مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 27 السنة الثامنة خريف 2006
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

أرض السلام أرض الحرب ـــ د.اسكندر لوقا

لم تكن الجولان يوماً، مجرد تعبير يتصل بالجغرافيا وحدها. الجولان تعني الأرض، والأرض تعني الشرف والكرامة والكبرياء. ومن هنا كانت الجولان وتبقى هاجساً وطنياً في عقل وضمير كل مواطن من أبناء شعبنا العظيم. نقول ذلك لأن "الجغرافيا" وحدها، عندما تنفصل عن معناها الوطني، تفقد وهجها وتألقها، وقد تخضع في مثل هذه الحالة إلى شروط المساومة على واقعها ومستقبلها.‏

ولهذا الاعتبار، يأتي وصف الأرض في قاموس سورية الوطني بأنها الكلمة الملحمة الكلمة البدء التي كانت مدخلاً لكل المعارف في الذات الوطنية وما حولها. إنها الملحمة لأنها تبقى الصورة الخالدة في ذهن الإنسان، منذ فجر التاريخ وحتى نهاية كل الأيام. تندرج هذه المعادلة، على بساطتها حسب المفهوم العربي السوري، ضمن الاعتبارات الذاتية بالدرجة الأولى، والاعتبارات الموضوعية بالدرجة الثانية.‏

بين الاعتبارات الذاتية نستذكر قول قائدنا الخالد حافظ الأسد: أن الأرض هي الأساس. الأرض هي كل شيء. هي المصدر.‏

وضمن الاعتبارات الموضوعية، نستذكر قول سيادته: الذي يريد السلام مع بلد احتل أرضها أو قسماً من أرضها، يترك الأرض التي احتلها.‏

هكذا نرى في مسألة الذات والموضوعية، رؤيا تتجدد مع اللحظة في فكر قيادتنا السياسية ومن هنا يتنامى التقصير أو ينتفي، بمقدار ما يرى أحدنا إلى الأرض من حيث ارتباطها بالقيمة وليس بالساحة سواء كانت أمتاراً أو أشباراً.‏

توضح هذه النقطة مسألة في غاية الدقة والأهمية وهي أن للمصاعب أسبابها الذاتية المتعلقة بنا. وإذا كانت الأسباب الموضوعية تفرض نفسها مرحلياً، فإن الأسباب الذاتية نفرضها نحن، وبفعلنا، من البداية إلى النهاية.‏

على هذا النحو تكون الأسباب الموضوعية أسباباً خارجية، تتصل بعوامل مختلفة، ولكنها لا تندرج بشكل أو بآخر، بين المعوقات المختارة، بينما الأسباب الذاتية، تحدد آفاق المسؤولية الوطنية، وسبل التصدي لإجهاض جميع أنواع المعوقات، لتحيا الأرض في أعماق نفوسنا، هدفاً مقدساً، وتراباً يستعصي على الإرادة الاحتلال والتطويق.‏

والأرض الكلمة، تكبر في عقل الرجل الكبير، وتتسع حتى تغطي الآفاق كلها. وهي في مثل هذه الحال، تغدو الهاجس اليومي لديه. ومن هنا تتخذ مقولة الأرض عند بناء شعبنا، شكل المقدمة لدخول عالم الغد.‏

يخاطب قائدنا الخالد محدثه بالقول: إذا كان أحدنا سيسترد أرضه معجونة بالذل، فلا معنى لها.‏

ويضيف: أن قطعة أرض صغيرة تملك قرارها، أحسن من أرض كبيرة وبدون قرار.‏

ولهذا الاعتبار، جاءت دعوته لسلام غير منفصل عن الأرض، عندما أطلقت سورية شعار السلام القائل: الانسحاب الشامل مقابل السلام الكامل.‏

ولا نعتقد أن أحداً يمكنه القول بأن معادلة كهذه، تتصف بالمنطق والموضوعية تحتمل التأويل الخاطئ. فالأرض لا تنفصل عن السلام ومن المستحيل، ولا نقول بالصعوبة فقط، بل من المستحيل أن يساوم الإنسان على نصف أرضه، أو أن يناقش خياراً كهذا الخيار. وإذن علينا أن ندرك كم هي الأرض غالية ومقدسة في قاموسنا السياسي، كم هي مؤثرة في مسألة الحرب والسلام، سواء على المدى المنظور أو على المدى الأبعد من زماننا هذا.‏

ولا نعتقد أن أحدنا يتخطى معطيات الواقع حين يدعو إلى التلاحم بين الأرض والإنسان، وذلك لأن الأسباب الخارجية إذا كانت تفرض مسافة بين الواقع والطموح، فإنها تفرض، في الوقت ذاته دفع، أو إمكانية دفع هذا الواقع وتطويره نحو الطموح، وبمعطيات الواقع قبل أي شيء آخر.‏

وتأسيساً على مبدئية التلاحم بين الأرض والإنسان، وأثر هذا التلاحم في تحديد مسارات الحرب أو السلام، هل تسمى الأرض أرضاً إذا ما قيست بالأمتار فقط أو كانت مطوقة، أم أنها تنقلب إلى قضية لا يجوز لأحد أن يساوم عليها؟ وهل الأرض، ضمن هذه الرؤية، سوى التاريخ والوجود كله.‏

لأنها ليست الجغرافيا وحدها، ولا التسمية وحدها، فهي، إذن، التاريخ والشرف، وهي العرض أولاً وأخيراً.‏

ضمن هذه الرؤية، من أين يكون البدء لإيضاح علاقة الأرض بمسألة الحرب والسلام، بغض النظر عن المساحة أو القابلية للإنتاج وما إلى ذلك؟‏

حين يردد أحدنا "إن كرامة الإنسان مرتبطة بكرامة أرضه، بكرامة وطنه" فإنه يطرح ذلك، كمقدمة لكل الأمور الأخرى التالية. إنه يحدد الإطار العملي للوظيفة الوطنية. ولا نظن إلا أنه يحذر من مخاطر التساهل في هذه المسألة، لأن من يفقد أرضه ويرضى بأن تنقلب المسألة أمراً واقعاً، سيفتقد كرامته، وعندئذ لن يساومه الآخرون على كرامته فقط، بل سيفعلون ذلك حتى بالنسبة إلى هويته الوطنية. وماذا يفوق الخيانة بعداً في انهيار الإنسان أمام عدوه، إذا هو قبل بمثل هذا المصير؟‏

ولأن "أرض الوطن تبقى غالية، وتبقى عنواناً لصمود الأهل فيها، فمن البديهي القول "إنه أمر مستحيل أن يذهب أحدنا ليجد الحل عند من اغتصب الأرض". وإذا حدث ذلك يوماً في التاريخ، فمن قبيل السقوط بين أيدي الأعداء، يتلقفون مصيره ويتلاعبون به على هواهم.‏

وفي تاريخنا الحديث، أكثر من مثال لا يزال طافياً على سطح ذاكرة حتى الأطفال. الخطوة الأولى على درب الانهيار والسقوط، ماذا تعني غير الاستعداد لقطع الدرب كله؟ ماذا تعني غير أن يساوم أعداء الأرض والوطن أبناء الأرض والوطن على قرارهم في القضايا المصيرية؟‏

طرحت سورية في الماضي وتطرح الآن معادلة: "المهم ألا تبيع الشعوب قرارها". مثل هذه المعادلة، ماذا تمنح المرء في وطنه غير الشعور بالكبرياء والشموخ وتجاوز جدار الخوف والتردد؟‏

قد لا تكون وسائل حماية الأرض من الغزوات على المستوى المطلوب، لسبب من الأسباب، ولكن "كل الشعوب، التي استعمرت، قاومت الاستعماريين بالوسائل التي لديها". وحين يستذكر أحدنا هذه الصورة، فلكي يضع أبناء هذا الجيل والأجيال المقبلة أمام الحقيقة القائلة إنه "لا يجوز في القضايا الكبرى، التوقف عند أول عقبة نصطدم بها". وهنا، قد نواجه عجزاً في أي نوع من أنواع الوسائل المادية، من المسدس إلى الطائرة النفاثة، إلا الإنسان حين نبنيه على علاقة التلاحم مع الأرض، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، لابد أن تكون الكلمة الأخيرة كلمته لا كلمة الاحتلال. قد تطول المعارك وصولاً إلى الكلمة ـ القرار في المسألة الوطنية، ولكن متى كانت المعارك الخاسرة تقضي على الشعور الوطني في بلد ذرة التراب فيه تساوي الحياة؟‏

لقائدنا الخالد حافظ الأسد، في هذه المسألة، هذا القول: "معركة ومعركتان وثلاث معارك، لا تنهي إرادة نضال الشعوب". ولا نعتقد أن أحداً بيننا لم يعايش قصة أو أكثر، عن قريب أو عن أحد أفراد الأسرة، كانت وقفته الوطنية، في يوم من الأيام، جزءاً من عتبة الدخول إلى واقع الاستقلال، وواقع جلاء المستعمرين عن أرض الوطن.‏

وعلى هذا النحو، تأخذ مقولة الدفاع عن الأرض، بعداً جديداً في نفوسنا، وهي أنه، مهما بنى الإنسان من أمور، إذا لم يكن قادراً على الدفاع عن أرضه وعن ذاته، لا تجدي هذه الأمور. وبلادنا، إذا لم تكن القدوة في السياق، فهي من بين البراهين التي أثبتت أن الدفاع عن الأرض ليس رهن توافر الإمكانات المادية فقط، بل أيضاً، ربما في المقدمة، يأتي الإنسان المؤمن بأنه في النهاية، قضايا الشعوب العادلة، تنتصر.‏

حين يضع المتحدث مثل هذه الحقيقة أمام القارئ، أو أمام المستمع، فليقينه بأنه من الصعب أن نتصور عملاً مرتبطاً بمسائل الحياة ويسير عكس اتجاه الحياة. فأين هي الحجة الأقوى؟‏

لعلنا لا نضيف جديداً إلى ذاكرة الإنسان العربي في المنطقة عموماً، وفي قطرنا تحديداً، إذا أعدنا القول مر ومرات إن العنصر الأهم في أية معركة يبقى إيمان الإنسان بقضيته، ذلك لأن الإنسان، يبقى هو الأساس بين جميع عناصر المواجهة. وهنا لا تنتهي عند حد معين، مواصفات العدو الذي تقتضي المصلحة الوطنية أو القومية مواجهته. فالعدو، هو أيضاً، التخلف والجهل والمرض وما يندرج تحت هذه العناوين الكبيرة من تفرعات، كل منها يتطلب مواجهة حقيقة. وحول مسألة المواجه هل نصيب في القول أنه عندما نعرف العدو على حقيقته، والقوى التي تمده، نبحث كيف نوفر عناصر المواجهة وكل العناصر المطلوبة؟‏

بطبيعة الحال، إن مسألة المقاومة، على كل الصُّعُد التي أشرنا إليها، لا تتوقف عند رغبة يجب أولاً يجب، نريد أو لا نريد، لأن المسألة هنا تتخطى الإرادة الذاتية، باعتبارها تتعدى حالة التمنيات. هنا، دفاعاً عن التقدم أو دفاعاً عن الأرض، على حد سواء، يأتي الوجوب عملاً مطلوباً لا غنى عنه ولا مفر منه. وإذا جاز لأحد أن يتردد، فإن الانهيار لا يتوقف عند نقطة معينة، تستمر حلقاته في الاتساع والاتساع إلى أن يزول حضور كل النقط في المكان وفي الزمان. ولهذا الاعتبار، ترانا نحسن صنعاً إذا نحن واجهنا، حقيقة اعتمدها التاريخ وهي أنه لا بد للإنسان أن يقاوم بل ويجب أن يقاوم؟ نقول بالوجوب، لأن الإنسان، في القضايا الكبرى وأمامها، لا يملك حق الخيار، ولا يجوز له أن يختار حالة البين بين، والسبب في ذلك، كما في مسألة الدفاع عن أرض الوطن أو في مسألة استنبات خيراتها بالفعل المتواصل والصادق، أننا يجب أن نقف في الزاوية المضيئة، حيث الرؤية تسمح لنا بأن نحيط بالأمور المطروحة أمامنا أو علينا إحاطة دقيقة وصحيحة.‏

عند هذه النقطة إذا أشرنا إلى علاقة طرفي هذه المعادلة مع بعضهما بعضاً، بالقول أن المرء يجب أن يرى الأمور، دائماً، بشكل واضح ومن دون أن يخدع نفسه بأنه يرى الأمور هكذا هل يحق لنا التساؤل، إلى أي مدى، وكم من الوقت يجب أن يمارس المرء مثل هذا السلوك؟ وهل ثمة فترة يمكننا تسميتها بفترة استراحة، نعود فيها إلى ذواتنا بعيداً عن مجريات الأحداث من حولنا؟‏

في اعتقادنا، إن هذه العودة لا تختلف شيئاً، كثيراً أو قليلاً، عن التراجع الذي يحدث في المعارك الفاصلة. ولا نعتقد أننا بحاجة للقول بأن خطة إلى الوراء، في اللحظات الدقيقة في حياة المرء أو الوطن قد تكون بداية المصير غير المرغوب. ومع اعترافنا بأننا، في مناقشة هذه النقطة، نسلم بأنه ليس أصعب على الإنسان من أن يراقب نفسه أربعاً وعشرين ساعة، بيد أن هذه العملية، هي ذاتها الطريق إلى حماية الإنسان والأرض معاً. وماذا لو ابتلى الوطن مثلاً، بأعداء قريبين من حدوده؟ ألا تتضاعف المهمة؟ ألا تقتضي اليقظة الوطنية أن تستمر المراقبة كل الوقت، ومن دون استثناء لحظة من الزمن؟‏

توضيحاً لهذه المسألة لقائدنا الخالد قول هو: "عندما يبتلي البلد بجيران ليسوا جيدين، حتى الأرض تبقى مهددة". وعندما يفقد الوطن الأرض، فمن غير المعقول أن يستمر التاريخ على هذه الأرض في نموه، وفي ثباته، وفي عمقه. في هذه الحالة، تغدو الأرض جسداً عارياً، مباح لكل عابر سبيل أن يعتدي عليه أو ينال من كبريائه. ولا تنفع الألبسة، من بعد، ولا الأقنعة أو الأصبغة، لأن استسلام الأرض للأعداء، من موقع الإرادة، يخالف أبسط شروط الحياة. وأن يقال. كما قيل في وقت مضى، في بلد عربي آخر، لا تعطني أرضي ما لم أحقق السلام، هذا يعني فرض السلام بشروط العدو حصراً. معنى هذا أن يفرض السلام فرضاً وبالقوة.‏

أن الأصح أن يقال، الأرض مقابل السلام، بمعنى عودة الأرض المحتلة إلى أصحابها أولاً، ومن ثم يلي ذلك السلام.‏

أما أن يفرض السلام فرضاً أو بالقوة فذلكم هو الاستسلام الذي عاشته أمم وشعوب بعد الحربين العالميتين، ذلكم هو سلام القوي على الضعيف إن صح التعبير، إن لم يكن في الحقيقة هو الاستسلام بعينه، ولكن على طاولة المفاوضات الثنائية التي تعقب انتصار القوي وانكسار الضعيف.‏

حين صدر الحكم على بيتان، المارشال الفرنسي المعروف، بالموت في سنة 1945، بتهمة الخيانة، عقب الحرب العالمية الثانية، لتوقيعه اتفاقية الهدنة مع ألمانيا الهتلرية ي سنة 1940 لم يشفع له أنه كان أحد أبطال فرنسا الكبار في الحرب العالمية الأولى، ولم يؤخذ بعين الاعتبار أنه استطاع وقف زحف الألمان باتجاه العاصمة، عند مدينة فردان. لقد تخطت عدالة المحاكم الفرنسية كل تلك الأمور، مقابل موقف الرضوخ لألمانيا الهتلرية بحجة الحرص على تراث فرنسا ومعالم باريس الحضارية منذ أجيال.‏

وعلى هذا النحو تبقى مسألة الأرض فوق كل الاعتبارات. الأرض، في تقدير القادة الكبار في تاريخ البشرية، هي الحق المقدس. ومن هنا، نستطيع التفاعل مع قول قائدنا الخالد "إن أي حاكم لا يستطيع ولا يجرؤ على أن يفرط بأرض الوطن ولو كان يملك من وسائل ما يجعله قادراً على اتخاذ قرار التفريط. وحتى إذا هو استطاع اتخاذ القرار، فلن يمضي وقت طويل على تنفيذ القرار الآخر، قرار الحق والتاريخ" ولهذا كان سقوط الذين باعوا أوطانهم أو ساوموا على أراضي أوطانهم، متجارزين كلمة الشعب الكلمة التي لا تنطق إلا بما يجعل أرض الوطن الأنقى والأكثر صفاء.‏

وهل بيننا من لا يضع الأرض في مستوى الحق؟ وماذا لو فكرت الشعوب في التخلي عن حقوقها؟ لو تخلت الشعب عن حقوقها، لكنا أمام حاضر آخر، لكان التاريخ كله قد تغير.‏

ربما في ظروف النزاع، يلجأ هذا الطرف أو ذاك إلى البحث عن حل عادل يرضي الطرفين المتنازعين، أو الأطراف المتنازعة. وهنا قد يقال بوجوب البحث عن الحل المذكور، وإذا حدث شيء من ذلك، تحت ضغط الاعتبارات المختلفة، علينا أن نتذكر قول القائد الخالد حافظ الأسد، وهو يوجه أعضاء وفدنا إلى مؤتمر مدريد: "ولكن دون أن نفرط بشبر من أرضنا، بشيء من إرادتنا، بشيء من مصالحنا القومية".‏

ترانا نتساءل عن المعاني الكبيرة التي تختبئ ولا تختبئ وراء الـ "من دون"؟ وراء الأرض والإرادة والمصلحة القومية؟‏

وماذا يعني تخطي هذه العلامات على درب المواجهة والنضال؟ ألا يعني ذلك أن نرفع أيدينا مستسلمين للعدو بقرار العدو نفسه؟‏

هذه الحالة، حين يقف أمامها قائد تاريخي فذ وكبير، قائد في مستوى قضايا المصير، كيف يرى إليها؟ كيف، حين يفرض السؤال نفسه بانتظار الجواب؟‏

يكون الجواب محدد: "إن نهج فرض الإرادة طريق مسدود". وهكذا الأمر في تقدير الشعوب التي خبرت الغزوات عن تاريخها الطويل، وكانت لها الغلبة في نهاية المطاف. وفي هذا المجال، لم تكن سورية، في وقت من الأوقات، إلا الدليل القاطع والبرهان الذي لا يقبل الشك. وهي في خضم التجارب التي خاضها منذ عهود التتار حتى العثمانيين والفرنسيين لم تزد إلا منعة وقوة، إلا صلابة وإيماناً بأن القوة ليست للدبابة والمدفع دائماً، بل هي التلاحم مع نداء الأرض، لأن في عمق الأرض تنغرس جذور الهوية الوطنية، مثلما تنغرس جذور النباتات والأشجار لتعطي ثمارها في مواسم الإثمار.‏

وحين يصير الجولان كل الأرض ويصير الوطن كل الجولان، فإن أحداً من أبنائنا، في هذه الحالة، لا يملك الوطن منفرداً، أو أنه يحمل همومه ويعالج مسائله منفرداً، بل نحن جميعاً، في هذه الحالة، نملك الوطن ونحمل همومه ونعالج مسائله.‏

وقرارنا في هذا السياق، هو اليوم، وكما كان دائماً في الماضي، وسيبقى كذلك في كل وقت، قرارنا هو أن لا مساومة على الأرض، سواء كانت مصدراً لعطاء أو وسادة تحت رؤوس المتعبين، أو طاقة لاستمرار الحياة، أو بركة تتجمع فيها دماء المدافعين عن قداستها، منذ فجر التاريخ وإلى آخر الأيام الآتية.‏

وإذا جاز التساؤل حول الهدف من وراء المراوغات التي تنتهجها إسرائيل حول مستقبل الجولان العربي السوري المحتل. ماذا يمكننا أن نستنتج سوى استخدام الزمن وصولاً إلى تحقيق حالة الانفراد برسم مصير هذه الأرض العربية أو تلك، إلى أن يحين زمن إخضاع الكل إلى إرادتها؟‏

إن منطق العصر، حين يكون إما أن تهزم أو تنهزم، فإن الوصول إلى حل موضوعي في إطار الصراع بين طرف وآخر، يبدو مناهضاً للمنطق ذاته، محلياً أم دولياً، لأن معادلة "لا غالب ولا مغلوب" بدأت تفرض حضورها على الساحات الساخنة عموماً منذ سنوات. وأما أن يقال بتطبيع العلاقات، على النحو الذي تخطط له إسرائيل، بدءاً بإقامة العلاقات الدبلوماسية وانتهاءً بتبادل الزيارات على مستوى الأفراد، مروراً بتوحيد المناهج أو إزالة ما فيها من معلومات وحقائق تاريخية تدين هذا الجانب أو ذاك، فإن مثل هذا القول، يمثل هرماً مقلوباً إن صح التشبيه. ودائماً يبقى السؤال. في حال الإصرار على مبدأ النتائج أولاً ثم السلام: كيف تؤكل ثمرة قبل زرع شجرتها؟ وكيف نبدأ بإشادة بناء على أرض صخرية قبل إزالة صخورها؟‏

إن فهمنا للسلام الإسرائيلي أنه خدعة يراد للعرب أن ينجروا وراءها أو أن يؤخذوا بها وهم في حالة انبهار بالمظاهر التي ترافق أعداد السيناريوهات قبيل أو بعد التوقي على اتفاقيات لا قيمة لها إلا على الورق، عندما لا تكون اتفاقيات تضمن لأطراف الصراع حقوقهم بكل أبعادها، وبالدرجة الأولى الكرامة وامتلاك القرار الوطني على أرض الوطن بالفعل وليس بالقول.‏

في لحظة غفلة من التاريخ. قد تندثر آمال ويحدث الاختراق من جانب أعداء الوطن، على غرار ما حدث في لحظات الانسياق وراء قناعات باهتة لم تبن على حقائق التاريخ، في مواقع اشتهرت على الخارطة العربية. وهانحن نعايش الأحداث التي تمخضت عن مواقف تعدت حدودها عندا خيل لمن اعتقدوا أنهم يلتقطون لحظات نادرة من التاريخ لصالحهم، ومنها هذا التمزق العربي وتشتت قوى الأمة، حتى درجة الإصابة بمرض الصمت المطبق أو شلل الأطراف. ولولا صمود سورية الأسد في مواجهة ألاعيب العدو، ولولا صمود المقاومة الوطنية في جنوب لبنان، رغم تعرضه لأبشع أنواع الاعتداء على أمن أبنائه لما كانت راية العرب تنبئ بوجود أمة تحولت إلى نقطة جذب في الوضع العالمي الراهن، عبر الجهود الدولية، وفي المقدمة منها جهود الولايات المتحدة الأمريكية، وصولاً إلى حالة توازن في منطقتنا العربية.‏

ولا ندعي بما لا نملك في هذا الصدد، الكل يعرف ويعترف بأن خيار سورية وقيادتها السياسية المتميزة بالواقعية والموضوعية، كما هي تتميز بالحكمة والشجاعة هو خيار الحق، وما عدا ذلك، بيننا وبين أعدائنا، خيار التاريخ والأجيال القادمة وإرادة التحرير.أن معظم الدارسين ومتتبعي مسارات السلام بين العرب وإسرائيل. يجمعون على القول بأن "الجولان" تبقى أحد الخيارات الرئيسية والبارزة أمام سلام المنطقة، كما أنها تبقى كذلك أمام حرب المنطقة. ولطالما أكد الرئيس الأسد صدقية هذه المعادلة.‏

هذه القناعة، لم تبن على وهم أو على خيال. أنها حقيقة لابد من مواجهتها بكثير أو بقليل من الصراحة والوضوح. وإذا كانت بعض التصريحات التي صدرت مؤخراً، أو أنها تصدر في وقتنا الراهن بين الحين والآخر، حول التنكر لحقيقة أن الجولان أرض سورية وإن المقيمين عليها الآن هم غرباء عنها وليسوا أصحابها، فإن هذه الظاهرة، وأن هي جاءت متأخرة كثيراً تبقى بوابة عبور إلى خيار السلام. ومن هنا فإن القول بعشوائية قرار ضم الجولان إلى الأرض الإسرائيلية، وعدم وجود ما يبرر مثل هذا القرار زمن صدوره، يعتبر اعترافاً صريحاً، وليس ضمنياً فقط، بأن عقلانية الرؤية لليوم والمستقبل معاً، وتطرح ورقة رابحة بأيدي الوسطاء والذين يرعون اللقاءات بين طرفي الصراع الأساسيين وهما سورية وإسرائيل، وصولاً إلى تثبيت حق الطرف الذي لم يدع أنه صاحب الحق بل هو صاحب الحق، بمنطق الواقع والتاريخ القديم.‏

وأمام هذه المعادلة، فإن "الجولان" يتخطى كل المسائل في سياق اللقاء أو التفاوض وما إلى ذلك، مجسداً انتماءه إلى تراب الوطن. ومن هنا استحالة أن تتمكن الدولة العبرية من ممارسة دور القادر على هضم الحقوق العربية، أو الاستمرار في هذه العملية على غرار ما حدث في أوسلو وفي وادي عربة وقبل ذلك في كامب ديفيد. ودائماً ترتد هذه القناعة إلى سياسية سورية التي تتحلى ببعد النظر ودقة الرؤية الاستراتيجية لأبعاد الصراع العربي ـ الإسرائيلي لأكثر من نصف قرن، توكيداً لمبدأ التوازن وعدم التخلي عن الحق العربي على أرضية الشرعي الدولية واحترام قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الصادرة بهذا الشأن تحديداً.‏

وليس سراً القول بأن سورية، في عهد قائدنا الخالد الرئيس حافظ الأسد، لم تتهاون يوماً في الدفاع عن كرامة الوطن والأمة، وإلا لكانت المبادرة إلى استعادة أرضها في الجولان، منذ أن عرض عليها وسطاء أمريكيون وغير أمريكيين التخلي عن موقفها القومي وترك الآخرين يختارون ما يحلو لهم بحجة أن الزمن هو الحل أو أنه يحمل الحل.‏

وكان الجواب: لا للحلول المنفردة، نعم للحل الشامل.‏

ولأن المستحيل هو أن تقايض سورية بأي من الإغراءات المعلنة وغير المعلنة، ستبقى أرض الفلاح والعامل أرض الطالب والجندي، أرض الموظف والحرفي، الأرض المطرزة دائماً بأسماء الخالدين م أبنائها، بناة الكبرياء والأمل والشموخ.‏

على هذا النحو سار ويسير الزمن، ومن خرج على القاعدة، تحمل أو أنه يتحمل مسؤولية مواجهة شعبه وقدره، إن لم يكن عاجلاً فآجلاً. ويبقى التاريخ دائماً أهم مصدر للدروس والعبر.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244