مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 27 السنة الثامنة خريف 2006
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الدوافع والاعتبارات الإسرائيلية لرفض الانسحاب من الجولان ـــ إبراهيم عبد الكريم

حين تسترد سورية المنطقة المحتلة من الجولان، سيضاف إلى سجل التاريخ السياسي للمنطقة حدث نوعي، يتمثل بإنجاز استراتيجي غير مسبوق، من حيث أهميته ودلالاته. لماذا؟!.. ببساطة تامة، لأن الأمر، والحالة هذه، يتلخص بكسر الأسباب الإسرائيلية للتمسك بالمنطقة المحتلة من الجولان.‏

كيف تبدو مضامين رفض الانسحاب من الجولان على خلفية التوجهات السياسية الإسرائيلية؟.. وماذا عن تعبيرات المواقف الاستراتيجية التي تتخذها حكومات إسرائيل المتعاقبة في مختلف الميادين إزاء قضية الجولان وإزاء موضوع السلام مع سورية بوجه عام؟..‏

تُعنى هذه الدراسة بتناول جانب من الصراع العربي ـ الإسرائيلي، يتعلق بقضية الجولان في سياق الاستراتيجية الإسرائيلية، وتحديداً مسألة رفض الانسحاب من الجولان. فيتم التركيز على المحاور الرئيسة فيها، وهي: البعد الأيديولوجي، الموقع الجغرافي، الجغرافية الأمنية، الأنشطة العسكرية، العوامل الاقتصادية، متغيرات السكان والاستيطان، الأهمية المائية، تجربة المفاوضات وتغير التوجهات الإسرائيلية، التوافق الداخلي وغطرسة القوة، التقديرات الإسرائيلية المقولبة للأوضاع في سورية، افتضاح المزاعم الإسرائيلية. وترمي الدراسة إلى تقديم صورة عن المستوى بالغ التعقيد الذي تحيط به إسرائيل قضية الجولان، على طريق الاستمرار بتوليد الصراع وتغذية التوتر في المنطقة. كما ترمي إلى الإسهام في التعريف ببعض أبعاد هذه القضية وفق المحددات الإسرائيلية الخاصة بعوامل رفض الانسحاب من منطقة الجولان المحتلة.‏

ـ البعد الأيديولوجي‏

أثارت مسألة الانسحاب الإسرائيلي المفترض من الجولان، جدالاً عادياً في الأوساط الصهيونية، على امتداد السنوات الماضية. وكان هذا الجدال يشتد في فترات مفصلية تتعلق بالمفاوضات التي جرت ضمن إطار ما أطلق عليه "عملية السلام"، وحضر العامل الإيديولوجي في خلفيته وفي مفرداته على حد سواء، وشاركت فيه الجهات الدينية الحزبية والحكومية والعامة. ولوحظ أن هناك تشكلاً واضحاً لوجهتي نظر في الشأن الأيديولوجي الصهيوني الخاص بالجولان.‏

على غرار نصوص الرواية الدينية اليهودية، والكتابات الإسرائيلية المستندة إلى هذه النصوص، تمّت نسبة الفترات التاريخية في الجولان إلى فترة أو أحداث تتعلق بما ورد في رواية التناخ(= العهد القديم)، وظهرت محاولات لاختلاق تاريخ لليهود في الجولان، والقفز فوق فترات طويلة، والزعم بوجود يهودي متواصل في الجولان منذ القديم، مع انتحال هوية المنطقة وتاريخها وتراثها وآثارها، للدلالة على "ارتباط اليهود" بها. وتعامل الإسرائيليون مع الجولان بأوصاف تكرس هذا "الارتباط"، مثل: "أرض الوطن" و"أرض الأجداد" و"أرض إسرائيل الكاملة"..إلخ.‏

بالمقابل، كان هناك اعتراض من قبل الكثيرين من الصهاينة على تلك المزاعم. وفي مركز التيار الصهيوني الذي ينفي أي ارتباط يهودي قديم بالجولان، يذهب بعض المؤرخين والباحثين الصهاينة إلى أنه "في معظم العصور التاريخية لم تكن منطقة الجولان جزءاً من أرض إسرائيل"، وكانت هذه المنطقة مرشحة للاستيلاء عليها، في زمن يشوع، بدليل ما ورد، وهو حرفياً: "وشاخ يشوع. تقدم في الأيام. فقال له الرب أنت قد شخت. تقدمت في الأيام. وقد بقيت أرض كثيرة جداً للامتلاك. هذه هي الأرض الباقية. كل دائرة الفلسطينيين وكل الجشوريين...". وورد اسم سكان مناطق شرق الأردن ومنها منطقة حرمون في سفر القضاة بالنص: "فهؤلاء هم الأمم الذين تركهم الرب ليمتحن بهم إسرائيل كل الذين لم يعرفوا جميع حروب كنعان، إنما لمعرفة أجيال بني إسرائيل لتعليمهم الحرب. الذين لم يعرفوها قبل فقط. أقطاب الفلسطينيين الخمسة وجميع الكنعانيين والصيدونيين والحويين سكان جبل لبنان من جبل بعل حرمون على مدخل حماة."(1).‏

وحسب الرواية التناخية، والكتابات المتعلقة بها، كانت جيشور ومعكة وباشان تقع خارج مجال الاستيطان الإسرائيلي القديم، حتى في فترة متأخرة جداً مثل فترة القضاة ومملكة شاؤول ومملكة داود(القرن الحادي عشر ق.م) ففي ذلك الحين تم احتلال المنطقة، لكنها كانت خارج يهودا وإسرائيل، وكذلك في فترة سليمان، وهكذا كان الأمر في فترة انقسام المملكة (928 ق.م). وفي فترات مختلفة كان الجولان ساحة معركة أو معبراً للجيوش المختلفة التي عبرته، لكنه لم يكن خاضعاً للسيطرة اليهودية(2). عموماً، بصرف النظر عن الإشكالية الخاصة بالرواية التناخية وعلاقتها بالجغرافية، يمكن الوقوف عند درجة الوضوح العالية في النص الإسرائيلي المقتبس، من ناحية دحض الذريعة الدينية أو الأيديولوجية للتمسك الإسرائيلي بالمنطقة المحتلة من الجولان.‏

في نطاق تباين المواقف الصهيونية إزاء المكانة الدينية للجولان في المنظور الديني اليهودي، وعلى تماس مباشر مع المسألة السياسية، أثار مستقبل هضبة الجولان خلافاً حاخامياً حاداً في إسرائيل، في أوائل التسعينات، بالتزامن مع ما سمي "عملية السلام" في المنطقة، لمعرفة إذا ما كانت منطقة الجولان جزءاً من "أرض الميعاد" أم لا. اندلع الخلاف حين أكد الحاخام شلومو غورين(المرشد الروحي والحاخام العسكري الأكبر للجيش الإسرائيلي خلال حرب عام 1967) أن "شرق الأردن والجولان ليسا جزءاً من الأرض التي وعد الله اليهود بها، والتي يسيل فيها الحليب والعسل، وحسب الشريعة اليهودية يجب اعتبارها أرضا نجسة". وأضاف: "يجب إعادة الجولان، لأننا سندخل(بالسلام) فعلاً في عهد مجيء المسيح المنتظر". وإزاء ذلك، أدان الحاخام أمنون شوبرمان(الذي يقيم في الجولان) أراء زميله الحاخام غورين، وقال للإذاعة الإسرائيلية: "ليس هناك أي قرار حاخامي يؤكد أن الجولان أرض نجسة، والحاخام غورين سدد طعنة حقيقية في الظهر للمستوطنين". كذلك شكك الحاخام يشوها هيرشكوفيتش(الذي يقيم أيضاً في الجولان) بتفسير الحاخام غورين، مذكّراً بأن هذا الأخير أسس في العام 1972 مدرسة تلمودية في هذه الهضبة "التي يعتبرونها الآن نجسة". ومن جهته اعترف كبير حاخامات الأشكناز أبراهام شابيرا، في مقابلة مع وكالة الأنباء الإسرائيلية، أن هضبة الجولان وشرق الأردن ليسا جزءاً من "أرض إسرائيل المقدسة". لكنه مع ذلك دعا إلى ضرورة مواصلة الاستيطان اليهودي فيها، قائلاً: "إن هناك تعاليم دينية تنص على أنه من واجبنا تطوير مستوطناتنا، لأنها أرض إسرائيلية، ويحظر اقتلاع المستوطنات". وفي سياق الردود على الحاخام غورين، هدد مستوطنون علمانيون من مستوطنة "نفى اتيف" (في شمالي الجولان) بإرسال خنازير إلى الحاخام غورين ليصبح منزله "دنسا"، وكذلك كتدبير انتقامي(3).‏

وفي وقت لاحق، أقدم "حاخامات الصهيونية المتدينة" و"اتحاد الحاخامات"(الذي يشمل حاخامات من الجولان) في اجتماعهم في القدس في منزل كبير حاخامي الأشكناز الحاخام أبراهام شبيرا (في 4/1/2000) على ما يسمى "فتوى شرعية" ضد أي انسحاب من هضبة الجولان، حذروا فيها الحكومة من أن الانسحاب من الجولان "يشكل خللاً أخلاقياً سيؤدي لتمزق في صفوف الشعب"، وقرروا أن الشرع اليهودي يحظر اقتلاع مستوطنات من "أرض إسرائيل"، وأن "التخلي عن الجولان يعرّض كل الإسرائيليين المقيمين في البلاد للخطر". ودعا الحاخامات الجمهور الإسرائيلي للمشاركة في العمل ضد النزول عن هضبة الجولان. وزعم الحاخامات في فتواهم، أن "الجولان كان مأهولاً باليهود في عهد الهيكل الأول والثاني، كما هو وارد في حزئيل وفي كتب اليهود، وأن انسحاب إسرائيل من الجولان لن يؤدي إلى سلام، بل على العكس من ذلك"(4).‏

في محاولة لتجاوز البعد التناخي، على ما يبدو، ظهرت "فتوى خاصة" للحاخام عوفاديا يوسف(الزعيم الروحي لحركة شاس للشرقيين المتدينين) الذي طبّق على المنطقة المحتلة من الجولان صيغة "إيرتس بيكوّح نيفش" أي أرض يترتب على الاحتفاظ بها إزهاق أرواح يهود، وبالتالي يمكن التخلي عنها في حال تحقق هذا الواقع. وجاء في تلك الفتوى: "إذا ما تبين بما لا يدع مجالاً للشك بأنه سيكون هناك سلام حقيقي بيننا وبين جيراننا العرب، فيما لو أعيدت إليهم الأراضي المحتلة، وهناك في مقابل ذلك خطر وقوع حرب فورية في حال عدم إعادة هذه الأراضي إليهم، فإنه يجب إعادة الأراضي المحتلة إليهم، لأنه "لا يوجد أي شيء يتقدم على إنقاذ الأرواح"(5).‏

كنقيض لهذه الرؤية، توضح متابعة النقاش الداخلي الإسرائيلي، أن العامل الأيديولوجي الصهيوني الخاص برفض الانسحاب من الجولان، يطغى على ماعداه في هذا النقاش، ويعكس حالة سياسية متوافقة مع الذهنية الحاخامية التي تشكل مرجعية لصانعي القرار الإسرائيلي، والتي تتعمد التحذير من مغبة الانسحاب الإسرائيلي من الجولان، خاصة وأنه، حسب الرواية التناخية، الخطر على ما يسمى "أرض إسرائيل" يأتي من الشمال.‏

غني عن البيان أن العامل الأيديولوجي الصهيوني يصطدم بحقائق ووقائع ثابتة، تؤكد أن تاريخ الجولان هو منذ القدم جزء من تاريخ سورية، التي تؤلف جزءاً من الوطن العربي، الذي كان مهداً للكثير من الحضارات القديمة التي اتصفت بتنقل مستمر للكتل البشرية، وأن جميع موجات الغزو الأجنبي التي اجتاحت بلاد الشام (ومنها الجولان) لم تترك سوى بعض الندبات والخدوش على السطح الحضاري العربي العريق للجولان، الذي امتد عبر ثلاث فترات حضارية: الحضارة العربية الكنعانية، الحضارة العربية الآرامية، والحضارة العربية الإسلامية. وما عدا ذلك يخرج عن خط سير التاريخ ليكون في منحى آخر.‏

ـ الموقع الجغرافي‏

من المعروف أن لموقع الجولان الجغرافي أهمية كبيرة جعلته منطقة عبور القوافل والجيوش والشعوب منذ القدم، ومسرح صراع دائم على مر العصور. وقد ظهر ذلك كله في الأوضاع البشرية للمنطقة، وأنماط العمران، والأحوال الاقتصادية. ويمكن تلخيص أبرز السمات الخاصة بهذا الموقع والتي تغذي دوافع التمسك الإسرائيلي بالمنطقة، على النحو التالي:(6)‏

ـ تقع منطقة الجولان في أقصى جنوب غرب سورية على امتداد حدودها مع فلسطين المحتلة(أنظر الخارطة). وتأخذ شكلاً متطاولاً من الشمال إلى الجنوب على مسافة 75 ـ 80 كم، بعرض متوسط يتراوح بين 18 ـ 20 كم. وتقع كتلة جبل الشيخ في شمالي الجولان، وتفصله عن البقاع الجنوبي في لبنان. ويفصل وادي اليرموك في الجنوب بين الجولان ومرتفعات عجلون والأردن الشمالية الغربية. أما في الغرب فيطل الجولان على سهل الحولة وبحيرة طبرية في فلسطين بجروف قاسية. في حين يقع وادي الرقاد في الشرق بين الجولان ومنطقة حوران.‏

ـ من حيث التضاريس، يتميز سطح الجولان بتفاوت في الارتفاعات، حيث يصل الارتفاع عن مستوى سطح البحر إلى 2500 م في شمالي الجولان والى 15 م في جنوبه. وبتصنيف الارتفاعات التضريسية، يقسم الجولان إلى منطقتين رئيستين تتبعهما تضاريس ثانوية، هما: المنطقة الشمالية، وتتبعها نهايات وأقدام جبل الشيخ الجنوبية الشرقية. والمنطقة الجنوبية، وتتبعها الأراضي المنخفضة في سهل الحولة أو بحيرة طبرية التي تنخفض نحو 212 م دون مستوى سطح البحر. وعلى الرغم من الأرض الهضبية شبه المنبسطة المنحدرة غرباً وجنوباً غرباً التي يتصف بها الجولان بمنطقتيه، تكثر في المنطقة الشمالية والشمالية الشرقية التلال والجبال المتفرقة المتباعدة. في حين تنبسط التضاريس في المنطقة الجنوبية والجنوبية الغربية وتقلّ وعورتها، وتمتد فيها الأراضي على شكل سهول تفصل بينها أودية أو ظهرات، أهمها: سهول فيق ـ العال، وكفر حارب، والجوخدار، والرفيد(وجميعها فوق مستوى سطح البحر)، وسهل البطيحة (دون مستوى سطح البحر). وتكثر في هذه المنطقة، ولا سيما في الجنوب، الأودية السحيقة الضيقة ذات الجوانب شديدة الانحدار أو القائمة. وأهم شبكات هذه الأودية شبكة وادي السمك التي تجمع الأودية المنتهية في سهل البطيحة، ووادي مسعود الذي يرفد نهر اليرموك. وتشرف هضبة الجولان بحافات قاسية شديدة الانحدار على سهل الحولة وبحيرة طبرية في الغرب، وعلى نهر اليرموك في الجنوب.‏

ـ من ناحية المناخ، يتأثر الجولان بقربه من البحر المتوسط وعدم وجود عوائق تضريسية هامة تمنع وصول المؤثرات البحرية، لهذا فإن مناخ الجولان رطب هضبي جبلي، يشبه النماذج المتوسطية الساحلية من جهة، ويشبه النماذج الجبلية من جهة ثانية. ويعد الجولان جزءاً من المنطقة فوق المدارية ذات الحرارات الصيفية العالية والمعدلات السنوية العالية أو المتوسطة. ويصنف الجولان من أجزاء سورية المطيرة، ولكن أمطاره متفاوتة بتفاوت الارتفاعات. وفي الوقت الذي يتشكل فيه الجليد ويسقط الثلج بمعدل متوسط بين 15 و21 يوماً في السنة في المنطقة الشمالية والشمالية الشرقية وفي منطقة أقدام جبل الشيخ، ترتفع درجات الحرارة، بمتوسطها السنوي وبمتوسط أبرد الأشهر، في الجولان الجنوبي والجنوبي الغربي، ولا سيما في سهل البطيحة ومنطقة الحمة بحماماتها الحارة التي اشتهرت بأنها مشتى يندر أن تنخفض حرارته السنوية عن 10 درجات مئوية. ومعدلات الرطوبة مرتفعة في الجولان، لسيادة الرياح الغربية والجنوبية الغربية، ولا سيما في المنطقة الشمالية منه.. أما في المنطقة الجنوبية من الجولان فتقل الرطوبة النسبية، نتيجة تعرضه للرياح القادمة من الداخل، ومن جهة الشرق والجنوب الشرقي.‏

ـ من حيث التربة والغطاء النباتي، ترب الجولان من مجموعة الترب العائدة لنطاق البحر المتوسط الشرقي الرطب وشبه الرطب. والتربة الشائعة هي التربة البازلتية البنية. وهي في الأجزاء الشمالية كثيرة الحجارة، رقيقة، معرضة للانجراف بمياه الأمطار والسيول، في حين تقل الحجارة فيها بالاتجاه جنوباً بغرب، وتزداد سماكتها، ولا سيما في الأراضي المنبسطة. لذلك يسود في الشمال المرتفع غطاء نباتي عشبي وشجري (حرجي) وتقل المساحات الصالحة للزراعة. أما في الجنوب فتتسع الأراضي الزراعية. وكان الجولان غنياً بالغابات والأحراج والأعشاب، ولكن تخريب الإنسان قضى على معظم الأشجار، ولم تعد مساحة الأحراج المتفرقة في مناطق متناثرة تتجاوز 15% من مساحة الجولان. ويغلب على الأشجار البلوط والسنديان والملول والبطم والزعرور والإجاص والخوخ البري. وأرض الجولان مغطاة بالأعشاب والمروج، مما يجعل منها منطقة رعي ممتازة.‏

باختصار، تكمن أهمية موقع منطقة الجولان في المنظور الإسرائيلي من وجود هذه المنطقة على تماس مباشر مع كل سورية(الأم) ولبنان وفلسطين والأردن،ما يجعل لها أهمية خاصة في السيطرة والإشراف على الأراضي الممتدة لمسافات واسعة في هذه المناطق، والسيطرة والإشراف أيضاً على مصادرها المائية ومنابع الأنهار ومجاريها، فضلاً عن العوامل الجغرافية الأخرى التي تعطي منطقة الجولان ميزة للجهة التي تسيطر عليها، وذلك بتداخل كبير مع التقديرات الإسرائيلية لمختلف الوجوه الأخرى المتعلقة بالأهمية الجغرافية لهذه المنطقة.‏

ـ الجغرافية الأمنية‏

في محاولة لتبرير رفض انسحاب إسرائيل من منطقة الجولان، تتعامل الأوساط العسكرية الإسرائيلية مع جغرافية هذه المنطقة بمفاهيم ومعايير أمنية(عسكرية)، وتضفي على الموقع صوراً خاصة تزيد التعنت الإسرائيلي، فيقتصر موقف الجيش على مصطلحات مهنية، مثل "خط إيقاف التقدم" و"شبكة دفاعية" و"حقل للنيران" و"أرض للمعارك" و"مكان لمرابطة المدرعات" و"منطقة مناسبة للقيام بسلسلة مناورات"(7). ويتم التركيز على مستوى الارتفاع الكبير للجولان عن الجليل(الخارطة).‏

وكانت ذريعة التمسك بالجولان للدفاع عن "المناطق الإسرائيلية" شائعة في الخطاب الأمني الإسرائيلي، واستقطبت توجهات المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية. وقد عبّر إيغال آلون(منظّر حزب العمل الصهيوني في سنواته الأولى) عن ذلك، بقوله: "إن لهضبة الجولان، ولمنحدر جبل الشيخ أهمية حيوية، ليس فقط من أجل الدفاع عن مستوطنات وادي الحولة ضد الرميات السورية، بل أيضاً لحاجات إسرائيل الاستراتيجية الشاملة في الإشراف على الجولان، فهذا الأمر يتعلق بالدفاع عن الموارد الأساسية لمياهنا، وبالدفاع عن الجليل الأعلى والأسفل، وبالدفاع عن الأردن الأعلى والأوسط، ووادي الحولة وبحيرة طبرية والوديان المحيطة بها ووادي بيسان(8). ولا تزال هذه الرؤية تشكل حتى الآن الناظم للتوجهات المتعلقة بأهمية موقع الجولان في الاستراتيجية الإسرائيلية.‏

ولتسويق التصورات التي يضعونها، دأب المهتمون الإسرائيليون على معالجة المسألة من منطلقات أمنية، وكرروا التذكير بما أطلقوا عليه "الأوضاع الخطيرة" التي عانتها إسرائيل قبل عام 1967، والتي كانت تتفاقم جرّاء الاستخدام العسكري السوري لعامل الارتفاع الجغرافي للمنطقة بالنسبة لمنطقة الجليل. وحول هذه النقطة كشفت وثائق لاحقة بينت أن إسرائيل كانت تفتعل الأحداث عمداً لتهيئة الظروف لاحتلال الجولان. وقد تحدث عن هذا الأمر، مثلاً، واحد من أبرز "المؤرخين الجدد" في إسرائيل، يدعى آفي شلايم، في كتابه "الجدار الحديدي ـ إسرائيل والعالم العربي"، ضمن فقرة بعنوان "الأعراض السورية" (The Syrian Syndrome) بقوله: كانت الجبهة السورية هي الجبهة الإشكالية الوحيدة في عقد الستينات(من القرن العشرين). وكانت هناك ثلاثة مصادر رئيسة للتوتر بين إسرائيل وسورية: المنطقة المجردة، والمياه، ونشاطات المنظمات الفدائية الفلسطينية، وكان الاثنان الأخيران هما الأهم. فقد غذيا التوتر الذي انفجر على شكل حرب شاملة في نهاية المطاف(عام1967). كان ليفي إشكول رئيس وزراء إسرائيل(الذي كان مديراً سابقاً لشركة ميكوروت للمياه) منغمساً بمشكلة المياه. وقد شارك شخصياً في مناقشات عديدة، ووافق على أن الحلم الصهيوني لا يمكن أن يتحقق دون السيطرة على مصادر المياه، فدون مياه لن تكون هناك زراعة، والزراعة كانت أساس وجود الشعب اليهودي في "أرض إسرائيل"، كما قال. وكان جنرالات الجيش الإسرائيلي، بالطبع، أكثر اهتماماً بالجانب العسكري من الجانب الاقتصادي للنزاع على المياه، وكانت لديهم حسابات قديمة عديدة لتصفيتها مع السوريين. وشكك العميد إسرائيل ليئور، المساعد العسكري لإشكول، بأن سلسلة العمليات والعمليات المضادة التي لا تنتهي سوف تفضي إلى حرب شاملة، حيث قال: "لقد جرت في الشمال حرب خطيرة إلى حد ما بشأن المصادر المائية، وقد قاد الحرب رئيس الأركان اسحق رابين، مع الضابط المسؤول عن القيادة الشمالية دافيد اليعازر". ويعلق شلايم: كان لدي إحساس داخلي قلق بشأن هذه المسألة، وبدا لي، طوال الوقت، أن رابين كان يعاني مما أدعوه "الأعراض السورية"، وحسب رأيي، فإن جميع أولئك الذين خدموا على طول الخطوط الأمامية للقيادة الشمالية، تقريباً، متأثرون بـ "الأعراض السورية"، فالخدمة على هذه الجبهة، في مواجهة العدو السوري، تؤجج مشاعر كراهية استثنائية للجيش والشعب السوريين، وكان رابين وإليعازر عدوانيين في عملياتهما الحربية بشأن المياه في الشمال، وأصبحت الحوادث المتعلقة بهذه المياه وبالسيطرة على المناطق المجردة جزءاً لا يتجزأ من الروتين اليومي، وكانت إستراتيجية إسرائيل بالتصعيد على الجبهة السورية أهم عامل منفرد في جرّ الشرق الأوسط إلى الحرب، في حزيران عام 1967، على الرغم من الحبكة التقليدية المتعلقة بالموضوع والتي تحدد العدوان السوري بأنه السبب الرئيسي للحرب. ويضيف شلايم: كان الاعتقاد السائد بين الإسرائيليين هو أن هضبة الجولان احتلت أثناء حرب الأيام الستة‏

(1967) لمنع السوريين من قصف المستوطنات الواقعة تحت الهضبة، غير أن العديد من المعارك النارية أثارتها إسرائيل عن عمد، وقد جاء التأييد لوجهة النظر التعديلية هذه في عام 1997 من جهة غير متوقعة؛ موشي دايان(أي بعد موته بنحو 16 عاماً). ففي سلسلة من الأحاديث الخاصة مع مراسل صحفي شاب يدعى رامي تال(في عام 1976)، تحدث دايان عن أخطاء ارتكبها في مسيرة عمله السياسي. وبعد إحدى وعشرين سنة، وبموافقة من ابنته ياعيل دايان، نشر الصحفي تال مذكراته عن المحادثات في الملحق الأسبوعي لجريدة يديعوت أحرونوت. لقد اعترف دايان بأن أكبر خطيئة له كوزير للدفاع في عام 1967، كانت اقتحامه هضبة الجولان. بدأ تال بالاحتجاج بأن السوريين كانوا يتمركزون في أعلى هضبة الجولان. فقاطعه دايان قائلاً: "لا يهم ذلك على كل حال، أنا أعرف كيف بدأت 80% من الصدامات هناك. وفي رأيي أكثر من 80%، لكن دعنا نتحدث عن 80%؛ لقد سار الأمر على هذا النحو: كنا نرسل جراراً ليحرث مكاناً ما حيث لم يكن من الممكن فعل أي شيء، أي في المنطقة المجردة، وكنت أعرف مسبقاً أن السوريين سوف يبدؤون بإطلاق النار، وإذا لم يطلقوا النار كنا نأمر الجرار بالتقدم لمسافة أبعد إلى أن يتضايق السوريون في النهاية ويطلقون النار، وعندها نستخدم المدفعية والقوات الجوية فيما بعد أيضاً، هكذا كانت الأمور. أنا فعلت ذلك، ولاسكوف وتشارا(تسفي تسور/سلف رابين في منصب رئيس للأركان) فعلا ذلك، واسحق رابين فعل ذلك، لكن يبدو لي أن الشخص الذي كان يستمتع بهذه الألعاب أكثر من الجميع هو داود(دافيد اليعازر، قائد الجبهة الشمالية 1964-1969). ملاحظات دايان لعام 1967 ذات أهمية لمؤرخي هذه الفترة، فهي تؤكد أن بعض كبار قادة إسرائيل العسكريين كانوا مبتلين بـ "الأعراض السورية"، وأن هذا أدى إلى سلوك عدواني واستفزازي وإلى مناوشات محلية توجت بحرب إسرائيلية ـ عربية شاملة في نهاية المطاف(9).‏

وفي ظل الحَقن الإسرائيلي المتواصل للسكان حول أهمية الجولان بالنسبة لإسرائيل، أصبحت القناعات السائدة في أوساطهم، أنه من حق إسرائيل الاحتفاظ بهذه المنطقة. ودرج المسؤولون والمهتمون في إسرائيل على محاولة إثبات صحة المزاعم المتعلقة بضرورة الاحتفاظ بالمناطق المحتلة عام 1967، عبر إيراد كثير من التفصيلات حول الأهمية الإستراتيجية للجولان بالنسبة لإسرائيل، حتى يبدو للمتلقي أن التمسك بهما هو "مسألة حياة أو موت" للإسرائيليين. فقد وصف أبا إيبان(وزير خارجية إسرائيل الأسبق) انسحاب إسرائيل شرقاً إلى خطوط 1967بأنه "يعيد إسرائيل إلى ظروف أوشفيتز"(10)، أي معسكرات الاعتقال والإبادة النازية التي تتحدث عنها الرواية الصهيونية في صناعة المحرقة(الهولوكست). ويقول وزير إسرائيلي(عام 1981): "يعدّ الجولان برج الحراسة بالنسبة لإسرائيل، وحتى نضمن بقاءه بأيدينا وحتى لا يفكر شخص في العالم أننا سننسحب إلى حدود 1967، فقد كان على الحكومة تطبيق القانون الإسرائيلي على الجولان(11).‏

وانساق الكثيرون وراء تقديرات لمستوطني الجولان، مفادها أن "إصبع الجليل" ضيقة (نحو 7كم)ومنخفضة ومحاطة بالجبال، وإذا طوقها السوريون من الشرق(الجولان) ومن الشمال(الحرمون) ومن الغرب(جبل لبنان) ستتحطم إصبع الجليل وتضيع من إسرائيل. ووادي الحولة صغير وضيق، وحتى لو أزيلت كل المستوطنات من عين جيف إلى كفار جلعادي، وأقيمت مواقع بدلاً منها وزرعت بالألغام، وحفرت الأقنية المضادة للدبابات، حتى لو توفر هذا، لن يكفي المنطقة، مقابل آلاف الدبابات التي تهدد إسرائيل من الشمال والشرق، فالمسافة خطوة واحدة فقط من الجولان إلى الأغوار الخصبة لشمال إسرائيل؛ وادي الحولة والأردن ويزراعيل(مرج ابن عامر – الكاتب) ومنها إلى صفد والناصرة وحيفا(12). وقد عبر دان لفنون(عضو لجنة مستوطنات الشمال رئيس المجلس الإقليمي في الجليل الأعلى)عن هذا التوصيف بقوله: "لقد عشنا تسع عشرة سنة وشُعيرة البندقية السورية مسددة علينا من الأعلى، ولن يوافق سكان الجليل ووادي الأردن بأي شكل من الأشكال على إعادة عجلة العدوان إلى الوراء، إذ يمكن للسوريين إغلاق إصبع الجليل من اتجاهاتها الثلاثة، بحيث يستطيعون المهاجمة من ثلاثة اتجاهات وفي الوقت والمكان المناسبين لهم(13).‏

وفي اجتماع بحضور رئيس الأركان العامة وقائد المنطقة الشمالية(1988)، وصف الخطباء الجولان بأنه "منطقة الحسم الرئيسة لإسرائيل، فالجولان مستوطَن، ولكنه ساحة معركة مستقبلية، ومزروع بالعقبات ومواقع إطلاق النار، وبأسلحة مخصصة للدفاع عن الجليل ووادي الحولة وعن المؤخرة الضيفة وعن تل أبيب أيضاً، في وضع انعدام اتفاق السلام"(14).‏

ومن الملاحظ أن "ممرات الاختراق" في الجولان استأثرت باهتمام ملحوظ من قبل المهتمين الإسرائيليين، ورأى بعضهم(اللواء احتياط موشي بيلد، الذي كان قائد سلاح المدرعات وقوات الميدان 1974 - 1978) أن "التنازل عنها سيحرض السوريين على تطبيق أحلام احتلال أراضي دولة إسرائيل". كذلك الحال بشأن تلال الجولان. حيث توقف أولئك المهتمون عند وجود ثلاثة خطوط للتلال في المنطقة(خطا التلال الشرقية وخط التلال الغربية الموجود في الجانب الإسرائيلي)، يجري استخدامها كمنصة- بالاصطلاح العسكري الشائع- لحمل المعدات الالكترونية المتطورة، وهي من قبيل أعين وآذان، وتصل بين خطوط التلال سلسلة جبل الشيخ. وبرأي عضو الكنيست عوزي لانداو(من الليكود) وأفيغدور كهلاني(من العمل) إن خط التلال هو خط الحدود. وباعتقاد لانداو، إن التخلي عن التلال يعني كشف إسرائيل لتهديد وجودي، وثمة أمر هام هو أنه خلال حرب 1973 تجاوزت القوات السورية التلال والتفت من حولها وتغلغلت إلى الداخل، وإن التلال التي تعرضت إلى قصف شديد بقيت بين يدي إسرائيل(15). وتوضح المقاطع الطبوغرافية بعض ميزات التلال شرقي المنطقة المحتلة من الجولان.‏

ويورد الباحث العسكري المعروف العقيد احتياط ايلي ملميد(في كتابه "أرض الجولان") قراءة عسكرية حول أهمية منطقة الجولان لإسرائيل، يقول فيها: "إن التنازل عن 2% من منطقة هضبة الجولان يعني التنازل 100% عن هذه المنطقة في المجال العسكري، لأن الجيش الإسرائيلي يرابط الآن على خط دفاعي صغير، وعليه فإن أي تنازل مهما كان صغيراً سيلحق الضرر بالقدرة والكفاءة العسكرية للجيش الإسرائيلي، لأن خط التلال يشكل مصدر زيادة في القوة ويساعد على سيطرة المراصد والاحتفاظ بأجهزة الإنذار المبكر وسيطرة النار بالنسبة إلى القوات التي ستفاجئ إسرائيل، ويعمل على خلق الصعاب في وجه السوريين في كل ما يتعلق بالسيطرة والتحكم بنيران المدفعية إلى الغرب من هذه التلال. وعلى هذا ـ يتابع ملميد ـ إن أي انسحاب إسرائيلي من الجولان يقرّب السوريين من مشارف المحاور المتجهة لناحية الغرب، على أساس أن عرض هضبة الجولان لا يفسح المجال للقتال في عمق استراتيجي، ويعمل على تخفيض مجالات المناورة بين الخط البنفسجي والتلال، ولو أنه سيكون بالإمكان إقامة محور لسلاح المدفعية على الهضبة ذي قدرة على الحركة بين المناطق المهاجَمة (بفتح الجيم) في حال قيام القوات المدرعة النظامية بصد الدبابات السورية ومنعها من التقدم غرباً"(16).‏

وباعتقاد دانيئيل لشيم(الباحث العسكري في مركز جافي للدراسات الاستراتيجية بجامعة تل أبيب)، إن بعد العاصمة السورية عن خط الحدود في الجولان بنحو 40كم، يشكل صمام أمان ونقطة مميزة لإسرائيل في ميزان التهديد الإسرائيلي- السوري. ويقول لشيم: سيكون هناك سبب يدعو السوريين للخشية من ردنا المضاد في حالة شن أي هجوم صاروخي على إسرائيل(17).‏

وضمن توصيف المنظرين الاستراتيجيين الإسرائيليين، تتضمن النظرية الرئيسة المتعلقة بالأهمية الاستراتيجية للجولان بالنسبة لإسرائيل العناصر التالية، بلسان حال إسرائيل: (18)‏

ـ يشكل وجودنا العسكري في الجولان عاملاً "يردع السوريين عن التورط في حرب معنا".‏

ـ تقوم سيطرتنا على الجولان وجبل الشيخ بضمان مصادر مياه الأردن.‏

ـ نستطيع بواسطة سيطرتنا على الجولان ردع سورية عن التورط في غزو الأردن، وقد حشدت أو كهذا عام 1970.‏

ـ إن تشكيلنا العسكري في الجولان يمنع سورية من تركيز الكثير من قواتها في لبنان(في حينه- الكاتب).‏

ـ احتفاظنا بالجولان يعطينا السيطرة على سد مخيبة ومرتفع الزور، وهذا يشكل اعتباراً كبيراً في نظر الأردن كي لا يسمح بتجديد الأعمال "الإرهابية" من حدوده ضدنا، وكي لا تعود فترة حرب الاستنزاف التي بدأت بعد عام 1967 في أغوار الأردن وبيسان.‏

ـ إن وجودنا في جنوبي الجولان، ضمن الجناح الشمالي لنهر الأردن، هام جداً في كل تسوية سياسية مستقبلاً مع الأردن، وذلك كي نردعه عن القيام بأية مغامرة ممكنة لاحتلال الضفة الشرقية.‏

ـ أثبتت حرب 1973 أهمية الجولان بالنسبة للدفاع عن شمالي البلاد من مداخل حيفا، وذلك عدا عن أهميته المباشرة بالنسبة للدفاع عن مستوطنات "إصبع الجليل"، وطبرية وغور الأردن.‏

في المنحى ذاته، تحدث العميد احتياط آرييه شيلو(الباحث في مركز جافي للدراسات الاستراتيجية بجامعة تل أبيب، وممثل إسرائيل في لجنة الهدنة مع سورية عام 1949 وأوائل الخمسينات) عن الأهمية الاستراتيجية لهضبة الجولان في المنظور الإسرائيلي بثلاثة مجالات رئيسة، هي: (19)‏

ـ الأول، المجال الدفاعي: هضبة الجولان هي المنطقة الدفاعية عن غور الأردن والجليل الشرقي، وعن السكان المدنيين هناك، ودونها يصعب، وربما يستحيل أيضاً، الدفاع عنهم وحمايتهم من هجوم الجيش السوري، الذي تعاظم كثيراً منذ حرب 1973. وطالما بقيت مخاطر الحرب قائمة، فإن الهضبة تعطي بعض العمق (العملياتي) لحماية الجزء الشمالي من دولة إسرائيل وتمكن من الحؤول دون احتلال مدن مثل طبرية وصفد وفي وقت لاحق حيفا أيضاً. وفي حالة الحرب، من المتوقع أن يشكل الجيش السوري خطراً على شمال الدولة برمته. وبمقتضى ذلك، الأمر الحيوي هو أن يكون باستطاعة الترتيبات الأمنية منع الجيش السوري من السيطرة على الهضبة ومن القيام بهجوم باتجاهها.‏

ـ الثاني، المجال الإنذاري: تتوفر أهمية كبيرة جداً لوجود الجيش الإسرائيلي في الجولان، لأن هذا الوجود يشكل تهديداً محتملاً وخطراً على دمشق (التي تبعد 60 كم من الخط البنفسجي). وفي هذا ما يكفي لردع سورية والتأثير عليها كي تمتنع عن مهاجمة إسرائيل.‏

ـ الثالث، هضبة الجولان، أو أجزاء كبيرة منها، من المحتمل أن تكون الثروة التي يمكن استخدامها سياسياً في مقابل السلام، وربما لإنهاء النزاع أيضاً.‏

على الرغم من شيوع هذه القراءات في أوساط المحللين والباحثين الإسرائيليين، ولا سيما في معرض حشد الذرائع لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي للجولان، إلا أن هناك آخرين يرون، كما في حالة الباحث والمؤرخ العسكري الشهير العقيد احتياط مئير بعيل، أن الاعتبار العسكري يتعلق بالاعتبار السياسي، وليس العكس، لأنه لن يكون بالإمكان التوصل إلى السلام مع سورية دون انسحاب إسرائيل من مناطق معينة في الجولان، وهذا أمر يتعلق بالمفاوضات التي ستجري بهذا الشأن. ويضيف بعيل: لكن الذين لا يريدون التنازل عن هضبة الجولان، يقولون إنه "من الأفضل الاحتفاظ بالجولان دون سلام مع سورية بدل السلام دون الجولان". ويبرهن بعيل على تهافت هذه المقولة بتأكيده أن خط التلال كمفهوم للدفاع عن هضبة الجولان لن يصمد في اختبار الواقع، بسبب وجود وتوفر الصواريخ بعيدة المدى وسائر الأسلحة المتطورة والحديثة الأخرى. ويناقش بعيل تصورات ملميد بالإشارة إلى أن هذا التصور يقود إلى الاعتقاد بأنه في حال استمرار سيطرة إسرائيل على الجولان سيكون من السهل عليها الاستعداد للدفاع. ولكن سرعان ما يطرح بعيل سؤالاً هو: وماذا يحدث إذا بادر السوريون إلى شن حرب؟.. يجيب بعيل: في مثل هذه الحالة يجب الاندفاع إلى الأمام، وفي العمق السوري، وخوض معركة متنقلة، لأن سيطرة التلال في الجولان أقل في الجانب الغربي مقارنة بمنحدرات الجولان على غور الحولة. ويضيف: صحيح أن التلال تتيح الفرصة للرصد العميق من ناحية الشرق، لكن لا يجوز لنا أن ننسى اليوم وجود طائرات الرصد الإلكترونية وغيرها من الوسائط التكنولوجية الحديثة التي بإمكانها تزويدنا بالمعلومات التي نريدها حتى في حالات السلم. وبعد ذلك يخلص بعيل من هذه المناقشة إلى أن الشرط الأول للسلام هو "تحويل الهضبة إلى منطقة منزوعة السلاح"، خالية من القوات والمواقع العسكرية والتحصينات في حقول الألغام(20).‏

يُفهم من هذا الاستخلاص، الذي يفترض أن يكون سائداً في المخيلة الإسرائيلية، أن موضوع تجريد منطقة الجولان من السلاح سيكون بين عناصر التسوية التي سيطرحها الإسرائيليون في أي مفاوضات مستقبلية. ومن المقدّر أن يحاولوا إبداء رفض التبادلية والتساوي أو التوازنية في نسب المناطق المجردة على جانبي الحدود، متعللين بآمال(أوهام) إمكانية التعويض عن الخسارة الجغرافية والطبوغرافية العسكرية المترتبة على الانسحاب من الجولان.‏

ـ الأنشطة العسكرية‏

يستخدم الجيش الإسرائيلي منطقة الجولان لتنفيذ أعمال عسكرية يصنفها بأنها "ذات أهمية قصوى لأمن إسرائيل". فيقيم هناك "شبكة دفاعية" تتضمن سلسلة تحصينات تشمل أنظمة عقبات طبيعية ومصطنعة وحقول ألغام وغير ذلك من مكونات البنية العسكرية التي تولّد لدى الإسرائيليين بعض أشكال الإحساس بالاطمئنان.‏

ويضع المهتمون الإسرائيليون هذه الأعمال في قائمة العوامل والاعتبارات التي تدفع إسرائيل لرفض الانسحاب من الجولان، لأن إلغاءها أو التخلي عنها سيفضي إلى إضافة عنصر تهديد جديد للأمن الإسرائيلي، خاصة في ظل محدودية "العمق الإسرائيلي" والكثافة السكانية في هذه المناطق، مما يعني أن منطقة الجولان بجغرافيتها ومشتملاتها العسكرية توفر مساحات احتياطية من الأرض ذات الأهمية العسكرية التي يتعذر تحقيق بعضها في مناطق العمق تلك.‏

يرى باحثون إسرائيليون أنه يصعب تقديم رقم دقيق عن مساحة "المناطق العسكرية" التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي في الجولان، لأن قسماً من هذه المناطق يستخدم أحياناً للرعي، فيما يستخدم قسم كبير من المحميات الطبيعية(البالغة مساحتها نحو 100 ألف دونم) للرعي أو لأغراض عسكرية أو للأمرين معاً(21). ومع ذلك، يورد تسفي إيلان (باحث إسرائيلي متخصص بشؤون الجولان وشرق الأردن عموماً) معلومات يتبين منها أن مساحة الأرض المخصصة للمناورات العسكرية(مناطق النار) في الجولان نحو 55 ألف دونم، كحد أدنى(22). بطبيعة الحال، هذا معطى جزئي، إذ يجب إضافة مساحات أخرى تستخدم لأغراض عسكرية غير التدريبات والمناورات، منها مثلاً المواقع المخصصة للمعسكرات ولانتشار القوات ولحركتها. وحسب معلومات نشرت(2005) على لسان محافظ القنيطرة نواف فارس، يوجد في الجولان نحو 60 معسكراً للجيش الإسرائيلي(23).‏

ـ متغيرات السكان والاستيطان‏

طبقاً للمبدأ الصهيوني المعروف "أكبر مساحة ممكنة من الأرض مع أقل عدد من العرب"، تعدّ المنطقة المحتلة من الجولان "منطقة نموذجية" في المنظور الاحتلالي الإسرائيلي، لما ترتب على الاحتلال من تغيرات سكانية(أنظر الخارطة). فقد كان عدد القرى في الجولان حتى عام 1967 نحو 170 قرية، وعدد المزارع المسكونة نحو 150 مزرعة. هجّر منها 142 قرية وجميع المزارع، وبقيت 24 قرية تحت السيادة السورية، وأزالت قوات الاحتلال غالبية القرى العربية تماماً، وظلت في المنطقة المحتلة 6 قرى(هي: مجدل شمس ـ عين قنية ـ مسعدة ـ بقعاتا ـ الغجر ـ سحيتا التي تم تهجير مواطنيها عام 1971 وتدميرها تماماً ومصادرة معظم أراضيها). وقامت إسرائيل بتهجير نحو 125 ألف عربي سوري من الجولان خلال عدوان عام 1967، ولم يبق في هذه المنطقة سوى عدد محدود جداً (نحو 8 آلاف نسمة)من المواطنين العرب السوريين، الذين وصل عددهم(عام 2006) نحو 20 ـ 22 ألف نسمة(24).‏

بالمعايير السكانية الصرفة، يختلف الواقع الراهن للاحتلال الإسرائيلي، على مسار المواجهة مع سكان المنطقة المحتلة من الجولان، عن واقع متصور أو مفترض يتعلق بوجود عدد كبير من المواطنين العرب يجعل الاحتلال مكلفاً، بفعل الوتائر المرتفعة للمقاومة التي يبديها هذا العدد في مواجهة الاحتلال. وعلى الرغم من الدور النضالي البارز والبطولي للعرب في الجولان في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن هذا الدور يعاني من تبعات الخلل في ميزان القوى لصالح العدو. وعلى أساس هذا الخلل تتصرف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وتواصل توجهاتها برفض الانسحاب من الجولان.‏

في سياق متغيرات الواقع السكاني، يعكس الاستيطان الإسرائيلي في منطقة الجولان، الخطوط الاستراتيجية العليا لإسرائيل، انطلاقاً من الذرائع والاعتبارات التي تعتمدها إزاء هذه المنطقة. وعلى الرغم من الصغر النسبي للصورة الاستيطانية في الجولان، إلا أن العدد الحالي من المستوطنات والمستوطنين في الجولان يشكل عامل ضغط داخلي في الساحة الإسرائيلية للتمسك بالمنطقة.‏

الأرقام المتداولة في الصحافة الإسرائيلية تفيد أن عدد المستوطنين في الجولان يبلغ نحو 18ـ 20 ألف مستوطن، وعدد المستوطنات الرسمي(أي المسجل في القيود الحكومية)‏

هو 32 مستوطنة. بيد أن رصد الأسماء المتكررة للمستوطنات وضبطها يبين أن العدد المحقق على الأرض هو 38 ـ40 مستوطنة(وضمناً المستوطنات المهجورة التي لا تزال منشآتها قائمة). وقد اشتركت الجهات الإسرائيلية المختلفة، المعنية بشؤون الاستيطان، بإعداد خطة لاستيطان الجولان، تتضمن إسكان نحو 45 ألف مستوطن في الجولان.‏

لدى تأمل خارطة مستوطنات الجولان، يظهر أن نصف عدد هذه المستوطنات يقع في القسم الجنوبي من المنطقة المحتلة، فيما يقع النصف الآخر في المنطقتين الوسطى والشمالية، بالتساوي تقريباً. وضمن هذا التوزع، جرت مراعاة العوامل الجغرافية والعسكرية والاقتصادية والديمغرافية وسواها. ومما يستدعي الانتباه، أن المستوطنات في الجولان تمتد بشكل رئيس حسب خطين طولانيين على امتداد المنطقة المحتلة، بحيث يتم فيه إغلاق فتحات الخط الأول عبر مستوطنات في الخط الثاني، مع توزع مدروس لبقية المستوطنات في عمق المنطقة(25).‏

أخذ إنشاء المستوطنات في الجولان بعين الاعتبار العديد من العوامل والمؤثرات الجغرافية والعسكرية وسواها، واشترك في تخطيط المستوطنات وبنائها العديد من المؤسسات والهيئات الحزبية والحكومية، بالتعاون مع الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية والكيرين كايميت والكيرين هايسود وبعض المؤسسات العامة(مثل: الهستدروت، الاتحاد الزراعي). ونسّقت هذه الجهات عملها مع وزارة الدفاع والجيش. ويؤكد نسيم زفيلي(من دائرة الاستيطان في الوكالة اليهودية) أنه "تم بالتعاون مع وزارة الدفاع وضع خط المستوطنات الذي يرسم مستقبل إسرائيل في الجولان، ويزيد مناعة الهضبة كخط دفاع، ويعرف الجميع أن الأمن يُحدَّد في الجولان حسب الاستيطان، والعكس بالعكس"(26).‏

لكن على الرغم من الحديث عن الدور الأمني للمستوطنات، فقد تبين في ضوء دروس حرب 1973 أن مستوطنات الجولان كانت عبئاً على الجيش الإسرائيلي. واعترف الإسرائيليون بأن "المفاهيم الأمنية للاستيطان تداعت بعد هذه الحرب". وثبت أنه ليس هناك أية قيمة للمستوطنات، وقد تم إخلاء سكانها وفي بعض الأحيان من تحت سلاسل الدبابات(27).‏

من حيث ارتباط الديمغرافية الاستيطانية بالحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية العامة، بالرغم من الطابع الجبلي الذي يغلب على المنطقة المحتلة من الجولان، ولا سيما في الجزء الشمالي منها، إلا أن الطاقة الاستيعابية لهذه المنطقة مرتفعة نسبياً. ومع ذلك يلاحظ أن ثمة إحجاماً إسرائيلياً عن ضخ أعداد كبيرة من المستوطنين إلى المنطقة فوق حد معين. كما أن هذه المنطقة تصنف كمنطقة طلب استيطاني منخفض من قبل المستوطنين والجهات الاستيطانية المختلفة. ولعل في مقدمة الاعتبارات الكامنة وراء ذلك، وضع المنطقة كرقعة يحتدم حولها الصراع بين إسرائيل وسورية، خاصة وأن الإسرائيليين يعتبرونها ساحة لأي حرب أو عمليات عسكرية. وارتباطاً بالنقطة السابقة، تدرك إسرائيل أن مصير منطقة الجولان غير قابل لأن يكون باستمرار تحت السيطرة الإسرائيلية، وهو ما يدعو إلى جعل المنطقة ضمن مجال القدرة على التعامل الإسرائيلي مع المنطقة دون مشكلات كبيرة.‏

ـ العوامل الاقتصادية‏

تغذي الاعتبارات الاقتصادية نزعة التمسك الاحتلالي الإسرائيلي بمنطقة الجولان، حيث تشمل القاعدة الاقتصادية لمستوطنات الجولان مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الخفيفة والسياحة والحصول على المواد الأولية الطبيعية. ويشار هنا إلى أن العديد من مستوطني الجولان يخدمون في الجيش، وخاصة ضمن الوحدات العسكرية الموجودة في المنطقة، كما أن بعضهم يعمل في مؤسسات إسرائيلية داخل ما يسمى"الخط الأخضر".‏

أساس القاعدة الاقتصادية لأي مستوطنة في الجولان، هو الطاقة التي تمتلكها المنطقة، في كثير من الميادين. وضمن هذه الطاقة يندرج استيلاء المستوطنين على ممتلكات المواطنين العرب الذين نزحوا عن ديارهم(مبان- أثاث- منشآت- قطعان ماشية- مداجن- مناحل.. إلخ) حيث عمد المستوطنون إلى استغلال هذه الممتلكات المتروكة في أعمال الاستيطان. وتعمل سلطات الاحتلال الإسرائيلي على استغلال الطاقة الإنتاجية للمنطقة المحتلة من الجولان، في مختلف القطاعات الاقتصادية القائمة. وتعتبر هذه المنطقة مصدراً لأرباح طائلة نسبياً جراء ما تمتلكه من إمكانيات قابلة للتوظيف والاستثمار، في مختلف المجالات.‏

تتباين المعطيات التي تقدمها المصادر الإسرائيلية حول الاستغلال والمردود المادي الاقتصادي في الجولان، بيد أن هذه المعطيات تصلح لاستخدامها في تكوين فكرة أوليةعن حجم الجدوى الاقتصادية والمالية لصالح الاحتلال. ويتبين مما تورده المصادر الإسرائيلية أن قيمة المردود المالي لهذه الأعمال في الفروع الاقتصادية المختلفة(في التسعينات) نحو 362.5 مليون دولار سنوياً، تقسم إلى نحو 39.3% من الصناعة، 33% من الزراعة، 9.6% من السياحة، 12.4% من التجارة، 5.5% من الخدمات العامة والتعليم(28). لكن هذه العائدات لا تشكل ـ بتقديرنا ـ أكثر من ثلث المردود الإجمالي السنوي الذي تحصل عليه إسرائيل جرّاء احتلالها المنطقة، وضمناً المياه وسواها، والذي يمكن تقديره بأكثر من مليار دولار سنوياً، ناهيك عن العائدات الاستراتيجية والعسكرية والاجتماعية والنفسية التي يتعذر قياسها. والمسألة المعتبرة هنا، لا تنفصل عن حسابات الربح والخسارة الإسرائيلية الخاصة بمواصلة احتلال الجولان وبمستقبل المنطقة في حال اضطرت إسرائيل للانسحاب منها.‏

ـ الأهمية المائية‏

لا تنفصل مسألة المياه في الجولان عن الحسابات الإسرائيلية في المجالات الاستراتيجية، الأمنية والاقتصادية والاستيطانية وسواها، لما توفره المنطقة من تزويد مائي لإسرائيل(أنظر الخارطة). ومنذ الأيام الأولى للاحتلال وبعد تهجير السكان العرب، قامت السلطات بالاستيلاء على جميع مصادر المياه بالجولان، بما في ذلك المصادر التابعة للسكان العرب الباقين. وحفرت الآبار الارتوازية قرب ينابيع الماء التي يستعملها السكان لري بساتين التفاح، من أجل تجفيفها، ومنعت السكان من ضخ المياه لبساتينهم من بركة مسعدة، التي اعتاد السكان قبل الاحتلال على استعمال مياهها لري بساتينهم.‏

وتشير الإحصاءات إلى أن منطقة الجولان تزود إسرائيل بحوالي 700 ـ 900 مليون م3 سنوياً من المياه، أي نحو 25% ـ 30% من استهلاكها السنوي للمياه، في شتى المجالات، وأهمها الاستهلاك المنزلي والزراعة. وتقوم المستوطنات باستهلاك ما يقارب 22 مليون متر مكعب من المياه سنوياً للصرف المنزلي، من مياه الوديان والآبار الارتوازية والسدود. وقامت سلطات الاحتلال بإنشاء 18 بركة اصطناعية لتجميع مياه الأمطار والأنهار والينابيع والوديان الممتدة في المنطقة المحتلة من الجولان. وتبلغ سعة هذه المجمعات 70 مليون متر مكعب من المياه بالسنة، تستعمل لري ما يقارب 246 كم2 من الأراضي الزراعية للمستوطنين، حيث تتم تعبئة البرك الاصطناعية في فصل الشتاء وتستخدم لري الأراضي الزراعية التابعة للمستوطنين طيلة فصل الصيف(29).‏

حين تؤخذ المكانة المائية للجولان من زاوية الإسهام بالميزان المائي الإسرائيلي وتغذية المستوطنات والأنشطة الاقتصادية في الجولان، يتضح أن الإسرائيليين يضعون هذه المكانة في صدارة العوامل التي تدفعهم لرفض الانسحاب من المنطقة. وبذلك تتكامل المكونات المادية في سياق هذا الرفض. فكيف تبدو الأبعاد السياسية للمسألة؟‏

ـ مسألة الانسحاب من الجولان في تجربة المفاوضات‏

توسَّع المسؤولون والمهتمّون الإسرائيليون في مناقشة مسألة الانسحاب من الجولان، منذ انطلاقة عملية السلام في "مؤتمر مدريد" (28/10/-1/11/1991). وكانوا خلال توسعهم هذا في حالة ارتباك أمام استحقاقات عملية السلام، بموجب مضامين دعوة راعيي "مؤتمر مدريد" إلى الأطراف المعنية. وفي مقدمة هذه الاستحقاقات؛ إن السلام المفترض بين سورية وإسرائيل يستدعي ـ بين مختلف متطلباته ـ الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجولان.‏

يُعزى الارتباك الإسرائيلي في هذا الشأن، إلى أن عملية السلام لا يمكن أن تستقيم مع ذاتها (في المبنى والمعنى) إذا كانت وفق صيغة "السلام مقابل السلام" التي درجت جهات إسرائيلية متعددة على طرحها. وباعتبار أن عملية السلام قد فرضت ديناميتها الخاصة منذ انطلاقتها، فقد أصبح واضحاً لدى إسرائيل أن رفض الانسحاب الكامل من الجولان هو بمثابة تجديف غير مجدٍ عكس التيار. ومع ذلك واصلت إسرائيل هذا التجديف، على الرغم من أنها لمست تماماً(بحكومتها ووفدها إلى محادثات واشنطن) أن سورية(وضمناً وفدها) تتمسك، وبثبات، بالأسس التي قامت عليها عملية السلام.‏

ازداد الارتباك الإسرائيلي بفعل نجاح سورية في تحديد قاعدة التفاوض لإحلال السلام عبر معادلة "السلام الكامل مقابل الانسحاب الكامل". وقد شكلت مسألة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجولان، الاختبار الرئيس الأول لجدية الالتزام الإسرائيلي بإطار "صيغة مدريد". ومع الاقتراب من مناقشة جوهر المسألة في محادثات واشنطن، عزز الوفد الإسرائيلي وتيرة مماطلته في ترجمة الموافقة الإسرائيلية على تلك الصيغة إلى واقع ملموس مجسَّد بإعلان نوايا واضح حول مسألة الانسحاب الكامل. وبالرغم من تغير الطاقم الإسرائيلي الحاكم إثر انتخابات الكنيست الثالثة عشرة(حزيران 1992)، إلا أن حكومة اسحق رابين، كانت عملياً تعيد إنتاج الكثير من أجزاء السياسة التي اعتمدتها حكومة اسحق شامير، في المحادثات على المسار الإسرائيلي- السوري. وبالتزامن مع عودة حزب العمل إلى السلطة، وتشكيل الحكومة الائتلافية بمعزل عن الليكود واليمين المتطرف، بدأت التصورات الإسرائيلية حول موضوع الانسحاب من الجولان تتكاثر، بشكل ينم عن وجود موقفين لحكومة رابين؛ أحدهما/ متخذ، يقضي بالاستمرار في عدم الالتزام بتنفيذ "صيغة مدريد" والامتناع عن إعلان موقف إسرائيلي رسمي يتعهد بهذا التنفيذ، والآخر/ موقف معلن ضمن هامش واسع نسبياً يتم فيه الحديث عن الانسحاب "في الجولان" وليس "من الجولان".‏

إبّان الحملة الدعائية لانتخابات الكنيست الثالثة عشرة، قال رابين خلال جولته في مستوطنات مرج ابن عامر: "حتى مقابل اتفاق سلام كامل، لن ننزل من هضبة الجولان". وأضاف: "إن هضبة الجولان ووادي الأردن والقدس الكبرى هي مناطق ينبغي دعمها وتعويض سنوات الإهمال في عهد الليكود". واعتبر رابين أن القدس هي روح الشعب اليهودي، أما وادي الأردن والجولان فهما خطوط مواجهة، وهناك ينبغي الدفاع عن الدولة" (دافار2/6/1992). وفي مقابلة مع صحيفة عل همشمار (5/6/1992) كرّر رابين القول: "حتى في حالة السلام لن ننزل من هضبة الجولان". ورأى أن "هضبة الجولان من حيث الأرض والطبوغرافيا حيوية لأمن إسرائيل". بيد أن رابين استدرك قائلاً: "لكن ذلك لا يعني أننا نتمسك هنا بكل سنتيمتر". وبعد نحو ستة أسابيع من وجوده في منصب رئيس الحكومة، كرّر رابين أيضاً ـ خلال جلسة للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست ـ فكرة عدم التمسك الإسرائيلي بكل سنتيمتر من الجولان، واستطرد قائلاً: "علينا أن نعرف إذا كانت سورية مستعدة للتوصل إلى سلام ومعاهدة أم لا"(هآرتس26/8/1992). وفي ومختلف تصريحاته حول مسألة الجولان، كان رابين يركز على أن إسرائيل سوف تعمل ما بوسعها من أجل عدم التنازل عن جميع المنطقة، والحيلولة دون تكرار سابقة الإخلاء والتفكيك للمستوطنات اليهودية في سيناء(دافار 5/3/1993) مع إشارته إلى أنه "لا يوجد تناقض بين المصالحة الإقليمية وعدم النزول من الهضبة" (يديعوت أحرونوت 6/5/1993). وبينما كان رابين يؤكد وجود "استعداد إسرائيلي لانسحاب في هضبة الجولان إلى حدود آمنة ومعترف بها" (دافار 4/6/1993) وأن السوريين لن يحصلوا على كل الجولان حتى مقابل سلام كامل"(دافار 15/6/1993)، فقد عمد رابين إلى ربط "قبول إسرائيل مبدأ الانسحاب في الجولان" بمقولة "إن إسرائيل غير مستعدة للإعلان إلى أي حدود بالضبط ستنسحب، قبل أن يفصل السوريون معيار السلام بين البلدين"(هآرتس 1/7/1993). أما بعد اتفاق غزة- أريحا، فكان رابين يركز أيضاً على أن "الاتفاق مع السوريين لا يقف على رأس جدول الأعمال الإسرائيلي" (معريف20/9/1993) بذريعة أن الشارع الإسرائيلي لا يمكن أن يهضم اتفاقين في وقت واحد.‏

عبر هذه التصريحات وأمثالها، كان يبرز موقف إسرائيلي مؤكَّد على لسان أعلى مسؤول فعلي في السلطة التنفيذية الإسرائيلية، بأن مسألة الانسحاب الكامل من الجولان هي مسألة محسومة بالنفي. فعلى أي أساس، إذن كان رابين يرسل وفده إلى محادثات واشنطن؟‍. ولماذا كان يصر على ربط "عمق الانسحاب من الجولان" بما يسمى"عمق السلام الذي تقبل به سورية"؟‍.‏

كان واضحاً أن فكرة الربط هذه، فكرة مفتعلة قصداً، وتعدّ أصلاً محاولة إسرائيلية مقحمة على عملية السلام وفق "صيغة مدريد". فالمنطقة المحتلة من الجولان هي أرض سورية تقضي عملية السلام بإعادتها إلى سورية، باعتبار أن "صيغة مدريد" تستند إلى القرارين 242 و338، وضمناً ديباجة القرار الأول التي تنص على عدم جواز الاستيلاء على الأراضي عن طريق الحرب. وبالتالي يمكن اعتبار محاولة الربط المذكورة أنها تأتي في معرض التنصل الإسرائيلي من الالتزام بهذه الصيغة، والالتفاف عليها بطروحات تريد إسرائيل عبرها إظهار سورية وكأنها هي التي تعيق تقدّم المحادثات. ثم إن الإصرار الإسرائيلي على الربط بين عمق الانسحاب وحجم السلام، يفتقر إلى أبسط درجات الإقناع، في ظل إعلان رابين المتكرر أن إسرائيل لن تنسحب من كامل الجولان، حتى مقابل سلام كامل مع سورية.‏

على الصعيد الحكومي، كتلخيص لمواقف وزراء حكومة رابين من المسألة، يمكن الاستعانة بمادة صحفية إسرائيلية تعبر عن هذه المواقف، هي مادة الاستطلاع التي نشرتها صحيفة معريف (7/5/1993) حيث توجهت الصحيفة إلى الوزراء بسؤالين، أحدهما: هل توافق على التنازل الإسرائيلي عن كل الجولان مقابل السلام الكامل؟‍ ومن الإجابات التي نقلتها الصحيفة عن الوزراء اتضح أن هناك استقطاباً إلى حد ما، وتبايناً كبيراً نسبياً، في الرأي ضمن حكومة رابين، حول الانسحاب الكامل من الجولان. إذ جاءت الإجابات كالآتي: المعارضون 7 وزراء – المؤيدون 5 وزراء- موقفان غامضان- 3 وزراء امتنعوا عن الاشتراك في الاستطلاع أو الرد على السؤال- وزير لم يشترك في الاستطلاع بسبب سفره خارج البلاد.‏

على الساحة الحزبية، وفي الكنيست، شنت أحزاب اليمين واليمين المتطرف حملة عنيفة ضد الحكومة الإسرائيلية، جرّاء ما يسمى "تنازلاتها في موضوع الجولان" ورأت هذه الأحزاب في عبارات رابين حول السنتيمترات، والانسحاب في الجولان، أمراً يعرض أمن إسرائيل للخطر، واعتبرت ذلك مسألة مصيرية ووجودية، وطالب بعض زعماء المعارضة بإجراء انتخابات جديدة لتكون تفويضاً لأي حزب يريد اتخاذ قرار بشأن الجولان. ففي مقال كتبه بنيامين نتنياهو(الذي أصبح زعيماً لليكود وخلفاً لشامير) أكد أنه "ينبغي على رئيس الحكومة(رابين) إذا كان يريد سلاماً دائماً وحقيقياً أن يطلب من السوريين التخلي عن مطالبتهم بهضبة الجولان" (يديعوت 23/9/1992). وبعد وصوله إلى منصب رئيس الليكود، استمر نتنياهو في معارضة ما يسمى " تقديم التنازلات الإسرائيلية لسورية". وبالمثل، واصل أقطاب الليكود ودعواتهم إلى خوض صراع عنيف ومكشوف ضد الحكومة. كما صدرت تصريحات مشابهة عن زعماء أحزاب المعارضة الأخرى، ترفض حتى مجرد الاستعداد للانسحاب الجزئي من الجولان. وكانت هذه التصريحات تستلهم مقولة "ولا شبر" الليكودية التقليدية المعروفة، واعتبر بعضهم أنه "لا يوجد سلام مع العرب، ومن الوهم الاعتقاد أن بالإمكان صنع السلام معهم.. وإذا كان السوريون يرغبون في السلام، فليأتوا لصنع السلام، ولكن ليس لهم ما يأخذونه" (تصريح رفائيل ايتان زعيم تسومت/ يديعوت 14/9/1992).‏

وعلى غرار التوجهات التي تتخذها أحزاب اليمين المتطرف، وأحياناً في إطارها، أبدى عدد كبير من ضباط الاحتياط في إسرائيل معارضتهم الانسحاب من الجولان، وبرأيهم؛ "إن هضبة الجولان تعتبر ذات أهمية استراتيجية كبيرة، وإن صواريخ أرض ـ أرض لا تحسم المعركة، بل الذي يحسم المعركة هو القوات الأرضية التي تمثل مناطق للحدود، وإنه إذا ما قامت إسرائيل بإعادة الهضبة، سيكون وضعنا أصعب من مرحلة ما قبل 1967، لأنه تم إدخال وسائل قتالية متطورة إلى الساحة، وإن القوات السورية سوف تتمكن من اختراق حدود 1967"( يديعوت 23/7/1991). وبعد دخول مسألة الانسحاب من الجولان حيز المداولة في محادثات واشنطن، أعرب بعض الجنرالات الاحتياط في إسرائيل عن أنه لا يحق للجيل الإسرائيلي الراهن أن يناقش موضوع الجولان، وإنما "يترتب عليه أن يضرب جذوره فيها" على حد قول أفيغدور كهلاني، في معرض تطرقه إلى أقوال رابين حول إمكانية التنازل عن سنتيمترات في الجولان(حدشوت 31/8/1992). أما في الجيش، فقد أوصت هيئة الأركان بعدم التنازل عن الجرف الصخري الممتد على طول القطاع الغربي للجولان، والذي يشكل نحو ثلث المنطقة المحتلة من الجولان(أنظر الخارطة).‏

في المقابل، كان هناك من عبَّر عن "عقم مواصلة التمسك بالجولان كبديل عن السلام"، خاصة وأن استمرار النزاع في المنطقة سيؤدي إلى خلق الأخطار الجسيمة، بما في ذلك خطر استخدام الأسلحة غير التقليدية (تصريح الجنرال دوف تماري- حدشوت4/9/1993). وذهب بعضهم إلى أنه "سيكون من الصعب جداً الوصول إلى تسوية مع سورية دون إخلاء المستوطنات اليهودية في الجولان"، ودعوا إلى الكف عن المبالغة بالخطر المتوقع لإسرائيل إذا أخلت هضبة الجولان" (الجنرال أفيغدور بن غال- دافار 11/9/1992)، ونظر آخرون إلى أن تضخيم أهمية الأرض بالنسبة لأمن إسرائيل يمثل عودة إلى عنصر هنيبال، حين كانت للمناطق المرتفعة أهمية حاسمة في حروب العهد القديم، أما في المعارك الحديثة فإن القيمة العسكرية للناحية الطبوغرافية عادة ما تزول أو تقل (الجنرال الاحتياط متتياهو بيلد- دافار 18/9/1992). وعموماً، كان معظم الجنرالات الاحتياط في إسرائيل يتناولون مسألة الجولان وفق مصطلحات الجغرافية العسكرية والأمن والعمليات، وكانوا في هذا يقدمون آراء متنوعة، بعضها يوظف في سياق سياسي يعارض الانسحاب من الجولان، وبعضها الآخر يوظف في اتجاه الموافقة على الانسحاب مقابل السلام.‏

وأسهمت الأوساط الأكاديمية والبحثية الإسرائيلية في النقاش الدائر حول مسألة الجولان، فكان هذا الإسهام متأثراً في مختلف حالاته بهوية الجهة التي يصدر عنها الرأي. وتعددت التوصيفات التي قدمتها تلك الأوساط، بشكل جرت فيه تغطية الجوانب العسكرية والسياسية والإيديولوجية، إضافة إلى الجوانب الخاصة بالموارد والاستيطان وسواها. الباحث الإسرائيلي آلوف هارإيفن (مدير معهد فان لير للأبحاث سابقاً) عبّر عن رأيه بأن هضبة الجولان لا تؤمن لإسرائيل عمقاً استراتيجياً يكفي لإنذارها. وأسهب هارإيفن في بحث ما يسمى "حالة الردع"، معتبراً أن الضمانات الدولية لا تكفي، لهذا طالب بوجود قوة عسكرية برئاسة الولايات المتحدة، تكون لها "أسنان فعلية"، تتألف من مئات الدبابات، ولديها تعليمات صارمة بفتح النار على أي قوة إسرائيلية أو سورية تحاول اجتياز خطوطها، ويكون الاعتداء عليها اعتداءً على الدول التي ستقوم بإرسالها(هآرتس 23/9/1992). ومن جانبه، ناقش الباحث يوسف شيمرون(المحاضر في جامعة حيفا) مسألة الجولان من زاوية البدائل والخيارات القائمة بين استمرار الاحتفاظ الإسرائيلي بالمنطقة وانفتاح الصراع على احتمالات حرب جديدة، وإمكانية التوصل إلى سلام يلغي هذه الاحتمالات. وبتعبير شيمرون، إن كل التجمعات السكانية في إسرائيل وكل الأهداف الاستراتيجية ستصبح عاجلاً أم آجلاً واقعة تحت تهديد الصواريخ البالستية التي لا توجد لدى إسرائيل طريقة لإيقافها. وبعد ذلك أكد شيمرون أن وجود إسرائيل في الجولان تم تبريره بتعليلات أمنية، واليوم في ضوء التغيرات في أشكال النزاع، فإن هذه التعليلات تفقد الكثير من أهميتها(هآرتس 17/9/1992).‏

ولعل الدراسة الإسرائيلية الأهم، هي تلك الدراسة التي أعدتها "شركة تخطيط المياه- تاهل" بالتعاون مع "مركز جافي للدراسات الاستراتيجية" التابع لجامعة تل أبيب، ووزعت على نطاق محدود جداً عام 1991. تقول هذه الدراسة: إن النزاع بين إسرائيل والعرب يتركز حول الأرض، والأرض مرتبطة بالمياه، والمياه مرتبطة بأمن الدولة، وهذه المشكلة ـ حسب الدراسة ـ هي الأكثر تعقيداً، لأن المياه لا تؤخذ بعين الاعتبار في خطوط الحدود. وتشدد الدراسة على أن الخلافات بين سورية وإسرائيل ستزداد عندما تنسحب إسرائيل من هضبة الجولان. وترى دراسة "تاهل- جافي" أن نحو ثلث هضبة الجولان، ينبغي أن يظل بحوزة إسرائيل، على خلفية موضوع المياه(أنظر الخارطة). وتؤكد الدراسة أن تجاوز أي انسحاب لهذا الخط ينطوي على خطر وجودي على إسرائيل. وتحدد دراسة "تاهل- جافي" أفكاراً للتعامل مع هذا الموضوع، تتلخص بما يلي:‏

ـ لا يمكن الوصول إلى ترتيبات أمنية دون حل موضوع المياه.‏

ـ يجب أن تحافظ إسرائيل على الثروة المائية الموجودة بحوزتها.‏

ـ يجب أن تؤكد إسرائيل على الرقابة على مجمعات المياه الجوفية في أي انسحاب محتمل.‏

ـ يجب ضمان الحد الأقصى من الرقابة على مصادر نهر الأردن واستغلال نهر اليرموك والمياه السطحية في الجولان.‏

ـ ينبغي أن ترسم إسرائيل لنفسها خطي انسحاب؛ الأول، خط المياه على طول خط القنيطرة- الحمة، ومعنى ذلك أن إسرائيل لن تنسحب من هضبة الجولان، أما البديل الثاني، وهو خط الانسحاب الأخير، الذي يقع شرقي خط الأحواض القائمة بالقرب من محور الشلالات - إلى الغرب من خط التابلاين - / أنظر الخارطة المرفقة(هآرتس8/10/1993).‏

وتنتقل المسألة إلى نطاق الرؤية الإيديولوجية/الدعائية، على طريقة الباحث الإسرائيلي اليئاف شوختمان(أستاذ القانون في الجامعة العبرية في القدس)الذي يرى أن العلاقة بين إسرائيل والجولان تستند إلى الحدود الموعودة الواردة في التوراة، وأنه لا يجوز التفكير بأن تكون هضبة الجولان موضوعاً للمفاوضات، لأنه لا يجوز التنازل عن الوطن(؟!‍). ويدين شوختمان الأقوال التي جاءت على لسان الحاخام شلومو غورين (المعروف بتعصبه) والتي يعلن فيها بصراحة أن "منطقة الجولان ليست جزءاً من أرض إسرائيل وأنها أرض غريبة ودنسة" بالنسبة لليهود حسب الشريعة اليهودية(هآرتس 25/11/1992). وبين صيغ الحلول التي تصورها الوسط الأكاديمي - البحثي في إسرائيل، تثير الاهتمام صيغة طرحها أهرون ليبران(الباحث في مركز جافي)، إذ يرى ليبران أن أفضل الحلول هو الحل العملي الذي لا يقسم المنطقة، بل يقسم وظائف ومهام السيادة والسيطرة، فمقابل اعتراف إسرائيل بسيادة سورية على المنطقة، يمكن طرح موضوع استئجار الجولان على طريقة الصندوق القومي اليهودي لسنوات طويلة(حتى 99 عاماً). وباعتقاده، إن التأجير ليس أسوأ من نقل السيطرة على خط الأسلاك وفي أقسام أخرى إلى طرف ثالث. ويتحدث ليبران بإسهاب عن مزايا التأجير المزعومة لسورية وإسرائيل (معريف 28/1993)، متجاهلاً حقيقة أن الأرض السورية يجب أن تعاد كاملة إلى سورية، وأنها لا يمكن بأي حال أن تعرض في سوق البيع أو التأجير. وإذا كان ليبران وكثيرون غيره، قد كرروا هذه الصيغة، انطلاقاً من "عقلية التاجر الصهيوني"، فإن هذه العقلية، وبكل بساطة، لا تدرك المغزى العميق للارتباط بين الجولان والوطن الأم سورية.‏

ـ "وديعة رابين" .. وتغير التوجهات‏

من الواضح أن سورية كانت تخوض معركة مفاوضات مريرة مع طرف يسعى بوضوح للتلاعب بعملية السلام. وأمام الإصرار السوري على ضرورة انسحاب إسرائيل الكامل من الجولان، لم يكن ثمة مناص للجانب الإسرائيلي من التفكير جدياً بالأمر، وبالنتيجة جاءت "وديعة رابين"(في حزيران 1995) التي سلِّمت إلى وزير الخارجية وارن كريستوفر، لتكون وثيقة معتمدة لدى إدارة الرئيس الأميركي بيل كلينتون، والتي تعهد فيها رابين بالانسحاب الكامل من الجولان، مقابل السلام الكامل. إلا أن رؤساء الحكومات الذين توالوا على هذه المنصب، بعد مقتل رابين في تشرين الثاني 1995، ظلوا ينكرون وجود هذا التعهد. بينما كان من المؤكد في المنظور السوري أن "وديعة رابين" غير قابلة للنكران أو الدحض، بصرف النظر عن محاولات الحكومات الإسرائيلية للتنصل منها. ثم حدثت مفاجأة!.‏

بعد نحو سبع سنوات على "وديعة رابين" التي نحيت جانباً، كشف بن كسبيت المراسل السياسي لصحيفة "معريف" (في 11/10/2002) وثيقة ـ ضمن تحقيق بعنوان "وصية رابين" ـ كان لها وقع الصاعقة على الأوساط السياسية الإسرائيلية، هي مضمون الملاحظات الأخيرة التي دوَّنها رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إسحق رابين، في مفكرته الشخصية قبل مقتله، والتي بموجبها ستنسحب إسرائيل من كل هضبة الجولان السورية المحتلة مقابل سلام كامل مع سورية، على مركباته كافة(أنظر الصورة). وحصل بن كسبيت على هذه الملاحظات في إطار زيارة خاصة قام بها إلى منزل رابين في تل أبيب، بمساعدة ابنته داليا رابين/فيلوسوف النائبة في الكنيست. وأوضح بن كسبيت أن الحديث يدور عن ثلاث وريقات تضم ملاحظات ترد تحت العنوان التالي: "لقاء مع وزير الخارجية" (المقصود وزير الخارجية الأمريكي وقتذاك وارن كريستوفر، الذي كان يقوم بمهمة مكوكية بين سورية وإسرائيل). وبعد العنوان الرئيسي، ثمة عنوان فرعي هو "الموضوع السوري". وتتوزع ملاحظات رابين على ثلاثة محاور هي: ما تم تلخيصه بيننا (إسرائيل وسورية)، ما حصل فعلاً، وماذا بعد الآن. وكتب تحت عنوان "ما تم تلخيصه بيننا " ما يلي:‏

أ- استعداد للانسحاب الكامل (من الجولان) مقابل سلام كامل بكل جوانبه.‏

ب- مدة الانسحاب ومراحله.‏

ج- الدمج بين تجسيد السلام الشامل قبل استكمال الانسحاب مع انسحاب جزئي.‏

د- الترتيبات الأمنية.‏

وتحت عنوان "ما حصل فعلاً"، كتب رابين ما يلي: هناك وعد للسوريين بانسحاب كامل، أكثر من أية دولة عربية تجرأت على الطلب، ومقابل ذلك ليست هناك موافقة على أي من المركبات التي هي شرط، كصفقة شاملة. ويوضح بن كسبيت أن لقاء رابين مع كريستوفر تم في تل أبيب في حزيران 1995، قبل مقتل رابين بأقل من خمسة أشهر، وبعد ذلك زار المبعوث الأمريكي دينيس روس تل أبيب مرات عدة، لكن الموضوع لم يحقق تقدماً. وبعد مقتل رابين حاول خليفته شمعون بيرس مواصلة الطريق لكنه لم ينجح. في هذه الأثناء جرى تبكير الانتخابات الإسرائيلية وهزم بيرس أمام نتنياهو مرشح "الليكود" الذي فاز برئاسة الحكومة.‏

بعد كشف أوراق رابين بنحو عامين، أكد عضو الكنيست يوسي سريد(الرئيس السابق لحزب ميرتس اليساري) هو الآخر وجود "وديعة رابين" في مقال له جاء فيه: قبل مقتل رابين، دعاني إليه وكشف أمامي، بصورة سرية جداً وانفعال لم أعهده لديه، أنه قد أودع لدى الأميركيين رسالة يبدي فيها استعداده للانسحاب من كل هضبة الجولان مقابل اتفاق سلام وتطبيع العلاقات وترتيبات إمداد المياه والإنذار المبكر، ولولا أنني سمعت بنفسي ما قاله لما كنت أتجرأ على الإدلاء بشهادتي هذه. بنيامين نتنياهو خلَف رابين المقتول قام هو أيضاً، حسب مصادر أميركية وإسرائيلية كثيرة، بإعطاء التزام وتعهد بالانسحاب من هضبة الجولان ضمن شروط مشابهة لشروط رابين. ايهود براك الذي خلف نتنياهو شرع بالتفاوض مع السوريين وشارك في المفاوضات شخصيا أيضاً "جَـبُن" في اللحظة الأخيرة وتنكّر دون أن يرمش له جفن لالتزاماته المسبقة للأميركيين والسوريين، وهكذا ذهب الاتفاق أدراج الرياح(30).‏

بعد أن أُسقِط في يد الحكومات الإسرائيلية، ولم يعد باستطاعتها إنكار "الوديعة ـ التعهد"، درجت هذه الحكومات على التردد والتأتأة خلال الحديث عن الموضوع، ثم أخذت تردد القول: إن أي مفاوضات مع سورية ستبدأ من نقطة الصفر، وليس من النقطة التي توقفت عندها، وصار السبب هو ـ كما قال وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم عام 2005 ـ لأن هذه النقطة "كانت في عهد حكومة إسرائيلية تختلف عن الحكومة الحالية"(31).‏

من المفيد التذكير هنا أن "التنازل عن الجولان"، بالمفهوم الإسرائيلي، كان مطروحاً مقابل رزمة من عناصر التسوية، تمادت فيها إسرائيل بتقديم "شروط تعجيزية"، كانت النتيجة المنطقية المترتبة عليها هي انهيار المفاوضات، بشكل مترافق مع إدراك سورية أن إسرائيل تحاول حرف مسار عملية السلام عن استحقاقاتها الجغرافية التامة. وكان هذا المعطى أحد الأسباب الرئيسة لتوقف مفاوضات السلام بين سورية وإسرائيل(في شبردزتاون مطلع كانون الثاني 2000) في عهد حكومة إيهود براك، ثم جمود عملية السلام تماماً في عهد شارون، وصولاً إلى الوقت الراهن. ففي المجال الأمني، على سبيل المثال، كانت نقطة الخلاف الرئيسة؛ طلب إسرائيل الاحتفاظ بمحطة إنذار مبكر في الجولان بعد الانسحاب، فيما رأت سورية أن هذا سيكون انتقاصاً من سيادتها. كما طلبت إسرائيل أن تقوم سورية بتخفيض عدد القوات السورية على طول الحدود، وأصرت إسرائيل على أن تمتد المنطقة المنزوعة السلاح إلى جنوب دمشق مباشرة. وكما يؤكد المؤرخ الإسرائيلي آفي شلايم، رفض السوريون جميع هذه المطالب، واعتبروا أن مخاوف إسرائيل الأمنية مبالغ فيها إلى حد كبير، إذا ما أخذت التكنولوجيا المتطورة التي لديها وحجم ونوعية قواتها المسلحة وترسانتها النووية بالاعتبار(32).‏

ولدى متابعة التفصيلات التي كانت تنشرها الصحف الإسرائيلية خلال سنوات المفاوضات، يمكن ملاحظة العديد من الشروط التي تشكل مضامينها عقبات حقيقية أمام عملية السلام، ومنها:‏

ـ ضمان مصادر مياه نهر الأردن (بانياس ـ الحاصباني).‏

ـ التمسك الإسرائيلي بالجرف الصخري الموازي لنهر الأردن.‏

ـ إبعاد السوريين عن شاطئ طبرية.‏

ـ استمرار الوجود الإسرائيلي في كتفي الجولان(الحرمون +العال + فيق).‏

ـ ميزات لإسرائيل في موضوع المناطق مجردة السلاح والمناطق محدودة القوات.‏

ـ التخلص من كثافة القوات السورية شرقي المنطقة محدودة القوات، وإبعاد الجيش السوري مسافة كبيرة عن الجولان.‏

ـ قيود على تمركز منصات الصواريخ السورية.‏

ـ محطات إنذار إسرائيلية في الحرمون وبعض التلال الأخرى(أبو الندى ـ العرام..إلخ).‏

ـ مبدأ التداخل والتعاون في ممارسة الاستطلاع على جانبي الحدود.‏

ـ تغيير هيكلية القوات أو تخفيض الجيش السوري من 12 فرقة إلى 7ـ8 فرق.‏

ـ مساعدة أميركية في الإنذار والردع، قوات أميركية، قوات متعددة الجنسية.‏

ـ شروط تعجيزية حول موضوع دمج لبنان في التسوية الأمنية.‏

هذه عينات فقط من المسائل التي كانت إسرائيل تصر عليها خلال المفاوضات، والتي تبين في المحصلة عملياً أن جميع الحكومات الإسرائيلية كانت تعتمد التوجهات ذاتها في رفض الانسحاب من الجولان، سواء بذريعة عدم تلبية سورية الشروط الإسرائيلية، أم بذريعة الاختلاف في البرامج السياسية بين هذه الحكومات.‏

ـ توافق داخلي وغطرسة‏

تتيح دراسة البرامج السياسية والانتخابية للأحزاب الإسرائيلية القائمة حالياً إمكانية تكوين فكرة إجمالية عن التوجهات الاستراتيجية لهذه الأحزاب في موضوع الجولان والسلام مع سورية، كما تقدم تصريحات المسؤولين الإسرائيليين مؤشراً على المنحى العام للسياسة الإسرائيلية في هذا الموضوع. ففي المجال الحزبي، يتفق حزب كديما(29 مقعداً في الكنيست) بزعامة إيهود أولمرت وحزب الليكود المعارض(12 مقعداً) بزعامة بنيامين نتنياهو على رفض الانسحاب من الجولان، ورفض استئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها، اشتراط تخلي سورية عن دعم حزب الله وطرد قيادات حماس والجهاد، وعدم الاعتراف بوديعة رابين التي تتضمن الانسحاب التام من الجولان. ويتخذ الموقف ذاته عدد من الأحزاب في الائتلاف الحكومي والمعارضة على حد سواء( شاس 12 مقعداً، يهدوت هتوراه 6 مقاعد، يسرائيل بتينو 11 مقعداً، والمفدال والاتحاد الوطني 9 مقاعد). وهذا يعني أن رفض الانسحاب من الجولان مغطى برلمانياً بأغلبية 79 مقعداً (من أصل 120 مقعداً)في الكنيست.‏

أما حزب العمل(19 مقعداً) بزعامة عامير بيرتس، فيأخذ بنظر الاعتبار الموقف السابق في عهد رابين الذي وافق على الانسحاب من الجولان إلى الحدود الدولية في الموقف المعلن، ولكنه راح يماطل بموضوع الانسحاب الكامل حسب "وديعة رابين" التي يحاول الحزب تجاهلها، ويرى إمكانية استئناف المفاوضات دون شروط، أو من النقطة التي توقفت عندها، بشرط تخلي سورية عن دعم حزب الله والفصائل الفلسطينية. أما حزب ميرتس/ياحد "اليساري"(5 مقاعد) فيشكل حالة استثنائية بين الأحزاب الإسرائيلية، ويتوافق مع الأحزاب العربية، بشأن قبول الانسحاب إلى حدود 1967، مقابل سلام كامل وتطبيع، والموافقة على استئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها.‏

توضح طبيعة الخارطة الحزبية الإسرائيلية، أن الانزياح نحو اليمين يشكل السمة الرئيسة لها في موضوع الجولان والسلام مع سورية، كما في الحالات الصراعية الأخرى. وبالتالي يعدُّ التوافق الداخلي على رفض الانسحاب من الجولان عاملاً يغذي الموقف الإسرائيلي المتعنت إزاء استحقاقات عملية السلام مع سورية.‏

وفي دائرة التصريحات التي صدرت عن الزعماء الإسرائيليين، يمكن ملاحظة خط متصل من الرفض التام للانسحاب من الجولان. ومن العيّنات التي يمكن إدراجها هنا؛ التأكيدات المتكررة لرئيس الحكومة أرئيل شارون ـ قبل غيبوبته ـ بأن الجولان سيبقى تحت السيطرة الإسرائيلية، وأن اقتراحات أسلافه للانسحاب من الجولان كانت تعرض إسرائيل للخطر(33).‏

وتوقع وزير الدفاع شاؤول موفاز أن تحصل تطورات على مسار التفاوض السوري تفضي إلى التوصل إلى اتفاق سلام مع سورية "دون التخلي عن شاطئ بحيرة طبرية"، رافضاً الحديث عن إمكان انسحاب إسرائيل من الجولان المحتل، مكتفياً بالقول: الاشتراط بأن على سورية أن تثبت صدقية نياتها للتوصل إلى سلام وتكف عن دعم الإرهاب و"تعالج" مسألة "حزب الله"، مضيفاً أنه لا يرى أي سبب لعدم بقاء المستوطنات الإسرائيلية في الجولان حتى في حال التوصل إلى سلام مع دمشق(34). ونقلت صحيفتا معريف ويديعوت أحرونوت الإسرائيليتان على موقعهما الإلكتروني(في27/9/2005)عن موفاز قوله(خلال جولة في مستوطنة كتسرين في الجولان ووضع حجر أساس لمنطقة صناعية جديدة للصناعات الإلكترونية المتقدمة(هاي ـ تك) خلال السنوات القادمة): "علينا مواصلة الاستيطان في الجولان وبذل كل ما هو ممكن حتى تنتعش الصناعة هناك، لأن مرتفعات الجولان ستظل وللأبد في أيدي إسرائيل". وتركيز موفاز في تصريح آخر ـ لموقع يديعوت أحرونوت ـ على أن منطقة الجولان تشكل ذخراً استراتيجياً لدولة إسرائيل، ولا يمكن التنازل عنها، "ويمكننا التوصل إلى اتفاقات تبقي هضبة الجولان بأيدينا"، على حد قوله(35).‏

وأكثر من ذلك، دعا إيهود أولمرت(يوم كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بالوكالة) الرئيس السوري بشار الأسد إلى ألا يحلم(؟!) بعودة الجولان المحتل لسورية، مؤكداً في حديثه للإذاعة الإسرائيلية على أنه لا يوجد الآن لدى إسرائيل أي اهتمام بمنطقة الجولان سوى تطويرها وتعزيز الاستيطان فيها. مضيفاً: إن الجولان ليس ورقة مساومة مع سورية، وهي ليست على جدول الأعمال في أي سلم أولويات، لكن لا شك أنها جزء من جهود التطوير التي تنفذها دولة إسرائيل ولن تكون هدفاً لانسحاب أحادي الجانب(36).‏

وبعد تسلم أولمرت منصب رئيس الحكومة ظل يكرر الموقف ذاته. ولدى بروز دعوات من بعض الوزراء في حكومته، للتفاوض مع سورية، إثر الحرب بين إسرائيل وحزب الله، سارع أولمرت إلى القول: إن إسرائيل لن تجري مفاوضات مع من يرعى "الإرهاب" ومع من هو جزء من "محور الشر"، هيا لا ننسى آلاف الصواريخ التي سقطت هنا في الشهر الماضي، جميعها مرت عبر دمشق، بل إن بعضها أنتج في دمشق، نحن لا ننجرف إلى مغامرة مفاوضات، سنفعل هذا فقط عندما تتغير سورية بشكل جذري في كل مسألة دعم "الإرهاب". وبعد نحو شهر من هذا التصريح، ذكر تقرير صحفي إسرائيلي أنّ أولمرت والإدارة الأميركية يتحفظان من إشراك سورية في أي مسار سياسي، وأن رئيس الحكومة يفضّل استمرار السيطرة على الجولان(37). وفي مقابلة مع الصحيفة الأصولية "مشبحاة"(عائلة) قال أولمرت: "طالما أنا رئيس للوزراء، فإن هضبة الجولان ستبقى في أيدينا، كونها جزءاً لا يتجزأ من دولة إسرائيل"(38). ووجه أولمرت توبيخاً لوزيرة التعليم يولي تامير بسبب تصريحاتها التي دعت فيها إلى التفاوض مع سورية حتى لو لم يسر ذلك الأميركيين. وقال: "إن للحكومة سياستها، ومن غير المقبول أن يبدي وزراء آراء شخصية لا تعبّر عن رأي الحكومة". وهدد أولمرت الوزراء "طالباً عدم إجباره على القيام بخطوات لا يرغب بها"، وقال: "لا مفاوضات مع سورية، هذا هو خط الحكومة، هناك مسؤولية جماعية، والوزير الذي يريد إدارة نقاش فليقم بذلك خارج الحكومة"(39).‏

بهذا التعنت، تغيب الدلائل على إمكانية استئناف مفاوضات السلام بين إسرائيل وسورية، مادامت إسرائيل تضع أفقاً مغلقاً للمسألة تحدده برفض الاستجابة لاستحقاقات السلام. ويمكن ملاحظة أن الغطرسة الإسرائيلية تتغذى بالروافد الرئيسة التالية:‏

ـ تواصل إسرائيل الاستقواء بالولايات المتحدة، ويتجسد هذا الاستقواء بالحصول على أشكال الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي، التي تتيح لإسرائيل الاستمرار في تعنتها.‏

ـ تقوم إسرائيل على الدوام بإدخال تعديلات على ميزان القوى، بما يزيد الخلل القائم لصالحها في القدرات العسكرية، ناهيك عن امتلاك نحو 200 رأس نووي ـ حسب المعطيات الدولية ـ وغيرها من أسلحة الدمار الشامل.‏

ـ تمتلك إسرائيل قاعدة مادية صلبة بفعل الإمكانات الذاتية والتحالفية المستمدة من الولايات المتحدة والغرب ويهود العالم، حيث يتم توظيف الطاقة البشرية(البالغة نحو 5.7 مليون يهودي) باستنفارها وعسكرة المجتمع والأنشطة العامة، وخاصة الطاقات الكامنة في الهجرة التي بلغت خلال السنوات الست عشرة الأخيرة أكثر من مليون وربع مليون مهاجر غالبيتهم من دول الرابطة. وقد كان المهاجرون بمثابة "صيد ثمين" حصلت عليهم إسرائيل بطريقة أشبه بالقرصنة، حيث استقدمتهم من بلادهم كقوة إنتاجية جاهزة، بنوعيات متميزة عمرياُ ومهنياً.‏

ـ يبلغ الناتج القومي الإسرائيلي أكثر من 100 مليار دولار سنوياً (لنحو 7 ملايين نسمة من السكان اليهود والعرب، في ظل وجود تمييز لصالح اليهود في توزيع الثروة). وتبلغ ميزانية إسرائيل نحو 63 مليار دولار لعام 2006، منها نحو 10 مليارات دولار للأمن. وهو ما يتيح لإسرائيل إمكانية التخطيط لأي مغامرة عدوانية، لاعتبارات ذاتية وأخرى تتعلق بالمدد الذي يصلها من الخارج.‏

ـ تمتلك إسرائيل قاعدة علمية وصناعية متطورة، استناداً إلى الدعم الذي تلقته من الولايات المتحدة والغرب ويهود العالم. وأولت اهتماماً كبيراً للصناعات العسكرية التي تستخدم 25% من منتجاتها لصالح الجيش الإسرائيلي وتقوم بتصدير الباقي(75%) إلى مختلف دول العالم، وصارت تصدر عُشر إجمالي الصادرات العالمية من الصناعات العسكرية. كما تمتلك إسرائيل قدرات عسكرية تضع في اعتبارها مواجهة الدول العربية مجتمعة، على الرغم من الواقع العربي المفكك الذي لا يضع في حساباته مواجهة عسكرية مع إسرائيل، وهو ما يجعل سورية ولبنان وإيران الطرف الرئيس المقصود بحشد هذه القدرات.‏

استناداً إلى هذه المقومات المعتمدة إسرائيلياً، وإلى التقديرات الإسرائيلية لميزان القوى الثنائي الحالي بين إسرائيل وسورية، وفي ضوء السياسات الإسرائيلية والسورية المنتهجة، ما لم تتشكل "حكومة سلام"، وما لم تتغير بنى الظروف الحالية وتفاعلاتها، يمكن الاستنتاج أن الإسرائيليين يرشحون حالة "الوضع الراهن" للاستمرار خلال السنوات القادمة.‏

ـ التقديرات الإسرائيلية المقولبة للأوضاع في سورية‏

ساهمت التصورات النمطية "المقولبة" في الأوساط الإسرائيلية حول الوضع السوري العام، بتعزيز الأوهام عن تضاؤل القدرة السورية في مواجهة إسرائيل. وعبّرت هذه الأوهام عن ذاتها في تبني السذاجة القائمة على "أن سورية لن تملك عناصر القوة التي تمكنها من استعادة الجولان". وأكثر من هذا، جرى الحديث مراراً بعد الغزو الأميركي للعراق عن قرب انهيار النظام السوري، بفعل الضغوط الأميركية عليه.‏

فمنذ تشكيل حكومة نتنياهو(1996) كان هناك تصميم إسرائيلي على عدم مواصلة مسيرة المفاوضات التي استندت إلى أساس "الأرض مقابل السلام". وبرأي نتنياهو، إن انهيار الاتحاد السوفييتي وهزيمة العراق في حرب الخليج تركا الدول العربية دون أي خيار عسكري. وكان نتنياهو يعتقد أن موقفه الصلب يجبر الدول العربية نفسها لتقديم تنازلات أخرى عن حقوقها مما يتركه في وضع يستطيع معه أن يجادل عندما يسعى للحصول على ولاية ثانية في السلطة بأنه، على خلاف حكومة العمل، لم يقامر بأمن البلاد. غير أن استراتيجيته كانت محفوفة بالمخاطر، وكشفت عن خلل في فهم وضع إسرائيل الحقيقي. فالافتراض بأن العرب سوف يتخلون فجأة عن نضالهم الطويل لاسترجاع الأراضي المحتلة لم يكن ساذجاً فقط بل استفزازياً أيضاً(40).‏

وبعد الغزو الأميركي للعراق(آذار 2003)، ازدادت الأوهام الإسرائيلية باحتمال رضوخ سورية للضغوط الأميركية. وكمثال، شككت مصادر سياسية إسرائيلية بتصريحات الرئيس بشار الأسد، التي أدلى بها لصحيفة "نيويورك تايمز" والتي ألمح فيها إلى التقدم الذي طرأ خلال المفاوضات في عهد حكومة إيهود براك، وقالت هذه المصادر إنه يجب فحص إذا ما كانت هذه التصريحات "خطوة تكتيكية" موجهة لواشنطن، من أجل رفع الضغوط الأميركية القوية الممارسة على سورية، ويجب تذكر المأزق الذي دخلت سورية إليه في أعقاب مطالبتها بتسليم عناصر من تنظيم القاعدة للولايات المتحدة، وفي ضوء المصادقة على "قانون محاسبة سورية الذي يتعين على الرئيس الأميركي جورج بوش المصادقة عليه من أجل إخراجه إلى حيز التنفيذ". وقال الوزير الإسرائيلي جدعون عزرا إن تصريحات الأسد لا تحمل شيئاً جديداً، وقد جاءت تحت ضغط القانون الأميركي الجديد، لأنه يسمح بفرض عقوبات اقتصادية وعامة على سورية(41).‏

ونقلت الصحف الإسرائيلية(في 20/1/2004) عن شارون قوله خلال اجتماع للجنة الخارجية والأمن البرلمانية: آمل أن يكون واضحاً للجميع أن ثمن المفاوضات مع سورية هو التنازل عن هضبة الجولان. ومع أن شارون صرح أن إسرائيل تريد السلام مع كل الدول العربية المعنية بذلك، لكنه شرح موقفه المتحفظ إزاء سورية، معتبراً أن الرئيس الأسد موجود اليوم في قائمة "المشبوهين" الأساسيين كأحد المساعدين على انتشار "الإرهاب" العالمي، وسيكون من الخطأ من جانب إسرائيل إنقاذه من الضغط الأميركي والأوروبي، وعليه أن يبرهن جدية نواياه للسلام، بالتوقف عن إعطاء رعاية لـ"الإرهاب". واستمر شارون في رفض استئناف مفاوضات السلام مع سورية، واتفق مع ما أعلنه وزير حربه شاؤول موفاز حول الاحتفاظ بهضبة الجولان المحتلة. وحسب محلل إسرائيلي؛ إن المفاوضات حول هضبة الجولان التي كانت محور تركيز أسلاف شارون لم تعد مطروحة على جدول الأعمال في فترة حكمه، وعندما طرحت القضية عليه تهرب منها، مُعللاً ذلك بأن مدّ اليد للسوريين سيعرقل الضغوط الأمريكية عليهم(42). وواصلت محافل إسرائيلية رفيعة المستوى، وكذا أميركية، التمسك بتقدير مفاده؛ إن سورية توجد في ما يسمى "أزمة داخلية ودولية عسيرة"، وهذا هو السبب الوحيد لإصرارها على المفاوضات مع إسرائيل. وحسب أقوالهم، هناك شكوك لدى الأميركيين في أن السوريين ضالعون بالإرهاب في العراق، ولهذا فإنهم يحاولون تخفيف الضغط عن أنفسهم بواسطة التوجهات السلمية نحو إسرائيل(43).‏

في هذه الأثناء، كان الرفض الإسرائيلي يستند إلى تشجيع أميركي، وحسب تقرير عن مؤتمر في واشنطن عقده "مركز دراسات الشرق الأوسط" برئاسة حاييم سبان(حضره: بيل كلينتون وهيلاري، السناتور جو ليبرمان، هنري كيسنجر، بول وولفوفيتش، جيمس وولسي رئيس الـ سي.آي.ايه سابقاً، كبار الإدارة الأميركية الذين عملوا في دائرة الشرق الأوسط سابقاً وحالياً، ومن بينهم ساندي بيرغر ودنيس روس ومارتين انديك وروف مالي وروبرت دنين وسام لويس وغيرهم) اتضح أنه بالنسبة لسورية، سجلت ظاهرة هي أن كل الأميركيين الذين تحدثوا، من رجال إدارة أميركية ومعارضة، صقور وحمائم، حذروا من "وقوع إسرائيل في شباك الإغراءات السورية بالتفاوض"، كل واحد منهم كان لديه تعليل خاص به لهذا الموقف، ولكن النتيجة النهائية واحدة، ومن وجهة النظر الأميركية، تعتبر سورية إحدى الدول الأقل أهمية في الشرق الأوسط؟! ليس لديها نفط، ولا لوبي من ورائها(44).‏

كان هناك انسجام تام في الجانب الإسرائيلي مع هذا "التحذير"، تجلى بحالة انعدام أي رغبة حقيقة لتجديد المفاوضات مع سورية. وتم إعطاء تفسيرين في إسرائيل حول عدم الرد الإيجابي على توجهات الرئيس بشار الأسد؛ التفسير الأول، إنه إنسان "غير جدي"؟! وغير جاد بالتوصل إلى اتفاقية مع إسرائيل، وكل هدفه هو إرضاء الولايات المتحدة والحد من الضغط عليه، ومن هنا لا يوجد لإسرائيل أي سبب للتعاون معه ومساعدته على التخلص من الضغط الأمريكي. ليس هذا فحسب، بل من الأفضل لإسرائيل أن يستمر الضغط الأمريكي على سورية، ما يؤدي إلى تغيير تصرفها من ناحية "دعمها للإرهاب" أو في مجال نشاطها في مجال أسلحة الدمار الشامل. والتفسير الثاني، إن حكومة إسرائيل لا تستطيع علاج مسارين في الوقت نفسه، الفلسطيني والسوري، لأنه ينتج عن هذا عبء سياسي إضافي على الحكومة، خاصة على خلفية تصريحات رئيس الحكومة حول نية تنفيذ حظه الانفصال من طرف واحد، ما يؤدي إلى عدم تمكنه من تحمل عبء آخر(45).‏

وتمادى الباحثون والمحللون الإسرائيليون في القراءات السطحية والمغرضة للدعوات السورية لاستئناف المفاوضات، على خلفية الأوضاع الداخلية والظروف الخارجية، وقدموا بذلك تطمينات للمستوى السياسي الرافض للانسحاب من الجولان. ففي دراسة نشرها شلومو بروم(المتخصص بالشؤون السورية في مركز جافي للدراسات الاستراتيجية بجامعة تل أبيب)، رأى بروم أن "تفكك الاتحاد السوفييتي أفقد سورية القوة العظمى التي كانت تساندها، وأصبح التوازن العسكري بينها وبين إسرائيل يسوء يوماً بعد يوم، ووضعها الاقتصادي أصبح سيئاً، بالإضافة إلى معاناتها من العزلة الإستراتيجية، وأدت نتائج الحرب الأميركية على العراق إلى تدهور الوضع الإستراتيجي لسورية، التي لم تكن في وضع جيد قبلها، واليوم فقدت سورية الأمل بالاستمتاع من الجبهة الاستراتيجية التي كانت تمنحها لها العراق، وبسبب تصرفها قبل الحرب وخلالها أصبحت هدفاً لغضب الدولة العظمى الوحيدة، الولايات المتحدة، الموجودة في وضع تنتشر فيه قواتها في دولة مجاورة". وأضاف بروم: "لقد خسرت سورية آلية الضغط التي مكنتها من الضغط على إسرائيل، من أجل العودة إلى طاولة المفاوضات واستعادة السيادة على هضبة الجولان، وهناك غياب للضغط الحقيقي على إسرائيل للقيام بهذا التنازل"(46).‏

وتحت عنوان "أهمية جديدة لهضبة الجولان"، تحدث الباحث الإسرائيلي جاي بخور(مستشرق في مركز هرتسليا متعدد المجالات) بسيل من الأضاليل لتبرير استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجولان، قائلاً: لنفترض أننا وافقنا على إعادة هضبة الجولان إلى سورية، فلا ريب أن سورية سترد على ذلك على الفور بإسكان مليون سوري على الأقل في هضبة الجولان كي يقرر حقائق على الأرض. غير أن نظام البعث في سورية آخذ بالضعف(؟!) وحكم سورية كفيل بأن يكون كحكم العراق؛ انهيار النظام المركزي ونشوء الفوضى الطائفية والدينية(؟!) وموجات الإرهاب ستصل مباشرة إلى المليون مستوطن سوري في هضبة الجولان وعبرهم إلى الجليل إلى مجال إسرائيل.. ليس لإسرائيل مصلحة في إنقاذ النظام البعثي في دمشق(؟!). فالأميركيون يرونه في إطار "محور الشر"، وزمنه قد يكون محدوداً(؟!). فلنتركه يتورط مع الولايات المتحدة والأمم المتحدة إلى أن يسقط(؟!). إسرائيل من جهتها يتعين عليها أن تستعد لليوم التالي لنظام البعث. ومن هذه الناحية، هضبة جولان إسرائيلية، تفصل بيننا وبين الحرب والإرهاب اللذين سيشتعلان في سورية، هي حاجة وجودية(؟!!!)(47).‏

ونقل تقرير إسرائيلي شيئاً عن الأجواء التي تعيشها القيادة العسكرية الإسرائيلية، مبيناً أن قسم التخطيط برئاسة غيورا آيلاند وعيبال جلعادي مع موقف رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية اللواء أهرون زئيفي(فركش) حول موضوع السلام مع سورية، ولم يكن الخلاف حول جدية أو عدم جدية النظر لتصريحات الرئيس الأسد حول اهتمامه بالسلام، بل حول الجدوى الناجمة عن ذلك بالنسبة لإسرائيل، وأن مطالب أميركا من سورية في سياق حرب العراق ومشروع "الشرق الأوسط الكبير" عززت هذا الموقف القائل إن السوريين ضعفاء(؟!) ولا جدوى من التسوية معهم التي لا تبرر الثمن الداخلي المترتب على التنازل عن الجولان واقتلاع المستوطنات هناك(48).‏

وجاء في مقال كتبه عاموس هرئيل(المتخصص بالشؤون الأمنية والمقرب من أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية): يتبلور في جهاز الأمن في إسرائيل تقدير بأن نظام الرئيس السوري بشار الأسد سيواجه الخطر في السنة القادمة، وقال مصدر أمني رفيع(للكاتب هرئيل): إن الأسد صعد إلى مسار الصدام مع الولايات المتحدة، وضمن بعض الظروف فإن هذا الأمر قد يكلفه استمرارية سلطته. وحسب التقديرات في إسرائيل، ينبع جل الغضب الأميركي على دمشق من استمرار تسلل الإرهابيين إلى العراق عبر الحدود السورية، على الرغم من التحذيرات المتكررة من جانب واشنطن، وبالإضافة إلى ذلك فإن الولايات المتحدة غير راضية من حقيقة أن سورية لم تطبق بصورة وافية القرار 1559 الذي أصدره مجلس الأمن، حيث لا تزال جهات استخباراتية سورية ما تنشط في لبنان وتقوم دمشق بمنع بيروت من نشر الجيش اللبناني في جنوب الدولة على امتداد الحدود مع إسرائيل. وأضاف الكاتب: أما المزاعم الإسرائيلية تجاه سورية والتي يلقى قسم منها أذناً صاغية في واشنطن فهي تتعلق باستمرار نشاطات قيادات منظمات "الإرهاب" الفلسطينية في دمشق والمساعدات التي يقدمها السوريون لحزب الله ولمنظمات الرفض الفلسطينية. ورأى الكاتب أن الأمور قد تصل إلى درجة إجراء أمريكي لفرض عقوبات من جانب الأمم المتحدة على سورية ولنفي الشرعية عن نظامها(49).‏

ما هي طبيعة النتيجة المترتبة على هذا التوصيف؟.. الإجابة، ببساطة، مادامت سورية في هذا المستوى المتدني المتصوّر من الضعف(!!)، ومادامت تعيش حالة حصار دولي خانق(!!)، فلماذا "تتبرع" إسرائيل لتفتح أمامها بوابة الخروج من المأزق الذي تواجهه؟!.. نحن هنا أمام إدارة إسرائيلية للصراع والأزمة تتسم بالغرور والتخيلات القاصرة عن الفهم الحقيقي لقوة سورية ومصادرها وسبل مواجهتها للتحديات، ومن يحتاج إلى أدلة سيجدها، دون عناء، لدى تأمل الصمود السوري في وجه الضغوط الخارجية، ومواصلة سورية في المطالبة باستعادة الجولان، مع إعطاء فرصة لعملية السلام، واستنفادها، قبل اعتماد خيارات أخرى.‏

ـ افتضاح المزاعم الإسرائيلية‏

مقابل التأكيدات المتواصلة من قبل المسؤولين الإسرائيليين حول أهمية الجولان لإسرائيل، كانت تظهر بين حين وآخر أصوات تدعو إلى معالجة مسألة الجولان من منظور صراعي واسع، يأخذ بعين الاعتبار المخاطر المترتبة على الرفض الإسرائيلي للانسحاب من الجولان. وتم التطرق إلى الأبعاد الجغرافية والأمنية والمائية وسواها في المسألة.‏

بين عيِّنات كثيرة، يمكن الوقوف عند تأكيدات للواء الاحتياط متتياهو بيلد، دحض فيها بعض المزاعم الإسرائيلية التقليدية. ومما قاله: هناك خطأ شائع وهو أننا كنا ننسب حوادث الحدود المتكررة التي وقعت على طول حدودنا مع سورية، خلال السنوات التي سبقت حرب الأيام الستة(1967)، إلى حقيقة أن الجيش السوري كان يتمركز في مواقع موجودة على ارتفاع بضع عشرات من الأمتار عن المنطقة التي توجد فيها مستوطناتنا. وهناك خطأ آخر هو افتراض أنه عن طريق احتلال شريط عرضه 15-20كم من هضبة الجولان يمكن إبعاد خطر تهديد نيران المدفعية السورية لكل المستوطنات الواقعة في غور الحولة أو في غور الأردن شمال بحيرة طبرية. وأضاف بيلد: إن المدافع السورية تتمركز في المواقع ذاتها التي كانت تتمركز فيها قبل حرب 1967، وكل مستوطنات غور الأردن تقع ضمن المدى المجدي للمدفعية السورية، تماماً كما كانت قبل احتلال هضبة الجولان، وباستطاعتها أن تواجه ضربتها في أي لحظة. واستنتج بيلد أن شريط الأرض الذي لا تستطيع أن يفرض على العدو حتى زحزحة مواقع مدفعية يعدّ عديم القيمة الاستراتيجية(50).‏

وعلى امتداد السنوات الماضية جرى التركيز على الأهمية الأمنية لاحتفاظ إسرائيل بالجولان، إلى أن بدأت تظهر تقديرات جديدة تقلل من هذه الأهمية. لكنها كانت تواجه بردود فعل متباينة في الأوساط الإسرائيلية. وعلى سبيل المثال، في صيف 2004، تحدث رئيس الأركان الإسرائيلي موشي يعلون عن موضوع الجولان واحتمالات السلام مع سورية بطريقة مثيرة للاهتمام، إذ قال في مقابلة صحفية معه أجراها الصحفي يارون لندون رداً على سؤال: هل تعتبر هضبة الجولان ضرورية لنا الآن، ما يلي: "جيش الدفاع سيعرف كيف يدافع عن كل الحدود". وسأله الصحفي: هل أنت مستعد لأن تكون أكثر جرأة في جوابك؟ فأجاب يعلون: "السؤال هو إذا كنا سنتوصل إلى اتفاق مع سورية بثمن ملائم، وإذا سألتني بصورة نظرية هل يمكن التوصل إلى اتفاق مع سورية توجد فيه توازنات، فسأرد عليك حينئذ: إن من الممكن التوصل إلى اتفاق من خلال التنازل عن هضبة الجولان بمنظور الاحتياجات العسكرية"(51).‏

من التعليقات التي نشرت حول هذا التصريح، تهجم رئيس لجنة الخارجية والأمن عضو الكنيست يوفال شتاينتس(من الليكود)على يعلون معتبراً أنه اجتاز الخط المسموح له. وقال الصحفي عوفر شيلح إن جواب يعلون حول إمكانية التنازل عن الجولان في إطار التسوية من المنظور العسكري، كان حذراً وأشبه بالسير في حقل ألغام سياسي عسكري، وارتدت صياغة الجواب طابعاً عسكرياً. وذكر شيلح أنه خلال الـ 12 سنة الأخيرة لم يتم تدارس التسوية مع سورية بصورة قائمة بذاتها، وتحددت معايير التسوية المستقبلية مع سورية منذ أن أودع رابين "وديعته" المعروفة الشهيرة بيد وزير الخارجية الأميركي كريستوفر والتي فهم منها السوريون أن الجولان سيعود إليهم كاملاً مقابل ترتيبات أمنية ملائمة. وتابع شيلح: لا ينظر القادة السياسيون ولا الجمهور في إسرائيل بعين التكافؤ إلى مساعي استكمال دائرة السلام حول إسرائيل مقابل أراضي الجولان، فالجولان في نظرهم أهم، وقد جمّد رابين المسار السوري عندما أقنعوه أن هناك ثغرة وانطلاقة في أوسلو، وبراك ألحق نفسه باستراتيجية كلينتون التي رأت أن التسوية مع سورية ستدفع الفلسطينيين إلى الزاوية وتتمخض عن واقع جديد في المنطقة، إلا انه تراجع في اللحظة الأخيرة عندما أصبح الاتفاق موضوعاً أمامه(52).‏

وقبل تسريحه من الجيش بيوم واحد، عاد موشي يعلون(في مقابلة مع صحيفة الشرق الأوسط، هي الأولى من نوعها) للتأكيد مجدداً أنه "يمكن لإسرائيل أن تدافع عن نفسها حتى دون هضبة الجولان". أثناء المقابلة سأله المراسل نظير مجلي: قلت إن إسرائيل يمكنها أن تدافع عن نفسها من الشمال، في حالة التوصل إلى اتفاق سلام مع سورية يتضمن إخلاء هضبة الجولان، فهل لا تزال تؤمن بذلك؟. فرد عليه يعلون بالقول: هذا صحيح، ولكني أشدد على كلمة سلام وعلى الحاجة لوجود قيادة سورية جدية لمسيرة السلام"(53).‏

مرة أخرى، أثارت أقوال يعلون عن هضبة الجولان ردود فعل متفاوتة في الساحة السياسية. فقد هاجمته نائبة وزير الزراعة النائبة جيلا جمليئيل (من حزب الليكود)، ووصفته بأنه "بدأ حملته السياسية للانخراط في حزب العمل بأقوال بائسة" وادعت أنه "يجب أن تبقى هضبة الجولان إلى الأبد ضمن حدود دولة إسرائيل وليس هناك مجال لتنازلات في هذه المنطقة الهامة". واعتبر رئيس الائتلاف الحاكم عضو الكنيست غدعون ساعر(من الليكود) أن يعلون يطلق تصريحات "غير مسؤولة وغير سليمة من الناحية القومية". وأضاف ساعر: "يسري على هضبة الجولان القانون الإسرائيلي، وهي جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل" على حد زعمه. أما في "اليسار"، فقد رحبوا بتصريحات يعلون، فوصف عضو الكنيست رومان برونفمان (نائب من حزب ياحد المعارض) أقوال يعلون بأنها "إيجابية للغاية". وأضاف برونفمان: إن الذخر الاستراتيجي الحقيقي لإسرائيل ليس الجولان، بل تطبيع كامل للعلاقات مع العالم العربي، والتطبيع يمكن أن يحدث فقط من خلال الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود 1967(54).‏

وعلى مستوى أوسع، قامت لجنة خبراء(*) برئاسة الوزير السابق دان مريدور، ببلورة وثيقة حول "مفهوم أمني جديد لإسرائيل"، تتضمن النص على أن الاحتفاظ بمناطق الضفة الغربية وهضبة الجولان ليس ذا أهمية أمنية حقيقية لإسرائيل. وتقرر إحضار الوثيقة إلى رئيس الحكومة وإلى وزير الدفاع من أجل إقرارها. وكشفت مصادر إسرائيلية عن أنه خلال المناقشات المطولة تبلور رأي واضح بأن الاحتفاظ بالمناطق المحتلة في حرب 1967 فقد معناه الأمني الذي نسب إليه, وذلك عندما ساد المفهوم الأمني بأن المناطق هي "عمق استراتيجي" وبسبب حجم دولة إسرائيل الصغير يجب السعي دوماً لنقل الحرب إلى أراضي العدو. وحسب أقوال هذه المصادر ؛ إن أهمية المناطق تقلصت, خاصة لأن تهديد الحرب بين الجيوش، الذي كان متعارفاً عليه ذات مرة, اختفى بصورة شبه تامة، وبدلاً من ذلك ازدادت تهديدات المدى البعيد, مثل تهديد الصواريخ الإيرانية التي تسلحت حتى بأسلحة غير تقليدية, وغني عن القول إنه بخصوص أخطار كهذه ليس هناك أي معنى دفاعي للاحتفاظ بالمناطق. وتتعلق وثيقة مفهوم الأمن بسلسلة طويلة من المواضيع بدءاً بسياسة التعتيم النووي الإسرائيلي مروراً بمواضيع ترتبط بالطاقة البشرية قي الجيش والسياسة الخارجية(55).‏

وفي الموضوعات المائية، اهتم الإسرائيليون برؤية قدمَّها إليهم أحد الخبراء المعروفين في العالم في مجال المياه ـ الذي كان يزور إسرائيل أوائل عام 2000 ـ هو البروفيسور فرانكلين فيشر (من المعهد التكنولوجي في مساتشوستس)، وأوضح فيها أن النزاع بين إسرائيل وسورية على مياه نهر بانياس وبحيرة طبرية، يمكن حله ببساطة نسبياً من خلال نفقات اقتصادية معقولة، مؤكداً أن مشكلة المياه ليست موضوع حياة أو موت من ناحية إسرائيل بل تشمل فقط مسألة ثمن". وشرح فيشر فرضيته التي ترتكز بصورة خاصة على التقاسم الصحيح للمياه والتكنولوجيات الفعالة لتحلية المياه(تحويل مياه بحر أو نهر إلى مياه صالحة للشرب) التي تجعل المياه مادة منتجة تجارية وتنتزع من نهر بانياس وبحيرة طبرية موقعهما كشريان حياة ضروري. وقال: "يمكن اليوم إنتاج مياه بتكلفة 60 سنتاً للمتر المكعب بالضبط مثل تكلفة ملابس أو أية مادة منتجة أخرى، وخلال سنوات ستنخفض التكلفة أكثر بفضل عمليات التطوير التكنولوجية, وقبل عدة سنوات جرى الحديث عن 80 سنتاً". ورأى فيشر "أن واضعي السياسة في إسرائيل رهن مفهوم يقوم على أن نهر بانياس وبحيرة طبرية هما ثروة استراتيجية". وعلى أساس أن نهر بانياس يزود إسرائيل بنحو 125 مليون متر مكعب من المياه في السنة، وأن إجمالي الاستهلاك في إسرائيل يصل إلى 1.8 مليار في السنة، قال فيشر: "قمنا بدراسة لعام 2010 بحثنا فيها مدى استهلاك السكان الإسرائيليين من مياه نهر بانياس، ووضعنا في الحسبان أسوأ الاحتمالات في أن تفقد إسرائيل هذا المصدر للمياه، فوجدنا أنه حسب المعدل الوسطي في السنة ستبلغ تكلفة إنتاج أو استيراد المياه البديلة للكمية نفسها التي يقدمها نهر بانياس 10 ملايين دولار، وفي سنة الجفاف ستبلغ التكلفة 40 مليون دولار. وحسب الأسعار الحالية، يدور الحديث على الأكثر عن 75 مليون دولار في السنة"(56).‏

حين توضع هذه الأفكار (في الموضوعات الأمنية والمائية) ضمن سياقها العام، يبدو أنه مقابل الرفض الإسرائيلي الجامح للانسحاب من الجولان، هناك حالات إدراك لحقيقة أن المنطقة المحتلة من الجولان يمكن أن تكون مادة للتفاوض ولاتفاق سلام يكون الانسحاب من هذه المنطقة عموده الفقري. وكما يعتقد بعض الإسرائيليين، من غير المنطقي التفكير بإمكانية التوصل إلى اتفاقية سلام مع سورية دون ثمن هو الانسحاب الإسرائيلي من الجولان. فأين تكمن الموانع الإسرائيلية؟.. من الواضح أن إسرائيل غير مستعدة لدفع هذا الثمن. وباعتقادها، طبقاً للباحث الإسرائيلي شلومو بروم، لا توجد إغراءات لموازنة الثمن بالتنازل عن هضبة الجولان(57).‏

.. إن استعراض مجمل التصورات الإسرائيلية الخاصة بمسألة الانسحاب من الجولان، يضع المرء في دائرة الاعتقاد بأن الإسرائيليين يرفعون هذه المسألة إلى مصاف القضايا الوجودية. أما في الواقع، إن هذا الأمر لا يخرج عن إطار استمرار تحكم الأفكار النمطية المعروفة بالذهنية الإسرائيلية، التي تنساق وراء أوهام القوة، والتي تعتمد معايير ميزان القوى العسكرية والتحالفية بصورة انتقائية وجامدة. وما دام الوضع كذلك، من المتعذر تماماً توقع حدوث تقدم على مسار السلام ما لم يتم التخلص من هذه الأفكار، تلقائياً أو بالإكراه.‏

**********‏

ـ مصادر البحث:‏

(1) العهد القديم(التناخ): يشوع(13 : 1 ، 2).. قضاة(3: 1 إلى 3)‏

(2) دان ياهف، هضبة الجولان ـ تسعة أسباب للانسحاب، دافار 17/10/1994.‏

(3) تقرير، جدل حاخامي ـ الجولان "أرض الميعاد" أم "أرض نجسة"؟، القدس المقدسية 15/9/1992م، ص4(عن: أ.ف.ب).‏

(4) شلومو تسزنا، حاخامات الصهيونية المتدينة يصدرون فتوى ضد الانسحاب من الجولان، معريف 5/1/2000.‏

(5) أرييه بندر، نحن على استعداد للانسحاب من الجولان، معريف21/7/1999‏

(6) المعلومات الرئيسة، بتصرف، من: موقع جولان http://www.jawlan.org + موقع دليلك في الجولان http://www.daliluk.com + موقع جولان تايمز http://www.golantimes.com‏

(7) أرئيلا رينغل ـ هوفمان، هضبة الجولان ـ قاموس أمني، يديعوت أحرونوت 21/1/1994.‏

(8) الصراع على المياه في الجولان ، موقع جولان: http://www.jawlan.org‏

(9) Avi Shlaim, The IRON WALL, Israel and Arab World (London,NewYork ; W.W.Norton & Company ltd.)2000,p.228 - 236‏

(10) عوديد ينون ، ثمن العودة إلى حدود الأيام الستة، هآرتس 29/12/1988.‏

(11) دوف غولد شتاين، "مقابلة مع وزير العدل موشي نسيم، معريف 18/12/1981.‏

(12) يهودا هرئيل، لا يجور أن نفقد الشمال، معريف 26/6/1979.‏

(13) أهرون دولبه، خط البداية السوري قريب جداً، معريف 8/6/1979.‏

(14) بات عمي همزراحي، الجولان جزء منفصل عن إسرائيل، ملحق هآرتس 9/9/1988.‏

(15) أرئيلا رينغل ـ هوفمان، هضبة الجولان ـ قاموس أمني، يديعوت أحرونوت 21/1/1994.‏

(16) يهودا تسور، "الضائقة التي تواجه مستوطنات الجولان"، عل همشمار 8/11/1985.‏

(17) أرئيلا رينغل ـ هوفمان، هضبة الجولان ـ قاموس أمني، يديعوت أحرونوت 21/1/1994.‏

(18) موشي كلفون، الجولان لن يعرض للمساومة، دافار 7/5/1979.‏

(19) آرييه شيلو، سلام وأمن في الجولان، مركز جافي للدراسات الاستراتيجية بجامعة تل أبيب 1993، 157(بالعبرية).‏

(20) يهودا تسور، "الضائقة التي تواجه مستوطنات الجولان"، عل همشمار 8/11/1985.‏

(21) ميخا ليفني، الجولان/20 سنة حتى العام 2000(إصدار مشترك بين وزارة الدفاع الإسرائيلية و "معهد دراسات الجولان – كتسرين" والمجلس الإقليمي جولان والمجلس المحلي لمدينة كتسرين) 1989، ص14(بالعبرية).‏

(22) تسفي ايلان، الاستيطان في الجولان اليوم، مقال في كتاب "هضبة الجولان"، إعداد: موشي عنبر وايلي شيلر(إصدار معهد دراسات الجولان – كتسرين ومؤسسة النشر أرئيل) القدس 1987/ مجموعة دراسات، ص109(بالعبرية).‏

(23) تقرير، إسرائيل حولت الجولان لمدفن نفايات، صحيفة "الوطن" القطرية 10/3/2005.‏

(24) الممارسات الإسرائيلية ونضال العرب في المنطقة المحتلة من الجولان، مجلة الأرض، ع12 /2006.‏

(25) للتفاصيل: إبراهيم عبد الكريم، المستوطنات الإسرائيلية في الجولان، مجلة الأرض، عدد4/1993‏

(26) تحقيق، عشرون عاماً على الاستيطان في هضبة الجولان، دافار هشفوع 29/5/1987.‏

(27) أرئيلا رينغل ـ هوفمان، حقول ألغام، ملحق يديعوت أحرونوت الأسبوعي 2/1/1987 + دان ياهف، هضبة الجولان ـ تسعة أسباب للانسحاب، دافار 17/10/1994.‏

(28) للتفاصيل، إبراهيم عبد الكريم، الاستغلال الإسرائيلي للمنطقة المحتلة من الجولان (1967-1992)، مجلة الأرض،عدد 11/1992 + الأوضاع الاقتصادية الراهنة للمستعمرات الإسرائيلية في الجولان(دراسة توثيقية)، مجلة الأرض، عدد 8/2000.‏

(29)شحادة نصرالله، معركة المياه في الجولان وأطماع إسرائيل، موقع دليلك في الجولان http://www.daliluk.com + د. نزار أيوب ، أبعاد الأطماع الصهيونية في الجولان وعدم شرعية الإجراءات التي استهدفت الاستيلاء على الأرض ومصادر المياه، موقع جولان: www.jawlan.org‏

(30) يوسي سريد، السيرة المختصرة للفرص السلمية الضائعة، هآرتس 21/10/2004.‏

(31) مقابلة أجراها محمد أبو خضير وزكي أبو الحلاوة مع سيلفان شالوم، الرأي العام الكويتية 18/8/2005.‏

(32) Avi Shlaim, The IRON WALL, Op. Cit,p.531,534.‏

(33) ألوف بن، الولايات المتحدة تفحص إمكانية إيجاد مرشحين لوراثة الأسد، هآرتس3/10/2005.‏

(34) أرئيلا رينغل ـ هوفمان، مقابلة مع وزير الدفاع شاؤول موفاز، يديعوت 29/9/2004.‏

(35) تقرير، موفاز: ليس لدينا مصلحة اليوم بفتح جبهة ثانية على الحدود الشمالية، موقع عرب 48 ـ 21/3/2006.‏

(36) بشار دراغمة، أولمرت: على الأسد أن لا يحلم بعودة الجولان، موقع إيلاف 20/3/2006.‏

(37) ألوف بن، تقرير، هآرتس26/9/2006.‏

(38) تسفي الوش، أولمرت: لن أتنازل عن الجولان، يديعوت 26/9/2006.‏

(39) تقرير، موقع عرب48 – 27/9/2006.‏

(40) Avi Shlaim, The IRON WALL, Op.Cit,p.575.‏

(41) إذاعة إسرائيل 2/12/2003 + ديانا بحور، يديعوت 3/12/2003.‏

(42) ألوف بن، عودة الجولان، هآرتس 6/10/2005.‏

(43) بن كسبت، القدس لا تستجيب، معريف 23/11/2004.‏

(44) ناحوم برنياع، ولا كلمة للأسد، يديعوت 10/12/2004.‏

(45) Shlomo Brom, Israel-Syria Negotiations: A Real Possibility? Tel Aviv University :Jaffee Center for Strategic Studies, STRATEGIC ASSESSMENT, Volume 7, No. 1 , May 2004. http://www.tau.ac.il/jcss/sa/v7n1p2Bro.html‏

(46) المصدر السابق ذاته.‏

(47)غاي باخور، أهمية جديدة لهضبة الجولان، يديعوت 14/10/2004.‏

(48) عوفر شيلح، صوت وحيد في الصحراء، يديعوت 20/8/2004.‏

(49) عاموس هرئيل، التقديرات في إسرائيل: استقرار النظام السوري في خطر، هآرتس 2/8/2005.‏

(50) متتياهو بيلد، مستوطنات الجولان عبء أكثر مما هي ثروة استراتيجية، هآرتس30/10/1980.‏

(51) يارون لندون، بين الجولان وطهران ـ مقابلة مع رئيس هيئة الأركان موشيه يعلون، يديعوت 13/8/2004.‏

(52) عوفر شيلح، صوت وحيد في الصحراء، يديعوت 20/8/2004.‏

(53) تقرير، يعلون: يمكن التنازل عن الجولان، معريف 1/6/2005.‏

(54) تقرير، اليمين الإسرائيلي يهاجم يعلون على خلفية تصريحاته حول الجولان، موقع عرب 48 – 31/5/2005.‏

(55) عمير ربابورت، لم تعد للمناطق أهمية أمنية، معريف 2/9/2005.. (*) تضم هذه اللجنة: رئيس مجلس الأمن القومي غيورا أيلاند ونائبه إيتمار مايمر والأكاديمي البروفيسور يهودا بن مائير ونائب رئيس الأركان العامة السابق اللواء غابي أشكنازي, وضابط سلاح الجو العميد يوحنان لوكر, ومدير عام وزارة الخارجية السابق يوآف بيران ورئيس شعبة الطاقة البشرية السابق جدعون شيفر وغيرهم.‏

(56) جاكي حوجي، بحيرة طبرية ونهر بانياس ليسا ثروة استراتيجية لإسرائيل، معريف16/1/2000.‏

(57) Shlomo Brom, Israel-Syria Negotiations: A Real Possibility?.. Op.Cit.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244