|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
الاستيطان.. الصهيوني في الجولان ـــ مأمون الحسيني مقدمة تعود فكرة الاستيطان اليهودي في الجولان السوري الذي احتل عام 1967 إلى ما قبل تبلور مشروع الصهيونية السياسية على يد المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد في مدينة بازل السويسرية عام 1897، وأقر إقامة ما سمي بـ"الوطن القومي اليهودي" في فلسطين، بعدة سنوات حيث بدأت الأنظار الصهيونية تتجه نحو منطقة حوران، التي كانت تتبع إدارياً حينذاك لإقليم الجولان، وتمت الاستعانة بـ"اللجنة الفلسطينية" التي أسسها البارون أدموند روتشيلد لشراء أراضٍ في قرى سحم الجولان، جلين، نبعة، وبوسطاس تقدر مساحتها بحوالي مائة ألف دونم، بواسطة عملاء يهود من لبنان. ولأن القانون العثماني كان يمنع بيع الأراضي التي تملكها الدولة (ميري) في سوريا وفلسطين لليهود الذين لا يحملون الجنسية العثمانية، قام مدير أعمال البارون روتشيلد المدعو الياهو شديد بزيارة القسطنطينية والتوسط لدى السلطة العثمانية التي سمحت بدخول 200-300 عائلة يهودية سنوياً إلى حوران والاستيطان في الأراضي التي تمّ شراؤها هناك، ما أدى إلى وصول نحو 25 عائلة يهودية إلى القرى المذكورة. ولكن سرعان ما أجبروا على الرحيل نتيجة صعوبة التأقلم مع الأوضاع الجديدة والتعرض لهجمات البدو بين الحين والآخر، وعقب إصدار حاكم دمشق كاظم باشا أمراً بطردهم. وعلى الرغم من تداخلات البارون روتشيلد لدى القسطنطينية والسماح لهم بالعودة، شرط عدم إدخال عائلات جديدة أو بناء بيوت أخرى، إلا أن العائلات رفضت العودة، وأضحى المكان خالياً من المستوطنين. وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى التي أسفرت عن تقاسم الدول الاستعمارية الغربية تركة الإمبراطورية العثمانية في منطقتنا العربية، تجددت الجهود الصهيونية لإحياء الاستيطان في منطقة حوران، حيث توسطت شركة "يكا" اليهودية لدى الملك فيصل الذي أمر بإعادة الأراضي التي صادرها الأتراك إلى اليهود، وأبرمت الشركة عقود تأجير مع الفلاحين العرب، أصحاب الأرض الحقيقيين، تقضي بأن تنال الشركة ربع المحصول المنتج من الأراضي، واستمرت الأوضاع على هذه الحال حتى إلغاء ملكية الشركة للأرض من قبل السلطات السورية عام 1948(1). ضم الأمر الواقع مع الاحتلال الصهيوني للجولان والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء المصرية في العام 1967، وجدت إسرائيل فرصتها الذهبية للبدء بعمليات الضم الاستيطاني في هضبة الجولان التي تمتلك رزمة من المميزات ذات الطابع الاستراتيجي، مستخدمة آليات الحكم العسكري لإصدار الأوامر العسكرية وتثبيت الوضع الناجم عن الاحتلال، واقتلاع الغالبية العظمى من المواطنين السوريين والسيطرة على الأرض ومصادر المياه ومختلف الثروات. وقد حرصت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على تنفيذ سياسة الضم بالأمر الواقع، فباشرت ببناء المستوطنات في الجولان، واستقدمت المستوطنين اليهود الذين تمَّ توطينهم فيها ووضعت كل ثروات ومقدرات هذا الإقليم التي تمت السيطرة عليها بقوة الأوامر العسكرية في خدمتهم، وذلك قبل أن تقوم الكنيست الإسرائيلية في تاريخ 14/12/1981 بإصدار قرارها القاضي بضم الجولان إلى الدولة الإسرائيلية، مخالفة بذلك أسس ومبادئ القانون الدولي وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن." ووفقاً للمصادر السورية فقد بلغ عدد سكان الجولان بعيد احتلاله وتحديداً في سنة 1966 حوالي 147613 نسمة، يشكل العرب حوالي 80% من منهم، فيما يعود الباقون إلى أصول قفقازية (شركس، داغستان، أسيتين، شيشان)، إضافة لحوالي 3000 نسمة من التركمان، ومئات من الأرمن"(2)، ويذكر أن مساحة هضبة الجولان السورية تشكل واحداً في المائة من إجمالي مساحة سورية، حيث تصل مساحتها إلى 1860 كيلومتراً مربعاً، وقد احتل الجيش الإسرائيلي في الخامس من حزيران 1967 حوالي 67,2 في المائة من مساحتها، أي تمت السيطرة الإسرائيلية المباشرة على 1250 كيلومتراً مربعاً، فيما قام جيش الاحتلال بطرد أكثر من 90 ألف مواطن عربي سوري من بينهم تسعة آلاف فلسطيني من المرتفعات المحتلة(3). وبعيد الاحتلال بوقت قصير، باشرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي باتخاذ جملة من الإجراءات الهادفة للسيطرة على المصادر والثروات المائية منتهكة بذلك القواعد الدولية المنصوص عليها في اتفاقيات لاهاي المتعلقة بقواعد الحرب البرية لسنة 1907 المتعلقة بالتزام دولة الاحتلال باحترام الملكية الخاصة وعدم مصادرتها، وتلك التي تحظر على سلطة الاحتلال استخدام المؤسسات والمباني العمومية والغابات والأراضي الزراعية ومصادر المياه التي تعود ملكيتها للدولة المعادية وإدارتها إلا وفقاً لقواعد الانتفاع (المادة 55 من الاتفاقية)، حيث أصدر الحاكم العسكري الإسرائيلي في 24/3/1968 الأمر العسكري رقم 120، والذي نصّ على تعيين مسؤول له جميع الصلاحيات المتعلقة بأعمال المياه، وذلك من أجل ضمان السيطرة على مصادر المياه الموجودة في الجولان، فيما بوشر باتباع مختلف السياسات الهادفة لضم الجولان ـ الضم بالأمر الواقع De Fqcto Annexation وأجير لمختلف المؤسسات الإسرائيلية الحكومية ممارسة نشاطاتها المختلفة، كما أنشئت محكمة مدنية إسرائيلية ـ محكمة الصلح ـ التي كان مقرّها قرية مسعدة، وذلك قبل أن يصدر وزير الداخلية أنظمة إدارية تقضي بفرض وتوزيع الجنسية الإسرائيلية على سكان الجولان العرب خلال مدّة أقصاها الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 1982. وقد تصدّت الغالبية العظمى من السكان لهذه الممارسات عبر اتخاذ العديد من الخطوات العملية المناهضة للاحتلال وإجراءاته. بموازاة ذلك، شرعت سلطات الاحتلال في تنفيذ مشاريع الاستيطان في الجولان بعد الاحتلال بعدّة أسابيع، حيث أخذت بعض المجموعات بالتوافد إلى المنطقة والإقامة فيها. وقد وضعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة عدّة خطط ومشاريع للاستيطان، أبرزها مشروع التخطيط الزراعي للجولان الذي وضعته دائرة الاستيطان في الهستدروت في تشرين الثاني/ نوفمبر 1967، ويعتبر أن الزراعة قاعدة أساسية لمراحل الاستيطان الأولى، ووسيلة سهلة للسيطرة على الأرض وعلى مصادر المياه. وكانت البواكير الأولى لعمليات الاستيطان قد بدأت عندما أجاز الجنرال دافيد بن اليعازر (قائد المنطقة الشمالية آنذاك) لمجموعة من أعضاء الكيبوتسات المنتشرة في الجليل بالصعود إلى الجولان والاستقرار في معسكر العليقة بعد أن كان الجيش السوري قد هجره أثناء الحرب، فيما انتقلت مجموعة أخرى بلغ تعدادها حوالي خمسين شخصاً إلى الإقامة في مدينة القنيطرة التي أرغم سكانها على مغادرتها، حيث قام هؤلاء المستوطنون بفتح مطعم ومركز استعلامات وعيادة طبية، وبدأوا باستقبال الوافدين من داخل إسرائيل وتنظيم جولات سياحية لهم في سائر أرجاء المنطقة للتعرّف على معالمها، وتحديد الأماكن التي سيتم استيطانها مستقبلاً(4). التصورات والمشاريع الاستيطانية وخلال الفترة ما بين 1967 و1977 توالت المشاريع والتصورات الاستيطانية الصهيونية، وكان أبرزها مشروع ييغال ألون الذي قدم في تموز/ يوليو 1967، وتم تعديله في العام 1976، وظهر على شكل مقال في مجلّة "فورن أفيرز" الأمريكية. ويقترح "احتفاظ إسرائيل بمنطقة استراتيجية في الجولان لمنع سوريا من إمكان إصابة مصادر إسرائيل من المياه، ومنع أي هجوم سوري على منطقة الجليل. كما يوضح الحدود المقترحة على شكل قوس يوازي خط وقف إطلاق النار، وتمتد من جبل الشيخ شمالاً حتى نهر اليرموك جنوباً، وبذلك تتطابق خطوط المشروع مع خطوط المستوطنات"(5). كما طرح حزب مبام مشروعاً للتسوية مع الجانب العربي في حزيران/ يونيو 1976 جاء فيه حول الجولان "من أجل ضمان أمن وسلامة مستوطنات الجليل الأعلى وغور الأردن ستمر الحدود مع سوريا في هضبة الجولان، وبعد تعيين الحدود النهائية يتم تجريد الجزء الباقي من السلاح". فيما طرح البروفيسور أبراهام خوفمان، الأستاذ في معهد الهندسة التطبيقية في حيفا في مطلع 1976 المشروع المعروف باسم "العمود الفقري المزدوج" الذي تبناه وزير الزراعة، حينذاك، إبريل شارون، ويهدف إلى إقامة عمودين فقريين من المستعمرات في فلسطين، خلال عشرين عاماً. يمتد الأول على طول السهل الساحلي، بينما يمتد الثاني من مرتفعات الجولان في الشمال حتى شرم الشيخ في الجنوب ويستوعب مليون نسمة. وأخيراً، تمّ طرح المشروع الذي بلورته اللجنة الوزارية لشؤون الاستيطان برئاسة الوزير يسرائيل غاليلي في نيسان/ إبيل 1977، أي قبل شهر من صعود الليكود إلى السلطة لأول مرة في تاريخ إسرائيل، وهدف المشروع إلى إقامة 49 مستوطنة في المناطق التي احتلّت عام 1967، وتتوزع هذه المستوطنات على النحو التالي: 15 في الضفة الغربية، 20 في قطاع غزة ومشارف رفح، 10 في مرتفعات الجولان، و4 على ساحل خليج العقبة(6). ومع انطلاق عمليات الاستيطان في الجولان روعي توفر ثلاثة شروط هي وجود أرض صالحة للزراعة ووجود مصادر للمياه بالإضافة للموقع الاستراتيجي المناسب. ويلاحظ أن المستوطنات التي أقيمت هناك تتمركز في نطاقين: الأول يمتد على شكل قوس يبدأ من سفح جبل الشيخ قرب بانياس، ثم يسير بمحاذاة خط وقف إطلاق النار وعلى امتداد المحور الرئيسي للجولان، أي طريق مسعدة ـ القنيطرة، ثم طريق القنيطرة ـ الرفيد ـ الحمة. كما يلاحظ أن خطوط الاستيطان هذه تتفق إلى حد كبير مع خطوط مشروع ألون المعدَل عام 1976. ومن الجدير بالذكر إنه كانت توجد، حتى حرب تشرين 1973، فجوة خالية من المستوطنات في وسط الهضبة، أي في منطقة الخشنية، ونتيجة لضغوط القيادة العسكرية الإسرائيلية الشمالية ومؤازرتها لجهود بعض الحركات الاستيطانية، وخاصة لكتلة غوش ايمونيم، تم سد هذه الفجوة بإقامة ثلاث مستوطنات للكتلة فيها. أما النطاق الثاني فيتركز في جنوب غرب الجولان بمحاذاة شواطئ بحيرة طبريا الشرقية وفي سهل البطيحة(7). في مرحلة أولى تمّ بناء المستوطنات التالية: سنير: أقيمت كنقطة ناحال في 14/8/1967 في شمال الجولان باسم "كفار شاريت" بالقرب من نبع بانياس، وتحوّلت تشرين الأول/ أكتوبر 1968 إلى كيبوتس وأخذت اسمها الحالي؛ ميروم هجولان: أقيمت في تموز/ يوليو 1967 على يد حركة الكيبوتس الموحد التابعة لحزب العمل، وتقدّر مساحة المراعي التابعة لها نحو 33 ألف دونم إلى جانب 4500 دونم، كمساحة كلية للمستوطنة؛ أفيك: أقيمت بالقرب من قرية فيق في كانون الأول/ ديسمبر 1967، وتبلغ المساحة التي تشغلها نحو 4500 دونماً؛ نفي أطيف: أقيمت في أيار/ مايو 1968 شمالي الجولان على المنحدرات الجنوبية الغربية لجبل الشيخ، وعلى أراضي قرية جباتا الزيت بالقرب من قلعة النمرود. وبعد تدميرها على يد المقاومة الفلسطينية أعيد تدشينها رسمياً في 20/2/1975؛ عين زيفان (عين زيوان): أقيمت في 13/1/1968 على الطريق الواقع بين القنيطرة وجسر بنات يعقوب في الأراضي المصادرة لقرية عين زيوان العربية، وهي أول مستوطنة تقام فيها الصناعة في الجولان المحتل. وتقدر الأراضي المخصصة لها بـ5000 دونم؛ رامات مغشيميم: شمالي شرقي قرية فيق. وتعتبر من أكبر مستعمرات الجولان المحتل، وتبلغ مساحة الأراضي المستغلة فيها نحو 4500 دونم، كما أنها أولى المستعمرات التابعة للمتدينين اليهود (الحريديم) هنا؛ ايلي ـ عاد (العال): أقيمت على أراضي قرية العال العربية، وأعيد تأسيسها في 27/5/1973، وتبلغ مساحة الأرض المخصصة لها 4500 دونم. ويضاف إلى هذه المستعمرات السبعة نحو ثلاث وعشرون مستعمرة أخرى أقامتها حكومات حزب العمل الإسرائيلي قبل صعود اليمين المتطرف إلى السلطة ممثلاً بالليكود وحلفائه عام 1977، وهي: نؤوت جولان؛ مفحومة؛ كفار حروف؛ جفعات يوآف، راموت؛ ال-روم؛ كفار جنت؛ مركز بني يهودا؛ آني-عام؛ عليا-شفيعيم؛ كيشت؛ نوب؛ مركز خسفين الذي كان يوفر الخدمات المختلفة لمستعمرات الجولان التي يقطنها المتدينون اليهود، والتي تتبع لحركة "هبوعيل همزراحي" وعددها أربع هي: "أفيني ايتام، بوناتان، نوب، رامات مغشيميم"؛ هآر أدوم؛ أرغوب؛ يوناتان؛ مركز كتسرين التي تعتبر أكبر المستوطنات في الجولان. وقد اتخذ قرار إقامتها بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 في الشمال الغربي من المرتفعات المحتلة على أراضي قرية قصرين العربية لتكون حلقة الربط ما بين مستوطنات شمال وجنوب الجولان؛ أفني ايتان؛ شاعل؛ معليه غملا؛ أنيعام؛ جيشورب(8). خطط ومشاريع إضافية ومع صعود الليكود إلى سدّة السلطة في إسرائيل في حزيران/ يونيو 1977، تسارعت وتيرة الاستيطان في الجولان المحتل، رغم تركيزها على توسيع المستوطنات القائمة وتحيل البؤر الاستيطانية إلى مستعمرات دائمة، وبدأ التعامل مع هذه المناطق المحتلة وكأنها امتداد لما يسمى "المنطقة الشمالية من إسرائيل"، حيث أرفق هذا التوسع الاستيطاني بجملة إجراءات سياسية وإدارية لربط المرتفعات المحتلة بشكل نهائي بدولة إسرائيل، فبالإضافة إلى قرار الضم الذي اتخذته الكنيست، جرى عرض ومن ثم محاولة فرض الجنسية الإسرائيلية على المواطنين العرب. وقدمت حكومات الليكود جملة من المشاريع الاستيطانية في الجولان أبرزها مشروع بيغن في تموز/ يوليو 1977 الذي أعلن فيه الاستعداد للقيام بانسحاب إسرائيلي من سيناء وبعض مناطق قطاع غزة ونصف أراضي الجولان شرط بقاء هذه الأراضي منزوعة السلاح، ومشروع شارون المعروف باسم "خطة العمود الفقري المزدوج" أو المحور المضاعف، ومشروع دائرة الاستيطان في الوكالة اليهودية بالتعاون مع لجنة مستوطنات الجولان، وخطة "السبعة ملايين" التي أعدتها دائرة التخطيط في وزارة الإسكان الإسرائيلية، والقاضية برفع عدد مستوطني "كتسرين" إلى 30 ألف مستوطن مع حلول العام 1994، ورفع العدد العام لمستوطني الجولان إلى 55 ألف مستوطن في غضون عشرين عاماً(9). هذه المشروعات الطموحة التي اصطدمت بوقائع أخرى على الأرض ترافقت مع حملة واسعة لتوسيع المستوطنات القائمة ورفدها برزمة من المشاريع الصناعية والزراعية والسياسية ومشاريع ضخ المياه، إضافة إلى إقامة العديد من المستوطنات الجديدة أبرزها مستوطنات أورطان؛ ناطور؛ ألوني هبشان؛ بني باتيرا؛ شيئون؛ عين شمشوم (عين سمسم) أو (كدمات تسفي)، كيلع؛ ميتسار؛ ناحل نمرود (كيطع)؛ الحويزة (جاوة)؛ مرصد أقصى شمال الهضبة. وبطبيعة الحال. لم تتوقف عمليات توسيع المستوطنات التي أطلقت عليها مصطلحات جديدة (مستوطنات سياسية وأخرى أمنية) على وقع انطلاق المفاوضات العربية ـ الإسرائيلية في خريف العام 1991، من قبل زعيم حزب العمل الذي اغتيل في العام 1995 إسحق رابين للتهرب من استحقاقات أية تسوية كان يمكن أن تلوح في الأفق حينذاك. إجمالاً، بلغ عدد المستوطنات الإسرائيلية حسب إحصائيات عام 2002 نحو 37 مستوطنة، يوضح الجدول التالي معطيات أساسية حول خريطة الاستيطان في الجولان(10):
"سلام".. ولكن بأنيات! ولو حاولنا رصد الرؤية الإسرائيلية لمستقبل مرتفعات الجولان المحتل بدءاً من مؤتمر مدريد الذي أجبر رئيس الحكومة الإسرائيلية الليكودي اسحق شامير على حضوره، وقرر خلاله أن يجرجر المفاوضات مع الأطراف العربية لأكثر من عشر سنوات، فسنقف على مواقف شبه موحّدة ما بين ما يسمى قوى اليسار وأطياف اليمين المختلفة، حيث تختلف في الشكل والمظهر وتلتقي في المضمون. فقبل عام من اغتياله على يد متطرف يميني، حدد العمالي اسحق رابين رئيس الحكومة الإسرائيلي الخطوط العامة لسياسته تجاه السلام مع سوريا، خلال بيان سياسي ألقاه في الكنيست، وورد فيه: "أن مرتفعات الجولان مهمة لأمن دولة إسرائيل، بالمستوطنات أو بلا مستوطنات. وما من قوة في العالم ستزيحنا بمقدار أنملة إن لم يقم سلام تام، سلام حقيقي (...) ولن نوقع أي اتفاق سلام مع دمشق إن لم نكن مقتنعين بأن أمننا مضمون. السلام الذي حلمنا به هو في تجسيده اليومي، سفارة إسرائيلية في دمشق، سفارة سورية في إسرائيل، باص تابع لشركة إيجد يسافر إلى حلب، سياح إسرائيليون في حمص، سفن إسرائيلية في طرطوس، طائرات العال، علاقات تجارية وثقافية. كل شيء. وطبعاً، فإن لذلك نظائره السورية أيضاً. وإعادة الانتشار (ليس انسحاباً كاملاً) ستشتمل على تخفيض متبادل للقوات النظامية، نزع السلاح من مناطق على أساس عدم تناظر جغرافي (...) نشر قوات متعددة الجنسيات على نحو يشبه ذلك الموجود في صحراء سيناء. وسنعرض ذلك بجميع تفصيلاته على كل مواطن إسرائيلي، ونطلب قرار الشعب: هل أنتم مع هذا السلام أم لا؟"(11). ومع غياب رابين وفوز بنيامين نتانياهو في الانتخابات التي جرت في أيار/ مايو 1996، تجمّدت المفاوضات على المسار السوري ـ الإسرائيلي نتيجة رفض نتانياهو والليكود تقديم أية حلول معقولة بخصوص الجولان المحتل الذي أصرّت سوريا على استعادته كاملاً دون التفريط بأية ذرة تراب من أرضه، وهو ما أفضى إلى توسيع بعض المستوطنات ووصول بعض المستوطنين للإقامة في الوحدات السكنية الخالية، وسط تقديم الدولة الإسرائيلية لحوافز مغرية لدفع الجهود إلى التوجه والإقامة في الجولان. وعلى الرغم من أن العمالي إيهود باراك الذي خلف نتانياهو، بدأ عهد حكومته الجديدة أواخر التسعينات بدينامية وتحرّك نشيطين تحت عنوان استئناف المفاوضات مع الأطراف العربية، وبالتحديد الطرفين الفلسطيني والسوري، إلا أن موقفه الحقيقي الذي تجلى في المفاوضات لم يختلف، قيد أنملة، عن مواقف أسلافه، ففي حديث لصحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية في الرابع عشر من أيار/ مايو 1999، أكّد باراك أن "نوع التنازلات التي سنقدمها في مرتفعات الجولان فقط عندما نعلم كيف سيقارب السوريون المسائل الرئيسية: لبنان، والإرهاب، ومصادر المياه، والترتيبات الأمنية، وتبادل السفراء، وسيكون هذا تنازلاً في الجولان، لا تنازلاً عنه". أما الليكود الشهير الذي بنى حزباً جديداً (كاديما) قبل أن يدخل في غيبوبة طويلة ويقبع في المستشفيات أرييل شارون، فقد رفض أية مقاربة تتعلق بالجولان المحتل باستثناء التأكيد الدائم على التمسك به، ورفض أية مفاوضات بشأنه ذلك أنه، وكسواه من أصحاب القرار في إسرائيل، يعتبر بأن الجولان، من الناحية الاستراتيجية والعسكرية، يشكّل موقعاً هاماً لإسرائيل بسبب طبيعته الجغرافية وتكوين تضاريسه ومرتفعاته التي تطل على أجزاء مهمّة من فلسطين المحتلة، فضلاً عن أهميته المائية الحيوية. ولعل من المهم التذكير بأن سلطات الاحتلال شرعت مبكّراً في مصادرة المياه ووضعها تحت سيطرة شركة المياه الحكومية. في كل الأحوال، ثمّة من يرفع صوته في إسرائيل اليوم للمطالبة بإعادة إحياء مسار التفاوض مع سوريا، وذلك على الرغم من رفض تل أبيب مجرّد التفكير في التخلي عن مرتفعات الجولان السورية المحتلة، وتعزيز عمليات الاستيطان هناك، وتخصيص ملايين الدولارات من خزينة الدولة لتهويد كافة أنحاء الهضبة المحتلة. ومرد ذلك، وفق المرئي، هو تلك الهزيمة المنكرة التي أنزلتها المقاومة اللبنانية و"حزب الله" بالإسرائيليين، جيشاً ودولة ومجتمعاً ومستوطنين، وحاجة إسرائيل الماسّة إلى فك عرى التحالف الوثيق الذي يربط سوريا بـ"حزب الله" والمقاومة الفلسطينية، ودق إسفين في العلاقات السورية ـ الإيرانية التي أثبتت قدرتها على الصمود في وجه عواصف "الشرق أوسطية الجديدة" وتطويب المنطقة برمتها لمصلحة الأمريكيين ولحفائهم الإسرائيليين بعد تحويلها إلى مكوناتها الأولية الإثنية والطائفية والمذهبية والمناطقية تحت ذات الرايات المخادعة حول الديمقراطية التي يتلمس الجميع نتائجها الباهرة في العراق. المصادر 1 ـ أنظر: مأمون كيوان وعبده الأسدي، "قضية الجولان.. هضبة الإشكاليات وفجوات الحلول المحتملة"، دمشق، دار النمير للطباعة والتوزيع 1996، ص54، وص55. 2 ـ د. عبد السلام عادل، "جغرافية سوريا الإقليمية"، دمشق 1981-1982. 3 ـ نبيل السهلي، هضبة الجولان في ميزان المفاوضات، صحيفة "الشرق الأوسط، 29/12/2005. 4 ـ الجولان تحت الاحتلال ـ خلفية عامة، موقع "المرصد ـ المركز العربي لحقوق الإنسان في الجولان" على الإنترنت، 2004. 5 ـ حبيب قهوجي (إشراف)، "استراتيجية الصهيونية وإسرائيل تجاه المنطقة العربية والحزام المحيط بها"، دمشق 1982، الطبعة الأولى، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ص53. 6 ـ مأمون كيوان وعبده الأسدي، "قضية الجولان"، مصدر سابق، ص75. 7 ـ حبيب قهوجي (إشراف)، "الاستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة"، سلسلة دراسات "مؤسسة الأرض" رقم 5، دمشق 1978، الطبعة الأولى، ص225. 8 ـ مأمون كيوان وعبده الأسدي، "قضية الجولان"، مصدر سابق، ص79-88. 9 ـ مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 22، ربيع 1995، ص140. 10 ـ جولان تايمز. www. Golantimes.com/ 11 ـ مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 39، صيف 199، ص187. |