مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 27 السنة الثامنة خريف 2006
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

مارتن هاليويل... جدلية الحداثة والأخلاق ـــ د. فايز عز الدين

ثمة أسئلة في الواقع الراهن ما يزال المرء يبحث عن إجابة تاريخية لها ولمجمل احتياجاته الواقعية‏

وهو يبحث عن ذلك كله من منظورات مختلفة تتماوج بين العقلانية في التفكير، أو البراغماتية التي تساق أحياناً إلى موقف يصوغ المحددات المطلوبة للمجتمع، والسياسة والوطنية، وصناعة الحاضر، ومن ثم المستقبل. وقد استدعي لدى الكثير من المفكرين، والباحثين الواقع التاريخي لدخول وقائع التاريخ، والإلمام بزومانيته، وإحداث مؤالفة ممكنة بين ما فيه من ممكنات، لا تتكئ بالنهاية على فرائض النماذج التراثية بصورة إنكفاء باعتبارها مهما تكن عليه من حالة تاريخية إلا أنها ستبقى واقعة في زمن ما صنع من الحياة، في وقت نحتاج فيه إلى حياة تصنع لما هو قابل في التاريخ، والأزمنة، والحال كذلك فإن نظريات الرؤى الواقعية في شروط الاختيار الصحيح تستنسب مجموعة من المحطات الموصلة إلى فهم صحيح للماضي في غرابته، وغربته عنا كما يقول ابن خلدون. وإلى فهم صحيح للتاريخ على أنه مجموعة مسارات مختلفة لا توجد فيها فرادة ميتافيزيائية لتجربة قد حسمت في بنيويتها النموذج المبحوث عنه، وإلى فهم منطقي لعملية الإندراج في العالمية الإنسانية التي طبعت بلفتها المجال الأممي لمجتمعات القرنين الماضيين، وإلى فهم صحيح لأنانية العولمة المعاصرة، واعتراضه لأخلاق التميزّ، والتمايز، والخصوصية، والهوية، والسيادة تحت تأثير سيطرة اقتصادية، وسياسية، وعسكرية منطلقها القطب الوحيد المهيمن في غياب العالم المتعدد الأقطاب حتى تاريخه.‏

وما لا يني يعنينا في هذا المسعى ـ ولا سيما في الحالة العربية الراهنة ـ يمكن أن نشير إليه بثنائيات متعددة نكتفي منها بمعضلة استرجاع الفرادة من ما كان منيراً في ماضينا، وجعلنا قابضةً على واقعنا المتململ نحو مشروع نهضوي يجد مكامنه، وشروطه، ومقوماته في حركية التاريخ الحديث للحضارة الكونية المعاصرة، وعلى قاعدة أن النموذج الذي نستهدفه لم يكتمل في الماضي ليكون حلاً ناجزاً في حاضرنا ومستقبلنا. كذلك نرى إلى النموذج العالمي المعاصر أنه ليس فيه من الاكتمال ما يجبرنا ـ راضين ـ أن نتماهى به، ولذلك فالعقلانية في التفكير الحداثي اليوم هي أننا نتفتح على المشروع الحضاري الكوني بمشروع حضاري عروبي يتجاوز في متماهياته حدود الغرب. أو المركزية الغربية الرأسمالية أو الليبرالية بأثوابها الحديثة، وما بعد الحداثية كذلك، ليكون لنا سقفنا الخاص في إطار المشروع التاريخي الكوني المحايث في طابعه العولمي المتحرك.‏

ومن منظور أن الأخلاق تعتبر المقوّم الأساس في كل نظرية إنسانية، وأن الحداثة، والتحديث هو صلب العملية التاريخية في كل زمان، ومكان فإننا اخترنا أن نتداول المسألة في كتاب الحداثة والأخلاق للكاتب مارتن هاليويل المحاضر في الدراسات الأمريكية والإنكليزية في جامعة ليستر، وقد ترجمه إلى العربية الأستاذ محمد إبراهيم عبد الله. ونشرته دار إنانا للطباعة والنشر، وفي أهداف المؤلف من هذا الكتاب نستوضح بادئ ذي بدء أنه اجتهد من أجل تقديم دراسة تحليلية للحداثة، والأخلاق نلمس فيها ردة فعل علمية. وموضوعية على الأخلاق التي سادت العصر البرجوازي في أوروبا.‏

مع أن المؤلف قد حرص كذلك على استبقاء مقولة أن القضايا الأخلاقية قديمها، وحديثها لم تختفِ بالمطلق بل لا تزال آثارها موجودة في سياسة الأمم، وأدبياتها.‏

في مقدمة الكتاب تناول المؤلف الحداثة وأزمة الأخلاق ببعض الاهتمامات الأخلاقية الكبرى التي أبدتها أوائل القرن العشرين المنصرم بما يشير إلى أن بداية التغيير التكنولوجي لم تحدث تطوراً ملحوظاً في النظام العائلي والأسرة بل أخفقت في تقديم مجموعة من القيم الأخلاقية المقنعة بالتغيير الاجتماعي، والإنساني وعليه فقد تسببت قوى الحداثة بالنسبة له بوجود كدمات اجتماعية ظاهرة للعيان، وتجليات ذلك برزت في الطقوس، والانحراف، والدهاء، والخدعة، وتبادل المنافع. ولم تتقدم فلسفة متماسكة موضوعية للفرد، والمجتمع، والحياة، وعليه فقد أصبحت الصراعات الفردية ترمي إلى تغيير شروط الحياة الأخلاقية، والجمالية، والروحية، والمادية، وقد استحضر المؤلف مقولة الباحث ما يكل وود حين قال في منتصف سبعينات القرن الماضي: "إننا قد نكون جميعاً مصابين بالتهاب مفاصل حقيقي من ألم الحداثة، لكن هذا قد يكون شكلاً من أشكال العودة إلى البداية لنكتشف كيف نحسن بالألم حين لم يكن الألم نفسه قد تخطى نقطة البداية بعد"‏

ويضع الكاتب جهداً تحليلياً أبرز فيه إنشغال الكتاب الحداثيين بقضايا الأخلاق، ومنهم الأوروبيون، والأمريكيون الذين قاموا بمحاولات صاخبة للإنسلاخ عن القيم الأخلاقية البرجوازية، والأخلاقية النفعية. إلا أنهم غلبوا في هذه المسألة اهتماماتهم الجمالية الذاتية. ولاحظ المؤلف أيضاً أن الحداثيين من الكتاب قد جربوا عالم الأخلاق العملية بدلاً من عالم الأخلاق النظرية، وذلك لاستكشاف ممر بين القيمة الشخصية، والفعل الاجتماعي وغالباً ما تشير مساءلة المعايير الدالة على ما هو واقعي إلى استياء شديد من القيم الاجتماعية الحاكمة، وهنا تنطوي القضية، الأخلاقية على ضرورات ابتكار سنن جديدة للعيش تتحدى تلك القيم الحاكمة وتبطلها، وعبر جدلية الركود، والفعل أخذت الإشكالية الأخلاقية طابعها الدرامي كما كشف عنه الحداثيون في الأدب، والسياسة لجهة الحرية بشكل خاص التي يتم الوعد بها لكنها لا تجد طريقاً إلى التحقيق في هذا ا لعالم الحديث، والحداثي.‏

وما يذهب المؤلف إليه. ويثير الانتباه هو أن ما يجري في عصرنا الراهن من تحول باتجاه العولمة الاقتصادية والثقافية يحدث بعضاً من المعضلات الأخلاقية التي كانت قد طرحتها تكنولوجيا القرن العشرين المنصرم، وأزمتنا الحالية في الحياة الأخلاقية ليست سوى عواقب الصدمة التي ضخمتها نهاية القرن العشرين، ونشرتها وسائل الإعلام الطاغية على نحو متزايد، والكثير من الهزات التي تعرض لها القرن المذكور (كالحروب ساخنها، وباردها، والإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، وإحياء الأصولية الدينية، والأضرار البيئية) كل ذلك قد نتج عن العجز في التوصل إلى حلول أخلاقية حقيقية للمعضلات المحلية، والخلافات الوطنية، والصراع الدولي. ولقد كانت كدمات الحداثة (حسب تعبير المؤلف) ناتجة إلى حد كبير عن المطامح الإمبريالية، والفكر الذرائعي، وتأثيرات التعصب بأنواعه على حياة الأفراد، والمجتمعات. وبرغم الشفاء الظاهري للندوب التي نجمت عن الحرب الكونية الثانية 1939 ـ 1945 إلا أن الجسم الاجتماعي ظل وكأنه يحتضر، والقيم الجوهرية تبهت برغم محاولات الغرب السياسية ـ خاصة في تسعينات القرن الماضي ـ إن يوجد برنامجاً أخلاقياً جديداً يعمل به كحافظ للسلام العالمي في الشرق الأوسط، وفي بلدان أوروبا الشرقية. وبدا أن لغة الحقوق الكونية غالباً ما تكون ستاراً دخانياً للتستر على عالم متشظ، ومنقسم إلى مناطق آمنة محمية، أو ذات امتياز يمكن الحفاظ فيها على القيم الليبرالية، ومناطق خطرة لا يمكن فيها للأخلاق الكونية أن تسود. وكما بدت الحداثة في النصف الأول من القرن العشرين توحي بعصر الأمل، ظهر أن مرحلة ما بعد انهيار جدار برلين 1989 تشبهها من حيث التعهد بتحسين الحياة المادية، والأخلاقية لكن هذا التعهد لم يبلغ سوى مرحلة حرجة من إرباك العالم، وها هي ذي معظم الانتقادات الموجهة للأخلاق الكونية ـ كما يرى المؤلف ـ تأتي من خارج الغرب بزي نظرية ما بعد الكولونيالية.‏

ويؤكد المؤلف في متن تحليله على أن الكثيرين من الحداثيين قد كرسوا حل اهتمامهم لدراسة أسباب الرضوض الاجتماعية من الحداثة قبل أن تصح كدمات، وذلك عبر تركيزهم على المعضلات الأخلاقية التي عانى منها الفرد، وهذا الحال يمكن أن يعتبر أحد أسباب إعادة النظر في ما بعد الألفية الثانية بالنظرية السياسية، والثقافية، ورأى المؤلف أن الكتاب الحداثيون ناهضوا خصائص معينة في العالم الصناعي كونها تجرد الإنسان من إنسانيته وتولد الاغتراب فيه.‏

ولقد سعى المؤلف أن يكون كتابه: الحداثة والأخلاق مقسماً على ثمانية فصول دون المقدمة، فالمقدمة تضمنت الحديث عن ثلاثة مستويات من الفكر تناولت نظرة تاريخية لانطلاق الحداثة من مناخ أخلاقية القرن التاسع عشر, وابتكار الحداثيين لنماذج أخلاقية تخص أعمالهم الفنية، وطرائق النقد الحداثي المتجاوزة للبالي من التحليل الأخلاقي. أما الفصول الثمانية فقد نسجت مستويات من الفكر بتناول أمثلة من الحداثية الأمريكية والأوروبية من المنظور التاريخي الذي يتفحّص المشاكل الأخلاقية عبر الأطلسي، وفي ظلال التحولات التاريخية التي حدثت ابتداء من آثار الحرب الباردة المدمرة لأوروبا، إلى المناخ التآمري لأمريكا الحرب الباردة، وصولاً إلى العولمة المتسارعة في نهاية القرن العشرين، وما بعدها,‏

ولقد عني الكاتب بالتعريف بمصطلحات ثلاثة أساسية وهو يناقش الأخلاقية الحداثية وهي: التحديث mod ernization والحداثة modernity، والحداثية modernism فالأول: التحديث يشير إلى التغيرات التي تؤدي إلى سيرورات تكنولوجية يقودها تطور الرأسمالية والمدنية التي جعلت الحياة في مطلع القرن العشرين تختلف عن سابقها في القرن التاسع عشر.‏

والثاني الحداثة للدلالة على الخبرة الفردية، والجماعية للعالم الحديث كما تم تجسيدها بأفكار تمثل رداً على سيرورات التحديث الاقتصادية، والاجتماعية، وهذه تتأرجح بين طرفي الطوعي للبيئة البديلة، والرفض لكل أسباب الحداثة.‏

والحداثية: تدل على الوسط الذي تم من خلاله التعبير عن تجربة الحداثة، والحداثية مصطلح جماعي تصف سلسلة من التيارات الفنية التجريبية التي ثارت ضد الأشكال السائدة، وضد نظم العقيدة للقرن التاسع عشر.‏

وفي خلاصة المؤلف لهذا الكتاب نجتمع بالعناوين التالية: إطلاق الخوف من الحداثة، والبحث عن البديل الثالث، والقوة الأخلاقية والخارج، وفي العنوان الأول تحدث الكاتب حول كينونة الحداثيين التي نادراً ما نجمت في التخلي عن الخيال ومعاودة القبول السلبي للواقع، لكنها، برغم ذلك استلزمت التوصل إلى تفاهم مع عالم قد يبدو جديداً، ومثيراً في ظاهره لكنه يخفي في طياته الخوف من الفراغ. وقلة من الحداثيين وخاصة الكتاب اختاروا الاستسلام للقوة الإبداعية للفن لأن هذا قد يرجعهم إلى العزلة، أو إلى العالم المجهول، ومثل هذا الإذعان من وجهة نظر المؤلف قد يعني الاستسلام إلى إمكانية ارتجال تقنيات أخلاقية تعيد توجيه الأفراد ضمن علاقات اجتماعية هادفة، ولطالما ساجل بعض النقاد بأن الحداثية ترتكز إلى حد بعيد على التجربة الفردية، فإن النسيج المتداخل للدوافع الحداثية، والجمالية، والأخلاقية والسياسية تعطي رؤية الأفراد مزيداً من التشابك فيما بينها ليظهر أن الالتزام الأخلاقي ينبع من مقاومة الأنا، والاعتراف بالآخرين، والتأقلم معهم، وبدون هذا الإقرار بالآخر، والاعتراف بتميزه تبدو الأخلاق غير ممكنة.‏

وفي البحث عن البديل الثالث: يرى المؤلف إلى العديد من الكتاب الأوروبيين والأمريكيين الذين واصلوا اختبار الحدود الأخلاقية في أعمالهم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية 1945 إلى اليوم، وقد ارتبطت هذه المسألة عند الكتاب ذوي الاهتمامات الاجتماعية بمجادلات تدور حول القمع، والتحرر. وقد تعرض المؤلف لأخلاق الشدة التي مارسها السيناتور الأمريكي جوزيف مكارئي ضد المشقين. وكذلك العدائية للأجانب في أمريكا الحرب الباردة حتى يلقى الضوء على نظريات التآمر في الولايات المتحدة الأمريكية عبر تغيير وجهة السلطة الاجتماعية، والإيديولوجية إلى شركات دولية تستثمر وسائل الإعلام، والبديل الثالث رمى فيه إلى وجود القوة الحيوية المبتسمة القادرة على توليد نفسها بنفسها مراراً، وتكراراً؛ أي الروح غير المنقسمة في الحياة، والحياة في الروح المتوحدة. وهذا هو طريق التجنب لضعف الليبرالية، ومخاطر السياسة المتطرفة. بينما ترتبط الأخلاق الشخصية بالحياة العامة دون أن تطغى إحداها على الأخرى، وهذا لا يشير إلى أخلاق مستدامة كمسألة خاصة صرفة، لكنها الحاجة الدائمة إلى أخلاق تساهم في إعادة توجيه الآخرين، وتشكيل علاقات حقيقية فيما بينهم، فالهويات لا تكتمل لوحدها لكنها تبقى مفتوحة ومعتمدة على بعضها، وتتداخل، وتتشابك ثم تتناسج معاً.‏

وفي القوة الأخلاقية والخارج يصل المؤلف إلى إمكانية خلق تقنيات يمكن أن تواجه القوى المتسلطة وتسهل التحالف مع الآخرين والسلطة حينئذٍ لا تصبح القوة المقيدة الصرفة التي تسيطر فيها القوانين على الأفراد، بل بنية مطابقة تعزز العلاقات الاجتماعية، وتخلق الظروف لإيجاد سلوكيات هادفة من مقاومة، وصمود. فالسلطة المطابقة هي بنية ممكنة لم تعد تتبنى القانون على أنه نموذج، أو سنّة لتعريف التماسك الاجتماعي حيث إن السلطة آلة لا يمتلكها أحد، إنما يمكن نشرها عن طريق الأفراد، أو الكتل الاجتماعية بطرق مثمرة، ومناهضة للسيطرة، وعليه يمكن للأخلاق ـ كما يستنتج المؤلف ـ أن تتجاوز المجموعة المنظمة من الأحكام والقوانين لتصبح تفاعلاً معقداً، ومفرطاً للعناصر التي توازن، ويصحح بعضها البعض الآخر، وفي هذا ما فيه من ترجيح للعلاقات الإنسانية على الرغبات الفردية، ولم يعد ممكناً إيجاد الحلول للمشكلات المعاصرة من نماذج الماضي الزاهي وحسب، بمقدار ما تصبح هذه الحلول هي من مشروع الزمان الذي يشهد إرادتنا في ما نتوجه إلى صنعه بنظرياته الأخلاقية الجديدة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244