مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 28 السنة الثامنة شتاء 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الأهداف غير المعلنة للجنة التحقيق الدولية ـــ فتحي رشيد

قبل أن نتعرف إلى الأهداف غير المعلنة من وراء تشكيل لجنة التحقيق الدولية من الضروري أن نتعرف الأهداف المعلنة التي تمت الإشارة إليها في القرار 1595 الذي تم بالاستناد إليه تشكيل هذه اللجنة، ولكي نحيط بهذه الأهداف سواءً المعلنة أم غير المعلنة لا بد أن نتعرف إلى الدول والقوى التي كانت وراء إصدار هذا القرار وتشكيل هذه اللجنة والأهداف الرامية إليها. للإحاطة بهذه الأهداف خاصة غير المعلنة.‏

لن ندخل في باب التنجيم والتكهنات، بل سنعمل على تلمسها من خلال الوقائع والأحداث التي تحقق جزءُ منها فعلاً على أرض الواقع، وتلك التي ما يزال الجزء الآخر منها قابلاً للتحقيق استناداً لعمل وتوجهات اللجنة ولما يتسرب من أقوال وتصريحات عن رئيسها السيد ديتليف ميليس أو عن بعض المسؤولين اللبنانيين والأمريكيين والفرنسيين.‏

كيف ولماذا تم تشكيل لجنة التحقيق؟:‏

بناءً على الاجتماع الاستثنائي لمجلس الأمن وفي الجلسة رقم /5160/ الساعة 12.25 المنعقدة ظهر يوم 7/ نيسان 2005 واستناداً للإعلان الصحفي رقم /83538/ الصادر عن المجلس، تم الإعلان عن تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للتحقيق في الجريمة التي أدت إلى اغتيال عدد من الشخصيات اللبنانية بمن فيهم، رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وذلك بناءً على الطلب المقدم من الحكومة اللبنانية المستقلة، والتي تتمتع بالحرية الكاملة والاستقلال التام، بما يؤدي إلى الحفاظ على استقلال لبنان وحريته وسيادته.‏

من كان وراء إصدار القرار وتشكيل اللجنة فعلاً.‏

يتضح لمن يقرأ أو يسمع نص القرار 1559 أن من شكل لجنة التحقيق الدولية المستقلة! هو مجلس الأمن المنعقد بدورته المذكورة، وبناءً على الطلب المقدم من المسؤول عن الأمن العام اللبناني للتحقيق في الجريمة بهدف الوصول إلى الحقيقة، ومعرفة المسؤولين والمخططين والمنفذين للجريمة، بما يؤدي إلى الحفاظ على استقلال لبنان وحريته وسيادته الكاملة.‏

بعد أن أحيطت دول مجلس الأمن علماً بالوضع الصعب والحساس الذي يمر به لبنان، بناءً على نص القرار الذي تلاه الأمين العام، وأن السبب الثاني يكمن في حقيقة أن الحكومة اللبنانية وأجهزتها الأمنية تعاني من أخطاء جدية. والسبب الثالث أنه ليس لديها القدرة والالتزام لأن تصل إلى استنتاج مرضي وجدير بالثقة. (مرضي لمن وجدير بثقة من؟) هدف الحفاظ على استقلال لبنان وحريته، لذلك لم يكن من الممكن لأية دولة في العالم حتى لو كانت كوريا الديمقراطية (أحد معاقل الشر في العالم حسب المفهوم الأمريكي) إلا أن توافق على القرار، لأنه إذا لم تتم الموافقة عليه فإن لبنان سيدخل في حربٍ أهلية لا يعلم أحدُ مداها، وسوف تُحمّل الدول التي سترفض أو تمانع تمرير القرار مسؤولية ما سوف يحدث من جرائم في لبنان، لذلك لم يستغرق وقت أعضاء مجلس الأمن بين بدء انعقاد جلسته والموافقة على القرار أكثر من 10 دقائق. وهذا ما حصل فعلاً، لأنه بمجرد ما أن صدر القرار حتى هدأت نفوس الجماهير اللبنانية الغاضبة في ساحة الشهداء، وبدأت التصريحات تتوالى من المسؤولين اللبنانيين والأوربيين والأمريكان بأن القضية قد أصبحت في أيدٍ أمينة ولا خوف عليها أو على الحقيقة من الضياع بعد الآن، وما يؤكد ذلك أن الجماهير التي كانت تتظاهر وتصرخ مطالبةً حكومة كرامي بالكشف عن الحقيقة فوراً وبأسرع ما يمكن، وكانت مستعدة للتضحية بحياتها ثمناً للتعرف إليها قد هدأت فوراً ولم يعد يهمها الكشف الفوري عن الحقيقة ولو حصل ذلك بعد ستة أشهر. طالما أن القضية أصبحت بأيدٍ أمينة، وليس مهماً إن كانت إسرائيلية، أو شيطانية بل المهم لا تبقى بأيدٍ سورية أو عربية أو لبنانية.‏

لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع هي أن من صاغ القرار وقدمه لمجلس الأمن هما الدولتان اللتان صاغتا القرار 1559 (الولايات المتحدة وفرنسا) بعد أن تلقتا دعماً من الحكومة البريطانية، للقرار وبعد أن تمَّ عرضه على الدول الأعضاء التي أجرت كل منها التعديلات التي تجعل من القرار مقبولاً في مجلس الأمن، فأصبحت إمكانية الموافقة عليه سهلةً للغاية (10 دقائق) فقط.‏

نتوصل مما سبق إلى أنه لا يمكن النظر إلى القرار 1559 بمعزل عن الدول والأهداف التي كانت وراء تشكيل القرار 1559 والقرار 1614 وهذا ما سوف نتوصل إليه في نهاية هذا البحث.‏

سوف نعالج في هذا البحث عدة أمور:‏

1 ـ أبعاد القرار على الوضع الدولي العام.‏

2 ـ تأثيرات القرار المباشرة والعملية على الوضع في لبنان.‏

3 ـ التأثيرات المباشرة على الوضع في سوريا.‏

4 ـ التأثيرات المحتلمة على الأوضاع في العالمين العربي والإسلامي.‏

5 ـ الفرق بين البحث عن الخلفية السياسية لجريمة اغتيال الحريري وبين التوظيف السياسي لها.‏

1 ـ أبعاد القرار على الوضع الدولي العام:‏

لو أن كل دولة من دول العالم (لا تتوفر لديها المعايير الدولية للكشف عن مرتكبي الجرائم التي تقع على أراضيها) أو تلك التي لا تمتلك القدرة والالتزام على كشف مرتكبي الجرائم الواقعة لديها أو لأن تصل إلى استنتاج يرضي بعض الفئات من أبناء شعبها أو لأن يكون جديراً بالثقة من بعض الأطراف الدولية لكان (الأمر الذي كما نعلم ينطبق على أغلب دول العالم الثالث خاصةً العربية والإسلامية) مما يعني أن ذلك سيكون كارثة على أغلب دول العالم التي ليس لديها القدرة والالتزام بإرضاء جميع فئات شعبها، وسيكون ذلك ثانياً إعطاء الضوء الأخضر لأية قوة معارضة في أية دولة في العالم خاصةً المتخلف لأن ترتكب جريمة ما ضد أحد القادة ثم تقوم بالتشكيك بقدرة أجهزة الدولة المعنية بالتحقيق والكشف عن المجرم لتطالب بعد ذلك بلجنة دولية تقوم بالتحقيق بدلاً منها، أي بمعنى بما يشرع الوصاية الأمنية والقضائية للدول الكبرى التي تمتلك المعايير الدولية الفنية التي تمكنها من الكشف عن المجرم في أية دولة في العالم المتخلف.‏

3 ـ يتضح لنا مما سبق أن القرار الذي تم بناء على طلب رفعه المدير العام للأمن اللبناني المؤقت إلى مجلس الأمن يشكل بحد ذاته بادرة خطيرة في تاريخ المنظمة الدولية. لأنه لا يعجز القوى العظمى التي تمتلك أجهزة متشعبة لكي تحقق أهدافها وتضرب خصومها في بلد ما إلا أن تقوم بعملية اغتيال أحد القادة السياسيين البارزين خاصةً المحبوبين بما يجعل مدير أمن عام الدولة يشكك في حكومته وفي قدرة أجهزتها الأمنية ليتقدم بطلب إلى مجلس الأمن أو إلى الأمين العام ليحصل بعد ذلك على قرار يتيح للأمم المتحدة والقوى العظمى التحكم في مسار التحقيق وفرض إرادتها على تلك الدولة العاصية وعليه فإن أغلب دول العالم سوف تدخل في فوضى منظمة لا يعرف أحد مداها.‏

لذلك من حقنا أن نسأل:‏

1 ـ هل حقاً أن الأجهزة الأمنية اللبنانية تعاني من أخطاء وليس لديها القدرة والالتزام لأن ترضي... إلخ؟ أم أن الأخطاء المزعومة وانعدام القدرة والالتزام المزعومين لم يكونوا سوى حجةٍ لتمرير فرض لجنة دولية تحقق فيما يفترض أن تحقق فيه الأجهزة الأمنية والقضائية اللبنانية وبما يحافظ على السيادة اللبنانية؟‏

2 ـ لو ترك المجال للأجهزة الأمنية اللبنانية أن تحقق في الجريمة ألم يكن من الممكن أن تصل إلى معرفة الحقيقة (القاتل والمنفذ والمخطط) في فترة زمنية أقصر من الفترة التي قضاها ميليس، والتوصل إلى استنتاجات مرضية وجديرة بالثقة لأغلب فئات الشعب اللبناني دون الحاجة إلى فرض لجنة تحقيق دولية تنتهك سيادة لبنان؟‏

بالطبع لا أحد يضمن ذلك. لكن من يدقق في النتائج الأولية التي تسربت عن التحقيقات التي قام بها ميليس ولجنته بعد ثلاثة أشهر يتوصل إلى استنتاج مفاده: أن ما توصلت إليه الأجهزة اللبنانية بعد يوم واحد فقط من وقوع الجريمة بالإشارة إلى وجود سيارة مفخخة وانتحاري وتفجير وقع فوق الأرض هو ذاته الاستنتاج الذي توصل إليه ميليس ولجنته بعد عمل وبحث مضني، وتقصي دام ثلاثة أشهر، ويتوصل إلى استنتاج آخر مفاده أن من شككوا في تلك النتيجة التي توصلت إليها الأجهزة اللبنانية فوراً ورفضوا نتائجها وأصروا على الزعم بوجود تفجير حدث تحت الأرض من خلال نفق زرعت فيه عبوة ناسفة زنتها 200 كغ ودفعوا الجماهير الغاضبة إلى التظاهر وحالوا دون استمرار الأجهزة اللبنانية من الاستمرار بالتحقيق وأعاقوا عملها وبالتالي منعوها من إمكانية الوصول إلى المجرم والفاعل الحقيقي، مما يعني أن من أعاق عمل الأجهزة اللبنانية من الوصول إلى الحقيقة هي القوى التي حرضت الجماهير على الحكومة والأجهزة الأمنية لتتخذ من ذلك الغضب الجماهيري حجة يمنع الأجهزة اللبنانية من التحقيق بشكلٍ سليم أو الاستمرار بالتحقيق الذي بدأته والذي استند عليه ميليس للوصول إلى الحقيقة.‏

زمار الحي لا يطرب‏

مشكلة العرب واللبنانيين الذين يعانون من عقدة النقص والإعجاب بكل ما هو أوروبي وغربي خاصةً إذا كان أمريكياً أنهم يستخفون بكل ما هو وطني أو محلي أو عربي لذلك فهم يستخفون بالأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية وبإمكانياتها في الكشف عن الحقيقة مع أنها أقدر على ذلك من اللجان الأجنبية لأنها أدرى بشؤون بلادها.‏

من يدقق في الأخطاء المزعومة التي نسبت إلى الأجهزة الأمنية اللبنانية يجد أنها قامت أولاً: بتصوير مكان الحادث ثم بتغطية السيارات المحترقة ونقلها إلى مرآب الأمن العام اللبناني بما يفسح في المجال للمحققين الجنائيين البحث والتدقيق والفحص لمعرفة المواد المستخدمة ونوعيتها. فلو أن تلك السيارات تركت في مكان الحادث لضاع الكثير من المعالم والحقائق والآثار التي تدل على المجرم ثانياً إذ جُمعت قطع سيارة الميتسوبيشي المتناثرة في مكان الحادث. وهو العمل ذاته الذي قامت به لجنة التحقيق والغاطسين الفهلويين الدوليين الباحثين عن القطع المتناثرة للسيارة في أعماق البحر قبالة فندق سان جورج بحركات مثيرة للاهتمام والإعجاب.‏

وهذا يعني أن ما زعم أنها أخطاء لم تكن أخطاءً بل كانت تشكل بداية العمل في الاتجاه الصحيح والصائب الذي أتاح للجنة التحقيق بعد ذلك فحص السيارات المحترقة ومعرفة نوعية المتفجرات المستخدمة وزنتها ومكان وجودها فلو تركت السيارات في المكان ليعبث بها العابثون لاتهمت الأجهزة اللبنانية بارتكاب خطأ فادح وقاتل. ولو لم تجمع وتنقل قطع سيارة الميتسوبيشي في مكان الحادث لكان من الممكن أن تختفي تلك القطع وتضيع وحينها سوف توجه التهمة للأجهزة اللبنانية بأنها ارتكبت خطأً أشد فداحةً لأنها لم تجمعها وبأنها أفسحت المجال لضياع أحد الأدلة الأساسية للجريمة.‏

نتوصل مما سبق إلى أن السبب الذي زعمَ مجلس الأمن أنه بناءً عليه تم تشكيل لجنة التحقيق الدولية (العجيبة والتي لا تخفى عليها خافية) هو وجود "الأخطاء وعدم الالتزام والقدرة" لم يكن مؤكداً ومثبتاً بل يُشكل مصادرة مسبقة لعمل الأجهزة اللبنانية.‏

وهنا نسأل اللبنانيين ألا يُشكل التحقيق مع المسؤولين اللبنانيين من قبل اللجنة الدولية بدلاً من الأجهزة اللبنانية ـ بما يخالف نص القرار الذي أكد احترام القوانين اللبنانية ـ انتهاكاً للقرار وللقوانين اللبنانية ولكرامة المسؤولين اللبنانيين واللبنانيين جميعاً؟ ألا يُشكل تحديد اللجنة الدولية الإجراءات الضرورية للتحقيق بدلاً من الحكومة اللبنانية لتلك الإجراءات امتهاناً للحكومة اللبنانية ودستورها؟.‏

عندما يتيح قرار مجلس الأمن لـ اللجنة الولوج إلى جميع الوثائق السرية الخاصة بالحكومة والأجهزة الأمنية اللبنانية التي تعود لعشرات السنين ولمئات الآلاف من الأشخاص اللبنانيين، خرقاً للسرية وانتهاكاً للسيادة الأمنية والشخصية لجميع اللبنانيين؟‏

عندما يتيح مجلس الأمن لإحدى أعضاء لجنة التحقيق من أمريكا اللاتينية الصراخ في وجه الشهود والضرب بالأيادي على الطاولات أمامهم إذا لم يدلوا بالتصريحات التي تريدها منهم امتهاناً لكرامة جميع المواطنين اللبنانيين؟ ما علاقة الأمور الشخصية والعلاقات الجنسية للمسؤولين (خاصة السرية) بالتحقيق في جريمة اغتيال الحريري؟ ألا يُشكل قرار مجلس الأمن افساحاً في المجال للجنة أن تعمل فوق جميع الأراضي اللبنانية دوساً على سيادة أراضي لبنان وحريته واستقلاله وكرامة شعبه ومواطنيه؟ ذلك الهدف الذي من أجله اجتمع مجلس الأمن وقرر إرسال تلك اللجنة؟‏

طالما أننا نتحدث عن الاستقلال والاستقلالية نسأل لماذا أُضيفت كلمة المستقلة إلى لجنة التحقيق الدولية؟ هل لإقناع الناس والعالم أنها مستقلة أم للتغطية على عدم استقلاليتها؟ من يدقق في أسماء الدول والأشخاص المشاركين في اللجنة الدولية المستقلة! يكتشف بكل بساطة أنها مشكلة من الدول الصديقة والحليفة لإسرائيل.‏

إن مجرد دعوة مجلس الأمن الحكومة اللبنانية إلى التعاون والترحيب وفتح الملفات السرية والتحقيق مع جميع المسؤولين والشهود يشكل انتهاكاً للسيادة اللبنانية التي زعمَ مجلس الأمن أنه حريص عليها.‏

ثانياً ـ الأهداف التي حققتها لجنة التحقيق في لبنان‏

قبل أن نتعرف إلى النجاحات التي أحرزتها لجنة التحقيق الدولية خلال فترة عملها في لبنان، ولكي نضعها في إطارها السياسي والتاريخي لا بد أن نتعرف إلى النجاحات التي تم إحرازها قبل مجيئها.‏

من الواضح أن لبنان خلال السنة الماضية مر بتحولات عاصفةٍ عديدة، متلاحقة ومتسارعة بحيث بات من الصعب على أي متتبع للسياسة أن يلتقط أنفاسه للقيام بمراجعة وفهم ما جرى، أو لأن يقوم بعملية ربط بين الأحداث السابقة والحالية، ولأن يتوصل بالتالي إلى الخط الجامع أو الرابط بين جميع هذه الأحداث.‏

بات واضحاً لنا اليوم أن لبنان خلال هذه الفترة القصيرة المنصرمة قد مرَّ بأحداث وتغيرات عديدة، سعت القوى الخارجية من خلالها بتعاون وثيق مع قوى داخلية لبنانية إلى تحويل لبنان من حليف لسوريا إلى حليف لأمريكا وفرنسا ومن خلفهما لإسرائيل.‏

ونحن لا نغالي ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا: إن ما جرى في العراق من قصف جوي وبري وبحري لتغيير النظام العراقي وتوجهات شعبه قد تحقق في لبنان من دون أن تطلق قذيفة واحدة، ومن دون أن يُقتل جندي أمريكي واحد، وبالوسائل الدبلوماسية والإعلامية، ومن دون أن تلقى أمريكا أي شجب لما قامت به، بل على العكس لقيت ترحيباً لبنانياً وعربياً ودولياً واسعاً وهذه المسألة بحد ذاتها (كيف استطاعت القوى الإمبريالية والصهيونية بالتعاون مع القوى الداخلية الموالية لها والموجودة في لبنان ـ كما في أغلب بلدان العالم ـ أن تنفذ منها لتغير وجه سياسة وحكم أي بلد تريد تغييره) تعتبر تجربة فريدة تستحق الدراسة والبحث على المستوى الدولي والاستراتيجي.‏

لو كنت مكان السنيورة أو سعد الحريري لقلت للإدارة الأمريكية: لقد تكلفتم أكثر من ثلاثمائة مليار دولار لتغير النظام في العراق، وما زال الحبل على الجرار، أما نحن وحلفاؤنا فقد استطعنا أن نغيِّر لكم الحكومة اللبنانية وتوجهات الشعب اللبناني، ونقطع علاقته بسوريا بما يمهد إلى محاصرتها وتغيير نظام الحكم فيها، لذلك فنحن لا نطالب بأكثر مما تكلفتم في العراق: أن تعفونا من دين الأربعين مليار دولار، وأن تضعوا في حساب الحكومة اللبنانية مئة مليار دولار مقدماً، ومئة مليار تُدفع بعد تنفيذ طلباتكم الأخرى، وأن تضعوا في جيوبنا بعض مليارات لكي نصرفها على حلفائنا وأصدقائنا وأصدقائكم في لبنان والمنطقة خاصة، ولوسائل الإعلام والإعلاميين والصحفيين الأفذاذ.‏

إذا كنا لا نستطيع أن نقيِّم ما جرى في 11 أيلول وفي أفغانستان والعراق بمعزل عن السياسة الأنجلو صهيونية الكونية الرامية إلى الهيمنة على العالم، انطلاقاً من الشرق الأوسط الصغير ثم الكبير لصالح المشروع الأنجلو صهيوني، فإننا كذلك لا نستطيع أن نفهم أو أن نقيّم ما جرى في لبنان بمعزل عن ذلك المشروع، وسوف نؤكد بالبراهين والأدلة أن عملية التغيير التي بدأت في لبنان عملياً مع صدور القرار 1559 تُشكل نقلة نوعية في الهجوم الاستراتيجي الجديد الذي بدأت تشنه الأنظمة الأنجلو صهيونية على الوطن العربي، وبشكل خاص على سوريا ولبنان، وإذا كان بعضهم يرى أن الهجوم على سوريا من خلال لبنان يُشكل هروباً إلى الأمام من المأزق الذي مرت به الأنظمة الأنجلو صهيونية في العراق، فإننا نعتقد أن ذلك المأزق لم يعمل إلا على تسريع وتيرة ذلك الهجوم فقط، فبعد أن كانت تلك القوى وحلفاؤها في لبنان تعتبر اتفاق الطائف ناظماً للعلاقة بين سورية ولبنان من جهة وبين اللبنانيين أنفسهم من جهة أخرى، فإن القرار 1559 جاء لينسف تلك العلاقات وليكون بديلاً عنها بما يتلائم مع السياسة الأنجلو صهيونية في المنطقة. من هذه الزاوية فإن القرار 1559 جاء ليضرب عصفورين بحجر واحد (العلاقات السورية اللبنانية والعلاقات التوافقية بين اللبنانيين أنفسهم من جهة، ثم بين القوى والدول الممانعة للمشروع الصهيوني) من جهة ثانية.‏

وهنا لا بد من التذكير بأن الهجوم الاستراتيجي الأنجلو صهيوني قد بدأ عام 2001 مع تسلم الجمهوريين الجدد ومن خلفهم اليمين الأمريكي المسيحي المتصهين مقاليد الحكم في أمريكا، حيث استطاع التجمع الصهيوني الليكودي الأمريكي السيطرة على مجمل السياسة الهجومية لوزارتي الحرب والخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، من خلال كلٍ من (بول ولفوويتس وديفيد فروم وشارل بيرل ودوغلاس فايت وروبيرت لوينبيرغ وجوناثان ثورد وديفيد ورمزير وجون بولتون). وبدأ بتحطيم عظام الفلسطينيين، ثم بأحداث 11 أيلول، ثم بالهجوم على أفغانستان، ثم على العراق، وحالياً على سوريا من خلال لبنان.‏

منذ أن صدر القرار 1559 يوم 2 أيلول 2004 بدأت المشاكل والصراعات تتالى وتحتدم في لبنان، وإننا نعتقد أن الأزمة التي افتعلت بعد شهر من صدور القرار بسبب التمديد للرئيس لحود ما كان لها لتحدث لولا القرار المذكور، باعتبار أن عمليات تمديد سابقةٍ لرؤساء جمهوريات قد حصلت مثل التمديد للرئيس الياس الهراوي دون أن تترك هذه المضاعفات التي شهدها لبنان بعد التمديد للرئيس لحود. وإننا نعتقد أن الأزمة لم تكن تستهدف الرئيس لحود شخصياً بقدر ما تستهدف الثوابت القومية والوطنية التي يتمسك بها، ورفضه الحازم للقرار 1559 وتمسكه والتزامه باتفاق الطائف، ونستطيع أن نؤكد أنه لو لم تتم عملية اغتيال الحريري فإن موقع الرئيس لحود كان سيظل راسخاً، وما كان لأحد أن يمسه بسوء، وكان من الممكن أن يتحول القرار 1559 إلى مجرد حبر على ورق.‏

بعد التمديد للرئيس لحود بدأت قوى المعارضة الموالية لأمريكا وفرنسا قصفها الإعلامي والسياسي على الحكومة السورية، متهمة إياها بأنها كانت وراء التمديد، ثم بدأت بقصفها الإعلامي على القوى الوطنية اللبنانية (حكومة كرامي والرئيس لحود والموالين لهم) وهنا لا بد من الإشارة إلى أن عملية التمديد للرئيس لحود لم تكن بسبب رغبة أو إملاءات سورية ـ كما زعم ـ بل بسبب أن القوى الخارجية والعربية واللبنانية لم تكن متفقة يومها، وهي ما تزال حتى اليوم غير متفقة على رئيس بديل للرئيس لحود، وأن عدم الاتفاق هذا هو الذي اقتضى التمديد لـه، والذي جعل الرئيس الشهيد رفيق الحريري يوافق على عملية التمديد فالجميع يعرفون أنه لو لم يعطِ الشهيد قراره للنواب الموالين له في المجلس النيابي بالموافقة على عملية التمديد لما مُدد للرئيس لحود. لقد كان الحريري يُدرك أن لبنان كان سيدخل في أزمة رئاسية لا تقل عن الأزمة التي تسببت بها عملية التمديد نفسها، ولقد وافق الحريري بالتوافق مع سوريا وبعض الأطراف العربية واللبنانية على عملية التمديد، تجنباً لأزمة رئاسية ما تزال حاضرة حتى اليوم، رغم ما أصاب مركز الرئيس لحود من خلخلة.‏

وإذا كان صحيحاً أن رفيق الحريري رفض تشكيل وزارة جديدة في ظل حكم الرئيس لحود فإن هذا لا يُلغي حقيقة موافقته على عملية التمديد، الأمر الذي جعل بعض الأطراف اللبنانية الموالية له في التحالف الديمقراطي والمنبر الديمقراطي واليسار الديمقراطي والحزب التقدمي الاشتراكي تنقلب عليه وتلتقي مع جماعة قرنة شهوان في اللقاء الذي تم في فندق البريستول ما دفع الحريري إلى وصف هؤلاء الحلفاء الذين كانوا يزعمون أنهم موالون له والذين انضموا إلى البريستول بالمنحرفين والمتطرفين قبل مقتله بساعات.‏

في تلك المرحلة بدأت عملية فرزٍ واضحة للقوى اللبنانية بين اتجاهين رئيسيين: اتجاه مؤيد ومطالب ومتمسك بالقرار 1559 هذا الاتجاه الذي يُشكل بيان حراس الأرز الأخير تجسيداً حقيقياً لأهدافه غير المعلنة، والتي تم البوح بها في البيان، والهادفة إلى عزل لبنان عن محيطه العربي، وجعله جزءاً من الأطلسي، وجعل أمن لبنان من أمن إسرائيل، بدلاً من أن يكون أمنه من أمن سوريا والعرب؛ واتجاه آخر عروبي ووطني وتقدمي مؤيد وملتزم باتفاق الطائف، ذلك الاتفاق الذي تم بالاستناد إليه مجيء الحريري، وتسلمه رئاسة الوزارة أكثر من مرة منذ عام 1992 وحتى عام 2004.‏

بين هذين الاتجاهين برز اتجاهان توفيقيان: اتجاه سليم الحص الأميل إلى اتفاق الطائف، واتجاه الحريري الأميل إلى البحث عن حل توفيقي بين القرار 1559 واتفاق الطائف. وهكذا انقسمت الساحة اللبنانية إلى أربعة محاور أخذت تتصارع وتتبادل الاتهامات والشتائم، لدرجة جعلت من الصعب على المراقب المحايد معرفة من هم مع القرار 1559 ومن هم مع اتفاق الطائف ويلتزمون به فعلاً لا قولاً، وأبرز مثال على هؤلاء موقف كتلة وليد جنبلاط (التحالف الديمقراطي) المؤيدة لبعض بنود القرار 1559 والرافضة لبعضها الآخر.‏

في هذه اللحظة التي ضاعت فيها ملامح الصراع الأساسية لم يعد الناس يعرفون أين وقف الحريري؟ وأين يجب أن يقفوا؟‏

قبض ثمن الحصان ذاته أكثر من مرة:‏

إننا في هذا المجال لا نستطيع إلا أن نعترف بأن تلك القوى استطاعت أن تتخذ من عملية اغتيال الحريري حجة لتأليب الشارع اللبناني على سوريا وعلى الرئيس لحود وعلى القوى الوطنية ولتطالب بإخراج القوات السورية من لبنان تنفيذاً للمطلب الأول من القرار 1559 وخلافاً لما نص عليه اتفاق الطائف، كما لا بد من أن نعترف بأن تلك القوى استطاعت بعد عملية اغتيال الحريري أن تنجح في مسعاها بإخراج القوات السورية ورجال أمنها من لبنان قبل البدء بعملية الانتخابات، وهنا لا بد أن نشير إلى أن تلك القوى راحت تطالب بإقالة قادة الأجهزة الأمنية لعدم ثقتها بهم، وبلجنة دولية للكشف عن الحقيقة التي غيبتها الأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية ـ حسب زعمهم ـ الأمر الذي دفع حكومة عمر كرامي والحكومة السورية أن توافق على طلبهم ذاك، ولكي لا تتهم بأنها لا تُريد معرفة الحقيقة والكشف عن الجناة. وهكذا أصبح تقرير لجنة تقصي الحقائق التي أحضرت إلى لبنان مقدمةً لإصدار القرار 1595 القاضي بتأليف لجنة التحقيق الدولية بزعامة القاضي ميليس الذي يؤكد الجميع، وهذا ما سوف نؤكده لاحقاً أنه جاء لاستكمال البنود الأخرى التي تضمنها القرار 1559، فما عجزت القوى الداخلية والخارجية عن تحقيقه بعد عملية الاغتيال حققته عن طريق فرض لجنة دولية أشرفت على الانتخابات اللبنانية، بما سهل عليها الفوز بالأغلبية النيابية، وما عجزت لجنة تقصي الحقائق واللجنة الدولية للإشراف على الانتخابات عن تحقيقه، جاءت لجنة التحقيق الدولية بحجة الكشف عن الحقيقة لكي تستكمله.‏

إننا نعتقد بل نجزم بأن القوى الدولية والمحلية التي كانت وراء إصدار القرار 1559 هي التي أدخلت لبنان في حالة من الفوضى والصراعات التي شهدناها منذ عام مضى وحتى اليوم، وأن تلك القوى ذاتها هي التي كانت وراء إصدار القرار 1595 ووراء القرار 1614 ووراء مؤتمر نيويورك الداعم للبنان، ووراء قرار اليونفيل القاضي بنشر الجيش اللبناني في الجنوب.‏

بعد هذه المقدمة نستطيع أن نُحدد الأهداف التي حققتها لجنة التحقيق الدولية بحجة الكشف عن الحقيقة:‏

1 ـ الهيمنة الأمنية الأمريكية الفرنسية الإسرائيلية على لبنان: جاء في ملحق القرار 1595 ما يلي:‏

(عبرت الدول الأعضاء في مجلس الأمن عن أملها بإزاحة القادة الأمنيين الأربعة من مناصبهم قبل وصول لجنة التحقيق الدولية إلى لبنان بناءً على التوصيات التي رفعتها لجنة تقصي الحقائق) قبل أسبوعين بحجة فتح المجال أمامها للكشف عن الحقيقة التي عملَ هؤلاء القادة على إخفائها. وبالفعل لم تحضر لجنة التحقيق إلا بعد خروج القوات السورية ورجال أمنها كلياً من لبنان (الأمر الذي أكدته اللجنة الدولية التي شكلت بإشراف لارسن للتحقيق في ذلك) وإقالة القادة الأمنيين، الشرط نفسه الذي جعلَ المخابرات الإسرائيلية العسكرية تتمكن من إعادة فتح مكتبها القديم في جونية مباشرة.‏

إن وضع قادة الأجهزة الأمنية الأربعة اللواء جميل السيد واللواء علي الحاج والعميد مصطفى حمدان والعميد ريمون عازار، واثنين من الوزراء واثنين من النواب، واثنين من قادة الأحزاب اللبنانية تحت الإقامة الجبرية كشرط لقدوم لجنة التحقيق الدولية قد برر على الفور دخول أجهزة الاستخبارات الفرنسية والأمريكية والإسرائيلية إلى لبنان، ولقد اتضح ذلك بظهورها الفوري بعد عملية اغتيال سمير قصير ثم جورج حاوي، كما لو كانت هذه العمليات مقصودة لتسويغ وجود هذه المخابرات الغربية، وجعل وجودها مقبولاً ومستساغاً من خلال حضور رجال الـ F.B.I الأمريكية والمخابرات الفرنسية إلى أماكن حدوث التفجيرات، خاصةً مكان اغتيال سمير قصير على الفور، كما لو كانت على علمٍ مسبق بمكان ووقت وحدوث العملية، وكأنهم أردوا أيضاً أن يرسلوا رسالة إلى اللبنانيين يقولون لهم فيها بأنهم أجدر بالثقة من الأمن اللبناني والسوري، وبأنهم أحرص منهم على لبنان وشعبه. نستنتج مما سبق:‏

1 ـ أنه قد تم استبدال الوجود الأمني السوري اللبناني المشترك فوراً بوجود أمني أمريكي فرنسي وإسرائيلي.‏

2 ـ بعد أن تم إقصاء قادة الأجهزة الأمنية اللبنانية أصبحت هذه الأجهزة دون قيادة، ودون مرجعية، الأمر الذي انعكس على الفور شللاً وعدم قدرة على اتخاذ القرارات المناسبة ما انعكس على الشارع اللبناني فراغاً أمنياً مكّن القوى الإجرامية من تنفيذ عددٍ من العمليات في بيروت الشرقية وضد بعض الشخصيات اللبنانية، لتسويغ التواجد الأمني الأمريكي والفرنسي والإسرائيلي الحاصل.‏

3 ـ إن غياب قادة الأجهزة اللبنانية جعل قادة وعناصر هذه الأجهزة الأدنى مرتبة تخضع مباشرة لأوامر المخابرات الأمريكية والفرنسية، تحت غطاء التحقيق الذي تقوم به اللجنة الدولية التي أصبحت المتحكمة والمتنفذة فعلاً بالأمن العام اللبناني، الذي أُصيب بالشلل العام والتهميش والضياع.‏

ونحن هنا لا نوجه اتهامات باطلة أو من دون أساس، فهذا الاتهام توجه به الجنرال ميشيل عون الذي أكد وجود فراغ أمني في لبنان وانتقده بشدة وانتقد حكومة السنيورة على تلكئها في تعيين قادة أجهزة أمنية جدد وعدم إعطائها الناحية الأمنية للبنانيين الأهمية التي تتطلبها الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان. وطالما أننا نتحدث عن موقف الجنرال عون من هذه القضية، فإننا ننتهز هذه الفرصة لنوجه له ولغيره الذين كانوا يستاؤون من وجود رجال الأمن السوريين الأسئلة التالية:‏

أولاً:‏

آ ـ لماذا سكتوا على الوجود الأمني الأمريكي والفرنسي والإسرائيلي الذي تحقق على الفور بعد خروج رجال الأمن السوريين وغياب القادة الأمنيين اللبنانيين؟‏

ب ـ من هو المسؤول عن هذا الفراغ الأمني الحاصل، والذي أدانه الجنرال وغيره واستنكروه؟. هل الحكومة اللبنانية العاجزة؟، أم السفراء المتنفذون في لبنان؟ أم وصاية لجنة التحقيق الدولية؟‏

وإن المرء في هذا المجال لا بد أن يستغرب كيف لم يوجه أحدُ من المسؤولين اللبنانيين النقد لمثل هذه الهيمنة الغربية والحضور القوي لها؟ وكيف لم يروا أن أي حديث عن الاستقلال في ظل هذه الهيمنة الأمنية والسياسية الغربية لن يكون إلا وسيلةً لذر الرماد في العيون، ولتشريع هذه الهيمنة وتقبلها والخضوع لمشيئتها.‏

ثانياً: إذكاء نار العداء لسوريا:‏

أصبح واضحاً أن ميليس عندما قدم تقريره الإجرائي يوم 25/8/2005 قبل موعده المحدد بعشرين يوماً، وقبل أن يكتمل التحقيق، إنما كان يهدف إلى توجيه الاتهامات لسوريا بأنها أعاقت عمل لجنة التحقيق، ومن أجل أن يقدم الشكر لإسرائيل التي ساعدت لجنته في التحقيق، ولكي يبقي أصابع الاتهام موجهةً نحو سوريا، ولكي يبرئ ساحة إسرائيل بما يبقي النار نار العداء متقدة ضد سوريا داخل لبنان والوطن العربي والعالم، وبما يفسح في المجال لحكومة السنيورة لأن تظل سائرة في النهج المعادي لسوريا من دون أن تلقى أية معارضة داخلية، ولكي يسوّغ لحكومة السنيورة الخنوع والخضوع لكل ما كان يطلبه منه سفراء أمريكا وفرنسا.‏

ثالثاً: بعد أن أوضحت سوريا أنها تعاونت مع لجنة التحقيق الدولية، وأبدت استعدادها لمزيد من التعاون معها، قام السيد ميليس بعد عودته من نيويورك على الفور بإصدار أمر إلى القاضي العدلي اللبناني يطلب فيه اعتقال القادة الأمنيين الأربعة والنائب السابق ناصر قنديل، ولقد قام القاضي اللبناني على الفور وفي الليلة نفسها بإصدار أوامره لقوات الأمن اللبنانية بمداهمة منازل الأشخاص الخمسة واعتقالهم.‏

قبل أن نشرح أبعاد هذه الخطوة التي قام بها كل من ميليس والقاضيين العدلي والتمييزي اللبنانيين لا بد أن نُشير إلى أن هذه الخطوات تتناقض مع ما جاء في المادة السادسة الواردة في نص القرار 1595 (تحديد الإجراءات الضرورية لتنفيذ التحقيق، آخذين بعين الاعتبار القوانين اللبنانية المرعية) بمعنى أنه لا يحق لميليس إصدار أوامر باعتقال أي شخص خلافاً للقوانين اللبنانية ـ حتى على الشبهة والظن ـ بل يحق له فقط استجوابه ورفع التحقيقات إلى القاضيين العدلي والتمييزي اللبناني اللذين يحق لهما وحدهما إيقاف المتهمين، استناداً لمذكرة التفاهم الموقعة بين الحكومتين اللبنانية والأمم المتحدة، مما يعني أن ما قام به ميليس والقاضي العدلي يُشكل خرقاً للمادة السادسة من القرار 1595 وخرقاً لمذكرة التفاهم، وخرقاً للقوانين اللبنانية السائدة، مما يعني أيضاً أن السيد ميليس كما أشار إلى ذلك السيد أحمد الأمين في مقال له في صحيفة السفير قد جعل من نفسه مدعياً عاماً عن لبنان واللبنانيين جميعاً، وأن القاضيين عندما نفذا ما طلبه دون تدقيق، يعني أنهما سلما بأنه أصبح مدعياً عاماً عن لبنان (رئيساً للنيابة العامة اللبنانية)، ويُشكل سلطة قضائية عليا في لبنان، وهنا لا بد أن نشير إلى أن الرئيس لحود عن طريق مستشاره السياسي والناطق الإعلامي باسم رئاسة الجمهورية السيد رفيق شلالا قد انتبه إلى مثل هذه المخالفات، فأصدر بياناً رسمياً بثه عن طريق الإذاعة اللبنانية الرسمية مساء ذلك اليوم طلب فيه من القاضيين العدلي والتمييزي، استناداً لمذكرة التفاهم، مقاطعة البيانات والأدلة التي قدمتها لجنة التحقيق مع البيانات المتوفرة لديهما والمستندة إلى أدلة قاطعة ودامغة، والتي يُمكن بعد مقاطعتها اعتقالهم على الشبهة والظن (الأمر الذي لم يحصل وهذا ما أكد عليه مروان حمادة بعد شهر من ذلك عندما سرب معلومات مخالفاً قرار الحكومة بعدم تسريب ما دار في جلسة الأربعاء يوم 28/9/2005 عندما نفى ما قاله وزير العدل شارل رزق من أن تقرير ميليس الذي لم يصدر بعد قد لا يكون كافياً لأن يستند إليه المحقق العدلي اللبناني، لإصدار قراره الظني باعتقال أو توقيف المسؤولين الأربعة أو غيرهم فالقاضيان لم يلتزما بملاحظات رئاسة الجمهورية، ولا بمذكرة التفاهم ولا بالقوانين اللبنانية، ولا بما يتوفر لديهما من أدلة دامغة، فقاما بإصدار أوامرهما للأجهزة الأمنية باعتقال القادة الأمنيين دون أن تتوفر الأدلة التي تدينهم، وهنا لا بد من أن نُشير إلى أن القاضيين قد استغلا استقلال سلطة القضاء اللبناني عن السلطة التنفيذية وسلطة رئيس الجمهورية ليتجاوزا ليس على سلطة الرئيس وتعليماته فقط، بل ليخترقا القوانين اللبنانية ومذكرة التفاهم وليزعما بعد ذلك أن الحياة الدستورية في لبنان قد عادت إلى مجراها الطبيعي، والحقيقة هي أن القضاء اللبناني المستقل عن السلطة التنفيذية للحكومة والرئيس شكلاً وظاهراً لم يعد مستقلاً فعلاً وعملياً لأنه أصبح خاضعاً بالفعل والواقع لسلطة القاضي ميليس وأوامره. ولتلافي هذه الآثار السلبية التي يمكن أن تنجم من اعتراض بعض اللبنانيين على مثل هذا الخرق الفاضح والخطير وليخففوا من وقع هذا الخرق عليهم قام وزير العدل اللبناني بالإعلان من أن توقيف هؤلاء لا يقيم الدليل على أنهم متهمون باعتبار أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته ثم سوّغ عملية الاعتقال بأنها جاءت لحماية المتهمين من القتل إذا ما بقوا في الخارج، وبما يمكن محامي الدفاع عنهم من الإطلاع على التهم الموجهة إليهم، ومن الدفاع عن موكليهم بشكل أفضل.‏

رابعاً: من المدهش والملفت للنظر أن يقوم اللواء جميل السيد الموقوف على ذمة التحقيق بناءً على قرار من لجنة التحقيق بالسفر إلى باريس قبل إيقافه بعدة أيام وبحوزته عدد من الحقائب.‏

خامساً: إن اعتقال القادة الأمنيين الأربعة على الشبهة والظن شجع على الفور بعض القوى الحاقدة على لبنان و سوريا أن تكيل لهم التهم، كما لو كانوا فعلاً متهمين ومجرمين ومدانين. مع علمهم أنهم قد أوقفوا بشكل غير دستوري وبشكل احترازي وعلى الشبهة، لا بل قد تمادوا أكثر حيث راح بعضهم يوجه التهم لرئيس الجمهورية كشريك لهم في الجريمة وحامياً لهم، لأنه فقط دافع عن شرف رئيس الحرس الجمهوري الخاضع لـه والمعروف بالنزاهة والاستقامة.‏

ومن المؤسف أن نشير إلى ذاك الدرك الذي وصل إليه بعض اللبنانيين الحاقدين الذين طلبوا من القاضي العدلي نقل المتهمين إلى المكان الذي كان يعتقل فيه سمير جعجع في الطابق الثالث تحت الأرض، كما لو كان سمير جعجع والموالون له يريدون الانتقام من هؤلاء القادة الذين وضعوه في السجن، لا بل ذهب بعضهم إلى الهجوم على النظام الأمني الذي رعته سوريا وعلى سوريا بالذات. وما جرى في اليوم التالي دفع بعض هؤلاء الحاقدين إلى اتهام الأمن العسكري بالسماح لأسر المعتقلين بزيارة ذويهم في السجن العسكري، الأمر الذي أدى إلى فتح معركة بين رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء ووزير الداخلية حسن السبع لضرورة نقلهم إلى السجن التابع لقوى الأمن الداخلي، وهذا ما يخالف القوانين اللبنانية، ومن المؤسف أن نشير إلى أن الغلبة كانت في هذا الخلاف للأطراف الحاقدة، حيث تم نقل الموقوفين إلى سجن الأمن العام، مما يؤكد أن في العملية أمراً كيدياً وانتقامياً وأنها قد جاءت على خلفية تصفية حسابات قديمة بغطاء دولي، وأنها بعيدة كل البعد عن الموضوعية والنزاهة عدا عن عدم قانونيتها.‏

لا يفهم من هذا أننا ندافع عن هؤلاء القادة الذين قد يكونون متورطين فعلاً وقد يكونون أبرياء، بل ندافع عن القانون والاتفاقات المبرمة. طالما أنه لم تثبت الأدلة القاطعة في تورطهم، وطالما أن ميليس لم يصدر قراره النهائي بعد.‏

سادساً: إن الهجوم الذي شنه الوزيران وليد عيدو وغازي العريضي والوزيرة نائلة معوض وغيرهم على رئيس الجمهورية لأنه دافع عن رئيس الحرس الجمهوري، أو بسبب إيقافه وإيقاف القادة الأمنيين الأربعة على الشبهة قبل أن تثبت إدانتهم، جعل هؤلاء الوزراء وغيرهم يكيلون الاتهامات لرئيس الجمهورية، الأمر الذي يتطلب من رئيس الجمهورية وذوي الموقوفين رفع دعاوى عليهم، وأن يطالبوا بإيقافهم وحبسهم بتهمة القدح والذم دون أي أساس موضوعي. فلو افترضنا أن التهمة ثابتة على هؤلاء القادة وعلى رئيس حرسه فما شأن رئيس الجمهورية بذلك؟ طالما أن هؤلاء الوزراء يقولون إن: قادة الأجهزة الأمنية كانوا يتبعون لسوريا وليس لرئيس الجمهورية.‏

إن مثل هذا الهجوم الذي قام به هؤلاء على رئيس الجمهورية دون أن يكون مسؤولاً مسؤولية مباشرة عن المعتقلين أو عن أفعالهم، وقبل أن تثبت التهمة عليهم أو عليه يهدف إلى ضعضعة مركزه الأمر الذي أفسح في المجال للمطران صفير ومجلس المطارنة إلى القول إن موقع رئيس الجمهورية قد بدأ يهتز، مما يعني أن مجلس المطارنة قد بدأ يرفع الغطاء والحماية عن الرئيس لحود وأن ذلك لم يكن إلا إشارة إلى موافقة بكركي بعد زيارة الجنرال عون للمطران صفير للبدء في البحث عن رئيس جمهورية جديد قد يكون الجنرال عون، وأن ذلك الموقف لم يكن إلا بداية لفرض الحصار على رئيس الجمهورية من أغلب القوى اللبنانية خاصة المارونية، لدفعه إلى الاستقالة قبل نهاية مدّته الرئاسية.‏

ليس هذا دفاعاً عن رئيس الجمهورية بل إشارة إلى أن في العملية أمراً كيدياً يتفق مع المطالب الخارجية الداعية إلى إقالته من منصبه منذ أن مدد له في تشرين الأول من عام 2004 قبل أن تحضر لجنة التحقيق، وأن الحملة الراهنة ضده ليست إلا حملةً ظالمةً لا تستند على أسس قانونية أو منطقية أو إلى أي أدلّة.‏

سابعاً: الأهم من هذا وذاك أن مجلس المطارنة اتخذ من عملية اعتقال قادة الأجهزة الأمنية الأربعة حجة للمطالبة بأن يكون رئيس الأمن العام اللبناني مارونياً أو من جماعة 14 آذار ليقطع الطريق على حزب الله المطالب بأن يكون هذا المنصب من نصيبه، فالتوافق اللبناني استناداً للميثاق الوطني لعام 1943 جعل من مركز مدير الأمن العام اللبناني وعملية المحاصصة الطائفية (من حصة الشيعة) فعندما يُطالب المطران صفير بأن يكون مدير الأمن العام مارونياً فإنه يخالف الميثاق الوطني اللبناني الذي يزعم أنه يتمسك به، وبصرف النظر عن هذا وذاك لا بد من أن نشير إلى أن حزب الله المهدد من قبل إسرائيل والذي يعرف الجميع أن قادته مهددون بالاغتيال من قبل عناصر الموساد التي دخلت لبنان. منذ أن تم العفو عنهم بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان بأنه هو الأولى بهذا المنصب من أي طرف آخر، حتى لو كان هذا المنصب حقاً معطى للموارنة وهنا لا بد من الإشارة إلى أن أحد الأهداف غير المعلنة لعمليات التفجير في المناطق المسيحية ولشخصيات مسيحية كان آخرها محاولة اغتيال المذيعة مي شدياق تهدف إلى تسويغ وتشريع حضور المخابرات الأمريكية، الأمر الذي حصل قبل الدعوة الرسمية التي وجهها السنيورة لها بالحضور للتحقيق بدلاً من الأجهزة اللبنانية التي غيبها قصداً إنما جاءت لتوهم اللبنانيين أن المسيحيين هم المهددون بما يجعلهم يطالبون بمنصب مدير الأمن العام اللبناني وبأنهم الأحق بالأمن والرعاية (إنها لعبة قذرة وحقيرة أودت بأرواح أبرياء مسيحيين ثمناً لها كمقدمة لفرض مدير أمن عام ماروني، وتشريع الهيمنة الأمنية الأمريكية على الأمن في لبنان).‏

ثامناً: في هذا الوقت الذي بدأ الهجوم يتركز على رئيس الجمهورية أعلن الرئيس بوش أنه لن يستقبله إذا ما جاء إلى نيويورك.‏

إن هذا الموقف غير الدبلوماسي يعتبر امتهاناً لكرامة جميع اللبنانيين، فطالما أن الرئيس لحود ما زال رئيساً للجمهورية اللبنانية فإن على القوى الدولية أن تتعامل معه بصفته رئيساً لهذه الجمهورية، ولا يجوز لها أن توجه لـه الإهانات، أو أن تتدخل في الخلافات والشؤون الداخلية لبلد تزعم أنه مستقل وأنها حريصةُ على استقلاله، ولا أن تصب الزيت على نار القوى الداخلية الهادفة إلى إقالة رئيس الجمهورية.‏

إن هذا الموقف الأمريكي الذي استند إليه ميليس باعتقال القادة الأمنيين الأربعة خاصة رئيس الحرس الجمهوري إضافة لما سبق ذكره شجع كلاً من السيدين سعد الحريري والسنيورة بالذهاب إلى نيويورك ليشكلا محوراً مقابلاً ومناهضاً للرئيس لحود وليتلقيا الدعم من الإدارة الأمريكية وليقولا للبنانيين بأنهم يجب أن يصطفوا وراءهم وليس وراء رئيس الجمهورية المرفوض أمريكياً والآيل إلى السقوط، الأمر الذي أكد أيضاً الشرخ الحاصل بين اللبنانيين وعمل على زيادته خاصةً بعد أن اجتمع السنيورة مع الدول الداعمة للبنان في نيويورك في الوقت الذي كان يُلقي فيه رئيس الجمهورية خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.‏

تاسعاً: من اللافت للنظر أن يقوم السفير الأمريكي في هذا الوقت أثناء (غياب رئيس الجمهورية والحكومة) بافتتاح مركز معلومات أمريكي في قرية راشيا يوم 8/9/2005 كما لو كان هو الرئيس الفعلي للبنان، ولأن يُعلن من هناك أن مزارع شبعا مع أنها محتلة من قبل إسرائيل إلا أنها تابعة لسوريا استناداً للخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة ولارسن عام 2000، الأمر الذي يتطلب قراراً جديداً من الأمم المتحدة وتنازلاً سورياً رسمياً عن تلك المناطق للبنان؛ مما يعني أن السفير الأمريكي أراد أن يحدث بصدد هذه المسألة فتنة بين اللبنانيين والسوريين وأراد أن يسحب البساط سلفاً من تحت يد حزب الله والقوى اللبنانية المطالبة باستعادة مزارع شبعا وأن يقنع اللبنانيين بإمكانية إقامة سلام مع إسرائيل دون أن تتحرر هذه المزارع. والملفت للنظر أن يجتمع المطارنة في بكركي في اليوم ذاته ليبدؤوا بإطلاق نارهم الإعلامية على حزب الله بالقول بأنه لا يجوز له أن يشارك في الحكومة، وأن يكون له في الوقت ذاته قوات عسكرية خارجة عن سيطرة الحكومة، والمدهش أن فيلتمان قام في اليوم التالي بزيارة لبكركي ليثني على موقف المطارنة.‏

عاشراً: أما فيما يتعلق بالخطوة التي قام بها ميليس بعد عدة أيام للكشف عن الحسابات المصرفية للقادة الأمنيين الأربعة ورستم غزالي ورنا قليلات، للحصول على وثائق تدينهم بسرقة المال العام وبنك المدينة لإثبات فسادهم وعدم صلاحيتهم للمناصب التي كانوا يشغلونها، فإننا نعتقد أنها خطوة غير موفقة لأنه لا علاقة بين سرقة المال العام السائب وبين التخطيط لجريمة قتل الحريري. وإننا نسأل ميليس وغيره إذا كان هؤلاء قد سرقوا حوالي 126 مليون دولار وحولوها إلى حساباتهم الخاصة في الخارج فأين ذهب المال العام اللبناني الذي سرق خلال السنوات الخمس عشرة الماضية؟ هل رنا قليلات وهؤلاء الأربعة ورستم غزالي هم الذين سرقوا المال العام اللبناني أم أن جميع الساسة اللبنانيين قد ساهموا بسرقته، إن لم نقل: إنهم سرقوا وبددوا الكثير الكثير منه؟ ونذكر ميليس وغيره بأنهم إذا أرادوا فتح ملف الفساد المالي فإن أبواب جهنم ستفتح عليهم لأن هذا الأمر يتطلب فتح ملفات جميع الساسة اللبنانيين الآخرين الذين سرقوا المال العام ودمروا الاقتصاد اللبناني، الأمر الذي يطالب به الجنرال عون، ونذكر هؤلاء بأن استخدام قصة بنك المدينة وقضية الاختلاسات الحاصلة فيه تُشكل إدانة للرئيس الحريري وللسنيورة بالذات، قبل أن تشكل إدانة لرستم غزالي، لأن قضية بنك المدينة قد حصلت في عهد الرئيس الحريري، ولأن القضية أغلق ملفها عام 2003 في عهد الحريري ورئاسة السنيورة لوزارة المالية، استناداً للتصريح الذي أدلى به رئيس المصرف اللبناني المركزي السيد رياض سلامه ونشرته الصحف اللبنانية.‏

إن فتح الملفات المالية القديمة سوف تصيب السنيورة وجنبلاط ولا تصيب سوريا بدليل أن مطالبة الجنرال عون بإجراء تحقيق مالي قد جعل فرائص الحكومة اللبنانية تهتز.‏

إننا نتمنى أن يظل الجنرال عون ثابتاً على موقفه المطالب بلجنة للتحقيق في الفساد المالي والإداري الذي تم خلال المرحلة السابقة وأن لا يكون موقفه ذلك مجرّد سلاح تكتيكي يستخدمه للضغط على سعد الحريري وتيار المستقبل وجنبلاط من أجل مساومتهم للقبول به رئيساً جديداً للجمهورية اللبنانية.‏

من المستغرب أن يقبل اللبنانيون الشخص الذي جعل ديون لبنان تصل إلى أربعين مليار دولار رئيساً لوزرائهم، والذي كان موقفه في مؤتمر نيويورك يشير إلى أنه قد تبنّى مطالب البنك الدولي الذي يقوده بول ولفوويتس بما يجعل لبنان وشعبه رهينة بيد المصرفيين اليهود المتنفذين في البنك الدولي بما قد يكون مقدمة لبيع لبنان وشعبه إلى إسرائيل، ولقد اتضحت هذه النية لدى السنيورة فور عودته من نيويورك حيث طلب رسمياً من المخابرات الأمريكية الـFBI التحقيق في جريمة اغتيال مي شدياق، كما لو كان الفاعل لتلك الجريمة يقصد من خلالها أيضاً اختبار التعهدات التي قطعها السنيورة على نفسه في نيويورك، وبالفعل لم يخيب ظن الأمريكيين والبنك الدولي به وكان عند أقواله وتعهداته القديمة الجديدة فزعم أنه حرصاً على لبنان من الإرهاب الدولي الذي يودي بحياة كثير من اللبنانيين! سوف يستعين بأي طرف دولي حماية للمواطنين اللبنانيين! (ألا يذكرنا قوله هذا بقول البير الجميل إنه سوف يستعين بالشيطان أي بإسرائيل لحماية المسيحيين من القتل).‏

إن زعم السنيورة أنه استعان بـFBI من أجل إيقاف الإرهاب الذي يتعرض له لبنان يفتقد إلى الصحة. فإيقاف الإرهاب لن يتحقق بالوسائل الأمنية فقط بل بشكل رئيسي من خلال حل سياسي يقوم على وحدة وطنية تجعل من كل لبناني يؤمن بأن أمن الوطن كله والشعب كله هو من أمنه الشخصي، أما زعم السنيورة بأنه استعان بالـFBI للكشف عن المجرمين والقتلة فهو زعم باطل، لأن جميع اللبنانيين يعرفون أن هؤلاء قد حضروا إلى لبنان وشاهدوهم على شاشة التلفاز منذ أن اغتيل سمير قصير أي منذ نحو ستة أشهر وأنهم من ذلك التاريخ وحتى اليوم الذي وقعت فيه جرائم كثيرة لم يستطيعوا الكشف عن فاعليها، أو أن يحولوا دون وقوعها.‏

حادي عشر: في هذا الوقت الذي نجح فيه ميليس بتعطيل الحياة الداخلية للبنان، اجتمع مجلس الأمن يوم 29/7/2005 وأصدر قراره المعروف بالرقم 1614 والذي جاء فيه (بعد التأكد من انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية، وتنفيذها الكامل للقرار 425 يرى مجلس الأمن أن الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة بالتعاون مع تيري رود لارسن يشكِّل خط الهدنة الدائم وبأنه يمثل الحدود الرسمية بين دولتي إسرائيل ولبنان واستناداً لذلك فإنه يطلب من الحكومة اللبنانية مد سلطتها باتجاه الجنوب على طول الخط الأزرق بما يحول دون هجمات الإرهابيين اللبنانيين عبره على دولة إسرائيل) بمعنى آخر فإن هذا القرار جاء ليثبت وليشرعن احتلال إسرائيل لأراضٍ لبنانية خلف الخط الأزرق لتدعيم موقف إسرائيل وفيلتمان وترمي أيضاً إلى سحب البساط من تحت حزب الله والقوى الوطنية اللبنانية المطالبين باستعادة جميع الأراضي اللبنانية المحتلة، بمعنى آخر إنه عندما يدعو إلى نشر الجيش اللبناني على الحدود إنما يدعوه لحماية الأراضي اللبنانية المحتلة من قِبَل إسرائيل وليشكل عائقاً أمام حزب الله من العمل على تحريرها أي أن القرار 1614 جاء ليكمل ويؤكد على ضرورة تنفيذ الشق الثاني من القرار 1559 الذي لم يتم تنفيذه حتى الآن، ويدعو الجيش والحكومة اللبنانية على ضرورة تنفيذه.‏

عندما يتهم القرار حزب الله المشارك في الحكومة بالإرهاب فإنه يشكل امتهاناً لكرامة الحكومة اللبنانية واللبنانيين جميعاً ويُشكل انتقاصاً من سيادة لبنان على جميع أراضيها التي ما تزال إسرائيل تحتلها خلف الخط الأزرق. ويشكل تحريضاً للحكومة اللبنانية على حزب الله لتجريده من سلاحه بما يؤدي إلى تنفيذ الشق الأخير من القرار 1559.‏

ثاني عشر: في الوقت الذي كان الخلاف على أشدّه بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء الذي طالب باستقالة الأول، جاء قادة اليونيفيل والتقوا مع وزير الدفاع اللبناني وراحوا يحثّونه على إرسال القوات اللبنانية إلى الحدود مع (فلسطين المحتلة) لحماية حدود إسرائيل باعتبار أن إسرائيل كما جاء على لسان قادتها تدعم عمليات الحفاظ على خط الانسحاب الذي قامت به إسرائيل عام 2000م.‏

وفي هذا الوقت بالذات وعلى خلفية الصراع السياسي الذي فجّره ميليس بإيقاف القادة الأمنيين قام مبعوث المفوضية السامية للاجئين بلقاء وزير الداخلية حسن السبع، ودعاه إلى إعطاء اللاجئين غير الفلسطينيين الجنسية اللبنانية، كمقدمة لتمرير إعطاء الجنسية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، الأمر الذي رفضه وزير الداخلية حرصاً على التوازن الطائفي السكاني في لبنان كما قال وليس لتمسكه بحقهم في العودة إلى وطنهم الذي طُردوا منه ظلماً وعدواناً.‏

يتضح لنا مما سبق أن جميع التحركات التي قامت بها الولايات المتحدة وفرنسا بدءاً من القرار 1559 والاعتراض على التمديد للرئيس لحود والصراع الذي تولّد عنه بين اللبنانيين مروراً بعملية اغتيال الحريري والقبول بإرسال لجنة تقصي الحقائق ثم لجنة تشرف على الانتخابات ثم إرسال لجنة تحقيق دولية استناداً إلى القرار 1595 والقرار 1614 وتحركات رئيس الوزراء والوزراء اللبنانيين بالتوافق مع تصريحات المسؤولين الأمريكيين والفرنسيين والإسرائيليين وتحركات اليونيفيل والمفوضة السامية للاجئين، مروراً بالجرائم التي حصلت في لبنان والتي سوّغت أخيراً لرئيس الحكومة الطلب من FBI التحقيق فيها بدلاً من الأمن اللبناني إنما تعمل وفقاً لخطة منهجية واحدة، يقودها مايسترو واحد، همّه الأساسي الحفاظ على أمن ومستقبل وسيادة إسرائيل.‏

الأهداف التي أحرزتها لجنة التحقيق ضد سوريا‏

1 ـ إذا دققنا النظر في البند السابع من القرار 1595 نجد أنه:‏

يدعو جميع الأطراف إلى التعاون الكامل مع لجنة التحقيق، وتزويدها بأية معلومات تتوفر لديها والمتعلقة بالحادث الإرهابي الذي أودى بحياة رفيق الحريري وعدد من المواطنين اللبنانيين، وبما يؤدي إلى معرفة المخططين والمنفذين للعملية والكشف عن الحقيقة.‏

إذا كان صحيحاً أن القرار لم يذكر سوريا بالاسم وبصورة مباشرة، إلا أنه كان يقصدها بشكل رئيسي، ويدعوها ـ فقط ـ إلى التعاون الكامل مع لجنة التحقيق وتقديم ما يتوفر لديها من معلومات...‏

وقد أبدت سوريا منذ البداية استعدادها الكامل للتعاون مع اللجنة (إذا ما أرادت الكشف عن الحقيقة فعلاً)، لكن ميليس استغل هذا الاستعداد، وطلب التحقيق مع بعض المسؤولين الأمنيين السوريين، وهذا ما لا ينص عليه القرار. هناك فرقٌ واضحٌ بين التعاون لتقديم المعلومات ضمن الأطر والقنوات الرسمية وبين طلب ميليس التحقيق المباشر مع بعض الشخصيات السورية، أو توجيه التهم إليهم، الأمر الذي دفع الحكومة السورية إلى رفض طلبه، استناداً لما تنص عليه المادة السابعة من القرار المذكور، فطلبت منه أن يتقدم للحكومة السورية (عبر وزارة الخارجية السورية ومندوبها لدى الأمم المتحدة بالأسئلة التي قد تساعده الإجابات عنها في الكشف عن الحقيقة. الأمر الذي لم يرضِ ميليس، ودفعه إلى اعتبار ذلك، كما جاء في تقريره الإجرائي الذي قدمه إلى مجلس الأمن تلكؤاً في تقديم المعلومات وإعاقة لعمل اللجنة. والحقيقة التي كشف عنها مندوب سوريا في الأمم المتحدة هي أن ميليس هو الذي ماطل في الموعد الذي طلبته الحكومة السورية لتقديم إجاباتها عن الأسئلة الموجهة إليها (الأمر الذي تأكد ثانية عندما ماطل في زيارته لدمشق) ليمرر تقريره الإجرائي قبل أن تصل تلك الإجابات والإفادات إليه بما يجعل الحكومة السورية في موضع المتهم، وبما يؤدي إلى خلق جو عام دولي وعربي ولبناني يجعل من سوريا مُعيقة بل ومتهمة أيضاً. وهكذا استطاع مندوبا أمريكا وفرنسا الاستفادة مما جاء في تقرير ميليس لتوجيه الاتهامات لسوريا بأنها لا تتعاون مع اللجنة فقط، بل لا تلتزم بقرارات المنظمة الدولية مع أن مندوب سوريا قطع الطريق على ذاك الهدف بقوله: (إن سوريا تعاونت وتبدي استعدادها الكامل للتعاون) إلا أننا لا نستطيع إلا أن نعترف أن تقرير ميليس الإجرائي وخطابات المندوبين الأمريكي والفرنسي، والياباني رئيس مجلس الأمن قد استطاعوا أن يزرعوا شكوكاً في عقول ونفوس الكثيرين عن الموقف السوري، وأن يجعلوها في دائرة الاتهام.‏

2 ـ بعد أن أبدت الحكومة السورية استعدادها الكامل للتعاون مع ميليس عَبْر القنوات الدبلوماسية أصر ميليس على تجاوز هذه القنوات بالتحقيق المباشر مع بعض المسؤولين السوريين، خلافاً لما تمّ الاتفاق عليه. لذلك فإن الحكومة السورية لم تسمح له باستجوابهم إلا إذا حصل على إدانات ومعلومات مؤكدة تستدعي استجوابهم مع احتفاظها بحقها في التشكيك بصحة تلك الإفادات وأقوال الشهود الذين يمكن أن يستخدمهم للإدانة. وإذا كان صحيحاً أن سوريا استطاعت أن تحمي سيادتها الوطنية والقومية وكرامة مسؤوليها، ومواطنيها إلا أننا لا نستطيع إلا أن نسلم ونعترف بأن الغموض الذي أحاط بعملية الاستجواب قد خلق انطباعاً عاماً بأن هؤلاء المسؤولين متورطون بشكل ما، وبأن سوريا سعت من خلال لقاء ميليس في منتجع (مونتي روزا) ـ القريبة من الحدود اللبنانية ـ إلى إجراء صفقة سياسية، الأمر الذي عملت بعض الأوساط الإعلامية والسياسية اللبنانية والدولية إلى إبرازه كما لو كان حقيقة، لتخرج سوريا نفسها من دائرة الاتهام ما دفع بالأمين العام للأمم المتحدة إلى نفي مثل ذلك الأمر.‏

3 ـ لابد من الاعتراف بأن الشهادات والملفات التي قدمها ميليس إلى المسؤولين السوريين تخلو من أي عنصر إدانة مباشرة، باعتبار أنها شهادات وإفادات ذات طابع سياسي، وتنطلق من اتهامات لا تستند على أسس دامغة وتعتمد على أقوال شهود مشكوك في صدقهم. إلا أن تلك الشهادات مع ذلك وضعت المسؤولين السوريين في دائرة الشُبهة، خاصة بعد أن قام ميليس بفتح حسابات بعض المسؤولين في البنوك اللبنانية.‏

الحقيقة التي لابد من رؤيتها وراء تحركات ميليس هي وجود نيّة مبيتة لديه للإساءة إلى سوريا، فإذا كان مقتل الحريري قد أدى إلى إخراج القوات السورية ورجال أمنها من لبنان، فإن ميليس أراد ملاحقة سوريا وجيشها ورجال أمنها في عقر دارهم. فكما سعت اللجنة من خلال توجيه التهم إلى المسؤولين الأمنيين اللبنانيين إلى ضعضعة موقف ومركز رئيس الجمهورية اللبنانية، فإنها أرادت كذلك إضعاف موقف رئيس الجمهورية السورية والقيادة السورية من خلال توجيه التهم إلى مسؤوليهم الأمنيين الذين عينتهم في لبنان، وما يزال هذا المسعى قائماً على الرغم من عدم توفر الأدلة الدامغة، حيث سعى ميليس ولجنته من خلال البحث في الخلفية السياسية لعملية الاغتيال إلى جعل سوريا تظل دوماً في دائرة الاتهام. وما يزال أعوان إسرائيل أمثال جوني عبده يسعون إلى جعل تقرير ميليس سيفاً مسلطاً على رأس الحكومة السورية لابتزازها ودفعها إلى تقديم تنازلات بالزعم أن التقرير النهائي سوف يحدث هزةً ونقمة على سوريا أكبر من الهزة والنقمة التي أحدثتها عملية اغتيال الحريري، وبما يؤدي إلى إبقاء سوريا والجماهير السورية والعربية والقوى الوطنية خاضعة لإرهاب معنوي ونفسي، بانتظار ما سوف يتمخّض عنه تقريره النهائي.‏

4 ـ استناداً لسير التحقيق في لبنان وسوريا، وأسلوب التعامل السابق مع الحكومة السورية، واستناداً للخلفية التي تضمنها القرار 1595 والتي جاءت كملحق له والتي جاء فيها، (لقد حملت لجنة تقصي الحقائق القوات الأمنية السورية والقوات العسكرية اللبنانية والسورية المسؤولية الكاملة عن التوتر الحاصل في لبنان، وعن الفراغ الأمني الذي سبق عملية اغتيال الحريري وأدى إليها) مما يعني أن أحد الأهداف الرئيسية المبيتة للجنة التحقيق، والتي لن تحيد عنها بعد أن فقدت الأدلة المادية التي سبقت عملية الاغتيال إلى جعل سوريا في دائرة الاتهام الأمر الذي لن ينفع معه ما ستقوم به الحكومة السورية لاحقاً من تقديم الأدلة التي تدحض التقرير وتثبت براءتها. الأمر الذي يتطلب من الحكومة السورية وجميع السوريين، سواءً أكانوا مع الحكومة أو ضدها، مشاركين في الحكم أو غير مشاركين فيه. الوحدة والتلاحم لإفشال عملية التشكيك والحصار المبيتة، والتي تسعى القوى الأنجلوصهيونية إليها منذ زمن بعيد، متخذة من تقرير ميليس اليوم حجة لعزل سوريا مقدمة لضربها حكومةً وشعباً، كما استخدمت تقارير هانز بليكس والبرادعي والوكالة الدولية للطاقة الذرية حجة لضرب العراق واحتلاله وتدميره.‏

ومن المفيد أن يعرف الجميع أن أي إضعاف لموقف سوريا لن يكون إلا مقدمة لزعزعة الاستقرار في سوريا مقدمة لضربها وتمزيقها، كما جرى ويجري في العراق خدمة للمشروع الصهيوني.‏

الأهداف القريبة والبعيدة التي سعى ميليس ولجنته إلى تحقيقها في المنطقة:‏

إذن؛ بالاستناد إلى التحقيقات التي أجراها ميليس والتصريحات التي أدلى بها نستطيع أن نؤكد أن هناك أهدافاً غير معلنة رمى ميليس ولجنته إلى تحقيقها فعلاً من خلال البحث عن الحقيقة. ليس هذا تشكيكاً في ميليس ولجنته بقدر ما يتركز على التنبيه والتحذير من هذه الأخطار التي سعى إلى تحقيقها عملياً، ولكي تتخذ الحكومات والجماهير ونخبها وقياداتها الاحتياطات الفكرية والنفسية والعملية اللازمة لمواجهتها، ولوأدها في المهد.‏

لقد سعت دوائر عديدة لبنانية وأمريكية، كما أوضحنا سابقاً، إلى التهويل بما سوف يتم الإعلان عنه في تقرير ميليس ليس ضد سوريا وحدها فحسب، بل ضد المنطقة، وبأنه سوف يُحدث تغييرات جذرية فيها أكبر من الهزة التي أحدثتها عملية اغتيال الحريري.‏

1 ـ أهم وابرز ما تم تسريبه من التحقيقات التي أجراها ميليس في مسرح الجريمة، كشفه بوجود سيارة ميتسوبيشي كان يقودها انتحاري، قد يكون الفلسطيني أحمد أبو العدس، أحد أدوات الجريمة الأساسية التي أودت بحياة رفيق الحريري وصحبه، ونحن نعتقد أن توجيه التحقيق بهذا الاتجاه وإن كان صحيحاً قد يقود إلى الكشف عن أحد الأدوات المنفذة للجريمة، إلا أن مجرد توجيه الاتهام للاجئ الفلسطيني سوف يترك تفاعلات خطيرة على عقول ومواقف وتوجهات كثير من اللبنانيين الحاقدين، إلى تحميل الفلسطينيين جميعاً مسؤولية هذه الجريمة حتى لو كان أحمد أبو العدس فرداً ضالاً أو عميلاً لهم، الأمر الذي قد يهيئ الأجواء للحكومة اللبنانية إلى اتخاذ مواقف حازمة ضد اللاجئين الفلسطينيين في مخيماتهم، أو للعمل على سحب بقايا أسلحتهم، ذلك الهدف المُعلن في البند الثالث من القرار 1559 (إخراج الميليشيات الأجنبية من لبنان) أي بقايا المنظمات الفلسطينية المسلحة. وهذا يعني أن الإشارة إلى أي فلسطيني في هذه الجريمة سيهيئ الأجواء في لبنان للقيام بأعمال انتقامية ضد اللاجئين الفلسطينيين في مخيماتهم، أو ضد بقايا تنظيماتهم المسلحة في لبنان. (الأمر الذي تحقق فعلاً بحصار المخيمات ومواقع للجبهة الشعبية القيادة العامة، وفتح الانتفاضة بهدف تجريدهم من أسلحتهم) وهنا نجد أنه من المفيد التذكير بأن إسرائيل والقوى الحليفة لها عملت منذ بداية ظهور المقاومة الفلسطينية المسلحة عام 1965 على منع دخولها الأراضي اللبنانية، وحاولت إخراجها ونزع أسلحتها مرات عديدة (1968-1969-1970-1973) وأدّت هذه المحاولة عام 1975 إلى جر لبنان إلى حرب طائفية ووقوف أغلب فئات الشعب اللبناني خلف سلاح المقاومة، وأخيراً تكلّلت هذه المحاولة بالنجاح بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وحصار بيروت الأمر الذي أدى إلى إخراج الكتلة الرئيسية للمقاومة الفلسطينية مع أسلحتها برفقة (أبو عمار) على بواخر أوروبية، وما عجز عرفات والقوى الخارجية عن إخراجه بعد عودة عرفات إلى طرابلس عام 1983 ظلّت إسرائيل تصر على إخراجه عن طريق القوة الحليفة لها، بحجة أن هذا السلاح قد استخدم في الماضي وقد يستخدم ضد اللبنانيين وبحجة أنه قد يكون للسلاح الفلسطيني دور فيما يحدث في لبنان من عمليات تخريبية وإرهابية، كما زعم سليم عون أو كما زعم السنيورة من أن سلاح الفلسطينيين خارج المخيمات لم يعد مقبولاً من جميع اللبنانيين، أو بحجة أن سلاح المقاومة لم يعد له ما يسوغه، كما زعم وليد جنبلاط. هل حقاً أن جميع اللبنانيين يرفضون وجود سلاح المقاومة الفلسطينية خارج المخيمات، أو أن من يرفض هذا السلاح هي تلك الفئة من اللبنانيين المعروفة بتحالفها القديم مع إسرائيل؟ هل يُشكل سلاح المقاومة خطراً على اللبنانيين وحكومتهم أم على أمن إسرائيل؟ وإذا كان صحيحاً أنه فقدَ دوره الهجومي؟ فهل فقد دوره كسلاح للردع وللدفاع عن النفس إذا ما فكرت إسرائيل والقوى اللبنانية المتحالفة معها بضربهم؟!‏

ألم يرَ هؤلاء الوجود العسكري الإسرائيلي على حدودهم، وفي تحليق الطيران الإسرائيلي يومياً فوق أجواء بلدهم ما يشكل خطراً عليهم؟‏

من المستغرب أن يُطالب هؤلاء بنزع سلاح قد يفيدهم في الدفاع عن بلدهم وشعبهم، أو بإخراج أناس مستعدين للتضحية بأرواحهم دفاعاً عن لبنان وعروبته؟‏

2 ـ إن نشر وإذاعة محطة الجزيرة صور أحمد أبو العدس وهو يتحدث على خليفة منظمة الجهاد والدعوة في بلاد الرافدين: لما تقوم به الدوائر الصليبية واليهودية في السعودية وبلاد الرافدين يعني أنه قدم بذلك أساساً مادياً يمكن أن يستند إليه ميليس ليقوم بالربط بين ما جرى في السعودية والعراق من أعمال إرهابية قامت بها جماعة بن لادن والزرقاوي، وبين ما تقوم به في لبنان من خلال أمثال أحمد أبو العدس. أي أن هناك إمكانية إلى اعتبار عملية اغتيال الحريري جزءاً من الإرهاب الإسلامي الأصولي الحاصل في المنطقة بما يؤدي إلى تكتيل الشارع اللبناني ضد الإرهاب المزعوم (المقاومة المشروعة للشعبين العراقي والفلسطيني ضد الاحتلال) وجعل لبنان ـ حكومة وشعباً ـ ينخرط في عملية المجابهة نيابة عن أمريكا وإسرائيل.‏

وهذا ما اتضح مؤخراً في التصريحات التي أدلى بها السنيورة بعد عملية اغتيال الإعلامية مي شدياق: من أن لبنان تعرّض وسيتعرّض لأعمال إرهابية تتطلب من الحكومة اللبنانية التعاون مع أية قوة دولية تكافح الإرهاب: (حتى لو كانت إسرائيل) الأمر الذي سوّغ للسنيورة أن يطلب رسمياً من الـFBI الإشراف على عملية التحقيق في تلك الجريمة والأعمال الإرهابية التي يتوقع حدوثها لاحقاً بما يؤدي عملياً إلى أن يفتح لبنان أراضيه للمخابرات الأمريكية، ومن خلفها الإسرائيلية ذات الخبرة الواسعة في مكافحة الإرهاب استناداً لمزاعم ميليس.‏

نذكر الجميع بأن العراق لم يشهد قبل إسقاط نظام صدام أية عمليات إرهابية داخل العراق، لكن بمجرد ما إن دخل الأمريكان العراق واحتلوه حتى ظهر الإرهاب الدولي والأصولي بشكل لم يسبق له مثيل حتى في أفغانستان. بمعنى أن مجرّد فتح لبنان أراضيه للمخابرات الأمريكية سوف يؤدي حتماً إلى حدوث عمليات اغتيال أخرى وأعمال إرهابية بحجة مقاومة الوجود الأمريكي والصليبي في لبنان، ولا يستبعد أن تبرز شخصيات جديدة موجودة في عين الحلوة والضنية ومجدل عنجر وطرابلس وجاهزة لأن تقوم بعمليات ضد بعض المسيحيين بحجة أنهم أدوات للأمريكان،أي إن هناك خطراً بأن يتحول لبنان إلى ساحة للصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل والحكومة اللبنانية من جهة، وبين الإرهاب الدولي الذي يقوده تنظيم القاعدة والمنظمات الأخرى. ولا يستبعد أن تظهر فئات سنية تُطالب بسحب سلاح حزب الله، والزعم بأن هذا السلاح يُهدد السنة أكثر مما يهدّد إسرائيل بعد أن انسحبت من لبنان. أي إن هناك احتمالاً لأن تبدأ في لبنان أيضاً حربُ مذهبية بين السنّة والشّيعة كما جرى في العراق.‏

4 ـ إن مداهمة لجنة التحقيق الدولي لشقة في الضاحية الجنوبية من بيروت، بزعم أن اجتماعاً قد تمّ في تلك الشقة بين مسؤولين سوريين ولبنانيين بموافقة وعلم حزب الله يعني أن ميليس أراد أن يوجه أصابع الاتّهام لحزب الله في عملية اغتيال الحريري. أي إنه أراد أن يهيئ الشارع اللبناني لتقبل الخطوات الحاسمة التي ستتخذها حكومته لاحقاً ضد حزب الله الشيعي، باعتباره متواطئاً بصورة ما في عملية اغتيال الحريري السُنّي.‏

5 ـ إن مسعى لجنة تقصي الحقائق، ثم لجنة التحقيق في البحث عن الخلفية السياسية والأيديولوجية التي أدّت إلى اغتيال الحريري، يهدف فيما يهدف إليه إضافة إلى توجيه أصابع الاتهام إلى سوريا ولرجال أمنها وجيشها والقوى الوطنية اللبنانية باعتبارهم جميعاً مسؤولين أيديولوجيا وسياسياً عن تردي الوضع الأمني الذي أدى إلى حصول ذلك العمل الإرهابي الشنيع، يبرز احتمال أن توجه أصابع الاتهام إلى إيران أيضاً استناداً للخلفية الأيديولوجية والمذهبية التي تجد مؤيدين لها في سوريا ولبنان والعراق وفلسطين.‏

يعرف الجميع أن القوى الأنجلوصهيونية سعت منذ البداية إلى جر العرب والمسلمين إلى صراع طائفي بين السنة والشيعة بدلاً من أن يتوجه الجميع ضد العدوان الإسرائيلي والغربي على بلادهم. الأمر الذي تحقق جزئياً في الحرب التي شنّها صدام حسين على إيران بدعم من بعض الأنظمة العربية والإسلامية، وإذا كانت تلك الحرب قد فشلت في جر شعوب وبعض دول المنطقة إلى تلك الحرب الطائفية. وإذا كانت تلك الحرب الرسمية، قد توقفت فهذا لا يعني أن عدم وجود من لا يزال ينفخ فيها أو أن تلك القوى لا تريد إشعالها من جديد. الأمر الذي إذا نجحت فيه جرت المنطقة إلى صراع يعرف الجميع أنه سوف يفتت ويشظي العالمين العربي والإسلامي، وهذا الصراع لن تستفيد منه بشكل رئيسي إلا إسرائيل ومشروعها المعلن الرامي إلى الهيمنة على الشرق الأوسط الكبير من خلال الشرق الأوسط الجديد.‏

الأمر الذي يتطلب من النخب والقوى السياسية الفاعلة في المنطقة، ومن حكامها وبشكل خاص حكام السعودية وإيران، هو تجاوز خلافاتهم ليقفوا موقفاً موحداً إزاء هذا المشروع الذي لا يستهدف سوريا ولبنان والعراق، بل يستهدفهم جميعاً أيضاً في مرحلة لاحقة، وليأخذوا عبرة مما جرى في أفغانستان والعراق حيث تسعى الأنجلوصهيونية إلى الانفراد بدول وشعوب هذه المنطقة دولة بعد أخرى.‏

قد يبدو أنه من الأفضل أن نحذر منها اليوم، أو من إمكانية حدوثها، بما يؤدي سلفاً إلى اتخاذ المواقف الفكرية والاحتياطات الأمنية والسياسية الدفاعية التي تحول دون انجرار الحكومات والجماهير إلى مثل هذه الفتنة الكبيرة، التي لن تنفع التحذيرات منها بعد أن تقع. ومن الأفضل لنا أن نراها بأعيننا وعقولنا من أن نطمر رؤوسنا في الرمل.‏

هكذا يتضح لنا مما سبق أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة! لم تعمل فعلاً على الكشف عن الحقيقة (والتي لم تتوصل إليها بعد) وربما لن تتوصل إليها، استناداً لما جاء في نص القرار 1595 بقدر ما عملت على قضاء أوقات ممتعة في لبنان والحصول على أجور خيالية بهدف تنفيذ أهداف بعيدة كل البعد عن الأهداف الحقيقة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244