايا تحت حكم السلاطين العثمانيين، ثم يقترح توطين المسلمين الذين أخرجوا من ديارهم في بلغاريا ورومانيا ومعظمهم من الشراكسة المهجرين سابقاً من شمال القوقاز، لكنه يشكك برغبة الدول الأوروبية في تمويل مثل هذا المشروع الذي يخص المسلمين وحدهم. ولذلك فالحل السحري الذي يخرج به هو اليهود، وخصوصاً يهود أوروبا الشرقية الذين يعانون من اضطهاد يجعلهم يفضلون العيش تحت حكم العثمانيين من أن يبقوا تحت حكم الدول التي يعيشون بكنفها، نظراً للتسامح والرعاية اللذين يسبغهما السلاطين العثمانيين على رعاياهم اليهود، تلك الرعاية الموثقة بفرمان للسلطان عبد المجيد عام 1840. اختار أوليفانت مجموعتين من أهالي الجولان للتوقف عندهما ومراقبة حياتهما وهم العلويون (النصيرية) والذين يحمل عنهم الكثير من الأفكار المغلوطة، والشراكسة الذين كانوا منهمكين ببناء قراهم التي منحتهم إياها السلطنة العثمانية، مثل المنصورة والقنيطرة والصرمان وغيرها. ويبدو أن أوليفانت أراد أن يرى كيف يمكن لطائفة دينية أو أقلية قومية أن تعيش أو تتأقلم مع وسط يفترض بأنه مختلف، ومن المؤكد أنه أصيب بخيبة أمل من لقائه مع شيخ قرية عين فيت [سعيد أفندي الحسين] نظراً للتحفظ الشديد الذي أبداه في الإجابة على أسئلته المثيرة للريبة. إلا أنه حصل على مايريد معرفته حول الشراكسة الذين كانوا يخوضون تجربة أثارت إعجابه في بناء مجتمع جديد. أما عرب الفضل الذين كانوا ينتشرون بخيامهم ومواشيهم على مساحات واسعة شمال الجولان وفي سهل الحولة فقد تحاشاهم بأقصى قدر من التحاشي. وخلال حضوره لاجتماع مجلس إدارة قضاء القنيطرة أبدى اهتماماً بالتعرف على مجتمع التركمان عندما طلب من موسى أغا خليفة، زعيمهم في ذلك الوقت معلومات حول قبيلته لم يعطه إياها مطلقاً. ويمكن تلمس ولع أوليفانت بالنزعات القيامية عندما نرى بأنه على اطلاع واسع على موضوع علامات القيامة الصغرى والكبرى، الواردة في بعض الأحاديث النبوية الضعيفة، وأن سهل فيق في الجولان سيكون مسرح إحدى المعارك الفاصلة بين السيد المسيح والأعور الدجال. ومن الواضح أن أوليفانت المتشبع بفكرة إعادة اليهود إلى "أرض الميعاد" على إطلاع واسع بكتب الرحالة والمستكشفين الذين سبقوه إلى الجولان مثل بوركهارت وبورتر وميريل وغيرهم، فكتابه لا يخلو من إشارات لما كتبه هؤلاء، رغم تأكيده على عدم عنايته بالتاريخ القديم قدر عنايته بالواقع!. وعموماً فأوليفانت مؤمن بالحق التاريخي المزعوم لليهود في فلسطين والجولان إيماناً مطلقاً، ونظرته إلى إنسان هذه البلاد لا تخرج عن كونها نظرة استعلائية تفتيتية حاقدة، لاترى سوى الأقليات والطوائف، وتحاول أن تختصر الشخصية العربية بتصرفات غير منضبطة لبعض القبائل البدوية الخارجة عن طاعة السلطنة العثمانية، نتيجة عسف وجلافة ملتزمي جباية الأموال. العمى الأكاديمي وقد استكمل المهندس الألماني غوتليب شوماخر [G. SCHUMACHER]عمليات استكشاف الجولان في أواسط العقد الثامن من القرن التاسع عشر لصالح الجمعية الألمانية لاستكشاف الأراضي المقدسة، وصدر كتابه "الجولان" [THE JAULAN] باللغتين الألمانية والإنكليزية مرفقاً برسوم توضيحية وخارطة تضم معظم أجزاء الجولان التاريخي باستثناء الجزء الشمالي الغربي، وساد انطباع عام لدى الأوساط الأكاديمية الغربية بأن شوماخر درس كل شيء ومحّصه، ولم يعد هناك ما يغري الباحثين بخوض غمار استكشاف هذا الإقليم الذي يعتبره المسيحيون الغربيون جزءاً رئيساً من الأراضي المقدسة. ورغم الجهد الكبير الذي بذله شوماخر في دراسة المظاهر الطبيعية والسكانية والوقائع التاريخية واللقى الأثرية، إلا أنه بقي أسير النظرة الاستشراقية الاستعلائية التي تختزل التاريخ العربي للجولان ببضع كلمات، فهاهو يختزل ثلاثة عشر قرنا ببضع جمل قال فيها: "بعد الهزيمة الدامية للبيزنطيين عند نهر اليرموك (634) في أقصى الطرف الجنوبي للجولان، سقطت هذه البلاد مع سوريا بأكملها في يد العرب، الذين لم يخلدوا ذكرهم هنا، رغم ذلك، إلا من خلال معالم ذات هندسة رديئة". ولا ندري كيف تجرأ باحث، يفترض به أن يتحلى بحد أدنى من الحياد العلمي، على إطلاق هذه الأحكام القطعية، وهو- كما اعترف في مقدمة كتابه- لم يدرس منطقة بانياس التي نعرف أنها تعج بالآثار العمرانية العربية الإسلامية ذات السوية الفنية الرفيعة، إضافة إلى تجاهله للطابع العربي الإسلامي للكثير من آثار منطقة فيق المتقنة البناء. والغريب أن الأحكام القطعية التي أطلقها شوماخر امتدت أيضاً لتمنح اليهود فضل بناء الكثير من الأبنية التي لا دليل على يهوديتها سوى وحدات زخرفية، تمثل نصف دائرة، قد تكون تساعية الشعب أو عشاريتها، تَصوَّر هو، كما تَصوَّر ميريل قبله، أنها قد تشبه الشمعدان اليهودي!!. ولذلك يطلق شوماخر حكماً قطعياً بأن هذه الأبنية "ذات شخصية يهودية لا شك فيها ، وتثبت خصائصها المعمارية أن المقدرة اليهودية استطاعت أن تجعل نفسها ملموسة بشكل صريح حتى بالقرب من التفوق الروماني"، حسب تعبيرة الحرفي. هذا العمى الأكاديمي المقصود، نجده أيضاً لدى أكاديميين مستشرقين درسا بعض الآثار الإسلامية في شمال الجولان بين عامي 1887و 1888، وهما ماكس فان بيرشم الذي درس قلعة الصبيبة، وكليرمون- غانو الذي درس آثار مدينة بانياس الإسلامية، حيث سعى كلا الباحثين للتأكيد على صليبية الآثار الإسلامية في هذه المنطقة. فنجد بيرشم في دراسته عن قلعة الصبيبة العربية (التي يسميها العامة جهلاً قلعة النمرود) يؤكد أن الصليبيين بنوها رغم عدم عثوره على أي دليل مادي يثبت ذلك، ونجده يستغل الخلط بينها وبين قلعة بانياس الواقعة في بلدة بانياس المجاورة، ليؤكد فكرته المجافية للحقيقة، فهذه القلعة حسب المصادر العربية الموثوقة لم يدخلها الصليبيون مطلقاً وبناها الملك العزيز عثمان نجل الملك العادل أبو بكر بن أيوب شقيق صلاح الدين. خاتمة لقد حفرت دراسات ومؤلفات المستشرقين الغربيين حول الجولان أخاديد عميقة في وعي الباحثين في العالم وفي منطقتنا العربية، فالكثير من المفاهيم والأغاليط ما تزال تتداول على أنها حقائق لا جدال حولها، ومن غرائب الأمور ومفارقاتها أن النصوص العربية المنقوشة في قلعة الصبيبة أخذتها جميع المصادر العربية عن بيرشم الذي نقلها عام 1888، ولم يقم باحث عربي آخر بتصويبها أو إعادة كتابتها من جديد لتجاوز الفهم المغلوط لتفسيرات بيرشم وغانو، ومحاولاتهما تفسير بعض المفردات بغير معناها لإثبات فكرة في نفس يعقوب. إن الغالبية الساحقة للنصوص التي تناولتها في البحث السابق لم تترجم إلى العربية ولم يطلع عليها الباحثون العرب، رغم أهميتها الحاسمة في فهم جذور الأفكار الاستعمارية التي ما نزال نعاني منها ونسعى لمواجهتها. مراجع البحث - CHARLES LEONARD IRBY, AND JAMES MANGLES, TRAVELS In EGYPT AND NUBIA, SYRIA, AND ASIA MINOR; DURING THE YEARS 1817 & 1818. COMMANDERS IN THE ROYAL NAVY DARF PUBLISHERS LIMITED. LONDON 1985 - G. SCHUMACHER, THE JAULAN. LONDON 1888. - Margaret Oliphant. W Oliphant, Memoir of the Life of Laurence Oliphant and of Alice Oliphant, his wife 2 Volumes 1891. - Richard MacCully, the Brotherhood of the New Life, Glasgow, 1893. -E. ROBINSON and E. SMITH, BIBLICAL RESEACHES IN PALESTINE AND IN THE ADJACENT REGIONS. A JOURNAL OF TRAVELS IN THE YEAR 1838. LINDON, 1860 -JOHN LEWIS BURCKHARDT , TRAVElS IN SYRIA AND THE HOLY LAND (LONDON, 1822) -LAURENCE OLIPHANT, THE LAND OF GILEAD WITH EXCURSINS IN THE LEBANON (1880) , LONDON 1889 -SELAH MERRILL, EAST OF THE JORDAN. LONDON 1986 -Ulrich Jasper Seetzen, Reisen Durch Pal?stina, Ph?nicien, die Transjordan-L?nder, Arabia Petraea und Unter-Aegypten. Herausgegeben und commentirt. Von Prof. Dr. Fr. Kruse Prof. Hinrichs, Dr. G. Fr. Hermann Müller Und mehreren andern Gelehrten. Erster Band G.Reimer. Akademische Buchdruckerei. المراجع العربية والمعربة - استكشاف الجولان، مغامرون وجواسيس وقساوسة، تيسير خلف، دار التكوين –دمشق 2006. - إدوارد روبنصون، مباحث توراتية عن فلسطين والأقاليم المجاورة، ترجمة أسد شيخاني، بيروت 1950. - بول مركلي، الصهيونية المسيحية (1891-1948) ترجمة فاضل جتكر، دار قدمس، دمشق ط2/ 2002. - نيل سلبرمن، بحثاً عن إله ووطن، صراع الغرب على فلسطين وآثارها (1799-1917) ترجمة فاضل جتكر، دار قدمس، دمشق 2001. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |