مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 27 السنة الثامنة خريف 2006
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الجولان في دفاتر الرحالة ـــ سلام مراد

ازدادت رحلات المستشرقين والرحالة الأوربيين بعد حملة نابليون بونابرت على مصر وفلسطين مع نهاية القرن الثامن عشر، حيث أيقظت هذه الحملة أحلام الأوربيين بالعودة إلى "الأراضي المقدسة" بعد نحو خمسة قرون من نهاية الحروب الصليبية وخروجهم منها مدحورين.‏

وقد أتاحت المساعدة الإنكليزية، التي قدمها الأدميرال البحري سيدني سميث لأحمد باشا الجزار، المحاصر في عكا، الانتصار على قوات بونابرت، فانسحب من فلسطين مهزوماً، يتأبط مخططاته الجيوسياسية، وخرائط ورسوم علمائه ومستكشفيه، لهذه المنطقة، التي كان يحلم بالانطلاق منها نحو تأسيس إمبراطورية شرقية على خطى الإسكندر العظيم.‏

في هذه الفترة التي كانت السلطنة العثمانية تمر بأحلك أوقاتها، بعد أن استحكمت الفوضى بولاياتها.‏

وضعفت الدولة بشكل عام وتأخرت عن الدول الأوربية التي بدأت نهضتها وتوسعها نحو بقاع الأرض الواسعة، ومن ضمنها أراضي الرجل المريض "الدولة العثمانية".‏

في هذا الجو المشحون بالتحولات والمنافسات الكبرى، راح المستكشفون البريطانيون يجوبون أصقاع "الأراضي المقدسة" وهم يرسمون الخرائط وينقبون عن الآثار، ويدرسون أحوال السكان، مستفيدين من الامتيازات، التي منحهم إياها الباشا الجزار عرفاناً منه لهم بالجميل أثناء حصار عكا، وذلك تمهيداً للهيمنة الاستعمارية على المنطقة وتأمين طرق آمنة ومختصرة إلى الهند من جهة، وقطع الطريق بشكل نهائي على طموحات وأحلام الفرنسيين من جهة أخرى.‏

بين الأستاذ تيسير خلف؛ في كتابه استكشاف الجولان 1805 ـ 1880 مغامرون وجواسيس وقساوسة أن مستكشفين مغامرين من دول غربية أخرى بدؤوا يتسللون إلى بلدان المشرق العربي؛ وذلك بدافع المنافسة والمواكبة للهجوم الاستكشافي الإنكليزي. وهم يتنكرون بأزياء أهل البلاد، وهم ينتحلون أسماء عربية ويتحدثون بلهجات محلية أقرب إلى الركاكة ولكنها لا تثير الكثير من الشكوك.‏

من هؤلاء الرحالة الألماني (أولريخ كاسبر ستيزن) زار الجولان في الشهر الأول من عام 1805، قبيل وفاة أحمد باشا الجزار بثلاثة أشهر، ضمن رحلته في جنوب بلاد الشام.‏

قام سيتزن برحلات استكشافية في ألمانيا وهولندا والنمسا وهنغاريا ونشر مقالاته في المجلات المتخصصة، حيث اكتسب سمعة لا بأس بها في الأوساط العلمية، وفي عام 1802م حصل على وظيفة حكومية في بلدته جيفير.‏

وكان سيتزن قد تعرف في أثناء دراسته الجامعية إلى ألكساندر فون هومبولدت، واتفقا على القيام برحلات إلى البلدان البعيدة.‏

وفعلاً توجه فون هومبولدت إلى أميركا الجنوبية 1799، بينما اختار ستيزن آسيا وأفريقيا مجالاً لطموحاته، وكانت خطته أن يعبر إفريقيا من الشرق إلى الغرب خلال ثلاث سنوات، للتعرف مختلف جوانب الحياة في هذه القارة المجهولة آنذاك.‏

وقد حصل ستيزن على دعم معنوي كبير من البروفيسور بلومنباخ مؤسس علم الأنتروبولوجيا والشخصية الأكاديمية المرموقة في ذلك الزمن، تبعه دعم مادي من دوق غوتا، المولع بجمع التحف والآثار، حيث أمده بالآلات الضرورية لإنجاز مهمته، كما أئتمنه على مبالغ كبيرة من الأموال لشراء أي لقى أثرية تتعلق بالفنون والآداب والأديان يجدها في طريقه.‏

وفي 13 حزيران (يونيو) من عام 1802 بدأ ستيزن رحلته من جيفير إلى فينيا، ثم سافر إلى بوخارس، وعبر البلقان إلى استنبول، في 12 كانون الأول (ديسمبر) عام 1802، وبقي هناك ستة أشهر ع بر بعدها إلى آسيا الصغرى، فحلب التي وصلها مع نهاية 1803، وبقي فيها 15 شهراً تعلم العربية كتابة وتحدثاً. ومن حلب مضى إلى دمشق، وطاف أرجاء سوريا وفلسطين، وصحارى بلاد العرب، يجمع المعلومات الجديدة واللقى الأثرية التي كان يشحنها إلى ألمانيا وروسيا، بعد أن حصل على رعاية إضافية من جامع تحف وآثار مشهور هو القيصر الروسي ألكسندر الأول في مطلع عام 1805 عاد سيتزن إلى دمشق من إحدى جولاته الاستكشافية، وبدأ رحلة إلى جبل الشيخ (حرمون)، ومنابع الأردن وسائر مناطق الجولان منتحلاً شخصية طبيب يدعى موسى الحكيم، فكان أول أوروبي منذ الحروب الصليبية يزور الأقاليم الواقعة شرقي بحيرة طبرية ووادي الأردن.‏

وفي آذار (مارس) عام 1807 سافر سيتزن من القدس إلى الخليل، ومضى إلى مصر عن طريق صحراء سيناء ، وأقام في القاهرة مدة عامين، ومن هناك اشترى لمتحف غوتا مجموعة تتألف من 1574 مخطوطة و 3536 لقية أثرية، والعديد من النماذج الصالحة لعلم المعادن وعلم النبات وعلم الحيوان، وفي عام 1808 زار الفيوم، وأهرامات الجيزة، وزار بحيرة قارون، وأضرحة الملوك المصريين القدماء في سقارة، ثم سافر بحراً إلى ميناء ينبع الحجازي ومنه إلى جدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة، وكانت آخر رسالة وصلت منه إلى أوروبا من مكة المكرمة في تشرين الثاني (نوفمبر، 1910م).‏

وفي أيلول (سبتمبر) من سنة 1811م، عثر على جثة سيتزن إلى جانب طريق قرب مدينة تعز اليمنية، ومن المحتمل أن يكون إمام اليمن قد أوعز بتسميمه بعد أن كشف حقيقة شخصيته، حسب رواية الرحالة الإنجليزي جيمس سيكك بكنغهام لدوق غوتا عام 1815.‏

وضح الأستاذ خلف ذلك في تناوله لرسائل، ومفكرات سيتزن التي جمعها ونشرها البروفيسور فريدريك كروزة لي برلين عام 1854 في أربعة مجلدات.‏

إن مذكراته تتميز بمعلوماته الغنية والطريفة، فقد وصف لقاءاته مع أصحاب الأملاك والباعة المتجولين والخدم، وروى حوادث شاهدها في الأسواق والحانات، ولكن هذه التقارير والمذكرات برأي الأستاذ خلف تفتقر إلى الترابط المنطقي، فمن الممكن أن تقرأ معلومة تخص مدينة الدرعية في هضبة نجد ومحمد بن عبد الوهاب في سياق حديثه عن جبل الشيخ في بلاد الشام.‏

والسبب في ذلك أنه لم ينسق معلوماته ولم يعدّها للنشر، وربما كان ينتظر فرصة سانحة إلى أن ينتهي من رحلاته بشكل نهائية كي يتفرغ للصياغة والتحليل، ولكن القدر لم يسعفه.‏

تعد اكتشافات الدكتور أو لريخ ستيزن ورسومه التخطيطية وثيقة مهمة ومرجعاً لكل المستشرقين الغربيين الذين أتوا بعده.‏

وبرأي الأستاذ خلف يتميز ستيزن بشيء من النزاهة التي افتقر إليها الكثير من المستكشفين اللاحقين.‏

لكن المثلبة الكبرى في منهجه اعتماده "الكتاب المقدس"، بعهديه القديم والجديد، كدليل في قراءته لتاريخ وآثار المنطقة، إلا أنه كان لا يحمل مشاعر للمفاهيم الكتابية (التوراتية) ونجده قد حكم عقله في تحليل الكثير من الوقائع التي عاينها بنفسه، والمهم كما بين المؤلف أنه كان لا يحمل مشاعر مغالية في عدائها لأهل البلاد الذين احتك معهم في رحلته، رغم انزلاقه إلى هذا المنزلق في بعض المواضع، عندما تحدث عن نزوع فطري للسلب لدى البدو!.‏

وقد سيطرت على سيتزن طوال رحلته مشاعر الحذر والتوجس والأفكار المسبقة، وهي مشاعر مستمدة من المخيال الغربي حول الشرق، والذي أسهم في تشكيله عوامل عدة منها الأدبيات والمفاهيم الموروثة من الحروب الصليبية وأفكارها المغلوطة عن هذه البلاد.‏

فكانت هواجسه تصور له أحياناً أشياء غير حقيقية، مثل تربص بدويين له قرب بحيرة طبرية، أو سوء الظن بدليله البدوي يوسف، والذي رفض الذهاب معه إلى الساحل الشرقي لطبرية خشية من خطورة المكان ووعده بأن يلتحق به في وقت لاحق، حيث نكتشف فيما بعد أن يوسف وفَّى بعهده ولحق به، ربما في فيق، وأكمل معه الرحلة.‏

من الممكن استخلاص الكثير من المعطيات التاريخية والجغرافية والسياسية والاجتماعية المتعلقة بالجولان قبل قرنين من الزمان من خلال هذه الرحلة القمية.‏

تبين الرحلة الفعاليات الاجتماعية والسكانية التي يتحدث عنها هي نفسها التي كانت موجودة قبل الاحتلال الإسرائيلي للجولان عام 1967، فنجده يذكر قبائل وعشائر العرب والتركمان البدو، ويذكر أن أمير الفضل هو حسن الفاعور، ويشير إلى أنهم يقيمون في سهل الحولة إلى جانب الغوارنة الذين يسهب في وصف دقائق حياتهم، كما أنه يتحدث عن الدروز والمسيحيين في قرية عين قنية النصيرية (العلوية) في قرى الغجر وعين فيت وزعورة، وعن عشيرة الويسية التي صادفها ترعى مواشيها في جنوب بحيرة الحولة، ثم يتحدث عن التلاوية في البطيحة وقصة الثأر بينهم وبين الويسية، وعن عرب المناظرة في جنوب الجولان، وما إلى ذلك من تفاصيل طريقة ومعبرة.‏

بوركهارت.. من الجاسوسية إلى الإسلام:‏

أحدثت تقارير الدكتور أولريخ سيتزن حول الأراضي المقدسة، وخصوصاً الضفة الشرقية لنهر الأردن وطبرية والبحر الميت، انبهاراً في الأوساط الأكاديمية الأوروبية عموماً والإنكليزية خصوصاً.‏

وتزامن ذلك مع تأسيس جمعية في لندن لاستكشاف الأراضي المقدسة باسم "رابطة فلسطين على غرار الجمعيات الناشطة في ذلك الوقت مثل "الرابطة الإفريقية" و"الرابطة الآسيوية" و"رابطة المحيط الهادي، والتي كانت تهدف إلى تمويل رحلات لاستكشاف هذه المناطق النائية والمجهولة والمرشحة للهيمنة الاستعمارية البريطانية، وقد منيت "رابطة فلسطين" بنكبة كبيرة مع موت أحمد باشا الجزار عام 1905، وفشلت خطة إرسال اثنين من الرحالة إلى "الأراضي المقدسة" بسبب الفوضى التي استحكمت بالبلاد بعد وفاة الباشا الجزار، وتنافس أكثر من طرف على سلطته وثروته ومناطق نفوذه.‏

واقتصر نشاط "رابطة فلسطين" بعد ذلك على نشر ترجمة إنكليزية لتقارير سيتزن حول المناطق المشاطئة لبحيرة طبرية ونهر الأردن والبحر الميت من جهة الشرق، بما فيها أراضي الجولان، وكان لذلك كبير الأثر على الجمهور البريطاني المتعطش لأي معلومات تخص أراضي باشان وجلعاد ومؤاب، التي يتردد ذكرها كثيراً في الكتاب المقدس.‏

ولم يتهيأ لرابطة فلسطين بعد ذلك القيام بأي نشاط يذكر، إلى أن التقى البروفيسور إدوارد دانيال كلارك بشاب سويسري يدعى جون لويس بوركهارت أتى إلى جامعة كامبردج لدراسة اللغة العربية استعداداً لرحلة استكشاف في القارة السمراء لصالح "الرابطة الإفريقية" وقد أغرى كلارك، الذي سبق له أن قام باول رحلة استكشافية بريطانية قبل سنوات قليلة إلى فلسطين، المغامر الشاب بالذهاب أولاً إلى سوريا ودراسة اللغة العربية فيها، ثم التوجه فيما بعد إلى الجزيرة العربية ومصر ومن هناك الانطلاق نحو تيمبوكتو في النيجر، والتي لن يسعفه الزمن بالوصول إليها مطلقاً.‏

ولد جون لويس بوركهارت أويوهان لو دفيغ بوركهارت، في لوزان السويسرية عام 1784 لعائلة عريقة تجري في عروقها الدماء الألمانية، كانت تعاني من اضطهاد الجمهوريين الفرنسيين، وسيطرت عليه وهو صغير قناعة راسخة بان يعمل في خدمة الدول المعادية لفرنسا، وكانت إنكلترا هي الهدف المناسب لتحقيق مآربه، فهي القوة الوحيدة في ذلك الوقت القادرة على منافسة نابليون ونزعاته التوسعية.‏

تعلم الطفل على يد معلم خاص في مدينة بازل حيث انتقلت العائلة منذ وقت، ثم انتقل إلى جامعة لا يبزغ في ألمانيا ثم جامعة غوتنغن التي تخرج فيها عام 1805 وفي 1806، حمل بوركهارت توصية من البروفيسور بلومينباخ، والذي سبق وأن شجع سيتزن، إلى رئيس "الجمعية الإفريقية" الإنكليزية جوزيف بانكس، وقد رحب رئيس الجمعية بالشاب السويسري، ووافق على انتسابه إليها عام 1808، ومنذ ذلك التاريخ بدأ بوركهارت يعد نفسه للمهمة التي سيكلف بها، فتعلم العربية في كامبردج ثم اتبع دورة مكثفة اطلع فيها على مبادئ علم المعادن والكيمياء والفلك والطب والجراحة، كما اخذ يتدرب على تحمل المشاق التي سيقابلها في رحلاته حتى يتأقلم مع الظروف المستجدة.‏

وفي آذار (مارس) عام 1809 غادر بوركهارت إنكلترا متجهاً إلى جزيرة مالطة، التي مكث فيها زهاء سبعة أسابيع ليتعلم ما يتيسر له من العربية، وليجيد التنكر كتاجر مسلم هندي يريد زيارة سوريا.‏

وفي أنطاكية تعرض لاختبار خطر، إذ طلب منه البعض أن يتكلم باللغة الهندية فبدأ يتكلم بلغة ألمانية مكسرة ونجا من الورطة.‏

ووصل بوركهارت إلى حلب واتخذ اسم الشيخ إبراهيم بن عبد الله التاجر المسلم، والرحالة الهندي الذي يحمل رسائل توصية من شركة الهند الشرقية للقنصل البريطاني في حلب.‏

وعكف الشيخ إبراهيم على دراسة اللغة العربية حتى أتقنها، ودرس القرآن حتى صار يشرح للبعض ما عسر عليهم من آيات الذكر الحكيم.‏

وفي عام 1810 قام بوركهارت برحلات طويلة في بلاد الشام زار فيها تدمر وبعلبك ودمشق وجبال لبنان الغربية والشرقية، ومر على منطقة بانياس والحولة في شمال الجولان ولم يكمل طريقه إلى طبرية وساحلها الشرقي بسبب ورم أصاب رجله فقفل عائداً إلى دمشق ومنها إلى حلب.‏

وفي شهر شباط (فبراير) عام 1812 ترك حلب نهائياً إلى دمشق، فقام برحلة إلى أقاليم حوران العثمانية، وفي حزيران (يونيو) توجه إلى مصر عن طريق القنيطرة، فمر بطبرية وبيسان وزار خرائب عمان واكتشف مدينة البتراء واختراق صحراء سيناء باتجاه القاهرة التي وصلها في الرابع من أيلول (سبتمبر) عام 1812.‏

وعكف بوركهارت على دراسة الآثار المصرية، وزار خلال أشهر قليلة كل وادي النيل إلى شمال ولاية دنقل في السودان، ومكث عاماً كاملاً في بلدة أسنا يحاول تنظيم رحلة إلى النيجر ولكنه لم يجد إلى ذلك سبيلاً، فأجل مشروعه إلى أن تسنح الفرصة، فقرر عبور البحر الأحمر إلى جدة التي أصيب فيها بالحمى والإفلاس، إذ لم تص إليه النقود التي كان يأمل في تحويلها من مصر على يد تاجر في جدة.‏

ووصل خبر تشرده إلى قائد الحملة المصرية على الحجاز، الذي كان يحارب الوهابيين، وكانت لديه فكرة مسبقة عن الشيخ إبراهيم الرحالة، سعة علمه، وحسن معشره، فرق لحاله وطلب إحضاره ودفع له ببعض المال ليستعين به على أموره.‏

وطلب بوركهارت من محمد علي باشا أن يسمح له بالحج إلى المشاعر المقدسة في مكة والمدينة، وكان الباشا يعرف صلته بالإنكليز ويعرف اسمه، فقرر امتحانه فأحضر عالمين حجازيين أقرا بصحة إسلامه، ودعاه قاضي مكة إلى العشاء في داره فصلى معه وتلا خلال الصلاة آيات من القرآن بلغة لا تشوبها شائبة ثم طاف حول ا لكعبة ووقف على جبل عرفات وسعى وضحى كأنه حاج مسلم، وزار المدينة المنورة وما حولها فعاوده المرض فاضطر للعودة إلى القاهرة، مارا بينبع فوصلها وهو أشد حالات الإعياء.‏

وما لبث أن استعاد صحته فعكف على إعادة النظر بمذكراته عن رحلاته، وكانت قد ملأت المجلدات تمهيداً لتقديمها على هيئة رسائل إلى الجمعية الجغرافية، وقد نشرت كل هذه الكتب بعد وفاته وهي "رحلات في سوريا والأراضي المقدسة "ورحلات النوبة" و"رحلات في بلاد العرب" و"الأمثال العربية"، وملاحظات حول البدو الوهابيين".‏

وعندما تبدى وباء الطاعون في مصر، فرّ بوركهارت إلى صحراء سيناء وعاش هناك حتى زال الخطر، فعاد إلى القاهرة أواسط عام 1816، وقرر الإعداد لرحلة النيجر التي لن تتم، وأصيب بالزحار والحمى فوافته المنية في 15 أكتوبر عام 1817 ودفن بناء على وصيته على الطريقة الإسلامية.‏

وقد كتب على قبره: "هذا قبر المرحوم إلى رحمة الله تعالى الشيخ الحاج إبراهيم المهدي بن عبد الله بوركهات اللوزاني تاريخ ولادته 10 محرم 1199 للهجرة، وتاريخ وفاته إلى رحمة الله بمصر المحروسة في 16 ذي الحجة سنة 1232 هجرية الموافق 1817م.‏

لا شك أن بوركهارت قد تغير كثيراً منذ أن بدأ رحلته عام 1809، إن كانت غايته في البداية خدمة المشروع الاستعماري الإنكليزي، إلا أنه في فترة لاحقة وبعد أن تعف على البلاد العربية عن كثب، قرر أن لا يتخلى عن حياد وإنصاف رجل العلم، فكتب عن الظواهر الإيجابية بما تستحق، وصور الجوانب السلبية كما هي دون أحكام مسبقة كما فعل غيره.‏

ولا يخفى على القارئ تعاطفه مع إنسان المنطقة العربية، الذي كان يرزح تحت نير الجهل والتخلف، ولاشك في دخوله الإسلام، رغم تشكيك بعض المصادر بدوافعه عندما زار مكة والمدينة وأدى مناسك الحج، ولكن وصيته للسفير البريطاني في القاهرة بأن تقام له جنازة إسلامية تحسم كل هذه الشكوك، وتؤكد أنه كان صادقاً في إسلامه وحبه للبلاد العربية الإسلامية.‏

زار الجولان رحالة ومستشرقون ومبشرون وجواسيس، لكن المؤلف قسم دراسات المستكشفين الغربيين التي تناولت الجولان في القرن التاسع عشر إلى أربعة أقسام، قسم أعده مغامرون بهدف معرفة هذه البلاد المرشحة للاستعمار بعد حملة نابليون، وقسم أعده رجالة دين أنغليكان كان هدفهم الأول والأخير إثبات صحة الجغرافيا الكتابية (التوراتية)، وقسم ثالث أشرف عليه مهندسون وضباط عسكريون اهتموا بالخرائط والمعطيات الطوبوغرافية ومهدوا بشكل أو بآخر للاستعمار الغربي ثم للاستيطان الصهيوني في الأراضي المقدسة.‏

أما القسم الرابع والأخير برأي المؤلف هو تلك المجلدات المزينة بالرسوم والتي يغلب عليها الطابع السياحي الديني المسيحي.‏

مع كل ما تقدم يبقى هناك تقصير من قبل المترجمين العرب في ترجمة الأبحاث والدراسات التي تناولت إقليم الجولان وذلك للاستفادة والاضطلاع على الدراسات التي قام بها المستشرقون والمستكشفون، والتي مهدت بدورها للمطامع الاستعمارية التي تدفقت على المنطقة مع بدايات القرن العشرين.‏

وشكلت هذه الحملات الاستعمارية تحدياً للمنطقة مازلنا نعيشه إلى يومنا هذا؛ فلابد من كل بد دراسة تاريخ الدراسات والأبحاث التي قام بها الغربيون للمنطقة العربية وسيتم بالتالي سد فراغ في ا لمكتبة العربية ألا وهو جانب الدراسات الاستشراقية، والتي لها أهمية كبيرة فهي رؤية الغرب للشرق التي لابد من معرفتها ودراستها بشكل جيد لسد هذا الجانب المهم من تاريخ المنطقة ومعرفة بدايات الدراسات الغربية للعالم العربي والإسلامي.‏

الكتاب: استكشاف الجولان 1805 ـ 1880م.‏

مغامرون وجواسيس وقساوسة‏

الكاتب: تيسير خلف‏

الناشر: دار التكوين دمشق 2006م.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244