مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 28 السنة الثامنة شتاء 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

بين السلام والاستسلام ـــ ثقافة المقاومة أ.د.حسين جمعة

1 ـ كلمة لابد منها:‏

ليس للثقافة تعريف واحد عند الدارسين قديماً وحديثاً، ولكن أي تعريف لها كان يشتمل على دلالة الحذق والمهارة والفهم. ولعل أشهر تعريف سار بين الناس تعريف (تايلور) ومفاده أن الثقافة مجموع المعارف والعلوم والآداب والفنون والخبرات والتكيفات والمهارات والعادات والأخلاق والقوانين التي يكتسبها المرء..(1)‏

وباختصار نرى أنها كل مدخلات الذهن البشري وتحويلها إلى سلوك؛على اعتبار أنها نمط مستمر من الأنساق في الذاكرة البشرية.‏

وللثقافة أنواع وتجليات باعتبارها أنساقاً من القيمة والتقنيات عند الشعوب(2)، فمن أنواعها الثقافة الوطنية والقومية والإنسانية؛ والفنية والأدبية والعلمية، والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والثقافة التراثية والحديثة، والرجعية والتقدمية، و... وثقافة الاحتراف والمهنة و...‏

وبهذا كله فإن الثقافة استجابة إنسانية تظهر بتجليات متعددة تعبر عن وعي الإنسان بالوسط المحيط، والموضوعي فضلاً عن وعيه بالذات. ومن تجليات الثقافة الوطنية والقومية ثقافة المقاومة؛ وتقف هذه الثقافة في وجه كل من يستبيح قيم الحق والعدالة ويستهين بالإنسان وحقوقه وكرامته باعتبارها موقفاً نضالياً وأسلوباً دفاعياً عن الذات والوجود والهوية، ومن ثم فهي تجسد رسالة الإنسان في تأسيس مبدأ الحق والخير والسّيادة لمحاربة الاغتصاب والاعتداء والقهر والإهانة أي إنها ثقافة هوية تعبر عن مصالح أصحابها وتستند إلى ثقة بالذات في الوقت الذي تنفتح على المثاقفة مع الآخر دون أن تصاب بالاستلاب، والاستنساخ والتبعية.... وهنا يكمن القصد, وإليه يتجه البحث، لنعرف أين تقع ثقافة السلام والاستسلام من ثقافة المقاومة بوجوهها السلمية أو المدنية، ولاسيما أن كثيراً من أبناء الأمة لم يعد يحتفي بمفاهيم الجهاد والنضال والتضحية بالنفس والشهادة؟!!. فقد أصبح الحديث عن المثل العربي المشهور (اطلب الموت توهب لك الحياة) مدعاة للتندّر، وأضحى الشهيد والفدائي عند عدد من الناس انتحارياً إرهابياً لا يريد إلا قتل الأبرياء. وهذا يعني أن الثقافة الوطنية أو القومية صارت قابلة للتسليع في سوق التداول والتفاوض حتى صارت ثقافة السلام تماثل ظاهرة الاستسلام، وهي ليست كذلك. فثقافة السلام تعد منهجاً فعالاً لمواجهة ما يتعرض له الإنسان ولهذا كانت جزءاً أصيلاً في تشكيل الوعي الثقافي للفكر السياسي وتمكين ثقافة المقاومة والتحرر، فردياً وجماعياً، وطنياً وقومياً وإنسانياً، أياً كان الشكل الذي تتخذه أو الحقل الذي تتفاعل فيه، وعلى مُختلف الصعد السياسية والثقافية والاقتصادية والإعلامية، والأدبية،و ....‏

وفي هذا المقام نضع ثقافة السلام في مفهوم الوعي التاريخي الفردي والجماعي لإدراك التمثل الثقافي. لذا لن ننسى لحظة واحدة الدعوات المتكررة للمؤتمرات الثقافية العربية التي وصلت إلى نتائج طيبة في البحث عن سياسة عربية ثقافية موحدة تجمع شتات أبناء الأمة من أجل مواجهة التحديات والأخطار التي تحيق بثقافة الأمة وهويتها مثل (مؤتمر عمان 1967م) و(طرابلس الغرب 1979م) و(بغداد 1981) و(الجزائر 1983) و(تونس 1985م). ولعل مقومات التغيير التي كونت الخلفيات التاريخية السياسية في كل قطر عربي كانت وراء عدم التجانس في معالجة عدد من القضايا الفكرية والثقافية والسياسية، و... وفي مقدمتها ما يتعلق بمفهومي السلام والاستسلام باعتبارهما أصبحا متداولين في عملية السلام المتعثرة يبن العرب والكيان الصهيوني منذ وقوع النكبة سنة (1948م). ولكي يتضح لنا ذلك كله لابد من كلمة تؤرخ لعملية السلام التي تعثرت في المنطقة لأن أوراق هذه العملية قد اختلطت في الأذهان عند العرب وعند رعاتها بظاهرة الاستسلام إما عمداً وفق ما أثبتته الأحداث وإما جهلاً بحقيقتها.‏

2 ـ تاريخ عملية السلام:‏

يزعم عدد من الحكام العرب والمثقفين والسياسيين أن الولايات المتحدة الأمريكية ما تزال راعية لعملية السلام الحقيقي لِمَا تملكه من تأثير كبير في المنطقة؛ فلا عجب أن يمتثلوا لكل ما تصدره، ومنهم من يرى فيها أنها ما زالت ترغب في ذلك وفق قانون العرض والطلب، ما يجعلهم يترقبون منها كل جديد أو تغيير. وهناك قسم آخر يرى أنها لا تريد إلا أن تشيع في المنطقة روح الاستسلام والذل والخنوع ودوام التخلف والتجزئة فهي تجيد سياسة التهدئة والخداع، وتعمل على صياغة الأفكار المبتذلة، والتأكيدات القابلة للتفسيرات العديدة والمصبوغة بصبغة المجاملة حتى اختلط مفهوم السلام بالاستسلام.‏

وأيّاً ما يكن رأينا في هذا الشأن فعلينا أن نسترجع تاريخ عملية السلام وما قدمته الإدارات الأمريكية لها، فما من أحد ينسى قرار مجلس الأمن (242) الذي نصَّ على انسحاب الجيش الصهيوني من الأراضي التي احتلها في حرب (5/6/1967م) ولم ينفذ الصهاينة منه شيئاً.‏

ثم جاءت حرب السادس من تشرين الأول لعام (1973) لتنتشل النفس العربية من آثار هزيمة حزيران، ولتؤكد أن الولايات المتحدة بإداراتها المتعددة ـ منذ إدارة جيمي كارتر إلى إدارة ريغان وجورج بوش الأب ثم إدارة بيل كلنتون وأخيراً جورج بوش الابن ـ قد حمَت الكيان الصهيوني وأنقذته من هزيمة محققة في حرب تشرين، وطفقت تلعب على المصالح والامتيازات والاستحقاقات القادمة. لذلك وعَدت العرب بحل مشكلة الشعب الفلسطيني، وإقامة سلام عادل وشامل في المنطقة. ولمّا كانت غير صادقة في أي وعد قطعته على نفسها لأن هذه الوعود لا تمثل شيئاً في ميزان الصدق والنزاهة المبدئية الراسخة، ولا تقع في إطار الرغبة التلقائية للإنسان الحر على اعتبار أنها لا تطابق الأجندة الصهيونية فإنها أغرت الرئيس المصري السابق أنور السادات بوعود شتى وشجعته على عقد اتفاقية (كامب ديفيد) سنة‏

(1979م) مع الكيان الصهيوني برعاية الرئيس الأمريكي الأسبق (جيمي كارتر). فكان لها ما أرادت ولا سيما حين كسر المقاطعة العربية لهذا الكيان بزيارته المشؤومة إلى القدس.‏

فالإدارة الأمريكية لم تهدف بهذه الاتفاقية إلى القضاء على منجزات حرب تشرين فقط وإنما كانت تسعى من خلالها إلى تصفية القضية الفلسطينية، وقتل عملية السلام الحقيقي فيها، وإدامة احتلال الكيان الصهيوني للأراضي العربية... وهذا كله ما دفع المفكر المرحوم إدوارد سعيد ـ الأمريكي الجنسية ـ إلى التصدي للإدارة الأمريكية باعتبارها إدارة منافقة مخادعة منحازة إلى القتلة، ومعادية للحق العربي، وللمعذبين في الأرض...‏

وإذا كان الشعب العربي قد تنبَّه لمخاطر اتفاقية كامب ديفيد فقاومها بسبل شتى؛ وأوله الشعب المصري الشقيق، فإنه استطاع التمييز بين مفاهيم السلام ومفاهيم الاستسلام، فرفض سياسة الاستسلام للأمر الواقع وللقوة الأمريكية كما رفض مفاهيم التطبيع التي تبنَّتها تلك الاتفاقية وكذلك تنبهت الشعوب الإسلامية للمخاطر الصهيونية، وفي طليعتها الشعب الإيراني، الذي حضن الثورة الإسلامية الإيرانية يوم (11/2/1979م) بقيادة الإمام الخميني (رحمه الله)، ومن ثم طردت السفارة الصهيونية وأحلّت مكانها سفارة لفلسطين وتبنّت يوم الجمعة الأخيرة من رمضان يوماً عالمياً للقدس. ولم تكن فاعلية بعض الشعوب الإسلامية بأقل من فاعلية الشعب الإيراني في مواجهة الخطط الصهيونية ـ الأمريكية.‏

ولعلّ هذه التطورات دفعت بالإدارتين الأمريكية والصهيونية إلى تغيير سياستهما واعتمادها سياسة الحرب الوقائية بشن هجمات عدوانية استباقية، كما نراه حين اندفع الجيش الصهيوني إلى غزو لبنان سنة (1982م) على حين شجعت الإدارة الأمريكية ـ من قبل ـ الرئيس العراقي السابق صدام حسين على غزو إيران تحت ذرائع منع تصدير مفاهيم الثورة الإسلامية إلى دول الخليج. لذلك كله قدّمت لصدام كل ما يحتاجه من سلاح مدمّر وفتّاك؛ في الوقت الذي تجاهلت مظالمه في العراق. وجعلت دول الخليج تقف دعماً له سياسياً ومادياً؛ إذ خططت جيداً لكي تدفع تلك الدول فاتورة الحرب بين العراق وإيران.‏

وشغلت الحرب التي دامت (8) سنوات (1980 ـ 1988م) العالم كله حتى أبعدته عن القضية الفلسطينية؛ بل كاد ينسى عملية السلام برمتها. ولمّا أرادت الإدارة الأمريكية الإجهاز على السلاح الذي قدمته لصدام، وتنفيذ الأجندة الصهيونية بالسيطرة على المنطقة من خلال مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي بدأت ملامحه تتضح اليوم للعالم كله شرعت تعزز في نفس صدام حسين فكرة غزو الكويت، بعد أن تضخّمت نفسه في ذاته ومثَّل السياسي المهني الذي جعل الثقافة السياسية حرفة تحقق غايات محددة. وأكل الطُعم فغزا الكويت سنة (1989م) وتدحرجت الكرة التي انتهت بدخول الجيش الأمريكي وحلفاؤه إلى الخليج العربي. ثم ألقي طُعْم آخر إلى الدول العربية التي شاركت في إخراج القوات العراقية من الكويت، إذ وُعِدَتْ بتحقيق سلام عادل وشامل في المنطقة؛ ما جعلها تشارك في إخراج الجيش العراقي من الكويت مثقلاً بالجراح والهزيمة سنة (1990م). ثم عُقد مؤتمر (مدريد) للسلام عام (1991م) برعاية الاتحاد الأوربي وروسيا والولايات المتحدة والأمم المتحدة، وتفاءل العرب بهذا المؤتمر، ولكنهم تبينوا أن الإدارة الأمريكية كانت تلعب بعيداً عنهم، إذ كانت تراقب ـ بالخفاء ـ ما يجري في (أوسلو) من محادثات بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني، وهي التي تمخضت عن اتفاقيات (أوسلو) في (13/9/1993م) في الوقت الذي كانت قد شجّعت فيه الحكومة الأردنية على عقد اتفاقية وادي (عربة) بينها وبين الصهاينة في السنة نفسها.‏

ثم أيقن العالم أن عملية السلام دخلت في غيبوبة؛ فقد ماتت موتاً سريرياً وصارت تنقل من زمن إلى زمن ومن مؤتمر إلى مؤتمر، على حين كان بعض الحكام العرب متعلّقين بأمل غائب في مكان ما يسمى (واشنطن)، وبخاصة حين كان عدد منهم يذهب إلى أن أوراق الحل ما زالت بيد الإدارة الأمريكية وبنسبة (99%) كما صرّح به ذات يوم الرئيس المصري السابق أنور السادات؛ وإن لم تكن كذلك فهي أقرب إليها. فصدقية الموقف الأمريكي لم تتزعزع في نفوس بعض الحكام الذين جعلونا نبكي على أجنحة الغياب الذي حمل إلينا كل أشكال الهزيمة النفسية والفكرية والعسكرية والتقنية، إذ تبيَّن لنا أنه لم يبق بين أيدي العرب إلا لفافات بيضاء وقع عليها رؤساء للولايات المتحدة وبعض زعماء العرب، وزعماء الصهيونية في تل أبيب، وقد تناسوا أنهم أنشبوا أظفارهم المتوحشة في جسد أبناء العروبة في فلسطين ولبنان والعراق وشوهوا ثقافة السلام لحساب ظواهر الاستسلام والقبول بالأمر الواقع... كانت تلك الأوراق مسوّدة بحبر التوقيع المذل، فزادت آلام الأمة، وألهبت سياط نتائج الاتفاقات المشؤومة أجساد أبناء الوطن، بينما اختنقت أصوات الموقعين عليها وهي ترى آثار رائحة الاستسلام التي زكمت الأنوف من وراء الشاشات والفضائيات، وبخاصة حين كانت تظهر الباكيات المتسلبات العاريات أمام حقيقة التوحش الصهيوني الذي دمَّر الحياة في النفوس. وإذا كان فعل الحكام كذلك فإنه لم يدمر ثقة بعض المثقفين الأحرار بوجود هامات وطنية حرّة حملت على عاتقها همَّ قضية الشعب العربي وفق ثقافة المقاومة الشريفة فواصلت الصراع العنيد في وجه المشاريع الأمريكية والصهيونية. كان أمثال هؤلاء الساسة والمثقفين يمثلون ضمير الأمة ولم تتزعزع لديهم الثوابت الوطنية والقومية التي أكدت انتماءهم الشريف إلى الأرض والتاريخ والتراث، فحملوا أمانة الجهاد والنضال حتى تساوى لديهم عشق الحياة والوطن بعشق التضحية في سبيله، علماً بأن هذه الثوابت لم تتزعزع في نفوس كثير من أبناء الشعب العربي والإسلامي وناصرهم عدد غير قليل من شعوب العالم وأحراره وفي طليعته الشعب الفنزويلي بقيادة هوغو تشافيز.‏

هكذا تسارعت الأحداث في المنطقة فجاء انتصار المقاومة الوطنية اللبنانية على الكيان الصهيوني مدوياً في (25/5/2000م)،بيد أن الإدارتين الأمريكية والصهيونية قد نسيتا ذلك كلّه وطفق كل منهما ـ وعلى طريقتها ـ تشوهان معالمه، ولاسيما حين وقعت أحداث (11/9/2001م) التي غيَّرت وجه العالم. وتعاطفت شعوب الأرض مع مأساة الشعب الأمريكي وأدانت الإرهاب الذي تعرضت لـه نيويورك، وغيرها، وأدان العرب قبل غيرهم ذلك الإرهاب، وظنّوا أن الإدارة الأمريكية ستستفيد من هذه التجربة لتحقيق العدالة لقضاياهم الكبرى، ولاسيما القضية الفلسطينية التي تدور حولها عملية السلام، غير أن العرب والمسلمين لم يدركوا أنهم سيكونون الهدف القادم للقوة الأمريكية الفائضة.‏

فكان احتلال أفغانستان في مطلع (2002م) ثم اندفعت تلك الإدارة وراء أسباب كاذبة إلى احتلال العراق في (9/4/2003م)، وقد أرادت منه بقيادة جورج بوش الابن أن تجعله انطلاقة إلى تنفيذ مشروعها للشرق الأوسط الجديد في تجزئة الوطن العربي وسرقة خيراته، ومن ثمة يكون مكاناً آمناً للكيان الصهيوني بعد أن تستمر سياسة التطبيع العربي معه في كل الاتجاهات. لهذا استمرت الإدارة الأمريكية في تشكيل الحكومات العراقية المتوافقة مع أهدافها، وأمعنت في إشعال حرب أهلية مناطقية عرقية ومذهبية، ولم تأبه لحمامات الدم التي امتلأت بها شوارع المدن العراقية، ولم تتورع أيضاً لفقد ما يزيد على (3200) جندي من جنودها حتى (1/3/2007م)، ولم تُعِر بالاً للرأي العام الأمريكي الرافض لسياسة تلك الإدارة في استمرار احتلال العراق؛ ثم ضربت ما توصلت إليه لجنة بيكر ـ هاملتون بعرض الحائط حين تقدمت إليها بتقريرها حول العراق يوم (6/12/2006م)، على الرغم من أن هذه اللجنة كانت حريصة على إنقاذ هيبة أمريكا من استمرار السقوط في المستنقع العراقي، وساعية إلى الحفاظ على حياة الجنود الأمريكيين. ولعل من أهم ما أوصت به تلك اللجنة دعوة الإدارة الأمريكية إلى سحب قواتها، وأن تعلن تلك الإدارة بأنها لا تريد السيطرة على نفط العراق وغيره، وطلبت إليها فتح باب المفاوضات مع سورية، من أجل دفع عملية التسوية في هضبة الجولان قدماً إلى الأمام... بيد أن إدارة بوش ما زالت تسد أذنيها عن سماع أي نصيحة مهما كانت، ما جعلها مصممة على تبني سياسة الفوضى الخلاّقة في العراق، متجاهلة ما توصلت إليه لجنة بيكر ـ هاملتون وما صرَّح به (ريتشارد بيرل) أحد المحافظين الجدد الذي خطط للحرب على العراق ولمشروع الشرق الأوسط الجديد، إذ قال: "لو طلب مني اليوم أن أذهب إلى العراق لكنت قد أجبت بكلمة لا، وطالبت بانتهاج استراتيجية أخرى"(3). فهناك تصميم مسبق ومعلن من قبل تلك الإدارة لتنفيذ المشروع المقترح للمنطقة خدمة للأجندة الصهيونية ما أدى بها إلى رفض أي دعوة للسلام، والانسحاب من العراق في الوقت الذي لم تجبر الكيان الصهيوني على التقدم خطوة واحدة نحو السلام وهي التي تدعي أنها راعية له. ولهذا كله فإن عملية السلام تتراجع في فكر الإدارة الأمريكية في العراق قبل فلسطين، لأن هذه العملية لا تخدم الصهاينة؛ علماً بأن الصهاينة يرون أن الشرق الأوسط اليوم ليس هو الشرق الأوسط أيام مؤتمر مدريد؛ ما أدى بأحد الصهاينة إلى القول: "إن الحاجة الأمريكية للخلاص من عبء العراق ليست سبباً للانسحاب من المناطق التي احتلتها إسرائيل قبل (40) سنة، الجمهور الإسرائيلي لن يتنازل عن هضبة الجولان"(4). فبعض الصهاينة وكل ما قام به قادة الكيان الصهيوني يؤكد أن كل من في الكيان الصهيوني يرفض السلام ويرى أنه جنون يطيح به، كما ورد على لسان البروفسور (يسرائيل أومان) الحائز على جائزة (نوبل) إذ قال: "اندفاعنا الجنوني إلى السلام انقلب لعنة علينا، فهو في الواقع يبعد السلام ويعرض وجودنا للخطر"(5).‏

هذا هو الموقف الصهيوني من عملية السلام على حين أن العرب ما زالوا متمسكين بمبادرة السلام التي قدمها الملك السعودي (عبد الله) ـ وكان أميراً آنذاك ـ في إطار تقديم ضمانات أمريكية بالتوصل إلى سلام شامل وعادل مع الكيان الصهيوني، على حين لم توفر أمريكا أي ضمانات لتحرير الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات حين حجزه الصهاينة في مقر رئاسته بأريحا بينما كانت القمة العربية منعقدة في بيروت (28/ 3/ 2002م)‏

ويبدو أن هذه الضمانات التي أعطيت للسعودية كانت مقابل دعم الحرب ضد العراق آنذاك. ومن ثم فنحن لا يعنينا أن بنودها كانت بإيحاء من الصحفي الأمريكي الصهيوني (توماس فريدمان) وإنما الذي يعنينا أنها كانت ذراً للرماد في العيون؛ علماً بأن شارون قد دفنها منذ أن ظهرت. وهذا لا يغمض عيوننا عما كانت تقوم به إدارة بوش الابن؛ إذ كانت تلعب على وسيلة أخرى أكثر خبثاً، فقد أيَّدت (خارطة الطريق) التي دعمتها أوروبا وروسيا والأمم المتحدة... وصدَّقت السلطة الفلسطينية أن (خارطة الطريق) ستكون حلاً مقبولاً للقضية الفلسطينية من الأطراف كلها ولكنها سرعان ما فوجئت بالبديل عنها، إذ قدَّم (شارون) خطته الجديدة وساندتها إدارة بوش الابن بكل قوة.‏

هكذا كانت الإدارتان الأمريكية والصهيونية تعبث بالقرارات الدولية بمثل ما تعبث بجثمان عملية السلام التي أثقلت كاهل وزراء الخارجية العرب في كل مؤتمر عقدوه. ولعل مواقف الإدارة الأمريكية قد أثارت قلق الشعب العربي، ووصل هذا القلق إلى الأمين العام للجامعة الذي أعلن في الشهر العاشر من عام (2006م) وفاة تلك العملية نهائياً. وقد تجلى للمراقب المحايد أن بعض الدول العربية المعتدلة لم يَرُق لها إعلان الأمين العام للجامعة، وأرادت حجب الشمس بغربال، وصمَّمت على تشكيل لجنة عربية للذهاب إلى الولايات المتحدة بعد أن نُقل جثمان عملية السلام إلى الأمم المتحدة... ولكن جهودها باءت بالإخفاق ولاسيما حين صُفعت وصُفع العرب صفعة مهينة للكرامة يوم (11/11/2006م) إذ رُفع حق النقض الأمريكي في وجه قرار عربي لإدانة المجازر الوحشية التي ارتكبها الصهاينة في بيت حانون، وكان أعظمها في (8/11) إذ سقط فيه (18) شهيداً من الأطفال والنساء والشيوخ أصغرهم طفلة لا يزيد عمرها على (18) شهراً... وهنا نتذكر تلك الرؤى التي قَدَّمها رئيس الوزراء الصهيوني (أولمرت) لإقامة الدولة العبرية عام (2010م)؛ إذ قال: "ستكون لنا عام (2010م) دولة إسرائيل أخرى، ولن نكون في أماكن لا فائدة لنا من البقاء فيها".‏

ولهذا بدأ العمل في هذا الاتجاه، فلا بد من حد نسبة الفلسطينيين داخل الأرض المحتلة عام (1948م)، وإقامة شرق أوسط جديد تكون فيه الدولة العبرية آمنة. وحين صوّبت الإدارة الأمريكية صواريخها نحو العراق، وجَّهت الكيان الصهيوني لإرسال طائراته لتدمير لبنان باعتباره مفتاحاً مكملاً لتحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد.‏

ولهذا كلّه نتساءل: من هم أعداء الحقيقة؟ ومن هم أعداء السلام في العالم كله وليس في منطقتنا؟ وما الترتيبات التي تعدُّ لها (كونداليزا رايس) في جولاتها المتعددة إلى المنطقة؟ وما طبيعة المبادرات التي تقدمها؟ هل تعدُّ ـ حقاً ـ لسلام فاعل وحقيقي أم أن هناك حرباً جديدة تعدُّ لضرب سورية أو إيران ولابدّ من الاتجار بعملية السلام من جديد؟‏

وفي ضوء هذه الأسئلة نرى أنه ما من أحد يفتح عينيه يومياً على بعض القنوات الفضائية إلا سيستمع إلى رزمة من الأقوال التي تدين سورية وتعمل على محاسبتها بحجة عدم تعاونها من أجل تحقيق السلام في فلسطين، وبحجة أنها ترسل مقاتلين للعراق؛ أو تقدم الأسلحة والمساعدة للمقاتلين فيه، أو أنها ما زالت تتدخل في الشأن اللبناني. فقد أرادت الإدارة الأمريكية الصهيونية عزل سورية عن محيطها العربي وجعلها ـ في أعين العالم ـ عدوة للحرية والديمقراطية والسلام المنشود في المنطقة لكي يسهل الانقضاض عليها، وإركاعها؛ وفرض تبعيتها لمشاريع التقسيم؛ بيد أن سورية صمدت في وجه عشاق الحروب، وكشفت وسائلهم الإجرامية التي تتوافق مع خارطة الدماء ومشاريع الهيمنة والتقسيم التي أعدّت للوطن العربي، وأثبتت أن أمريكا وإسرائيل هما من ترفضان السلام العادل، على حين أن مصلحة سورية تكمن ـ فقط ـ بتحقيق السلام.‏

ومن ثم فالمشروع الصهيو ـ أمريكي حاول خداع العالم بأنه يسعى إلى إشاعة الحرية والديمقراطية في العراق، ولكن الحقيقة الناصعة التي تجلت للبشرية كلها أن أربابه هم من يديرون صناعة الحروب، ويرسمون الخرائط التي تدمر الشعوب وثقافتها من أجل مصالحهم، ما يجعلهم يتمردون على شرعة الأمم المتحدة، والمبادئ الإنسانية. ومن هنا وجدناهم يتدخلون في الشؤون الداخلية للبنان والعراق والمنطقة برمتها، بل طفقوا ينظمون الجريمة تلو الجريمة للوصول إلى أهدافهم للهيمنة على المنطقة وسرقة خيراتها. لقد أرادوا للجريمة الأخيرة الممثلة باغتيال بيير الجميل في أواخر تشرين الثاني (2006م) أن تفَجِّر الدم في الرؤوس ليطغى الانفعال على العقل، فينجر لبنان إلى حالة مزرية من الفوضى والاقتتال الذي يخدم الأجندة الصهيونية والأمريكية. وهي جريمة مدروسة بعناية توقيتاً وهدفاً ما يعني أن جريمة اغتيال بيير الجميل إنما هي جريمة سياسية بكل أبعادها؛ على اعتبار أنها تهدف إلى تقليل الضغط الشعبي الذي تقوده المعارضة ضد الحكومة اللبنانية الفاقدة للشرعية ـ في تصور أرباب المعارضة ـ وإلى جر الشارع اللبناني إلى الفتنة والاقتتال، وإلى إثارة موجةِ عداء جارف ضد سورية، لأنها المتهمة بالاغتيال، وإلى تعزيز الدور الأمريكي ـ الصهيوني في لبنان والمنطقة، ما يشي بأن القوات الموالية للحكومة ـ وغالباً قوّات سمير جعجع ـ هي التي تقف وراء الاغتيال المدعوم أمريكياً وصهيونياً. ومن هنا نرى أن هذه الجريمة تأتي في السياق نفسه الذي أتت فيه الجرائم التي سبقتها ولا سيما جريمة اغتيال (جبران تويني) في (12/11/2005م) التي جاءت قبل يوم واحد من إعلان (رايس) لميلاد الشرق الأوسط الجديد، على حين جاءت الجريمة الجديدة حين عجزت إدارة بوش عن الوصول إلى غرضها في تطويع المعارضة اللبنانية. ومن ثم فقد أُريد ـ عمداً ـ أن تطمس أي ملامح مادية تكشف عن مرتكبي هذه الجريمة البشعة، ما أدّى ببعض الضالعين في مخططها إلى تحويل الأنظار عن أولئك الجناة وتوجيه الاتهام إلى غيرهم.‏

ثم نتساءل ـ مرة أخرى ـ: من هم أعداء السلام؟ هل هم الذين يدينون الجريمة ويسعون إلى كشف الأيدي الآثمة التي تلطخت بها أم صُنَّاع الشر الذين أغرقوا لبنان والعراق وفلسطين بحمامات الدم وبالجرائم الجماعية المخيفة؟ مَنْ هم أعداء الحقيقة وأعداء السلام؟ هل هم أولئك الذين وقفوا مع ثقافة السلام الحقيقية ونشؤوا على قيمها الروحية والأخلاقية والإنسانية وفق المبادئ الأصيلة وربوا أبناءهم عليها في حياتهم وأدبهم وعلومهم، أم أولئك الذين زرعوا الدمار والقتل في الوطن العربي وأصروا على التوسع في أراضيه لتجزئتها وسرقة خيراتها، وهاهم يسعون إلى الانتقام من صمود أبنائها في وجه حمامات الدم التي تمارس على أرضهم؟.‏

ولعل هذه الأسئلة تنقلنا إلى تكثيف الحديث عن دلالة السلام والاستسلام بين ثقافة المقاومة وثقافة العولمة.‏

3 ـ مفهوم السلام والاستسلام بين ثقافة المقاومة والعولمة‏

إننا نرى أن الحرب بكل أشكالها إنما هي تنفيذ للمفاهيم التي ينشأ عليها مجتمع ما ولاسيما المفاهيم السياسية والثقافية والإعلامية والاجتماعية والاقتصادية التي غدت ـ اليوم ـ تتحكم بمنطق الأشياء لتحقيق مصالح خاصة.‏

وحين نفتش عن أسباب كل ما يجري في المنطقة يثبت لكل ناظر أن العدوان الذي تتعرض له الأمة العربية والإسلامية من قبل الدوائر الغربية والأمريكية والصهيونية لا يتوقف عند المظهر الاقتصادي والعسكري وإنما يمتد إلى الثقافة والسياسة، والعادات، بل إلى الجانب الروحي نفسه. وما المواقف والتصريحات التي تنطلق من المسؤولين والمراكز البحثية والفكرية والسياسية في تلك الدوائر إلا تأكيد لعدم رغبتها في السلام، والعمل على الإعداد لعدوان جديد. فلو أمعنا التفكير في كل ما يصدر عن المسؤولين الصهاينة ساسة وقادة وعسكريين ومثقفين لوجدناه يصبُّ في خانة التهيئة لعدوان جديد على لبنان وسورية، وربما مصر. وهذا ما يتضح لنا من مقال الكاتب الصهيوني (إيتان هابر) في افتتاحية لصحيفة (يديعوت) تاريخ (22/2/2007م) ومنه: "يجب أن يكون الدرس الأول من الحرب الأخيرة ـ في الحقيقة ـ أنه لا يجوز لنا أن ندعهم يقوون ويطلقون النار علينا. ولكن على حسب هذا المبدأ يحسن بنا أن نبدأ بتوجيه النار ـ اليوم ـ إلى سورية ومصر اللتين تملآن مخازنهما بكميات ضخمة من السلاح".‏

فالدوائر الغربية تتحدث كثيراً عن السلام ولغة الحوار بين الدول والشعوب، ولكن الأحداث الواقعية أثبتت أنها استخدمت كل ما لديها من خبرة ومعارف وتقنيات متقدمة وأسلحة فتاكة، وعملاء خونة لمحاربتنا دينياً وثقافياً واقتصادياً وتقنياً وسياسياً واجتماعياً و... وللقضاء على كل ما نؤمن به من معطيات وطنية وقومية وإنسانية.... إنها تنفذ عملية تغيير مدروسة؛ إن لم نقل: إنها تتبنى عملية قتل منظمة وفق آليات ومناهج دقيقة لكي نحمل مفاهيم الإدارة الأمريكية ـ الصهيونية، ونصبح أدوات طيعة بيدها.‏

إن الخط البياني الدقيق لثقافتنا وموروثاتنا وعاداتنا و... يقدم لنا أننا أمة تعشق السلام وتدعو إليه، وتكره الاستسلام لأنه يزيد في الهوان والضَّعف والعنف والقتل. ومن ثم فإن العدو الغاصب يستمرئ استسلام الآخر، لأنه لا ينتج إلا الظلم والقهر والاستعباد والسرقة والغطرسة؛ بل إنه يزداد شراسة وعدوانية، ويزداد المستسلم تبعية وفقراً وتجزئة. لذلك كله فإن ثقافة السلام في المفاهيم الروحية والدينية والسياسية والثقافية واللغوية والأدبية والأخلاقية عند العرب والمسلمين إنما تجسد مفاهيم المقاومة الحرة الشريفة في أشكالها المتقدمة، ابتداء بالتربية الروحية والأخلاقية وانتهاء بالتربية الاجتماعية والمعرفية والعلمية والعسكرية و... لهذا علينا أن نعد المواطن المخلص للمبادئ الفاضلة وللأرض التي ينتسب إليها ويعرف بها لحراستها من أي أذى دون أن يفكر بالاعتداء على غيره. ومن ثم فهناك علاقة وطيدة بين ثقافة السلام وثقافة المقاومة الوطنية والقومية بينما ينتفي هذا اللقاء بينها وبين الاستسلام؛ وإن كانت الدوائر الغربية والأمريكية والصهيونية تريد أن تطابق بينهما.‏

ومن يستقص دلالة كلمتي (السلام) و(الاستسلام) في ثقافتنا وعقيدتنا وأدبنا وحياتنا يدرك البَون الشاسع في خصائصهما، دون أن ننسى أن كلمة (السلام) من أسماء الله وتحيتنا للآخر أياً كان موقعه وشأنه وجنسه (السلام) وهذا شيء والاستسلام شيء آخر كما نوضحه فيما يأتي:‏

1 ـ ثقافة السلام تعزز الانتماء الأصيل وتنميه وتشكل في نفوس الأباة الأحرار حصانة دافعة للهوية الوطنية والقومية، والإخلاص لذلك في كل شأن من شؤون الحياة والثقافة والأدب والفن. فثقافة السلام ـ وفق هذا التصور ـ تدفع الموت عن الإنسان، بمثل ما تنتشل الوطن والأمة من الضياع، على اعتبار أنها جزء من ثقافة المقاومة في حال السلم؛ وهي تظهر على لسان المثقفين الوطنيين أينما كان موقعهم في المجال السياسي أم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والأدبي والفني. فتراهم يناضلون كل من موقعه ليبقى الوطن حُرَّاً وسيداً. ولم يكن هذا الأمر خيالاً أو تخيّلاً وهمياً فقد شهدناه حركات نضال على مستويات عدة، ابتداءً بالمفكرين والساسة الأبطال في ساحات فلسطين ولبنان والعراق والسودان والصومال وانتهاء بالأقلام الأدبية التي عبَّرت عن ذلك في القصة والرواية والأشعار والمسرحيات... أو في تلك اللوحات الفنية التي ظهرت بالألوان والإيقاعات الموسيقية التي تمجد البطولة وصمود الأحرار، على حين كانت سياسة الاستسلام تقوّي ازدواجية الولاء للوطن ولغيره، فيتمزق الانتماء ويسهل تدمير الكينونة الذاتية للفرد والمجتمع والوطن، إذ تنتقل الشخصية من انفصام إلى انفصام ذاتياً ووطنياً وقومياً و... في الوقت الذي تنتقل المفاخر الوهمية إلى ركام من القرارات المذلة التي أرادت للشعب العربي أن يعيش على هامش الحياة، وهو يلعق مرارة اليأس والقلق والإحباط والخوف والهزيمة. فسياسة الاستسلام التي تُسوقها الدوائر الغربية باسم ثقافة السلام وفق الخطاب الأمريكي الصهيوني؛ إنما تنتهي إلى تجزئة مفهوم الوحدة الوطنية، ليصبح الوطن دولاً متعددة، أي لم يعد هناك حاجة إلى الدولة الوطنية الجامعة لأعراق عدة، ومذاهب دينية شتى. فالواقع الراهن ـ كما يرى هذا الخطاب ـ يفرض إقامة دويلات مذهبية أو عرقية تحت أي مسمًّى كان. فإذا كانت ا لدولة القطرية عقبة كأداء لتحقيق الدولة القومية، فإن كل ما قيل هو الخطر الذي هَدَّد تحقيق الدولة الوطنية والقومية باعتبارها مستندة إلى مفهوم العروبة.‏

ومن ثم فثقافة السلام الجديدة ـ وفق الخطاب الأمريكي المستند إلى مفاهيم العولمة ـ هي ثقافة الرضا والقبول بالأمر الواقع أي إنها تعزز روح الاستسلام، ما يوحي بإلغاء كل مفاهيم المقاومة أو تغييرها ضد أي محتل غاصب للأرض والعرض، وبمعنى آخر ؛ إن أي عمل مقاوم للخطاب الأمريكي إنما يقع تحت تصنيف الإرهاب، وعلى العرب إدانته. ولا شيء أدل على ذلك كله مما يجري في فلسطين والعراق، فمن يتعرض لطائرة صهيونية أو أمريكية، أو لجنودهما فإنما هو إرهابي، فالتحرر الوطني والقومي أصبح إرهاباً في منظور الخطاب الأمريكي، وهذا أسوأ ما وقع في تاريخ المفاهيم.‏

2 ـ ثقافة السلام تعزز التآخي الإنساني بين العربي والآخر، فالعربي يبادر أي إنسان له بكلمة السلام، ويعتمد معه مفهوم الحوار ولو كان معادياً لـه، فهو يتعامل معه على أساس الندية والمساواة وفق ما تبنته لغتنا لدلالة كلمة السلام.‏

ومن ثم لو رجع أحدنا إلى تراثنا اللغوي والديني لوجد أن كلمة (السلام) تدخل في جملة من المعاني المشتركة، منها الدخول في العهد، أي هي أمان الله في الأرض، والبراءة من النقص والعيب والآفات، فضلاً عن معنى الصلح بعد الحرب، وإشاعة المحبة في الناس.‏

ومن ثم فإن التحية بلفظ (السلام) تعني ذلك كله ـ على الأغلب ـ كقوله تعالى: (فقل: سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة((الأنعام 6/54) وقوله: (سلام عليكم بما صبرتم((الرعد 13/24)، وقال الرسول الكريم: [أفشو السلام تسلموا] و[أفشو السلام تحابوا](الجامع الصغير 1/159 رقم 1227 و1248)، ولا تقتصر التحية بالسلام على المؤمنين بل تشمل غيرهم لقوله تعالى: (لا تقولوا لمن ألقى السلام: لست مؤمناً((النساء 4/94)، وقوله: (السلام على مَنْ اتبع الهدى((طه 20/47). وتشمل تحية السلام مَنْ في القبور، كقول الشماخ في رثاء أمير المؤمنين عمر، منه:‏

عليك السلام من أمير وباركت * * * يد الله في ذاك الأديم الممزَّقِ‏

وقد سميت الجنة (دار السلام) لخلوّها من الآفات والمكاره، وتحيتنا من الله السلام‏

(فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم، تحية من عند الله((النور 24/61).‏

ومن ثم فإن مصطلح (السلام) يماثل مصطلح (السّلْم) (بكسر السين وفتحها)؛ ومعناه (الصلح) وهو يذكر ويؤنث، وتسالم القوم: تصالحوا، والمسالمة: المصالحة وترك الحرب، أما الاستسلام فهو الانقياد؛ وفعله استسلم يستسلم واسم الفاعل مُسْتسلم.‏

وبذلك كله فإن الثقافة العربية القديمة والحديثة أكدت معنى الإخاء الإنساني، وهو ما تضمنته نصوص العقيدة الإسلامية كقوله تعالى: (إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين( (سبأ 34/24) أو قوله: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه( (التوبة 9/6).‏

فالنص القرآني شديد الوضوح في هذا الشأن، بل إنه يطلب من العربي والمسلم أن يجعل عمل الآخر أفضل وصفاً من عملهما كقوله تعالى: (لا تُسألون عما أجرمنا، ولا نسأل عما تعملون( (سبأ 34/25) وقوله تعالى: (وإن جنحوا للسَّلْم فاجنح لها( (الأنفال 8/61). فالنصوص القرآنية تربي المسلم على السلام لا الاستسلام على اعتبار أن السلام يحقق الوجود الحر الكريم، ويرفض الإذعان والتبعية للآخر سواء كان من أبناء الوطن أم من الغرباء، بل إن القبول بالمحتل الغريب أمر مرفوض شكلاً ومضموناً، لأنه أقصى أنواع الاستسلام المذل ولابد من مقاومته بكل الأشكال وعلى كل مستوى.‏

والسنة النبوية تؤكد ذلك، كصك الحديبية وموقف الرسول والصحابة من كتابة ذلك الصلح حين لبى طلب سهيل بن عمرو، ومحا كلمة الرسول من الصك، ثم إن تاريخ الفتوحات الإسلامية يثبت جنوح العرب إلى السلام، كما يستدل من حكم القاضي المسلم الذي حكم بإخراج جيش قتيبة من مدينة سمرقند ـ والحادثة مشهورة ـ. فمفهوم ثقافة السلام يجسد الوعي التاريخي بحقيقة الكرامة الإنسانية ليبقيها حية في الذاكرة.‏

أما الاستسلام فما يجر أصحابه إلا إلى الذل والخيبة والتبعية والخضوع، والغربة الذاتية، والانتهاب النفسي والاجتماعي والفكري والعسكري ويسلّم للآخر بكل ما يريد. فهم لا يملكون غير التباكي والعويل تحت كنف السادة في النظام العالمي الجديد الذي أتقن حرفة القتل والسيطرة وسرقة خيرات الشعوب. وعليه فإن حالات الاستسلام لم تزرع في نفوس بعض العرب والمسلمين إلا ثقافة الخوف والمساومة والتطبيع، ولم تورثهم إلا البيوت المهدمة والبائسة والأرض المحروقة، وليست فلسطين والعراق وأفغانستان عنا ببعيد.‏

3 ـ ثقافة السَّلام عندنا تزيد قدرة المثقفين على بناء الذات القوية والمتسلحة بإرادة المعرفة والدقة والإتقان وتعلم المنهج الصحيح في المعارف والفنون والآداب والحياة. فهي تعزز الوعي الخلاّق لدى أبناء المجتمع لإنتاج الإبداع تلو الإبداع في مختلف الميادين في ضوء التربية الإبداعية لاحترام الآخر وتبادل الخبرات والتجارب معه على اعتبار أن ثقافة السلام ثقافة مقاومة للتخلف والفقر والجهل والتبعية المطلقة لثقافة الآخر؛ فهي ثقافة تحمل من خصائص التميز والوجود ما يجعلها ثقافة حيَّة وملبية لطموح الإنسان في قيمه ومبادئه الإنسانية الكريمة المتساوقة مع أخلاقيات الشرائع السماوية وشرعة حقوق الإنسان التي أسستها القوانين الدولية، أما مفاهيم الاستسلام فتزيد الجهل والفقر والتبلد والتقليد والمحاكاة، فيتدنى الإنتاج، وتتخلف وسائله... لأنها تسلّم للآخر بأن أصحابها لا يملكون إلا ثقافة مأزومة ومهزومة عاجزة عن تلبية الحاجات ومتطلبات المعرفة والعلم...‏

4 ـ ثقافة السلام تقوم على احترام الآخر ثقافياً ووطنياً وإنسانياً، وتهيئ للتبادل المعرفي والعلمي بين أبنائها وبينه، ما يعني تعزيز الوحدة الوطنية والقومية وتعميقها ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وتقنياً دون أن تتخلى عن سماتها وخصائصها المعززة لمقاومة الاستلاب والإلغاء والإلحاق.. فالثقافة بهذا المعنى تأخذ من الثقافات الأخرى وتعطيها، تعير وتستعير وتصبح جزءاً لا يتجزأ من الكون الحضاري المعترف به؛ باعتبارها ثقافة وطنية وإنسانية تكرم البشرية جمعاء وتقاوم الذل والخضوع. إنها ثقافة تعزز الحرية والكرامة لأنها تقاوم أي اعتداء على الذات الثقافية والوطنية، بل هي ثقافة احترام الوجود نفسه. أما ظواهر الاستسلام فليست ممثلة لأي ثقافة حرة ولن تستطيع أن تصمد أمام القوة الجبارة للآخر وثقافته، ما يثبت أن الوطن لن يكون بمعزل عن التجزئة والهزيمة.‏

ومن هنا فإن روح الاستسلام أسقط الثقافة العربية في المحتوى الاستلابي الذي جعل أبناءها مجرد تابعين في النشاط الثقافي، والنتاج الحضاري. ولا شيء أدل على ذلك كله من أن ظواهر الاستسلام هي التي جرّت العرب إلى سياسة التطبيع مع الكيان الصهيوني، والقبول باحتلال الأرض مقابل ما يسمى بالسلام المزعوم، حتى أذلت الإنسان العربي، ومن ثم تخلَّى عن كل ما كان يؤمن به من مبادئ وشعارات وطنية، أقلها "قاطعوا البضائع الأمريكية". فقد صار أحدنا يتغنى بشراء هذه البضائع ويأنف من شراء البضائع الوطنية تحت حجج واهية، ما ألحق بالاقتصاد الوطني ضرراً كبيراً.. وهذا ما تسعى إليه ثقافة العولمة الأمريكية اليوم. فهي مستمرة في الاعتداء على ثقافات البشرية وفق سياسة الاستسلام، لا ثقافة السلام، لأن ثقافة السلام تملك كل عناصر القوة لمقاومة الذوبان في غيرها والاندماج بها، أو التبعية لها سياسياً واجتماعياً واقتصادياً و.... وقد مارست الثقافة العربية منذ القديم مقاومة كل صنوف الاعتداء والاستئصال ابتداء من الاستشراق الاستعماري وثقافة الاستعمار الأوروبي وانتهاء بالعولمة التي تعني ثقافة الأمركة كما أكده (بريجنسكي في قوله: "يمارس النفوذ العالمي الأمريكي من خلال نظام عالمي مصمم أمريكياً وفق التجربة الأمريكية". وهذا كاف لتفسير مفهوم العولمة كما عرفه (رولاند وبرتون) بقوله: "تشكيل وبلورة العالم بوصفه موقفاً واحداً، وظهور حالة إنسانية".‏

وهنا يكمن الصدام الحضاري بين الثقافة العربية ـ الإسلامية باعتبارها ثقافة سلام، وبين ثقافة العولمة التي تُعدُّ ثقافة استعمارية واستعبادية وقاتلة، ومفككة لثقافة الآخر وقاتلة لها وحاضنة لروح الاستسلام والإحباط والخوف والمساومة ونشر الفساد والأمراض الاجتماعية الهدامة.‏

فثقافة العولمة ـ وإن زعم أصحابها بأنها ثقافة علمية ليبرالية ـ إنما هي ثقافة عدوانية وحشية عنصرية استعلائية تمثل مفهوم العصر الأمريكي المستبد الذي يريد السيطرة على العالم وفق مفهوم القوة الكونية للقرية الواحدة.‏

في مثل هذا المناخ المواتي سعى أقطاب فلسفة ثقافة العولمة إلى فرض مفاهيمها سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وإعلامياً، وعسكرياً لتعزيز المفاهيم الثقافية والقيم الغربية في إطار ما يسمى اليوم بمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي رضي به عدد من الحكام العرب، في الوقت الذي بدؤوا يتنازلون فيه عن فلسطين وفق خطة اللجنة الرباعية، علماً أن هذا المشروع يتجاهل الوجود العربي شكلاً ومضموناً، لأنه يريد المنطقة برمتها ملحقة بالهيمنة الأمريكية ومشاريعها.‏

ومن ثم فإن الدوائر الغربية عامة والأمريكية خاصة تسعى إلى فرض نزوع الاستسلام وقيمه وفق ظاهرة الاستلاب الحاملة لطوابع الإصلاح والديمقراطية كما هي عليه في التصور الأمريكي. فالإدارة الأمريكية تجعل الآخر العربي يتبنى مفاهيم العولمة، ولابد له من أن ينفذها وفق سياسة قابلية الرضا بالأمر الواقع، وتعزيز مفاهيم الدولة القطرية وتجذيرها على حساب الدولة القومية. لهذا تقوم تلك الدوائر بدعم ثقافة العولمة بأساليب متعددة وعجيبة، على اعتبار مفهومها المعروف للقاصي والداني؛ ومنها:‏

1 ـ فرض الأجندة الأمريكية ـ الصهيونية وفق مفهوم الدمج والإلحاق والإلغاء علمياً وثقافياً، ونفسياً واجتماعياً و.. ما يعني رفض الدعوات العربية للسلام، والسعي إلى فرض فهم الغرب للسلام وتطبيقه على أبناء المنطقة في إطار فلسفته الخاصة. وقد سخَّر لذلك كله برامج سياسية وثقافية وإعلامية أعد لها كل الأدوات الكفيلة بنجاحها. فلم يبق شبر واحد على الأرض دون تغطية من وسائل الإعلام فضلاً عن الشابكة (الإنترنت) والفضائيات وجولات المسؤولين والباحثين وغيرها. فهناك ضَخٌّ إعلامي مستمر ومنظم لغسل الأدمغة العربية من مفاهيم ثقافة المقاومة بكل أركانها، وطنياً وقومياً وإنسانياً، حتى صدّق عدد غير قليل منا بأن العرب ـ أو بعضهم ـ قد أصبحوا إرهابيين وقتلة، وعليهم الوقوف مع نظام العولمة الجديد الذي تقوده إدارة بوش للتخلص من هؤلاء الإرهابيين، وإلا أصبح كثير من العرب أعداء للديمقراطية والحرية، فأي عالم ظالم نعيش فيه؟!!.‏

2 ـ القيام بحروب استباقية وتبني مفاهيم الفوضى الخلاقة لإسقاط ثقافة المقاومة بكل خصائصها الإنسانية، وإشاعة مفاهيم الاستسلام. فتلك الدوائر تستند إلى جعل الرافعة السياسية والعسكرية وسيلة للقضاء على ثقافة المقاومة التي أخذت تشيع في الوطن العربي. وقد استفادت هذه الدوائر من بعض تجار السياسة أو بعض الحكام العرب الذين يوصفون بأنهم معتدلون؛ في الوقت الذي بدأنا نجد فيه تراجعاً لمفهوم المد القومي العروبي؛ إذ أخذ بعض أبناء العروبة يستهجن المفاهيم القومية.‏

3 ـ اللعب على المصالح الخاصة، واتباع الإغراء المناسب والترهيب المطلوب ـ كالبنك الدولي ـ ومنظمة التجارة العالمية (الكات). فالشركات الاحتكارية الكبرى والمالكة لرأس المال هي التي توظف إمكاناتها المالية الهائلة والمركزية لخدمة الدوائر الغربية عامة والأمريكية خاصة، وهي التي صممت على أن تجعل ثقافتها مسيطرة على غيرها وفق المبدأ الاقتصادي (وحّد تسُدّ)، بموازاة مبدأ (فرّق تسد)، ما يعني سيطرة مفاهيم ثقافة العولمة المساوية لمفهوم الأمركة.‏

فعملية الدعم الاقتصادي والعلمي والتقني والمالي قد يحقق إنجازات عِدَّة لتلك الدوائر لا تستطيع القوة أن تحققها، ما يعني أن الثقافة الجديدة التي ينبغي أن تتبناها الشعوب إنما هي ثقافة التنافس الجدي بين الفقير والغني، بين الضعيف والقوي، بين المتخلف والمتقدم، بين المسحوق والمظلوم والمتكبر الظالم و... وهل يتوافقان حقاً؟ ولهذا نتساءل: ما النتيجة التي آلت إليها ثقافة المقاومة التي وقفت سداً منيعاً في وجه ثقافة الأمركة؟ هذا ما يمكن أن يتضح لنا فيما يأتي:‏

ـ سقوط الأسطورة واحتضار الخرافة‏

لم يكن المترددون ـ يوماً ـ أصحاب مواقف قوية في أثناء الأزمات الكبرى التي تتعرض لها لأوطان، ولم تكن الأيدي المرتجفة ـ يوماً ـ قادرة على حمل البندقية وتصويبها بدقة إلى صدور الأعداء. وحينما يقال: إن المواقف العظيمة تصنع الرجال فإننا نؤمن أيضاً بأن الرجال العظماء يصنعون تاريخاً عظيماً. من هنا يصبح للموقف البطولي الشريف الذي اتخذه قائد المقاومة حسن نصر الله؛ وللأبطال المجاهدين في لبنان قيمة خاصة متفردة ومطلقة ليس ـ فقط ـ في صهر الرجال الأشداء وتمييزهم من الضعفاء الجبناء، ولكن في إحياء روح الانتماء إلى الأرض والعقيدة بكل صدق وإخلاص، وفي إثبات أن هذا الانتماء لا يصان إلا ببذل النفوس رخيصة في سبيله، وإيجاد موقف موحد بين المقاومين من جهة وبينهم وبين حركات النضال الوطني والقومي والدولي كما تجلى في تنسيق الجهود بين المقاومة وسورية وإيران. فالوطن ليس كلمة تلاك في الأفواه، والعقيدة ليست طقوساً تمارس في المكان وإنما هما فعل إرادي مقاوم لكل أشكال الظلم والقهر والتخلف والتمزق والعدوان والضعف والهوان.‏

ونحن ـ اليوم ـ لن نتحدث عن الدور الوطني والقومي لسورية ولا عن تضحيات الضاحية الجنوبية في بيروت وصمودها في وجه خفافيش الليل، وطائرات القتل والدمار، ولن نتحدث عن البقاع الصامد الذي أعلن للعالم كله أن أرضه العطرة إنما أخذت حُمرتها من دم الشهداء القاني، ولن نتحدث عن الصمود الخَلاق لقرى الجنوب ومدنه وهي تتعرض لتدمير منهجي ومجازر وحشية جماعية لا نظير لها في التاريخ الإنساني من مدينة صور إلى بلدة قانا وعيترون وعيتا الشعب ومارون الراس وصريفة والطيبة والخيام وبنت جبيل ـ وعفواً إذا ضاق المجال عن ذكر صمود البلدات كلها، نقول: لن نتحدث عن ذلك كله وإنما سنثبت أن تجربة المقاومة الوطنية اللبنانية التي استمرت /33/ يوماً بدءاً من الساعة التاسعة والنصف صباح الأربعاء (12/7/2006م) قد أكدت لنا أن القوة العسكرية الصهيونية المدعومة بأعتى قوة على وجه الأرض في عصرنا الحديث، وأعظم الدول تقدماً في التقنيات المدنية والعسكرية، وفي الاتصالات والعلوم، والفضائيات، وأكثرها أتباعاً في الإعلام، إذا استثنينا الخونة والجواسيس، قد عجزت عن فك شفرة حزب الله واختراق بنيته؛ والانتصار عليه على الرغم من أنها قد خططت لعدوانها قبل أربعة أشهر؛ إذ اعترف رئيس وزراء الكيان الصهيوني (إيهود أولمرت) بأن قرار الحرب على لبنان قد اتخذ في (آذار/2006)، أي قبل أسر الجنديين الصهيونيين على الحدود اللبنانية. ولم يكن هذا الاعتراف تصريحاً منه للصحافة ولكنه شهادة أمام لجنة (فينوغراد) الصهيونية التي تحقق في حرب تموز إذ ذهب إلى أن هناك خططاً مُعَدَّة لمواجهة حزب الله في جنوب لبنان. هكذا سقطت القوة الرابعة في العالم بكل وحشيتها وجبروتها وبكل عنصريتها الصهيونية. وليس هذا فحسب بل انفجر العديد من الفضائح المخزية لقادة الكيان وسياسييه ابتداء بالتحرّش الجنسي لرئيس الدولة ووزير العدل وانتهاء بالاتهامات العديدة لأولمرت وقادته العسكريين باعتبارهم مسؤولين عن سبب هزيمة الجيش وانكسار صورته في نفوس الصهاينة فضلاً عن أنه عجز عن النيل من حزب الله، ما أدى ـ أيضاً ـ إلى سقوط هيبة هذا الجيش في نفوس العرب.‏

إذاً، أخذ التململ يتردد في جنبات الدولة اللقيطة، وطفق القلق يراود الإدارة اليمينية المارقة بقيادة بوش الابن حول مصير ربيبتها (إسرائيل) بعد أن زودتها بكل آلات القتل والدمار والأسلحة المتطورة أرضاً وبحراً وجواً لقتل الحياة في لبنان وتدمير بنيته التحتية.‏

ومن ثم تفتقت عبقرية الإدارة الأمريكية والرئاسة الفرنسية عن قرار مجلس الأمن الجائر (1701) الذي جَهِد العالم في تعديل بنوده بكل ما احتوت عليه من ظلم وقهر للبنان ومقاومته الباسلة فما أفلح كثيراً...‏

ثم استمر الحصار الصهيوني على لبنان على الرغم من صدور القرار المذكور ليؤكد أن قوى الظلم في العالم واحدة، وهي تتركز في أعتى قوة في العالم بعد أن انفردت بالقرار الدولي، مدعومة من قبل الأتباع في الخارج والداخل... ولا سيما حين شرعنت وقف العدوان الصهيوني بالقرار المذكور.‏

لهذا لم يعد هناك ما يقال عن استهزاء الإدارة الأمريكية بعملية السلام، وتسخير الأمم المتحدة لمصالحها بعد قرار مجلس الأمن (1701) المتعلق بلبنان والقرار الآخر المتعلق بالسودان برقم (1706) بيد أنه يمكننا القول: لقد اتضح للعالم أكاذيب الإدارة الأمريكية، فهي لم تؤمن بالسلام يوماً، وإنما كانت تسعى إلى فرض ما يمكن أن يطلق عليه ثقافة الاستسلام والخوف على العرب والمسلمين وأحرار العالم. ثم إن أقنعتها قد سقطت بمثل ما سقطت معها الصهيونية الأسطورة، وفي الوقت نفسه سقطت هيئة الأمم المتحدة الخُرافة لأنها غدت ألعوبة بيد دولة مارقة فاقدة لقيم العدالة ما جعلها دولة عدوانية عنصرية استعلائية لا تقيم لحقوق الإنسان وزناً ولحقوق الشعوب قيمة، ولاسيما الشعب العربي.‏

وقبل أن أنهي حديثي عن سقوط خرافة الجيش الذي لا يقهر فإني أذكر بسقوط خرافة أخرى تتعلق بقوة الاستخبارات الصهيونية. فلم يَعُد للموساد هذه القدرة التي سوّقها العدو لجهازه، على اعتبار أنه عجز ـ حتى الآن ـ عن معرفة مكان الجندي الصهيوني‏

(جلعاد شاليط) الذي أسرته المقاومة الفلسطينية بعد إصابة دبابته ومقتل قائدها في (25/6/2006م) ولا مثيل هذا السقوط المخزي إلا عجز الإدارة الأمريكية عن العثور على قادة القاعدة أسامة بن لادن والمُلاَّ (عمر) في أفغانستان، علماً بأن تاريخ الحروب الأمريكية تؤكد أنها كانت تختار أهدافها الضعيفة لضربها كما رأيناه في حرب فيتنام، وغرينادا ولبنان (1983م) والبوسنة والهرسك، وأفغانستان والعراق... وليس لدينا شك في أن طائراتها وصواريخها المتطورة تستطيع تدمير الحياة على الأرض من مكان بعيد، لكن جنودها إذا وضعوا أقدامهم على الأرض العربية فإنها سرعان ما تغوص في القاع وينكشف ضعفهم، وتظهر خيبة إدارتهم. ولا شيء أدل على هذا ممّا يجري في العراق.‏

وبعدُ، فهل يعني كل ما أشرنا إليه أن الكيان الصهيوني سيصبح راغباً في السلام العادل والشامل؟! وهل استطاع وعي الدرس الأخير جيداً أم أنه ماضٍ في ضلاله وأكاذيبه؟ الجواب يؤكده مؤتمر (هرتسليا) السابع الذي عقد في الفترة ما بين (21 ـ 24/ 1/ 2007م) والذي ينظمه سنوياً (معهد السياسية والاستراتيجية) و(مدرسة لاودر للحكم والدبلوماسية والاستراتيجية). وتعددت فيه الآراء والأبحاث، ولعل من أهمها أن مبدأ ((الأرض مقابل السلام)) لم يعد يلبي هدف الصهاينة، ولا بد لهم من تقوية المصطلحات الصهيونية الوطنية، وتعزيز المناعة القومية للصهاينة، و((على إسرائيل أن تتمترس وراء مواقفها [السياسية] إلا إذا اختارت شنَّ الحرب، كما يستدل من توصيات بعض المتحدثين))(6)‏

وفي ضوء ذلك كله تبين لنا الفرق الكبير بين ما نحن عليه من تنابذ وفرقة في المواقف والآراء، وبين ما هو عليه عدونا المتربص بنا وبأرضنا، ومن ثم علينا أن ندرك أن ثقافة السلام تعد جزءاً من ثقافة المقاومة، ولكنها ليست السبيل الوحيد للمقاومة، فهناك أنماط مادية عسكرية إعلامية ينبغي أن نوفرها لمجابهة عدونا وعلينا أن نفهم بأن سياسة الاستسلام تعد ثقافة مساومة ومذلة و.... وهي مرفوضة شكلاً ومضموناً.‏

(1) انظر المعجم الأدبي ـ جبور عبد النور ـ دار القلم للملايين ـ بيروت ـ 1984 ـ ط 2 ـ ص 81.‏

(2) انظر قاموس مصطلحات الأنثولوجيا والفولكلور ـ إيكه هولتكرانس ـ ترجمة د. محمد الجوهري ود. حسن الشامي ـ دار المعارف ـ ط 2 ـ ص 149 ـ 153).‏

(3) انظر مجلة جيش الشعب ـ العدد (1965)، ومجلة الأرض العدد (3) ـ آذار 2007 ـ ص 42 ـ 52.‏

(4) انظر مجلة الأرض ـ العدد (3) ـ آذار 2007 ـ ص 46 ـ 47.‏

(5 ) مجلة الأرض ـ العدد 3 ـ (2007م) ص 33.‏

(6 ) مجلة الأرض ـ العدد 3 ـ 2007م ـ ص 38.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244