|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
الجولان في الاستراتيجية الصهيونية ـــ د. خلف الجراد تشير الدراسات والأبحاث التاريخية إلى أن الحركة الصهيونية بدأت توجّه اهتمامها إلى الجولان منذ فترة طويلة تعود إلى أواسط القرن التاسع عشر. ففي معرض حديثه عن المؤسسات الصهيونية قبل تبلور الحركة الصهيونية، قال الكاتب الصهيوني المعروف نورمان بنتوتيش: "كانت المشاريع الرئيسة تتأسس على شكل شركات بريطانية، فتشكّلت سكة حديد وادي الفرات لتصل بين حيفا وبغداد، ولكنها فشلت، ثم تشكلت شركة حديد حيفا ـ دمشق، وفشلت هي الأخرى. وفي عام 1865 تأسّس صندوق الاستكشافات الفلسطينية، وقام ضابط سلاح الهندسة في الجيش البريطاني بحفريات استشكافية ورسم خارطة للبلاد، وهذا النشاط المزدوج كان مثالاً لتكامل المصالح التوارتية والسياسية(1). وفي عام 1887 أنجزت الحركة الصهيونية خرائط للجولان وحوران حدّدت عليها أكثر من مئة موقع من بينها اثنا عشر موقعاً أثرياً ادّعت أنها تضم رموزاً يهودية. وجاءت المحاولة الأولى عن طريق "جمعية بني يهوذا"، التي حاولت في تلك الآونة امتلاك خمسة عشر ألف دونم في أراضي قرية الرمثانية، التي تبعد حوالي خمسة عشر كيلو متراً عن مدينة القنيطرة. وقبل ذلك كان لورانس أوليفانت قد أعدّ كتاباً في عام 1771 دعا اليهود فيه إلى استعمار سورية الجنوبية، وأرفق به خريطة تشمل المنطقة من غزّة إلى جبيل، ومن بعلبك مروراً بدمشق والجولان وحوران(2). أما هربرت سايدبوتام المعلّق الصهيوني والناقد العسكري والاستراتيجي لصحيفة "المانشستر غارديان" وأحد أركان مدرسة مانشستر الصهيونية والصديق لحاييم وايزمن فقد تقدم بمذكرة إلى وزارة الخارجية البريطانية "لإنشاء الوطن اليهودي" مركّزاً على تقاطع المصلحتين اليهودية والبريطانية، وعلى أن يكون الكيان اليهودي المزمع إقامته جزءاً من التاج البريطاني، مع دعوته لدمج الجولان وحوران في "الحدود الجغرافية لفلسطين اليهودية" (3). وفي عام 1891 أصدر اليهودي ماكس ايزيدور بودنهايمر (1865 ـ 1940) كرّاساً بعنوان (أين نذهب باليهود الروس؟" قال فيه: "نذهب باليهود الروس إلى فلسطين وسورية". وقد بسط في كرّاسه فكرة توطين اليهود في سورية وفلسطين ضمن نطاق المشروعات الرامية إلى مدّ الخطوط الحديدية وتوسيع المرافئ المحدودة، على أن تقوم شركة محدودة لتحقيق ذلك، تدعمها لجان إغاثة تجمع الموال اللازمة لشراء الأراضي بوساطة التبرعات. وفي هذا المنحى فكّر بودنهايمر بإقامة نداء إلى "أصدقاء صهيون" بعنوان "يا صهيونيي العالم اتحدوا" يدعو فيه إلى تضافر الجهود وتوحيد الصفوف في كتلة كبيرة واحدة ومتراصّة. كما يقترح ضرورة الانتقال من العمل الصامت إلى الدعاية العلنية، مشيراً إلى صلته الوثيقة بالبارون دي هيرتس، وينسب إليه الفضل في إقناعه بإعداد اقتراح عملي لإنشاء مستعمرة يهودية في سوريّة واضعاً نصب عينيه المنطقتين التاليتين (4): آ ـ سهل البقاع الذي يقع بين سلسلتي جبال لبنان الغربية والشرقية، ويخترقه نهر الليطاني، جاعلاً منه منطقة بالغة الخصب وضئيلة السكان في آن واحد. ب ـ وادي يزراعيل. ونشير هنا بصفة خاصّة إلى النشاطات السياسية والصهيونية لما سُمّي "صندوق استكشاف فلسطين"، الذي تأسس في عام 1865، حيث أدّى وظائف متنوعة، شكّلت المقدمات الممهّدة لعمل المنظمات الصهيونية في فلسطين والمناطق المحاذية لها. ويهّمنا ـ في سياق هذه الدراسة ـ موضوع "مسح فلسطين الشرقية" (1880 ـ 1882)، حيث وجّهت "لجنة الصندوق" أنظارها إلى مسح المنطقة الواقعة شرق الأردن (فلسطين الشرقية) وكان قد تمّ الاتفاق على أنْ تتولّى عملية المسح "جمعية فلسطين الأميركية"، إلاَّ أنه لظروف عديدة لم تتمكن الجمعية من القيام بذلك، فقرّرت لجنة الصندوق في عام 1880 إرسال فريق عمل، مهّدت له بنشر بيان يصف نتائج عملية المسح السابقة، ويشرح العمليات المقترحة في شرقي الأردن، ويطلب مع المال لمواجهة النفقات. وكانت المناطق المُزمع مسحها بحسب ما جاء في البيان التالي: 1 ـ منطقة باشان "Bashan" وهي منطقة نجديّة تمتدّ من المنحدرات الجنوبية لجبل الشيخ (الحرمون) إلى جلعاد في الجنوب، وتشمل منطقة الجولان وحوران واللجاة. 2 ـ أرض جلعاد وتمتد جنوباً حتى نهر أرنون. 3 ـ مؤاب: وأهم مدنها ديبان (حيث وجد حجر مؤاب). ورغم فشل استئناف عملية "مسح فلسطين الشرقية" إلاَّ أنها استطاعت اللجنة أن تستخدم خبرات الدكتور الألماني شوماخر بصفته مهندساً موظفاً لدى سكة حديد حيفا ـ دمشق فكلّف بعمل خريطة لحوران والجولان تشمل 340 ميلاً مربّعاً، نشرت مع تقارير شوماخر في عام 1886 في مجلدين عنوانهما "عبر الأردن ومسح الجولان". وفي عام 1890 نشرت "لجنة الصندوق" طبعة جديدة لخريطة فلسطين بمقياس 3/8 بوصة للميل الواحد، تتضمن جميع المعلومات التي تحويها عمليات المسح الأخرى. وتمتد الخريطة من بعلبك في الشمال إلى قادئ برنياع في الجنوب (5). وفي كتابه الموسوم بـ "المياه والمشروع الصهيوني" (6) يشير الباحث إبراهيم عبد الكريم إلى أنه في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، ظهر مشروع استيطاني على يد لورنس أوليفانت (7) سُمّي باسمه للاستيطان فيما يُسمّى "أرض جلعاد". ويقال: إنه حصل على موافقة الوالي التركي مدحت باشا ـ والي سورية آنذاك ـ على الاستيطان في شرقي الأردن وحوران. لكنه لم يستطع الحصول على موافقة السلطان الأعظم، لاعتبارات تتعلق بمصالح الإمبراطورية العثمانية، بالرغم من أنه كان يحمل رسائل توصية من رئيس الوزراء ووزير الخارجية البريطانية (8). بعد ذلك بنحو ستة أعوام، أي في 1865 ـ 1866 تم في بريطانيا تشكيل صندوق استكشاف فلسطين (PALESTINE EXPLORATION RUND)، حيث اهتم هذا الصندوق بالكشف عن آثار فلسطين وجغرافيتها وجيولوجيتها وتاريخها الطبيعي. وأرسل حتى العام 1880 أربع "بعثات استكشافية" لفلسطين. ولم تكن النتائج التي توصل إليها "صندوق استكشاف فلسطين" مجرد معلومات وبيانات بقيت حبيسة الأدراج، وإنما اعتمدها الزعماء الصهاينة كمعطيات لازمة وضرورية لمخططات الاستيطان المستقبلية. فعلى سبيل المثال خصّص ناحوم سوكولوف، مؤرخ الصهيونية الأول فصلاً في كتابه الشهير "تاريخ الصهيونية" للحديث حول الخدمات التي أسداها "صندوق استكشاف فلسطين" والعاملون فيه، لكل من الاستعمار والتوسع الصهيوني بشكل عام ومنظمة "أحباء صهيون" في بريطانيا بصورة خاصة، فيقول: "لا يسع المرء إلاَّ الاعتراف بحكمهم الجازم في الموضوع.. وجاءت الشهادة التي أدلوا بها بمنزلة توكيد على الحقيقة القائلة بأن تلك الأرض يمكن تحويلها إلى جنة واحدة شاسعة الأطراف، ليس بمجرد إعادة بناء القناطر العظيمة التي لا تزال آثارها باقية والتي قامت بإيصال الماء إلى المدن الكبرى فحسب، بل بوساطة نهر الأردن بالذات"(9). أما الدولة الصهيونية التي تخيّلها زعماؤهم الأوائل فقد أريد لها أن تتمتّع بمقوّمات الدولة القادرة على الاكتفاء الذاتي الاقتصادي والمنعة العسكرية، ويجب أن تمتد لتشمل مصادر القوة والأرض الواسعة والمياه الضرورية للزراعة والصناعة والمراكز الاستراتيجية.. الخ" (10). وبالنسبة لحدود الأرض التي تصوّر زعماء الصهاينة أن تكون "دولة إسرائيل" المقدسة، فكان هناك تصوران مختلفان، أحدهما يستند إلى "سفْر التكوين" (15/18) "من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات"، والآخر إلى "سِفْر العدد" (34/1)، الذي جاء فيه إن "هذه هي الأرض التي تقع لكم نصيباً، أرض كنعان بتخومها". وقد حلّ الحاخامات هذه المشكلة مُشبّهين الأرض بـ "جلد الإبل"، الذي ينكمش في حالة العطش والجوع، ويتمدد بالشبع والري. فالأرض المقدسة تنكمش إذا هجرها ساكنوها من اليهود وتتمدد وتتوسع إنْ جاءها اليهود من بقاع الأرض (11). وقد أكّد مؤسّس الصهيونية الأول تيودور هرتزل على هذا المفهوم في تبنّيه لفكرة ملاءمة الأرض مع ما يمكن تهجيره من اليهود إليها. فحين اجتمع هرتزل إلى المستشار الإمبراطوري الألماني هوهنله في آذار 1898 (أي بعد عام من المؤتمر الصهيوني الأول)، سأله المستشار عن حدود الرقعة التي يريد الصهيونيون الحصول عليها، وما إذا كانت تمتد شمالاً حتى بيروت أم تتعداها إلى أبعد من ذلك؟!... كان جواب هرتزل بمنزل أول اعتراف صريح يفضح النيّات التوسعية للحركة الصهيونية منذ بدايات نشأتها، حيث يقول: "سوف نطالب بما نحتاج إليه.. وكلما ازداد عدد المهاجرين ازدادت حاجتنا للأرض.. وكلما كان عدد المهاجرين أكبر أردنا بقعةً أكبر" (12). ومقابل اهتمام هرتزل باستيطان سيناء وجرّ مياه النيل، اهتم زعماء صهيونيون آخرون بمياه الشمال الفلسطيني ومصادر المياه في جنوب لبنان والمرتفعات السورية.. فعكفت الصهيونية منذ قيامها على المطالبة بضم المناطق الغنية بالمياه إلى رقعة الأرض التي تزعم أنها تعود لـ "إسرائيل" توراتياً، بغية استيعاب الاستيطان اليهودي، وتأمين "المجال الحيوي" للنشاطات اليهودية المستقبلية. وتبيّن من دراسة الوثائق والكتابات والمذكرات الصهيونية الصادرة في ثمانينيات القرن التاسع عشر أن مسألة المياه كانت حاضرة بقوّة في تصورات الصهيونية ليس فيما يتصل بالمياه العربية في المناطق الحدودية للشمال الفلسطيني وحسب، وإنما تعداه إلى أراضي العمق اللبناني والجولان العربي السوري. وقد لخّص فريش فاسر ـ رعنان في كتابه "حدود أمّة" المخططات الصهيونية على صعيد الموارد المائية المتوفرة في المناطق المتاخمة لفلسطين على النحو الآتي: "لما كانت المنظمة الصهيونية تهدف إلى جمع أكبر عدد من الناس في أرض محدود المساحة، أصبح من الواجب وضع مخططات للريّ واسعة النطاق.. ولما كانت الموارد المائية محدودة في فلسطين فقد جرى توسيع تلك المخططات حتى تشمل الأراضي الواقعة إلى الشمال والشمال الشرقي من فلسطين، وصولاً إلى منابع الأردن ونهر الليطاني وثلوج حرمون واليرموك وروافده.." (13). التطورات الصهيونية الاستراتيجية بعد "وعد بلفور": حين حصلت الصهيونية على وعد وزير خارجية بريطانيا جيمس آرثر بلفور (14) في عام 117 لم تكن الحكومة البريطانية (صاحبة الوعد) قد أقرّت أو رسمت حدوداً معيّنة لفلسطين، بل جاء الوعد تبنياً سياسياً عاماً للاستعمار الصهيوني لفلسطين، حيث صدر في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1917 متضمناً تعاطف بريطانيا مع الأماني اليهودية ـ الصهيونية في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، على شكل "رسالة" بعث بها اللورد بلفور إلى اللورد "روتشيلد، المليونير اليهودي المعروف،تقول (15): "عزيزي اللورد روتشيلد: يسعدني كثيراً أن أنهي إليكم نيابة عن حكومة جلالة الملك التصريح التالي، تعاطفاً مع أماني اليهود الصهيونيين التي قدموها ووافق عليها مجلس الوزراء، فإن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. وستبذل أفضل مساعيها لتسهل تحقيق هذه الغاية على أن يفهم جلياً أنه لن يسمح بإجراء يلحق الضرر بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الجماعات غير اليهودية القائمة في فلسطين، ولا بالحقوق أو بالمركز السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى". لقد كانت فلسطين في رؤية بلفور الصهيونية متطابقة مع تصورات زعماء الصهيونية ومنظّريها الكبار، مثل هرتزل ووايزمان وغيرهما، ولم يكن يخفي تصوّره السلبي ـ العنصري تجاه العرب الفلسطينيين، فقد جاء في مذكرته "بالنسبة إلى سورية وفلسطين وما بين النهرين" (16): "ليس في نيتنا حتى مراعاة مشاعر سكان فلسطين الحاليين، مع أن اللجنة الأمريكية تحاول استقصاءها. إن القوى الأربع الكبرى ملتزمة بالصهيونية. وسواء كانت الصهيونية على حق أم على باطل، جيدة أم سيئة فإنها متأصلة الجذور في التقاليد القديمة العهد والحاجات الحالية، وآمال المستقبل، وهي ذات أهمية تفوق بكثير رغبات وميول السبعمئة ألف عربي الذين يسكنون الآن هذه الأرض القديمة". أما بالنسبة للاستيطان اليهودي في فلسطين والمناطق المحاذية لها فقد أوصى في الجزء الأخير من هذه المذكرة بما يلي: "إذا كان للصهيونية أن تؤثر على المشكلة اليهودية في العالم فينبغي أن تكون فلسطين متاحة لأكبر عدد من المهاجرين اليهود. ولهذا فإن من المرغوب فيه أن تكون لها السيادة على القوة المائية التي تخصّها بشكل طبيعي، سواء أكان ذلك عن طريق توسيع حدودها شمالاً أم عن طريق عقد معاهدة مع سورية الواقعة تحت الانتداب، التي لا تعد المياه المتدفقة من "الهامون" (الحرمون) جنوباً ذات قيمة بالنسبة إليها. وللسبب ذاته يجب أن تمتد فلسطين لتشمل الأراضي الواقعة شرقي نهر الأردن". وقد شكّل "وعد بلفور" أساساً لصك الانتداب البريطاني على فلسطين فيما بعد ضد إرادة العرب؛ أهل فلسطين الأصليين، الذين كانوا يمثلون 93% من مجمل سكانها وأملاكها. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه لم يكن لفلسطين آنذاك مدلول جغرافي محدّد، بل كانت موزعة إدارياً إلى المناطق الآتية: (17) "في الشمال متصرفية عكا وتشمل أقضية حيفا والناصرة وعكا وطبرية وصفد، ومتصرّفية نابلس وتشمل قضاءي جنين وطولكرم، وتتبعان ولاية بيروت، وفي الجنوب متصرفية القدس المستقلة وتشمل أقضية القدس ويافا وغزّة والخليل وبئر السبع، وتقع مباشرة تحت إشراف الحكومة المركزية في الأستانة، وشكلت المناطق التي تقع شرقي الأردن جزءاً من ولاية دمشق". ومع أنّ الجغرافية العربية تعاملت مع فلسطين كجزء من سورية أو بلاد الشام، غير أن "وعد بلفور" دفع إلى السطح موضوعاً لم يكن يثير انتباهاً كبيراً، هو موضوع تحديد الرقعة الجغرافية لفلسطين، لهذا نشطت التحركات الصهيونية لتضمين هذه الرقعة كل مصادر المياه الواقعة في لبنان وسورية على وجه الخصوص، وجاء ذلك بمنزلة انسجام مع مناداة هرتزل بالمطالبة بـ "فلسطين دواد وسليمان" و"من نهر مصر إلى نهر الفرات". وتاق الصهاينة إلى أن تبسط بريطانيا سيطرتها على مجرى نهر الأردن بكامله، وطالبوا بأن تتضمن فلسطين المنطقة التي يجري فيها نهر الليطاني، بالإضافة إلى ضمّ سفوح جبل الشيخ لتؤول هذه الأرض في النهاية إلى السيطرة اليهودية بموجب وعد بلفور(18). وقد ردّد الحاخام فيشمان ـ عضو الوكالة اليهودية ـ شعار "فلسطين داود وسليمان" في 9 تموز/يوليو 1947، أثناء شهادته أمام لجنة التحقيق الخاصة التابعة للأمم المتحدة، فقال: "الأرض الموعودة تمتد من نهر النيل إلى الفرات، وتشمل أجزاء من سورية ولبنان". فشعار "من النيل إلى الفرات" ليس مجرد فرية عربية وليس نتاج العقلية التآمرية، إنما هو جزء من التصور الصهيوني (19). في هذه الأثناء بدأت "اللجنة الاستشارية لفلسطين" وهي لجنة بريطانية كانت تضم عدداً من الشخصيات الصهيونية عملها لوضع مقترحات لحدود فلسطين في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1918، وقامت هذه اللجنة بتقديم مقترحات إلى الحكومة البريطانية ضمّنتها ما تزعم من "حيثيات" تاريخية واقتصادي وجغرافية، وتبيّن أن الحدود التي وضعتها في الشمال نهر الليطاني إلى بانياس على مقربة من منابع نهر الأردن، ثم في اتجاه جنوبي شرقي إلى نقطة قريبة من دمشق والخط الحديدي الحجازي.. الخ. ومعنى ذلك أن تشمل فلسطين: الجليل الأعلى، منابع الليطاني والأردن، وحوران وشرق الأردن، إضافة إلى أجزاء من سيناء (20). والتوجه نفسه أورده كلٌّ من دافيد بن غوريون واسحق بن زفي في مقالة كتباها في عام 1918 في مجلّة "فلسطين" الصادرة عن "لجنة فلسطين" البريطانية، حين تحدّثا عن حدود الدولة المنشودة ورسماها على النحو الآتي: "شمالاً: جبل لبنان، شرقاً: بادية الشام. جنوباً: شبه جزيرة سيناء. غرباً: البحر المتوسط" (21). كما كتب بن غوريون مقالاً في نشرة "فلسطين" (التابعة للمنظمة اليهودية) في عام 1918 ضمّنه تصوّره لحدود الدولة الصهيونية على الشكل الآتي: "تضم النقب برمته، ويهودا والسامرة (الضفة الغربية) والجليل وسنجق حوران وسنجق الكرك (معان والعقبة) وجزءاً من سنجق دمشق، والذي يضم أقضية القنيطرة، ووادي عنجر حاصبيا في لبنان حالياً (22). إنّ جميع أدبيات الحركة الصهيونية ووثائقها ومقالات زعمائها وتصريحاتهم تضمّنت المطالبة بالأراضي الواقعة إلى الشمال والشرق من فلسطين. وقد صاغت المنظمة اليهودية العالمية بالتعاون مع وزارة الخارجية البريطانية مذكّرة رسمية رفعتها في الثالث من شباط 119 إلى المجلس الأعلى (المسمّى مجلس العشرة) في مؤتمر الصلح بباريس بعنوان "تصريح المنظمة الصهيونية العالمية بصدد فلسطين". وقد تضمنت هذه المذكرة المطالب الصهيونية الرسمية من مؤتمر الصلح. وجاء البيان المحلق بمذكرة المطالب الصهيونية هذه ليعيّن الحدود المنشودة للاستعمار الصهيوني في فلسطين على النحو الآتي: "إنّ حدود فلسطين يجب أن تسير وفقاً للخطوط العامّة المبينة أدناه: تبدأ في الشمال عند نقطة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط بجوار مدينة صيدا، وتتبع مفارق المياه عند تلال سلسلة جبال لبنان حتى تصل إلى جسر القرعون، فتتجه إلى البيرة متّبعة الخط الفاصل بين حوض وادي القرعون ووادي التيم، ثم تسير في خط جنوبي متبعة الخط الفاصل بين المنحدرات الشرقية والغربية لجبل حرمون (الشيخ) حتى جوار بيت جن، وتتجه منه شرقاً بمحاذاة مفارق المياه الشمالية لنهر مغنية حتى تقترب من سكة حديد الحجاز إلى الغرب منه.. ويحدّها شرقاً خط يسير بمحاذاة سكة حديد الحجاز وإلى الغرب منه حتى ينتهي في خليج العقبة.. وجنوباً حدود يجري الاتفاق عليها مع الحكومة المصرية.. وغرباً البحر الأبيض المتوسط" (23). ومن أجل تسويغ مطالبها تؤكّد المذكّرة: "إنّ الحدود المرسومة أعلاه هي ما تعدّه المنظمة جوهرياً للأساس الاقتصادي الضروري للبلاد.. وفلسطين يجب أن يكون لها منافذها الطبيعية للبحار والسيطرة على أنهارها وعلى منابع تلك الأنهار.. وتعتمد الحياة الاقتصادية لفلسطين كشأن أي بلد نصف جاف آخر على كميات المياه المتوفرة، لذلك يصبح من الأهمية الجوهرية بمكان، ليس فقط تامين جميع موارد المياه التي تغذّي البلاد حتى الآن بل القدرة للمحافظة عليها والسيطرة عليها عند منابعها"، وتضيف المذكرة قائلة": "إنّ جبل الشيخ هو (أبو المياه) الحقيقي لفلسطين ولا يمكن فصله عنها دون توجيه ضربة قاصمة إلى جذور حياتها الاقتصادية بالذات.. وجبل الشيخ لا يحتاج فقط إلى إعادة تحريج وتشجير، بل أيضاً إلى أعمال أخرى قبل أن يصبح مؤهلاً ليكون خزّان مياه البلاد، لذلك يجب أن يخضع كلياً لسيطرة أولئك الذين تحدوهم الرغبة الشديدة ويملكون القدرة الكافية لاستغلال إمكاناته حتى أقصى الحدود، ما يجب التوصّل إلى اتفاق دولي تحمي بموجبه حقوق المياه للشعب القاطن جنوبي نهر الليطاني ـ أي اليهود في (فلسطين الكبرى) ـ حماية تامة" (24). لقد كانت هذه الاعتبارات حاضرة في خلفية التفاهم الصهيوني ـ البريطاني باستمرار، ذلك أن قيام المشروع الصهيونية في فلسطين يستوجب تأمين الشروط الضرورية لقيامه أولاً ¾ ولاستمراريته ثانياً.. وقد تجلّت مثل هذه الشروط أيضاً في اجتماع حضره بلفور وفرانكفورتر والقاضي الصهيوني برانديس واللورد بيرسي، وجميعهم من النشطاء أو المتعاطفين مع البرنامج الصهيوني، حيث اتفق الأربعة على أنه "يجب توفير مجال اقتصادي رحب لفلسطين اليهودية واكتفاء ذاتي وحياة اجتماعية وصحية، وهذا يعني حدوداً مناسبة لا مجرد حديقة في فلسطين.. ويعني ذلك السيطرة على المياه في الشمال" (25). من جانبه أصدر الصهيوني آرثر روبين (26) في العام 1919 دراسة مفصّلة بعنوان "بناء أرض إسرائيل" رسم فيها "الحدود التاريخية" والطبيعية والاقتصادية متوخياً ربط الحدود بمصادر المياه وغير متردد في إيراد التعليلات والتبريرات الاقتصادية من أجل توسيع تلك الحدود إلى ما وراء "التخوم التاريخية" الواردة في إحدى الروايات التوراتية، طمعاً بطاقتها المائية ومواردها الطبيعية، ومما جاء في هذه الدراسة: "في ما يتعلق بالحدود الشمالية التاريخية، فقد شملت هذه دون جدال (...) أحد المنبعين الرئيسين لنهر الأردن؛ أي المنبع الواقع عند بانياس، بالقرب من بلدة دان القديمة، غير أن الأسباب الاقتصادية تتطلّب بالضرورة أن تمتد فلسطين صوب الشرق لتشمل المنبع الآخر لنهر الأردن عند حاصبيا ـ الحاصباني. فالأردن هو النهر الرئيس لفلسطين، ومياهه بالغة الأهمية في حقلي الري وتوليد الطاقة، والاستغلال المناسب والمؤمّن لمياهه في فلسطين لا يمكنه أن يتمّ إلا متى أصبحت ينابيعه ملكاً فلسطين" (27). و"فلسطين" في المفهوم الصهيوني هي ما يزعمون "أرض إسرائيل"، التي تضمّ المناطق الواقعة بين الفرات والنيل. كما كان التحديد الصهيوني للأطماع في مصادر المياه العربية واضحاً إلى درجة توحي بأن المياه كانت تشكّل "هوساً" حقيقياً للصهيونية، كما يقول الباحث في الشؤون الإسرائيلية إبراهيم عبد الكريم (28). ومن المؤكد أنّ زعماء الحركة الصهيونية حين يكثّفون حملتهم على ضرورة تحقيق مطالبهم، في الشمال والشرق، إنما ينطلقون من أنّ بريطانيا، وخلال ظروف تلك الفترة، هي القادرة في المرتبة الأولى على تحقيق تلك المطالب، وبالإمكان ملاحظة هذه الفكرة عبر اهتمام الصهيوني هربرت صموئيل ـ أول مندوب سام بريطاني على فلسطين ـ بالتنسيق مع الوفد البريطاني في محادثات السلام بباريس. إذ بعث صموئيل برسالة إلى أحد أعضاء الوفد أوضح له فيها أهمية المياه والحدود الشمالية لاقتصادات البلاد، كما يلي: "إن نجاح مخطط مستقبل فلسطين بأسره يعتمد على تطوير الصناعة والزراعة ويعتمد تحقيق ذلك على توفر المياه والقوة المائية. ومن هنا كانت الحدود الشمالية المقترحة ـ أي المقترحات الواردة في المذكرة الصهيونية إلى مؤتمر السلام ـ حيوية للغاية (29). أما زعيم الصهيونية آنذاك، حاييم وايزمان، فقد تحرّك على مستوى أعلى. إذ بعث برسالة إلى لويد جورج (30) رئيس وزراء بريطانيا في 29/12/1919 جدّد فيها مطالب الحركة الصهيونية عشيّة انعقاد "مؤتمر سان ريمو" الذي كان سيبحث موضوع اقتسام أقطار المشرق العربي بين الدول الاستعمارية. فقال وايزمان مخاطباً لويد جورج: "في اللحظة التي توشك فيها أن تشترك مع زملائك في المفاوضات النهائية التي سيتوقف عليها مصير فلسطين ¾ تودّ المنظمة الصهيونية أن تتوجه إليك في موضوع يسبّب لها أعمق القلق (...) وهو مسألة الحدود الشمالية لفلسطين.. لقد وضعت المنظمة الصهيونية منذ البدء الحدّ الأدنى من المطالب الأساسية لتحقيق الوطن القومي اليهودي، ولا داعي للقول إنّ الصهيونيين لن يقبلوا تحت أية ظروف خطّ سايكس ـ بيكو حتى كأساس للتفاوض، لأنّ هذا الخط لا يقسم فلسطين التاريخية ويقطع عنها منابع المياه التي تزوّد الأردن والليطاني فحسب، بل يفعل أكثر من ذلك كثيرا، إنه يحرم الوطن القومي اليهودي بعض أجود حقول الاستيطان في الجولان وفي حوران التي يعتمد عليها إلى حدّ كبير نجاح المشروع بأسره. كانت حدود فلسطين الطبيعية التوراتية في الشمال تمتدّ من الصحراء شرقاً حتى سفوح جبال حرمون موطن قبيلة دان حتى محاذاة نهر الليطاني من جهة الشرق، حيث يبدأ الانفصال بين جبال لبنان الغربية وجبال لبنان الشرقية بسلسلة من الهضاب المرتفعة.. على كلّ حال لا يمكن اليوم تعيين الحدود على أساس الحدود التاريخية فقط. ولن يزيد من ضرورة عدم تقليص ما نطالب به في الشمال، إنّ ما نطالب به شرقاً يقف قبل الحدّ التاريخي تقديراً للشعور الإسلامي المرتبط بسكّة حديد الحجاز.. نرى من الضروري أن يضمّ حدّ فلسطين الشمالي وادي الليطاني إلى مسافة 25 ميلاً فوق المنحنى ومنحدرات جبل حرمون لضمان السيطرة على منابع نهر الأردن"(31). تبيّن هذه الرسالة أن الحركة الصهيونية ترفض الحدود التي عيّنتها اتفاقية سايكس ـ بيكو عام 1916، على أساس أنها لا تلبّي أطماعها وتوجّهاتها التوسعيّة، وقد لاحظ الباحثون (32) أنّ الصهيونيين كانوا يرون في انتصار فرنسا على بريطانيا بالحيلولة، دون إدماج الليطاني وجبل الشيخ ضمن حدود فلسطين الانتدابية فيما بعد، أمراً غير معترف به حتى وإنّ جاء نتيجة موقف تعاهدي فرنسي ـ بريطاني مشترك. وكانت بريطانيا تميل إلى ذلك أيضاً وتفهم دوافع "القلق" الصهيوني. وهذا ما يفسّره السعي إلى وضع كامل مجرى نهر الأردن إلى الشمال من بحيرة طبرية في إطار خارطة فلسطين، في حين استجابت بريطانيا لإصرار الموقف الفرنسي في مؤتمر السلام على جعل الليطاني وجبل الشيخ والجزء الأدنى من وادي اليرموك خارج حدود فلسطين الانتدابية. وقد تابع الصهاينة مسألة التنافس البريطاني ـ الفرنسي باهتمام وتخوّف بالغين، معتبرين أن خسارة بريطانيا أمام فرنسا تتربت عليها ولادة صعوبات في وجه إقامة "الوطن القومي اليهودي" بالشكل الذي تعهّدت به بريطانيا، طبقاً للحدود التي وضعتها الصهيونية. ويتضح هذا التخوّف من خلال البرقية التي بعث بها أحد زعماء المنظمة الصهيونية الأمريكية القاضي لويس برانديس إلى الزعيم الصهيوني وازيمان في 16/2/1920. حيث طلب برانديس في هذه البرقية من وايزمان أن ينقل تصوّرات المنظمة إلى لويد جورج من أجل التدخل الفعلي من جانب الحكومة البريطانية للحؤول دون "افتقاد جزء كبير من فلسطين الشمالية" ودون ضمّه للأراضي السورية. فمثل هذا الافتقاد بحسب فحوى البرقية سيوجّه ضربة قوية لاقتصاد فلسطين الذي يتوقف تطوّره إلى حدّ كبير على المياه اللبنانية والسورية.. فيقول برانديس: "لقد أبرق لي زملائي في المنظمة الصهيونية ـ الأمريكية من باريس بأن فرنسا تصرّ الآن في مؤتمر الصلح حول المعاهدة التركية، على بنود اتفاقية سايكس بيكو، ولو انتصر هذا الادّعاء الفرنسي لكان معنى ذلك القضاء على التحقيق التام للوطن اليهودي والوعد بتأسيسه، لأن اتفاقية سايكس ـ بيكو تقسّم البلاد بتجاهل كلّي للحدود التاريخية والضرورات.. الحدود القومية الشمالية والشرقية لا غنى عنها لقيام مجتمع يعيل نفسه بنفسه ولتطوّر البلاد الاقتصادي.. إلى الشمال يجب أن تضم فلسطين مفارق مياه نهر الليطاني عند جبل الشيخ، وإلى الشرق سهول الجولان وحوران. ولكي يتم وضع وعد بلفور موضع التنفيذ ـ وهو الذي وافقت عليه فرنسا وغيرها من الدول الحليفة والمؤيدة ـ لابدّ من التسليم بهذه الحدود لفلسطين، والأقل من ذلك يؤدي إلى بتر الوطن الموعود وتشويهه" (33). وفي الوقت الذي كانت يتعامل فيه الزعماء الصهاينة مع الأشخاص البريطانيين الذين كانوا يشتركون في المفاوضات مع فرنسا، سعى هؤلاء الزعماء إلى بناء جسور لعلاقات مع الأحزاب البريطانية أيضاً ليكتسب أيّ قرار بريطاني لصالح الصهيونية قوة تأييد مختلف الجهات السياسية في بريطانيا. وحرصت المنظمات الصهيونية الفرعية بدورها على جعل مطالبها واضحة أمام الجميع، معطية موضوع مياه الشمال والشرق مكانة كبرى لإنجاح البرنامج الاستيطاني.. في هذا الإطار بعث بن غوريون مذكّرة باسم "اتحاد العمال الصهيوني" رسالة في نيسان عام 1920 إلى حزب العمّال البريطاني، جاء فيها: "إنّ من الضروري ألا تكون مصادر المياه التي يعتمد عليها مستقبل البلاد خارج حدود الوطن القومي اليهودي في المستقبل.. فسهول حوران التي هي بحقّ جزء من البلاد يجب ألا تسلخ عنها، ولهذا السبب طالبنا أن تشمل أرض "إسرائيل" الضفاف الجنوبية لنهر الليطاني وإقليم حوران جنوب دمشق وجميع الأنهار التي تجري في المنطقة من الشرق إلى الغرب أو من الشمال إلى الجنوب، وهذا يفسّر أهمية الجليل الأعلى وحوران للبلاد بمجموعها، وإنّ أهم أنهار أرض "إسرائيل" هي الأردن والليطاني واليرموك.. والبلاد بحاجة إلى هذه المياه، هذا بالإضافة إلى أن الصناعة سوف تعتمد على توليد الكهرباء من هذه القوى المائية (34). وقد عُرضت في شهر كانون الأول من عام 1971 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الرابعة والعشرين مجموعة من الخرائط، التي تمثّل أطماع الصهيونية التوسّعية، منها خريطتان متشابهتان، إحداهما تمثّل حدود "إسرائيل" كما تصوّرها هرتزل في عام 1904، والثانية رسمت فوق تصوّر الحاخام يهودا فشمان زعيم حركة المزراعي (المفدال لاحقاً)، الذي كان عضواً في المجلس التأسيسي الذي تشكّل بعد قيام الكيان الصهيوني، بالإضافة إلى فلسطين ¾ الساحل الأيمن لمصر بين النيل والبحر الأحمر وسيناء والأردن وسورية والقسم الأكبر من العراق مع نافذة على الخليج وحتى غرب السعودية (35). وعلى أساس ما تقدّم، وفي إطار السياسات النفعية والبراغماتية التي سارت عليها الحركة الصهيونية منذ نشأتها الأولى، ووصولاً إلى أيام الانتداب البريطاني على فلسطين ¾ رأت هذه الحركة في إقامة الدولة اليهودية كوسيلة لتحقيق المخططات الصهيونية. وفي هذا الصدد قال بن غوريون في خطاب له أمام مجلس "الهستدروت" (اتحاد العمال) في السابع من شباط عام 1937: "نحن نريد أغلبية يهودية في البلاد، ونريد دولة يهودية، لأنّ ذلك هو مقدّمات تحقيق الصهيونية وليس الهدف، إنّها وسال للوصول إلى الهدف.. نحن نريد أغلبية يهودية ودولة يهودية حتى نستطيع أن نقوم بالمهمة الشاقّة، وهي مهمة تجميع اليهود المشتّتين في المنفى. إنّ تحقيق الصهيونية يعني أكثر من مجرّد دولة يهودية، فالصهيونية هي الحلّ الكامل والمطلق للمسألة اليهودية" (36). وفي عام 1972 نشرت صحيفة "معاريف" (37) وثيقة كان بن غوريون قد وضعها في عام 1941 بعنوان "خطوط هيكلية للسياسة الصهيونية"، ويقول فيها: "إنّ إقامة دولة يهودية ستكون وسيلة لإنجاز الصهيونية في الظروف الجديدة التي ستعقب الحرب (العالمية الثانية)، وينبغي التأكيد على كلمة "وسيلة"، ومن المهم التمييز بين دولة يهودية كوسيلة ودولة يهودية كهدف نهائي، خصوصاً بالنسبة لقضية الحدود. وإذا كانت صيغة "أرض إسرائيل" بحدودها الكاملة تشكّل ضمانة من الناحية العاطفية، فإننا لا نستطيع تبنيها للمقتضيات العلمية الآنية، فالأمر لا يتوقف عند حدّ أنّ اصطلاح الحدود التاريخية غامض جداً وغير محدّد، إلا إذا فسّر هذا الاصطلاح بأنه يعني أرض "إسرائيل" بما في ذلك شرق الأردن، ومع ذلك فإن هذا المعنى غير عملي.. لا حاجة حتى الآن إلى تعريف حدود الدولة، التي سنطالب بإقامتها وعلينا ألا نؤيد الصيغ التي قد تزيد عدد معارضينا في الخارج.. وعندما نسأل ما الذي نقصده من ناحية المساحة، عندما نتكلّم عن دولة يهودية في أرض "إسرائيل"، علينا أن نوضح أننا نقصد إسرائيل الغربية (فلسطين) بأسرها على الأقل، وعلينا أن نتذكّر أنّه من أجل قدرة الدولة اليهودية على البقاء لابدّ من أن نكون من جهة جيراناً للبنان المسيحي، ومن جهة أخرى يجب أن تكون أراضي النقب القاحلة وكذلك مياه نهر الأردن والليطاني مشمولة داخل حدودنا". وهكذا يتضح أن قادة الكيان الصهيوني، كانوا ينظرون إلى الاستيلاء على فلسطين بكاملها، بالإضافة إلى جنوب لبنان ومنطقتي الجولان وحوران بما فيها من مصادر مياه على أنه الحدّ الأدنى للمطالب والأطماع الصهيونية، وكانوا ومازالوا يعدّون الكيان الصهيوني القائم وسيلة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية التوسعية للحركة الصهيونية. فمنذ الأيام الأولى لإقامة الكيان الصهيوني أعلن بن غوريون أنّ "تأسيس إسرائيل" ليس سوى بداية للنضال من أجل تحقيق أهداف الصهيونية، وقال في كلمة موجّهة للطلاب: "هذه الخارطة ليست خارطة شعبنا، إن لنا خارطة أخرى عليكم أنتم طلاب المدارس اليهودية وشبابها أن تحوّلوها إلى واقع، يجب أن يتّسع لشعب "إسرائيل" من النيل إلى الفرات" (38). وقال بن غوريون في مقدمة "الكتاب السنوي لحكومة إسرائيل" عام 1952 ـ 1953: "يجب أنْ نذكر أن إسرائيل أقيمت فقط على جزء من أرض إسرائيل". وكتب في مقدمة "الكتاب السنوي" الصادر عام 1955 ـ 1956: "إن إقامة الدولة لا تعني بأي حال التخلّي عن الهدف النهائي أو التنازل عن أرض إسرائيل التاريخية". وفي آب عام 1956، صرّح بن غوريون: "يجب رفع عدد سكّان إسرائيل في السنوات الخمس التالية إلى أربعة ملايين، ومن أجل هؤلاء يجب بالطبع تأمين الأرض الإضافية الضرورية" (39). أما مناحيم بيغن رئيس وزراء "إسرائيل" الأسبق والإرهابي الصهيوني المعروف، فقد كان أكثر من بن غوريون في الكشف عن أهداف الصهيونية، إذ أعلن في 28 تشرين الأول عام 1956: "ينبغي عليكم أيها الإسرائيليون ألا تلينوا أبداً عندما تقتلون أعداءكم، ينبغي ألا تأخذكم بهم رحمة حتى ندمّر ما يُسمى "الثقافة العربية" التي سنبني على أنقاضها حضارتنا الخاصة" (40). ومما يجدر ذكره أنّ الصحفي الهندي ر. ك كارانجيا نشر كتاباً بعنوان "خنجر إسرائيل" (41) ضمّنه وثيقة على جانب كبير من الأهمية والخطورة هي "الخطة الاستراتيجية للجيش الإسرائيلي للعام 1956 ـ 1957" (مترجمة عن الأصل العبري)، جاء فيها حرفياً: "إنّ الغاية من الحرب بين إسرائيل والعرب هي لتبديل خط الحدود القائم، وإنّ احتلال الأراضي التي تدّعيها إسرائيل سيحسّن حالة بلادنا الاقتصادية والسياسية.. إن الحاجة للاستيلاء على الأراضي التي تدّعيها إسرائيل يميلها هدف الصهيونية الأساسي وهو إنشاء دولة سكانها ما بين 3 إلى 4 ملايين وذلك خلال حياة جيل واحد. يضاف إلى هذا أن الهدف الأساسي وراء اغتصاب الأراضي العربية هو تقوية وضع إسرائيل السياسي عن طريق اغتصاب الطرق الاستراتيجية المهمة في الشرق الأوسط، وإقامة ممر عبر البلاد العربية، ومنع الوحدة العربية، ونشر الدعاية المواتية لإسرائيل بين أقليات الشرق الأوسط. إنّ متطّلبات دفاعنا تجعل من الضروري الاستيلاء على المناطق الآتية: ـ المنطقة الجنوبية، منطقة غزة: ستضمن هذه المنطقة سلامة مراكزنا الحيوية وستمكننا أيضاً من اغتصاب القطاع الجنوبي لشبه جزيرة سيناء، وتأمين منفذ من إيلات. ـ شبه جزيرة سيناء: سيجعل احتلالها الهجوم المصري أمراً مستحيلاً وبالفعل ستكون مصر نفسها في خطر دائم من المهاجمة. ـ المنطقة الشرقية، غربي الأردن (المثلث)، تلال الخليل وشرقي الأردن بما في ذلك المناطق الصحراوية. إن الاستيلاء على هذه المناطق سيمكّن "إسرائيل" من إقامة حدودها مع العراق والعربية السعودية. ـ المنطقة الشمالية، وتتضمن الجولان وحرمون والليطاني: إنّ هجوماً يُشَنّ في هذا القطاع سيجعل بالإمكان الاستيلاء على الجولان وبوغان وهرمان واليرموك وشمالي الجليل حتى نهر الليطاني (42). يشرح واضعو الخطة الاستراتيجية أهمية كل منطقة من المناطق العربية المزمع احتلالها بالنسبة إلى "إسرائيل"، فيشيرون إلى أن: "أرض نفتالي: تضمن لنا (أي لإسرائيل) مواقع أقوى من الجليل، وتفصل سورية عن لبنان، وتشكّل حصناً في شبكة الدفاع الإسرائيلية.. أما أرض ماكير ـ حوران وأرغوف والجولان: فتجعل هجوم سورية في هذه المنطقة أمراً مستحيلاً وتؤمن حماية مياه الأردن" (43). ولدى حديث الخطة الاستراتيجية حول الأهمية الاقتصادية للمناطق العربية المشار إليها، تقول: إنّ أرض نفتالي: توسّع منطقتنا الزراعية، وتجعل بالإمكان استخدام موارد مياه الأردن والليطاني، وبالوسع إسكان ما بين ثلاثة ملايين إلى أربعة ملايين نسمة في تلك المنطقة. ـ أرض ماكير (حوران، أرغوف والجولان): يمكن استخدام مياه نهر اليرموك في هذه المنطقة، والجولان أيضاً منطقة زراعية مهمة جداً" (44). وتنفيذاً لهذه الخطّة الاستراتيجية شنّت "إسرائيل" عدواناً واسع النطاق في الخامس من حزيران 1967 وبصورة صاعقة، مكّنها من احتلال شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة، والضفّة الغربية، والجولان. حيث أوردت الخطة نفسها العناصر الارتكازية التي يجب أن يقوم بها الجيش الصهيوني لاحتلال هذه المناطق وأساليب التعبئة وكيفية القيام بـ "الهجوم الوقائي" أو "الحرب الوقائية الخاطفة"، بل إنّ الخطة المشار إليها تضمنّت تفصيلات عملياتية دقيقة لمتطلبات العدوان والتوقعات المحتملة (45). عدوان الخامس من حزيران عام 1967 ونتائجه التوسعيّة والاستراتيجية: بعد عدوان الخامس من حزيران عام 1967، ظهرت النزعة التوسعية الصهيونية على أشدّها وبأجلى صورها، وتمثّلت في مئات التصريحات والبيانات التي أدلى بها المسؤولون الصهاينة، كما تمثّلت في برامج الأحزاب الصهيونية المختلفة، وفي قرارات الكنيست والحكومة الإسرائيلية الخاصة بإلحاق أجزاء من المناطق العربية المحتلة بالكيان الصهيوني، وفي مخططات تغيير الواقع وخلق الحقائق الجديدة في هذه المناطق. وقد تبارى القادة الصهاينة في استخراج كل ما في ترسانة الإيديولوجية الصهيونية من أفكار وأكاذيب وأوهام وأساطير لصياغة شعارات تدعو إلى التوسّع دون تغطية أو تمويه (46). ففي شهر آب عام 1967 أعلن دايان: "إذا كنت تملك التوراة، وإذا كان المرء يعد نفسه من شعب التوراة فيجب أن يتملك أرض التوراة، أرض القضاة والأنبياء، أرض القدس والخليل وأريحا والأماكن الأخرى.. أنا هنا لا أضع برنامجاً سياسياً، لكن ما هو أهم، هو طريقة تحقيق حلم الأجيال بالنسبة للشعب اليهودي، ويجب أن يفهم الأجانب ذلك. فبالإضافة إلى أهمية سيناء والجولان ومضائق تيران وجبال غرب الأردن لإسرائيل من الناحية الاستراتيجية فإنه هذه المناطق تقع في قلب التاريخ اليهودي" (47). وقال دايان في مناسبة أخرى عام 1968: "منذ مئة سنة والشعب اليهودي يقوم بعملية استيطان لتوسيع حدوده ولا يوجد يهودي يمكن أنْ يدّعي أنّنا قد اقتربنا من نهاية الطريق" (48). وفي عام 1969 قال دايان: "آباؤنا صنعوا الحدود التي اعترف بها قرار التقسيم عام 1947، وجيلنا وصل إلى حدود عام 1949، وجيل حرب الأيام الستّة حقّق الوصول إلى قناة السويس ونهر الأردن ومرتفعات الجولان. هذه ليست النهاية: بعد خطوط وقف إطلاق النار الحالية ستكون هناك خطوط أخرى سوف تمتد إلى ما وراء الأردن وربما إلى لبنان وإلى سوريّة الوسطى" (49). وشرع دايان يروّج لفكرته القائلة بأن "إسرائيل" يجب أن تعدّ نفسها الحكومة الدائمة للمناطق المحتلة، وأخذ يدعو إلى إقامة حدود جديدة وعلاقات جديدة في المنطقة على أساس الوضع المستجد في أعقاب حرب حزيران.. ففي ندوة نظمتها صحيفة "معاريف" في شهر شباط 1972 لعدد من رؤساء أركان الجيش الإسرائيلي السابقين، قال دايان: "أعتقد أنه من الضروري عمل خارطة جديدة لـ "إسرائيل".. إذا أردنا في الحقيقة أن نحترم كل السيادات السابقة وجميع رغبات العرب في كل زمان ومكان، فعندئذ لن يكون ممكناً إقامة دولة يهودية هنا.. لا أرى كيف يمكن أن نقيم دولة يهودية دون أن ندوس المحاصيل: سيادة تحلّ محلّ سيادة ويهود يقيمون في مكان أقام فيه العرب من قبل، لأنه إذا قلنا أنه من أجل توطين يهود في مكان أقام فيه العرب، يجب الحصول على إذن من العرب، عندئذ لن يكون هناك مكان لدولة يهودية" (50). وقال رابين: "إنّ الجهد الأقصى لكل الشعب اليهودي مطلوب لإعادة إنشاء مملكة "إسرائيل" الثالثة، وهذه هي المهمة اليهودية الأساسية منذ دمار المعبد الثاني عام 80 ميلادية" (52). وأعلن إيغال آلون بصدد الجولان: "إنّ الجولان هي جزء من أرض "إسرائيل" القديمة ليس بأقلّ من الخليل ونابلس" (53)، وقال في محاضرة أمام مؤتمر الكيبوتس الموّحد عام 1968: "إنّ واجبنا في استيطان أرض "إسرائيل" الكبرى ليس أقلّ أهمية من استيطان وادي الأردن وبيسان أيام الانتداب، إن من يشك في هذه الحقيقة يضع علامة استفهام حول كلّ التصور الصهيوني" (54). وبعد احتلالها للجولان العربي السوري في حزيران 19697 وتنفيذاً لأطماعها ومخططاتها التي أشرنا إلى بعضها في الصفحات السابقة، عمدت "إسرائيل" إلى إجبار الغالبية العظمى من أهل الجولان إلى النزوح الجماعي، حيث كان يقطنها حوالي /153/ ألف مواطن سوري يعيشون في /312/ مركزاً وتجمعاً سكانياً في بلدات وقرى إضافة لمدينتين هما القنيطرة وفيق، ولم يبق منهم تحت الاحتلال سوى /14/ ألف مواطناً موزعين على خمس قرى هي: مجلد شمس، بقعاتا، مسعدة، عين قنية، والغجر. وقد قامت قوات الاحتلال الصهيوني خلال الحرب وما بعدها مباشرة بتدمير متعمد لعشرات القرى السورية، منها ـ مثلاً ـ أم حوزة، خربة فؤاد، تلة سلطان، عين الحمرة، سموعة، تلة ريحانة، وفي الشهور الأولى للاحتلال تم هدم 60 بالمئة من منازل مدينة القنيطرة، ثم وصلت نسبة الهدم إلى 85 بالمئة، وكان عدد سكانها يتجاوز عشرين ألفاً طردوا جميعاً ولم يُسمح لهم بالبقاء فيها (55). وتنفيذاً للاستراتيجية الصهيونية التوسعية باشرت "إسرائيل" بعد الاحتلال مباشرة عمليات الاستيطان في الجولان على أنقاض القرى والبلدات السورية التي تمت إزالتها نهائياً، وذلك ضمن سياسة طمس المعالم الحضارية العربية الموغلة في أرض الجولان منذ مئات السنين. بدأ الاستيطان اليهودي للجولان بعد احتلاله مباشرة، وذلك في سياق تهويده، تمهيداً لضمّه وإلحاقه النهائي بدولة الاحتلال، ولضمان نجاح مشروعها الاستيطاني، اتبعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة استراتيجية واحدة، متطابقة من حيث الجوهر والأهداف، وإن اختلفت أحياناً من حيث الشكل والأسلوب. وغايتها الأساسية تتمثل في الاستيلاء الكامل على الثروات الطبيعية لهذه المنطقة وفي مقدمتها الأرض والمياه لمصلحة الاستيطان من جهة، ومحاولة إضفاء الطابع "القانوني" على إجراءات الاستيلاء والتغيرات الديمغرافية والعسكرية والتهويدية من جهة أخرى. ونشير هنا إلى سلسلة "البلاغات العسكرية" التي أصدرها القادة الإسرائيليون المحتلون، التي تقرر رسمياً السيطرة على الأرض والثروة المائية والقرى والبلدات، تحت عنوان "إعلان منطقة الجولان بأكملها أرضاً مغلقة، يحظر على الأشخاص أياً كانت هويتهم الدخول إليها أو الخروج منها"، وذلك للحيلولة دون عودة المواطنين السوريين الذين اقتلعوا من أرضهم وبيوتهم، وبالتالي ضمان سلطات الاحتلال سير وتقدم مشاريعها وأطماعها التوسعية في هذه المنطقة دون إعاقات. ولقد استغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي أحكام وقواعد القانون الدولي الإنساني التي تجيز للمحتل حق إدارة الأراضي والملاك الحكومية والانتفاع بها، وتمادت في إصدار الأوامر العسكرية الموجهة لمد لسلطة ومسؤوليات الحاكم العسكري على جميع الأراضي والأملاك الحكومية والأملاك الخاصة في الجولان المحتل، فضلاً عن تخويله صلاحية القيام بأي إجراء يراه ضرورياً بخصوص هذه الأراضي والأملاك، متبعاً أسلوبين أساسيين للاستيلاء على الأرض ألا وهما: السيطرة على الأرض باعتبارها "متروكة" والسيطرة على الأرض بإعلانها "أملاكاً حكومية" (56). لقد برز الاستيطان الحدودي في الجولان العربي السوري المحتل، كتجسيد مادي للأطماع والتصورات الاستراتيجية الصهيونية، حيث باشر الصهاينة فور الاحتلال عمليات الاستيطان في الجولان، فأقامت "وكالة الاستيطان اليهودية"، في بادئ الأمر أربع مستعمرات، وترافق ذلك بحملة نظمتها الوكالة بالتعاون مع وزارة الإسكان الإسرائيلية من أجل جذب اليهود القادمين حديثاً للاستيطان في هذه المستعمرات، لكنّ حوالي (90) بالمئة من المهاجرين الجدد الذين تم إسكانهم في مستعمرات الجولان في الأعوام الثلاثة التي أعقبت الاحتلال غادروها بعد وقت قصير للسكن في فلسطين المحتلة، دون أن يطالبوا بأي تعويضات، وذلك بسبب عدم استقرار الوضع الأمني هناك، وبقيت هذه المستعمرات خالية من السكان شهوراً طويلة إلى أن قام الحاخام الأكبر "شلومون غورن" بحملة استهدفت تجنيد يهود للاستيطان داخل هذه المستعمرات، وكان له تأثير كبير في إقناع المهاجرين القادمين بالسكن في مستعمرات الهضبة، وهي المستعمرات الوحيدة التي كانت تمنح مساعدات مالية مقدارها (25) ألف شيكل لكل أسرة توافق على الاستقرار فيها، كما أنها لا تكلّف المستوطن الراغب في الانتقال إليها شيئاً من المال أو الرسوم، إضافة لإعفاء سكانها تماماً من دفع الضرائب للسلطات (57). وقد أشارت دراسة إلى أن "إسرائيل" صادرت ما بين عامي 1967 و1981 (352) ألف دونم أي ما يشكل ثلاثة أرباع مساحة الجولان، ودمرت بصورة تامة عدداً من القرى والتجمعات السكانية الكبيرة لإقامة مستوطنات يهودية مكانها، ومنها: خسفين، العال، البطيحة، الحميدية، الجوخدار، والحمّة. كما حوّلت مياه اليعفوري، المشيرفة، رأس بور سعيد، الجوفية إلى المستوطنات، التي يبلغ عددها حالياً (بحسب تلك الدراسة) /32/ مستوطنة، يعيش فيها سبعة عشر ألف مستوطن، وخططت "إسرائيل" ليبلغ عددهم ألفاً قبل حلول عام 2000 (58). وتقول دراسة أخرى (59)، أنّ الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه هضبة الجولان السورية تميزت ما بين 1948 و1976 بالعمل على خرق اتفاقية الهدنة السورية ـ الإسرائيلية من خلال إلغاء الوضع الخاص بالمناطق المجردة من السلاح ضمن وادي الحولة، وقد حققت "إسرائيل" عائدات على أكثر من صعيد من جرّاء تنفيذ تجفيف بحيرة الحولة ومستنقعاتها، فقد حصلت على آلاف الدونمات الصالحة للزراعة، وبالتالي المزيد من الاستيطان، هذا فضلاً عن كون تنفيذ المشروع حقّق رفعاً للأداء العسكري الإسرائيلي، وقد ظهر ذلك بوضوح إبان العدوان الإسرائيلي الخامس من حزيران من عام 1967، والتوجه شرقاً لاحتلال الهضبة السورية. أما بعد الاحتلال الإسرائيلي للجولان في عام 1967، فقد برزت أهميته الكبيرة من زاويتين على الأقل، هما الزاوية الأمنية، حيث حقّق عمقاً استراتيجياً للكيان الصهيوني، والزاوية الاقتصادية، المتمثلة بتوفير مصادر مياه غزيرة لهذا الكيان. وقد برز الاستيطان في الجولان كتجسيد مادي "للاستيطان الأمني" ولهذا سعت حكومات "العمل" ضمن فترة توليها السلطة في "إسرائيل" (1967 ـ 1977) إلى تعزيز هذا الاتجاه وتحويل المستوطنات إلى "قلاع دفاعية ـ هجومية"، وأطلقت عدداً من المشاريع، أهمها "مشروع آلون". وقد ركزّت معظم المشاريع المطروحة على المسألة الأمينة والموقع الاستراتيجي للجولان، والدور الكبير للمستوطنات الأمنية، هذا فضلاً عن تأمين استمرار السيطرة الصهيونية على مصادر ومنابع المياه في هضبة الجولان. ومن وجهة نظر "العمل" وزعيمه السابق اسحق رابين، فإن الاستيطان في الجولان السوري المحتل يندرج في عداد "الاستيطان الأمني"، بل أهمّه على الإطلاق، لذلك وسّعت حكومة "العمل" أبنية الاستيطان في المستعمرات الاستيطانية في الجولان. وقد استخدمت كلٌّ من حكومتي "العمل" و"الليكود" الاستيطان الصهيوني في الجولان كورقة هامة للتفاوض، هذا فضلاً عن وظائفه الأمنية الأخرى. وتشير الدراسة ذاتها إلى أن مجموع المستوطنات المبنية في الجولان السوري المحتل إلى صيف 1995 بلغ نحو /35/ مستوطنة، تضم حوالي خمسة عشر ألف مستوطن (60). أما بالنسبة إلى مستقبل الاستعمار الاستيطاني في الجولان العربي السوري المحتل، فهو ـ كما يرى عددٌ من الباحثين والمحللين السياسيين ـ مرهون بما يمكن أن تحققه مستقبلاً المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية، حيث إنّ المستعمرات الاستيطانية عرضة للتحولات الكبيرة التي قد تؤدي بها في نهاية المطاف لأن تصبح أطلالاً في حال نجاح الإرادة السورية على الإرادة الإسرائيلية، وبالتالي التوصل إلى حل سياسي لمستقبل الهضبة السورية، أو سنشهد مزيداً من الاستيطان الصهيوني في الجولان، إذ لا يستقيم الحديث عن سلام سوري ـ إسرائيلي ـ بوجود المستوطنات (61). وقد استولت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على جميع مصادر المياه الموجودة في الجولان المحتل، ومن الناحية العملية قامت "إسرائيل" بوضع اليد على منابع نهر بانياس الموجودة في الجهة الشمالية ـ الغربية من الجولان والاستئثار بها، ويبلغ المنسوب السنوي لهذا النهر 125 مليون متر مكعب من المياه توظفها "إسرائيل" في خدمة المستوطنات التي أقامتها في الجولان، ولأجل ري سهل الحولة، أما الكمية الباقية فتصل لتصبّ في بحيرة طبرية. كذلك تقوم "إسرائيل" كميات كبيرة من نهر اليرموك تصل إلى 380 مليون متر مكعب، ويتمتع هذا النهر بمنسوب سنوي يقدّر بـ 500 مليون متر مكعب، حيث أقامت "إسرائيل" مضخات على هذا النهر لضخ مياهه إلى بحيرة طبرية، ومن ثم سحبها إلى وسط وجنوب فلسطين المحتلة لأغراض الري والاستعمال المنزلي، أضف إلى هذا أن "إسرائيل" تستفيد من حوالي 307 ملايين متر مكعب من المياه هي المنسوب السنوي لأنهر ووديان مصدرها الجولان المحتل وتصبّ معظمها في حوض بحيرة طبرية. وتشير الإحصاءات إلى أن الجولان يزودّ "إسرائيل" بحوالي 25 ـ 30 بالمئة من استهلاكها السنوي للمياه، وهذا أحد الأسباب الرئيسية الكامنة وراء الرفض الإسرائيلي المستمر في تنفيذ بنود قرار مجلس الأمن رقم "242" والانسحاب إلى ما وراء حدود الرابع من حزيران لأن من شأنه ذلك أن يعيد مصادر المياه السورية لتمارس سيادتها بصفتها صاحبتها الشرعية بما في ذلك شمال ـ شرق بحيرة طبرية. إلى جانب الأنهر والوديان المذكورة التي تقع تحت السيطرة المطلقة لسلطات الاحتلال، قامت هذه السلطات وبموجب الأمر العسكري رقم "120" بشأن مصادر المياه بمصادرة بحيرة مسعدة الطبيعية التي تتسع لثلاثة عشر مليون متر مكعب من المياه، وتحويل مياهها إلى المستوطنات التي أقيمت في الجولان، علماً بأن هذه البحيرة محوطة بتلال من الأشجار المثمرة، أهمها التفاحيات والكرز تعود ملكيتها للسكان العرب السوريين الذي تم حرمانهم من الاستفادة من مياهها. لقد عملت "إسرائيل" منذ الأيام الأولى للاحتلال وما زالت على وضع اليد على كل مقدرات الجولان من المياه، فإضافة لاستيلائها على المصادر الطبيعية للمياه، قامت "إسرائيل" ببناء /18/ بركة اصطناعية باستطاعتها استيعاب حوالي /60/ مليون متر مكعب من مياه الأمطار والينابيع والوديان، حيث تتم تعبئتها في فصل الشتاء وتستخدم لري الأراضي الزراعية التابعة للمستوطنين طيلة فصل الصيف في الوقت الذي قامت فيه "إسرائيل" بمنع السكان العرب السوريين من حفر الآبار الارتوازية وتشييد البرك الاصطناعية لدرجة حرمانهم من تجميع السيول والينابيع، التي تجري خلال فصل الشتاء، لاستخدامها في ري الأراضي الزراعية التابعة لهم، ويُذكر أن "إسرائيل" قامت بحفر عددٍ من الآبار الارتوازية في جميع أنحاء الجولان المحتل لتحصل على كميات كبيرة من المياه الجوفية وتحويلها للمستوطنين وإلى داخل فلسطين المحتلة بهدف الاستعمال المنزلي. ويتبيّن ممّا تقدّم أنّ سلطات الاحتلال عملت بشتّى الطرق على جعل مصادر المياه في الجولان المحتل تحت سيطرتها المطلقة، إلى درجة أنها حرمت السّكان العرب السوريين من الوصول إلى هذه المصادر، واستخدامها للأغراض الزراعية هادفة من وراء ذلك إلى ضرب القاعدة الزراعية (المعيشية) لهؤلاء السكان (62). ومما يجدر ذكره أنّ السلطات الصهيونية قامت بمجموعة إجراءات تشريعية بهدف ضمّ الجولان العربي السوري المحتل إلى "إسرائيل"ز ففي نهاية عام 1981 قدّمت مجموعتان من أعضاء الكنيست مشروعي قانونين يدعوان إلى ضم الجولان إلى "إسرائيل": المجموعة الأولى تتألف من ثمانية عشر نائباً في تكتل الليكود اليميني، والثانية من نائبي حزب "هاتحيا" (النهضة) المتطرف الذي تتزعمه غيئولا كوهين، كما وقّع سبعون نائباً عريضة رفعوها للحكومة تدعوها فيها إلى اتخاذ قرار الضم (63). وفي الرابع عشر من كانون الأول عام 1981 اتخذ الكنيست قراراً عاجلاً يقضي بتطبيق القوانين الإسرائيلية على الجولان، وهو ما يعني ضمّ الجولان السوري المحتل إلى "إسرائيل".. وعشية التصويت على القرار قال مناحيم بيغن رئيس وزراء "إسرائيل" آنذاك: "نحن نؤكد أنّ هضبة الجولان كانت في الماضي جزءاً لا يتجزأ من فلسطين، أما الذين رسموا حدود بلدان هذه المنطقة في أثناء الحرب العالمية الأولى، منهم الذين رسموا بعدها حدوداً اعتباطية مع سورية" (64). وقد أثار قرار الضمّ المجتمع الدولي كلّه ووقف ضدّه، مؤكداً أنه عدوان على الحقوق السورية، ويخالف كل المواثيق المتعارف عليها ومواد القانون الدولي، وبناء على طلب سورية عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً في السابع عشر من كانون الأول عام 1981 أصدر بعده القرار رقم "497" أكد فيه أن قرار "إسرائيل" بفرض قوانينها وولايتها وإدارتها في مرتفعات الجولان السورية المحتل يُعَدّ ملغى وباطلاً وليس له أي أثر قانوني. وطالب "إسرائيل" بوصفها السلطة القائمة بالاحتلال بإلغاء قرارها فوراً، وقرر أن جميع نصوص اتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب المؤرخة في 12 آب 1949 تنطبق على الأراضي السورية المحتلة. وطالب القرار الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم تقرير إلى مجلس الأمن الدولي حول تنفيذ هذا القرار خلال أسبوعين، وقرّر في حال عدم امتثال "إسرائيل" لهذا القرار بأن يجتمع المجلس بصورة عاجلة في موعد لا يتجاوز الخامس من كانون الثاني 1982 للنظر في اتخاذ التدابير الملائمة وفقاً لأحكام ميثاق الأمم المتحدة، وقد صوّت على هذا القرار خمسة عشر عضواً، أي أنه صدر بالإجماع، وكما هو منتظر رفضت "إسرائيل" إجماع العالم وضربت عرض الحائط بالشرعية الدولية، فعاود مجلس الأمن اجتماعه وأصدر في الثامن والعشرين من كانون الثاني 1982 قراره رقم "500" الذي أكدّ فيه على ما جاء في القرار السابق، كما اجتمعت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها التاسعة الطارئة، وتبنّت قراراً يحمل الرقم "272" أعلنت فيه أن قرار "إسرائيل" الصادر في 14/12/1981 القاضي بتطبيق سلطاتها القضائية والقانونية والإدارية على مرتفعات الجولان السورية المحتلة يشكّل عملاً عدوانياً بموجب المادة (39) من ميثاق الأمم المتحدة وقرار الجمعية العامة رقم "3314" الصادر في 14/12/1974، وأكد أن القرار الإسرائيلي المشار إليه باطل وليس له شرعية قانونية، ويجب عدم الاعتراف بكل الإجراءات التي اتخذتها "إسرائيل" في الجولان. كما أكدّت الجمعية العامّة للأمم المتحدة في قرارها ذاك تصميمها على أن "اتفاقيات لاهاي" للعام 1907 واتفاقية جنيف في 12/8/1949 المتعلقة بحماية الأفراد المدنيين إبان الحروب يستمّر تطبيقها على الأراضي السورية المحتلّة منذ العام 1967. كذلك أكدّ القرار الدولي أنّ احتلال الجولان وقرار ضمّها إلى "إسرائيل" يشكّل تهديداً مستمراً للسلام والأمن. ويجب أن نشير في هذا السياق إلى أن المواطنين السوريين في الجولان المحتل قاوموا بشدّة القرار الإسرائيلي بضم أرضهم إلى "إسرائيل" وتطبيق القوانين الإسرائيلية عليهم، كما رفضوا أن يحملوا الهوية الإسرائيلية، فتظاهروا ضد هذا الإجراء، مؤكدين انتماءهم الأزلي لبلدهم ووطنهم سورية، وأعلنوا الإضراب العام الذي استمر ستة أشهر مطالبين بعدم مصادرة الأراضي وعدم فرض الجنسية الإسرائيلية عليهم، فقام ستة عشر ألف جندي إسرائيلي بمحاصرة القرى السورية الخمس المحتلة، واعتقال عشرات من المواطنين السوريين وإيداعهم سجون الاحتلال، وقد صدرت بحق كثير منهم أحكامٌ بالسجن لمدد طويلة، وقد أرغم أهلنا في الجولان سلطات الاحتلال على التراجع عن قضية فرض الهوية الإسرائيلية عليهم، رغم كل ما تعرضوا له من ضغوطات وممارسات قمعية وحشية، وكان لانتفاضتهم ضد قوانين الاحتلال أكبر الأثر في إجبار "إسرائيل" على التراجع رغم إصرارها اليوم على الإبقاء على احتلالها للجولان، ورفضها الانسحاب منه حتى مقابل السلام الكامل، بل تقوم بالمزيد من أعمال الاستيطان، وإقامة المنشآت العسكرية والصناعية والسياحية في الجولان، متحدّية بذلك كل القوانين والشرائع الدولية وقرار مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، والمفاوضات التي جرت على أساس "مبدأ الأرض مقابل السلام"، وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى حدود الرابع من حزيران 1967، وتنفيذ قراري مجلس الأمن الدولي رقم "242" و"338" اللذين يطالبان "إسرائيل" بالانسحاب من الأراضي العربي التي احتلتها في حزيران عام 1967. وبناءً على ما تقدم يمكن القول إن احتلال "إسرائيل" للجولان وما رافقه من ممارسات غير شرعية كتهجير السّكان، والسيطرة على الأرض والمياه وكل الثروات الطبيعية في سبيل توظيفها في خدمة الاستيطان، يتناقض كلياً مع أسس ومعايير القانون الدولي، من جهة، لكنّه يشكّل من حيث الجوهر تنفيذاً لأطماع الصهيونية وأهدافها الاستراتيجية والتاريخية في الجولان العربي السوري من جهة أخرى. لكنّ الشيء الثابت والمؤكّد أنّ "إسرائيل" التي استطاعت احتلال الجولان في عام 1967، لن تتمكن من "هضمه" وابتلاعه وفي الوقت نفسه أن تبقى مستقرّة مرتاحة، وان تعيش بسلام وطمأنينة، لأن سورية لن تتخلى عن شبر واحد من أرضها ومياهها وحقوقها الشرعية، وستعمل بوسائل مختلفة لاستعادة هذه الأرض والحقوق عاجلاً أم آجلاً، فالجولان العربي السوري يشكل بوّابة السلام ومفتاحه برميل البارود في آنٍ معاً، وعلى "إسرائيل" أن تختار بصورة واضحة ونهائية ـ السلام العادل والشامل، أو التوتر والخوف والقلق، وانتظار جولات جديدة من الصراع من أجل استعادة الحقوق المغتصبة. ولابدّ أن نستذكر في هذا المجال مواقف القائد العربي الكبير حافظ الأسد، الذي أكّد مراراً "أنّ السلام لا يمكن أن يقوم على أساس من الظلم، واحتلال أراضي الغير ظلم، والعدوان ظلم، وتشريد الشعوب ظلم، وانتهاك حقوق الشعب ظلم.. ونحن في سورية إذ نؤكد حرصنا على تحقيق السلام في منطقتنا والعالم على أساس تحقيق عوامله، فإننا مصممون على مواصلة نضالنا العادل ضد إرهاب "إسرائيل" وتوسعيّتها، وضد مخططات الإمبريالية وأهدافها في السيطرة" (65). ويقول القائد الخالد حافظ الأسد في مقام آخر: "إنّ الصراع العربي الإسرائيلي همّنا الأكبر، وطبيعي يستحوذ على جُلّ اهتمامنا، لأنه صراع مصير ووجود، وبسبب خطورته وأثره على السلام العالمي... وعندما نؤكدّ أننا نريد حلاً لهذا الصراع يحقّق السلام العادل في منطقتنا فنحن جادّون، لأن السلام العادل يعني نهاية العدوان والاحتلال، ويعني عودة الأرض العربية والحقوق العربية إلى أصحابها. ولكنّ "إسرائيل" متشبثة بالأرض ومصرّة على إنكار الحقوق.. أمام هذا الواقع يجب أن نتسلح بالوعي والتصميم والقوة لنواجه عدّواً شرساً ومخادعاً، إذا تحدث حيناً عن السلام فإنما يضمر التوسع والعدوان، وإذ يطرح مواصفاته وشروطه للسلام، فإنما يريد أن يجعل منها فخاً للاستسلام، بل إن حكّام "إسرائيل" الآن لا يبالون حتى بالحديث الممّوه عن السلام، ولا يخفون إصرارهم على استمرار الاحتلال، ولكن هذا الواقع لا يعني أن نجمّد تحركنا السياسي، إننا نواصل النضال وتحركنا، ولكن على أساس فهم الأمور فهماً صحيحاً" (66). وفي كلمته السياسية الشاملة في افتتاح المؤتمر العام الرابع لاتحاد الصحفيين في دمشق في الخامس عشر من آب/أغسطس 2006 أكدّ السيد الرئيس بشّار الأسد أنه عندما "نقول اخترنا السلام كخيار استراتيجي.. فهذا لا يعني أننا ألغينا الخيارات الأخرى بل على العكس.. فكلما ابتعد السلام عن التحقيق.. ظهرت أهمية وضرورة البحث عن طرق وحلول أخرى لاستعادة حقوقنا.. وبالمقابل أكدنا في سورية على هذا الخيار.. أي خيار السلام.. منذ بدء عملية السلام مع تمسكنا بخيار المقاومة مادام السلام لم يتحقق، وخصوصاً أنّ الشريك المفترض في السلام هو طرف لا يؤمن بهذه المقولة أصلاً وقدّم لنا الدليل تلو الدليل بما يؤكد ذلك.." (67). ويضيف سيادته: "نحن مقتنعون بأن الطريق الطبيعي لتحقيق السلام هو المفاوضات ولكن عندما يفشل هذا الطريق أو لا يتوفّر أصلاً.. فالمقاومة بأشكالها المختلفة هي البديل من أجل استعادة الحقوق.. والمقاومة ليست بالضرورة أن تكون فقط مقاومة مسلّحة.. وإنما ثقافية وسياسية وممانعة بالأشكال المختلفة، فإذاً دعم المقاومة هدفه السلام وليس الحرب، وذلك من خلال الردع لمنع العدوان، وإنْ لم ينفع فمن خلال الحرب لتحرير الأرض.. وبالتالي فالمقاومة ليست نقيض السلام ولا بديلاً عنه، بل هي.. على الأقل.. في ظروفنا الحالية.. ضرورية من أجل تحقيقه. وإلا النتيجة ستكون خسارتنا في معركة الحرب وخسارتنا في معركة السلام.. خاصة أن "إسرائيل" ومن خلفها الولايات المتحدة قد انتقلتا نهائياً إلى اعتماد الخيار العسكري المبني على مذهب الحرب الاستباقية.. بينما بقينا نحن كعرب في مكاننا نتحاور ونتفاوض مع أنفسنا مقتنعين بسلام موعود مع طرف وهمي يحضرّ نفسه يومياً من أجل عدوانه القادم على المواطنين العرب" (68). نخلص إلى القول: إنّ الصهيونية وأطماعها وأهدافها الاستراتيجية ليست قدراً إلهياً غير قابل للإلغاء والتبديل، وإنّ العرب لن يبقوا على ضعفهم وتردّدهم، كما أن "إسرائيل" لن تستمر بقوّتها وقدراتها العسكرية والأمنية والسياسية والمعنوية، وأن وقائع التاريخ تبرهن على حقيقة مؤكدة تتمثل في أنه مهما طال زمن الاحتلال، فإن الشعوب ستجد الوسائل الكفيلة بإزالته ودحره، واستعادة الأرض المحتلة والحقوق المغتصبة.. والجولان العربي السوري المحتل ليس استثناء من هذه القاعدة.. فالاحتلال والاستيطان والتوسّع الصهيوني لا مستقبل له في هذه الأرض، التي لا تقبل الضيمّ، ولا تنام على الاحتلال، والظلم، والعدوان، والعنصرية الصهيونية. مصادر البحث وهوامشه: 1 ـ نقلاً عن:محمود وادي المرش، بريطانيا: صندوق الاستكشافات الفلسطينية ـ في مجلة "شؤون فلسطينية"، العدد 9 أيار 1972، ص 202. 2 ـ انظر: "الجولان.. التاريخ.. الموقع.. السكان.. المستوطنات.. الضم.. الانتفاضة"، صحيفة "الوحدوي" الصادرة عن حزب الوحدويين الاشتراكيين في القطر العربي السوري، دمشق، العدد 1973 تاريخ 15/2/2004، ص. ص 8 ـ 9. 3 ـ الدكتور أسعد رزوق، إسرائيل الكبرى ـ دراسة الفكر التوسعي الصهيوني (بيروت: مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، 1968)، ص 239. 4 ـ المصدر نفسه، ص ص 76 ـ 78. 5 ـ الدكتورة خيرية قاسمية، نشاطات صندوق استكشاف فلسطين (1865 ـ 1915) ـ في مجلّة "شؤون فلسطينية"، العدد 104، تموز 1980، ص ص 71 ـ 100. 6 ـ إبراهيم عبد الكريم، المياه والمشروع الصهيوني (القيادة القطرية للتنظيم الفلسطيني، سلسلة دراسات /9/ نيسان/ 1983)، ص 48. 7 ـ سياسي وعضو برلماني بريطاني، اهتم بالاستيطان في فلسطين، قام برحلات إلى المشرق العربي في سبعينيات القرن التاسع عشر بعد مؤتمر برلين، وهو واحد من المساهمين في بحوث وتقارير "صندوق استكشاف فلسطين" البريطاني... وضع مشروعاً لحلّ ما سُمّي بـ "المسألة الشرقية" يقوم على تنمية موارد الإمبراطورية العثمانية، بدعوة اليهود في أوربا للاستيطان في الجانب الشرقي في النهاية العليا للبحر الميت، أي فيما يُسمى بـ "أرض جلعاد" في القاموس الصهيوني. 8 ـ إبراهيم عبد الكريم، المياه والمشروع الصهيوني، المصدر نفسه. 9 ـ نقلاً عن: الدكتور أسعد رزوق، إسرائيل الكبرى دراسة في الفكر التوسعي الصهيوني، ص 47. 10 ـ الدكتور عبد الوهاب الكيالي، المطامع الصهيونية التوسّعية، سلسلة دراسات فلسطينية رقم 3 (مركز الأبحاث/منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت: 1966)، ص 57. 11 ـ الدكتور عبد الوهاب الكيالي، الإيديولوجية الصهيونية، ج 1، سلسلة "عالم المعرفة" رقم /60/، الصادرة عن "المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب" (الكويت، كانون الأول، 1982)، ص ص 177 ـ 178. 12 ـ الدكتور أسعد رزوق، إسرائيل الكبرى، ص 88. 13 ـ المصدر نفسه، ص ص 581 ت 582. 14 ـ جيمس آرثر بلفور (1848 ـ 1930): سياسي بريطاني محافظ وصهيوني مسيحي. تلقى تعليماً مشبعاً بالتفسير الصهيوني "للعهد القديم". اهتم بالمسألة اليهودية في الفترة بين 1902 ـ 1905 أثناء توليه منصب رئيس الوزراء حين بدأت موجات هجرة يهود شرق أوربا تجتاح بريطانيا ووقف منها موقف المعارض. في عام 1906. قابل الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان وأعجب به. استعاد اهتمامه بالصهيونية عندما عيّن وزيراً للخارجية في عام 1916، معتقداً بإمكانية التحالف بين بريطانيا وهذه الحركة من جراء مساعدتها على بسط هيمنتها على فلسطين. ساعد الصهيونية في مؤتمرات السلم التي عقدت بعد الحرب والتي أقرت الانتدابات الاستعمارية على المشرق العربي. شارك في افتتاح "الجامعة العبرية" في عام 1925 حين استقبلته فلسطين بالإضراب العام، كما استقبلته دمشق بالتظاهرات الصاخبة واضطرت السلطات الفرنسية إلى تهريبه تحت الحراسة المشدّدة. انظر: موسوعة السياسة، المؤلف الرئيسي ورئيس التحرير الدكتور عبد الوهاب الكيالي، ج1 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979)، ص 560. 15 ـ المصدر نفسه. 16 ـ نقلاً عن ريجينا الشريف، الصهيونية غير اليهودية: جذورها في التاريخ الغربي؛ ترجمة أحمد عبد الله عبد العزيز ـ سلسلة "عالم المعرفة" الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، رقم /96/، (الكويت: كانون الأول/ ديسمبر، 1985) ص ص 159 ـ 160. 17 ـ الدكتورة خيرية قاسمية، النشاط الصهيوني في الشرق العربي وصداه (1908 ـ 1918)، (بيروت: مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، 1973)، ص 9. 18 ـ إبراهيم عبد الكريم، المياه والمشروع الصهيوني، ص 56. 19 ـ الدكتور عبد الوهاب محمد المسيري، الأيديولوجية الصهيونية: دراسة حالة في علم اجتماع المعرفة ـ سلسلة "عالم المعرفة" الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، العدد رقم /60/، القسم الأول، (الكويت: كانون الأول/ديسمبر، 1982)، ص 177. 20 ـ الدكتور عبد الوهاب الكيالي، المطامع الصهيونية التوسعية، سلسلة دراسات فلسطينية رقم 3، (بيروت: مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، 1966)، ص 72. 21 ـ الدكتور أسعد رزوق، إسرائيل الكبرى، ص 47. 22 ـ استراتيجية الصهيونية وإسرائيل تجاه المنطقة العربية والحزام المحيط بها (دمشق مؤسّسة الدراسات الفلسطينية، 1982)، ص 51. 23 ـ القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني (بيروت: مؤسّسة الدراسات الفلسطينية، 1973)، ص 76. 24 ـ الدكتور أسعد رزوق، إسرائيل الكبرى، ص 403. 25 ـ الدكتور عبد الوهاب الكيالي، المطامع الصهيونية التوسعية، ص 58. 26 ـ آرثر روبين (1876 ـ 1943) عالم زراعي وعالم اجتماع كان زعيماً للرواد (الحالوتسيم) في بناء المستعمرات اليهودية في فلسطين. نقلاً عن كتاب "الفكرة الصهيونية.. النصوص الأساسية، سلسلة كتب فلسطينية رقم 21 (بيروت: مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، 1970)، ص 401. 27 ـ الدكتور أسعد رزوق، إسرائيل الكبرى، ص 413. 28 ـ إبراهيم عبد الكريم، المياه والمشروع الصهيوني ص 61. 29 ـ الدكتور عبد الوهاب الكيالي، المطامع الصهيونية التوسعية ص 84. 30 ـ لويد جورج (1863 ـ 1945) سياسي بريطاني، اشتهر بالبلاغة الخطابية. بدأ حياته الوزارية وزيراً للتجارة سنة 1906، ثم وزيراً للخزانة سنة 1908. عين وزيراً للذخيرة سنة 1915 أثناء الحرب العالمية الأولى ووزيراً للحرب بعد وفاة اللورد كيتشنر سنة 1916. شكّل وزارة ائتلافية سنة 1916 قادت بريطانيا نحو النصر. كان من أشد المتحمسين للصهيونية، في عهده صدر "وعد بلفور" الشهير للصهيونية على أرض فلسطين العربية. انظر: موسوعة السياسة، برئاسة تحرير الدكتور عبد الوهاب الكيالي، الجزء الخامس (بيروت المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2، 1990) ص 529. 31 ـ مسيرة السادات الاستسلامية من زيارة القدس المحتلة حتى صفقة كامب ديفيد، بإشراف حبيب قهوجي (دمشق: مؤسسة الأرض للدراسات الفلسطينية، 1978)، ص 23. 32 ـ إبراهيم عبد الكريم، المياه والمشروع الصهيوني ص ص 63 ـ 64. 33 ـ الدكتور أسعد رزوق، إسرائيل الكبرى، ص 417. 34 ـ مسيرة السادات الاستسلامية من زيارة القدس المحتلة حتى صفقة كامب ديفيد ص 23. 35 ـ المصدر نفسه، ص 22. 36 ـ المصدر نفسه، ص 24. 37 ـ معاريف، 18/4/1972. 38 ـ فرانتز شايدل، إسرائيل والمشكلة الفلسطينية، ترجمة محمد جديد (دمشق، 1970)، ص 7. 39 ـ المصدر نفسه، ص 8. 40 ـ المصدر نفسه، ص 12. 41 ـ ر. ك كارانجيا، خنجر إسرائيل "دمشق: دار دمشق للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1967). 42 ـ المصدر نفسه، الطبعة الخامسة، 2005، ص ص 54 ـ 55. 43 ـ المصدر نفسه، ص 57. 44 ـ المصدر نفسه، ص 58. 45 ـ المصدر نفسه، ص ص 60 ـ 71. 46 ـ مسيرة السادات الاستسلامية من زيارة القدس المحتلة حتى صفقة كامب ديفيد، ص 26. 47 ـ صحيفة "جيروز اليم بوست" 10/8/1967؛ نقلاً عن المصدر السابق، ص 26. 48 ـ المصدر نفسه. 49 ـ المصدر نفسه، ص (27). 50 ـ المصدر نفسه، نقلاً عن "معاريف"، 16/2/1973. 51 ـ المصدر نفسه، نقلاً عن "جويش كرونيل"، 31/12/1967. 52 ـ المصدر نفسه، نقلاً عن "جويش كرونيل"، 15/12/1967. 53 ـ المصدر نفسه، ص 27. 54 ـ المصدر نفسه، نقلاً عن "جيروز اليم بوست" 18/4/1968. 55 ـ صحيفة "الوحدوي" العدد 173، تاريخ 15/2/2004، ص 9. 56 ـ الدكتور نزار أيوب، "أبعاد الأطماع الصهيونية في الجولان وعدم شرعية الإجراءات التي استهدفت الاستيلاء على الأرض ومصادر المياه" نقلاً عن "موقع الجولان" على الانترنيت. http://www.Jawlan.org/reports/20050203.htm 57 ـ صحيفة "الوحدوي"، العدد 173، تاريخ 15/2/2004، ص 9. 58 ـ المصدر نفسه. 59 ـ مأمون كيوان وعبده الأسدي، قضية الجولان: هضبة الإشكاليات وفجوات الحلول المحتملة (دمشق: دار النمير، 1996)، ص ص 102 ـ 103. 60 ـ المصدر نفسه، ص 104. 61 ـ المصدر نفسه. 62 ـ الدكتور نزار أيوب، "أبعاد وأطماع الصهيونية في الجولان وعدم شرعية الإجراءات التي استهدفت الاستيلاء على الأرض ومصادر المياه"، "موقع الجولان" على الانترنيت. مصدر سبق ذكره. 63 ـ المصدر نفسه. 64 ـ صحيفة "الوحدوي"، العدد 173، تاريخ 15/2/2004، ص 9. 65 ـ حافظ الأسد صانع تاريخ الأمة وباني مجد الوطن، موسوعة كاملة، إعداد أحمد قرنة، (بيروت ـ حلب: دار الشرق العربي، الجزء الخامس 1985 ـ 1988)، ص ص 377 ـ 387. 66 ـ حافظ الأسد صانع تاريخ الأمة وباني مجد الوطن، موسوعة كاملة، إعداد أحمد قرنة (بيروت ـ حلب: دار الشرق العربي، الجزء السادس 1989 ـ 1994)، ص ص 431 ـ 432. 67 ـ صحيفة "تشرين" العدد /9640/ تاريخ 16 آب 2006. 68 ـ المصدر نفسه. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |