مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 28 السنة الثامنة شتاء 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الصراعات السياسية في القرن العشرين روسيا نموذجاً ـــ ت.د.ابراهيم استنبولي

إن الأجيال القادمة سوف تنظر إلى القرن العشرين باعتباره الأكثر عسكرةً والأكثر عنفاً. ففي هذا القرن اكتسبت الحروب لأول مرة طابعاً عالمياً. وقد انقضى القسم الأكبر منه في أجواء المجابهة والصدام المكلف والمنهك بين نظامين عالميين، كما تسلحت الدول الرئيسية بأكثر الأصناف فتكاً من بين أسلحة الدمار الشامل ومع نهاية القرن اختبر العديد من البلدان على نفسه التأثير غير المدروس أو المدروس بدرجة غير كافية لتكنولوجيا المعلومات ذات القدرة التدميرية الهائلة.‏

"لقد قدم التاريخ السياسي للبشرية أكبر عدد من الصراعات. إن الصراع من أجل السلطة، من أجل الاحتفاظ بها وتوطيدها، كما ومحاولة القضاء عليها، قد خلق الكثير من الآمال والأحقاد، المخاوف والأطماع، العمل المجهد للعقل عند المفكرين من علماء الإيديولوجيا والسياسة، من الثوريين وأعداء الثورة، من المحافظين و الراديكاليين، من المتطرفين والإصلاحيين".‏

لقد وجدت روسيا نفسها في غمرة الأحداث العالمية ـ التأزم العميق للتناقضات الاجتماعية الداخلية في بدايات القرن العشرين، حربين عالميتين، الثورة الاشتراكية وما رافقها من تغيرات ـ هي الأكثر راديكالية في التاريخ مثل، الحرب الأهلية إلى جانب الغزو الأجنبي، التحولات الصراعية من حيث الجوهر في الحقبة السوفيتية في مجال الاقتصاد، الزراعة، الثقافة والفكر والإيديولوجيا، التعليم والتربية. وفي النهاية، مع أفول القرن العشرين تبلورت، مرحلة نادرة جداً. من حيث النفاق السياسي، ومن حيث الكذب والعهر السياسي الواسم للعقد الأخير، الذي أطلق عليه عقد الإصلاحات الديموقراطية؛ هذه الإصلاحات التي تسببت بنشوب موجة واسعة من النزاعات المتواصلة والتي لا تنتهي. ففي محاضرة لـه في المؤتمر العلمي العالمي في معهد العلاقات الدولية في موسكو في 21 ـ 23 أكتوبر من عام 1999 ذكر الصحفي الإيطالي المعروف ج. كييزا J.kieza الآتي: "لن يكون سهلاً بالنسبة للمؤرخين اللاحقين أن يستطيعوا فهم وتفسير الخيانة العظمى للمصالح القومية من قبل الطبقة الحاكمة ومن قبل المثقفين الروس، وذلك بعد أن تمكنوا من الوصول إلى السلطة عن طريق القضاء على الاتحاد السوفييتي. والتاريخ لا يعرف حالة مشابهة تم فيها طواعية القضاء على الوطن والثقافة. هناك أمثلة على هزيمة هذه الدولة أو تلك على أثر حرب، أو كنتيجة لامتصاصها ـ دون حرب ـ من ثقافات وقوميات أكثر قوة، وأكثر دينامية، وأكثر تنظيماً وأكثر تطوراً. ولكن لم يحصل أبداً أن بلداً سبق وكان بمعنى ما إمبراطورية، بلداً ـ دولة عظمى، بلداً ـ خزاناً لثقافة عريقة ولعلوم عظيمة بالمقاييس العالمية، والذي كان يعتبر واحدة من دولتين اثنتين أو من ثلاث دول أوائل في العالم، أن انهار واستسلم دون معركة وبلغ خلال بضع سنوات ذلك الحد غير المسبوق من الانتحار والانحدار، إطلاقاً لم يكن هناك، كما يبدو لي، مثل هذا المهزوم، الذي راح يكيل كل ذلك المديح للمنتصر".‏

لقد تقاطعت الظروف المأساوية لروسيا مع زمن التحولات الراديكالية في النظام العالمي وفي المجتمع الدولي. فالعالم المعاصر من حيث تطوره أصبح أكثر اعتماداً على بعضه بعضاً، أصبح ديناميكياً وتشاركياً. وبهذا الخصوص صار الحديث أكثر عن عولمة العمليات المجتمعية، بمعنى الانفتاح الأوسع وجعل المجتمع الدولي أكثر أممية، وتشكل المجتمع ما بعد الصناعي، المجتمع التكنوقراطي. وبالفعل، إن التغيرات الجذرية التي أصابت وتصيب التطور الاجتماعي واضحة، إلا أنها جميعها تنطلق وتتفاعل انطلاقاً من أساس سابق. فالإنسان يحافظ خلال تطوره على الإرهاصات الأولية وعلى مواصفات طبيعته الخاصة. من هنا وجد ذلك التناقض المتأزم الذي يثير بعض مشاعر عدم الثقة والتردد أو، على الأقل، الالتباس بشأن عواقب التوجهات الحاصلة. لقد كان دانييل بيل D.Bell صاحب نظرية المجتمع ما بعد الصناعي، على حق في استقرائه للمستقبل. أما بخصوص المجتمع الصناعي فقد فقال: إن هذه الحقبة تتميز بانتصار "العقلانية والتقدم" بينما المجتمع ما بعد الصناعي يميزه الخوف والهلع".‏

إن المستقبل بالنسبة لغالبية سكان الكرة الأرضية يبدو في الواقع متلبداً بالغيوم وغير سعيد. ذلك أن النمو غير المنضبط للسكان، والذي يفوق بشكل كبير إنتاج المواد الاستهلاكية، هو من نصيب تلك المساحات الشاسعة مما يسمى بالمحيط العالمي، حيث مستوى المعيشة بالأساس ومن دون ذلك يبلغ حداً متدنياً. والمشاكل البيئية هناك متفاقمة أيضاً، لأنه لا توجد موارد من أجل تنفيذ مشاريع حماية للبيئة، وهناك أيضاً نجد مدى الارتباط العميق (الاقتصادي، المعلوماتي، السياسي والعسكري) لتلك البلدان بالدول المتقدمة في العالم. ولا تعتبر هذه الحالة مميزة لسكان المحيط بالمفهوم الجغرافي فقط. إذ يوجد محيط بالمعنى الاجتماعي أيضاً. ليس هناك في العالم من مدينة كبيرة أو بلد متطور اقتصادياً، حيث يمكن أن لا تتمايز بشكل واضح حياة الشرائح المختلفة من السكان. ففي كل عاصمة أوروبية بصرف النظر عن مستوى الرفاهية، يوجد منبوذون، مهانون ومحرومون لا تختلف حياتهم عن حياة سكان أكثر البلدان فقراً في العالم.‏

ليست قليلة المشاكل الخاصة، التي تعاني منها البلدان المتطورة. إن دخول الأتمتة والتكنولوجيا الإلكترونية قد أدى إلى تقليص فرص العمل إلى حد كبير. والبطالة لا تنعكس بشكل سلبي فقط على الجانب المادي من حياة العاطلين عن العمل، بل تمارس تأثيراً ضاغطاً أيضاً في نفسية حتى أولئك الذين لا زالوا على رأس عملهم. إن ظاهرة البطالة بحد ذاتها حقيقة، ووجودها يزعزع أسس الاستقرار الاجتماعي، ويملا حياة الكثيرين من المواطنين بمختلف مشاعر اليأس و السوداوية، وذلك على الرغم من المستوى العالي والرغيد نسبياً للمعيشة من الناحية المادية. وإذا كانت اليابان ما زالت تتغلب على تعقيدات أتمتة الاقتصاد بفضل البنية الفريدة للشركات فيها، فإن الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا مضطرة لأن تكبح هذه العملية بشكل مصطنع، خشية من حدوث هزات اجتماعية كبيرة.‏

كما تبعث على القلق المتزايد حالة النظام النقدي. فالتدفقات المالية العالمية تكتسب طابعاً متخيلاً أكثر فأكثر. لقد تخلت الولايات المتحدة الأمريكية في بداية السبعينيات عن الذهب كمعيار نقدي مما جعل ذلك مقياساً مستقراً إلى حد ما كبير، وإن يكن غير كامل، لتقييم الأوراق النقدية. إن الأموال المعاصرة، التي تدعى "بالأموال الطيارة Phantom Money، ليست بلا رصيد فقط، بل غير محولة إلى سلع مادية بالشكل الطبيعي. وفي حال تمت المطالبة بها من قبل المقرضين، فإن من غير الممكن تسديدها. وهي تبلغ أرقاماً خيالية. إذ يبلغ الحجم اليومي للتداولات المالية عبر شبكة الإنترنت أكثر من تريليون دولار.‏

هناك تأثير تفريقي أو، يمكن القول، تفكيكي في النسيج الاجتماعي لما يسمى بمجتمعات الرفاه من قبل العيوب القديمة ـ الجديدة. ففي تلك المجتمعات ترتفع نسبة الإجرام، يزداد عدد الذين يخرقون شيفرات الكمبيوترات المصرفية، وتذهب أدراج الرياح جهود محاربة التجارة غير القانونية للأسلحة، وكذلك مكافحة تجارة المخدرات والهجرة غير الشرعية، وهي التي تتحول تدريجياً إلى شكل من أشكال الرق الحديث.‏

هناك أمثلة على الاتجاهات المثيرة للقلق في تطور الأحداث ذات الطابع العالمي. فقد اكتسبت أهمية غير مسبوقة في العالم المعاصر مختلف الشركات العابرة للقارات (TNC) ومختلف التنظيمات والمؤسسات الدولية، والتي هي في غالبيتها غير قانونية أو غير شرعية (من Legitimate) عملياً: منظمة التجارة العالمية، بنك النقد الدّولي، NATO وغيرها. وكلها من حيث الجوهر عبارة عن اتحادات من الموظفين الذين لم ينتخبهم أحد. وهي تكتسب أكثر فأكثر استقلالية ومزيداً من الغطرسة، ولنشاطها دور فاعل وتأثير كبير في حالة المجتمع الدولي. أما المؤسسات التمثيلية ذات الصفة الشرعية أو الانتخابية مثل الأمم المتحدة (UN)، منظمة الأمن والتعاون في أوروبا غالباً ما تكون عاجزة عن منافستها. ويكفي أن نورد على سبيل المثال أنشطة حلف الناتو في منطقة البلقان لكي يصبح واضحاً عما يدور الحديث.‏

لقد تضاءل الكلام عن تقارير نادي روما، ولكن المشاكل والقضايا المطروحة في تلك التقارير ما زالت على حالها. فالضغط الصناعي للحضارة المعاصرة على الطبيعة لم يتراجع. وإنه لجلي للعيان الانفلات المستمر وغياب الرقابة على تلك العملية. واليوم لا يزال يقوم بدور المحرك الرئيسي لتطور الحضارة؛ إذ بمجرد أن تشغل جهاز التلفزيون في نيويورك، باريس، لندن أو موسكو، ستكتشف بوضوح أن كل شيء يجري إنما يتعلق بالبيع والشراء، بينما تصورات وحسابات الأفق البعيد لا مكان لها في ذلك الحساب البارد والعملي؛ فالمفيد هو ما ينفع هنا والآن.‏

إن العمليات السلبية للتطور العالمي تنشأ على خلفية الهوة الكبيرة، التي تفصل بين الغنى والفقر. ذلك أن النسبة بين دخل الأغنياء والفقراء، بين المليار "الذهبي" والمليار الفقير لم تتقلص قط، بل ازدادت بسرعة قياسية وبلغت 13 إلى واحد في عام 1960، و 60 إلى واحد عام 1999، وهذا بدوره لا يشكل عامل استقرار إضافي للمجتمع الدولي.‏

وفي جميع تلك العمليات تمارس السياسة تأثيراً مهماً ليس هو الأخير. فالحياة المجتمعية للوهلة الأولى فقط تشبه الحركة غير المنتظمة للجزيئات في الكون. إذ لهذه الحركة العشوائية روابطها، اتجاهاتها والقوى الموجهة الخاصة بها. تعتبر السياسة، منذ زمن بعيد وعن حق، الأداة الرئيسية للتأثير في الحياة المجتمعية. وهي، أي السياسة، تشكل بمعنى ما، البداية الواعية في عملية التطور الاجتماعي. إذ يجري عن طريقها التحكم العام بالقضايا المجتمعية، وفيها يرى الناس السبب الأساسي لنجاحاتهم وإخفاقاتهم الفردية والمجتمعية.‏

إن الوظائف الإدارية للسياسة كانت قائمة وموضع بحث منذ نشوء المجتمعات البشرية، إلا أنه في زماننا هذا فقط يجري الكشف، بشكل واضح أكثر من أي وقت مضى، عن الأبعاد الإدارية للسلطة السياسية. وهذا يجد تعبيراً له، على وجه الخصوص، في أزمة المذاهب السياسية ذات الطابع المغلق.‏

لقد تبين أن القرن الماضي هو الأكثر غنى من جهة الأحداث والوقائع ذات الصبغة السياسية. وإذا ما أخذت بمجملها و مجتمعة فإنها تبرهن على أن البشرية تمكنت عملياً وفي الإطار التاريخي للقرن العشرين من "اختبار" جميع الأفكار السياسية المعروفة للفكر الفلسفي والسياسي بدءاً من أرسطو وحتى أيامنا. هذه إن النظريات السياسية: الليبرالية، الفوضوية، المحافظة أو الأصولية، الماركسية، الحداثة ـ كلها خضعت للاختبار العملي بهذا الشكل أو ذاك، بهذه الدرجة أو تلك. ولم يفلح أية منها، خلال تطبيقها على أرض الواقع، في أن يحقق السعادة للبشرية. لقد جرب المجتمع الدولي جميع أشكال الحكم وبناء الدولة، التي يعرفها العلم السياسي المعاصر. إن جميع أشكال النظام السياسي المعروفة ـ الديموقراطي، التسلطي، التوتاليتاري (الشمولي) أو بعض مشتقاتها مثل النظام الاستبدادي Despotism ، الدكتاتوري، الديمقراطي ـ الليبرالي والفاشي ـ خضعت للاختبار التاريخي ولا يستطيع أحد الإدعاء أن البشرية قد وجدت فيها ضالتها. وفي هذا السياق، إن النظرية السياسة المعاصرة تعيش أزمنة صعبة للغاية، لأنها عاجزة عن تقديم أي مذهب (Doctrine) سياسي جديد للفكر السياسي التطبيقي. بل في النهاية أدت إلى إرباك الفكر السياسي ذاته بمختلف "ما بعد ـ Post" و "نيو ـ Neo" التي لم تضف من حيث الجوهر أي شيء جديد لما هو معروف.‏

تنشأ الحاجة إلى نظرة أخرى مغايرة تجاه ظاهرة السياسة نتيجة لتغير التصورات السابقة لطبيعة التطور المجتمعي. لقد أدت الأزمة السياسية للماركسية إلى إثارة الشكوك في رؤيتها للتطور التاريخي فالمقاربة القائمة على مفهوم التشكيلة الاجتماعية، والتي وضعت أحداث التاريخ العالمي في سياق حركة متسلسلة من الأدنى نحو الأعلى، من الأبسط نحو الأكثر تعقيداً، هي التي قامت على تصور بأنه توجد قوانين وقواعد ما تتحكم بالتطور المجتمعي، واليت يكفي الإطلاع عليها بدرجة كافية لكي نتحكم في النهاية بمسيرة التاريخ، فقد تبين عقمها في ظروف التطور الديناميكي المعاصر للمجتمع، وفي ظروف الواقع المتغير وحقائق الحياة المجتمعية المتغيرة بسرعة قياسية.‏

إن الفهم الماركسي للتاريخ، كما بالمناسبة والفهم الهيغلي، مبني على ما يتفق مع التصورات العلمية لحقبة كل منهما. إذ إن النظرة النيوتونية للعالم، والتي كانت مسيطرة حينذاك، دفعت بالعلماء أصحاب التفكير الديالكتيكي إلى البحث عن قوانين عامة للتطور المجتمعي. وأن يقولبوا نظريات هذا التطور في إطار صيغة منتهية وخالية من التناقضات.‏

بالتأكيد، إن الجهود المبذولة في هذا الاتجاه قد أدت إلى نتائج تبرهن على المقولة الأصلية. ليتبين أن لغز التاريخ العالمي، أخيراً، قد تم اكتشافه، وأن قوانين الحياة المجتمعية ـ أضحت مفهومة. ولكن، على الرغم من كل عمق و ضخامة تلك البناءات النظرية، فإن الطموحات التي قامت على أساسها قد بولغ بها.‏

يمثل المجتمع منظومة ذات تنظيم معقد، مفتوحة وغير متوازنة، ويتسم تطورها بطابع ذي اتجاه واحد (غير عكوس) ويقبل الاحتمالات. وأن يتكرر مثل هذا التطور في الطبيعة لأمر نسبي ومشروط جداً. وخلال المسيرة الحقيقية لعملية التطور الاجتماعي تنشأ دائماً أدوار يصبح معها التطور اللاحق مبدئياً غير قابل للتنبؤ، لأنه بالدرجة الرئيسية إنما هو يتحدد بمختلف المصادفات. وعلى العموم، لا يجوز أن نتخيل العملية التاريخية كما لو أنها عبارة عن خط واحد ذي اتجاه تصاعدي بشكل دائم لحركة التاريخ انطلاقاً من أشكال الصيرورة الأقل تطوراً نحو الأشكال الأكثر تطوراً، وذلك لأن الدينامية الاجتماعية تجد ترجمتها في أكثر حالات التسلسل غرابة: على شكل دورات متعاقبة، وحركات لولبية و على شكل متناوب، وعلى شكل أمواج نابضة، وقفزات مكوكية وفي صيغة حركة لا إرادية وعشوائية.‏

إن الطابع المتعرج للتطور المجتمعي يتطلب تعاطياً خاصاً تجاه التحكم بالعمليات المجتمعية. والعملية السياسية، من وجهة نظر كلاسيكية، تكون إمكانياتها محدودة من حيث الأخذ، بعين الاعتبار، تعدد الاتجاهات واختلاف الأهداف من وراء العمليات الاجتماعية، التي تحدث في وقت واحد وفي مختلف مجالات الحياة المجتمعية، مع مضمون مختلف، ووتيرة مختلفة، واتجاهات مختلفة للحركة. بالنسبة للعمليات غير المعكوسة والغالبة في المجتمع، إن الأساليب الأكثر نجاعة للمحاكاة والتقليد، من أجل رصد الأحداث وإجراء تقييمات استطلاعية وغير ذلك من الأساليب، هي تلك الموجهة نحو استخدام القوانين الأكثر شمولية من حيث ذاتية التنظيم وذاتية الحركة، والتي تساهم في تطور المجتمع من خلال الحل الفعال للمشاكل الناشئة، وليس تلك الموجهة نحو البحث عن نماذج مثالية للتطور المجتمعي ونحو تحقيق مشاريع طوباوية. ولذلك ليست مصادفة أن تكون هذه الإشكالية بالضبط هي الاتجاه، الذي يتطور بصورة أكثر ديناميكية في العلم السياسي المعاصر...‏

إن العناصر العامة في تنظيم الحياة الاجتماعية، والتي تتميز بها الحضارة الأوروبية طيلة فترة وجودها، جعلت النقاشات والآراء في السياسة ثابتة ومستقرة والتي تعود بجذورها إلى الأيام الموغلة في القدم. إن العلم الحديث، مثله مثل أرسطو، يرجع السياسة إلى مجال أنشطة الدولة.‏

ففي قاموس ف. دال(1) لشرح المفردات نجد أنه ينظر إلى السياسة على أنها علم إدارة الدولة، أشكال، أمزجة، وأهداف الحاكم، طريقة أفعاله الخ. وحسب القاموس الحديث لشرح المفردات الإنكليزية تفهم السياسة على أنها نشاط وجهود الحكومة الوطنية، وخططها وإجراءاتها، خصوصاً ما يتعلق بتحقيق مصالحها الخاصة. أما قاموس لاروش لشرح المفردات في اللغة الفرنسية فإنه ينظر إلى السياسة على أنها فن، ونهج في إدارة الدولة، وكذلك نشاط أولئك الذين يديرون أو يرغبون في إدارة شؤون الدولة. ومعروف جيداً في هذا الخصوص رأي ف. إ. لينين، الذي كان على قناعة في أن السياسة تعني المشاركة في إدارة شؤون الدولة، توجه الدولة، وتحدد صيغة مهام ومضمون نشاط الدولة.‏

كل ذلك هو بالتأكيد صحيح ومبرهن عليه من خلال مؤشرات التطور، الذي سلكته الحضارة الأوروبية. ومع ذلك، إن الفهم المعاصر للسياسة يتجه أكثر فأكثر نحو تجاوز التفسير الكلاسيكي للظاهرة باعتبارها مجرد مشاركة في شؤون الدولة، في توجهات نشاطها وفي البحث عن أشكال جديدة للدولة. وقد ساعدت في ذلك الاكتشافات العلمية، التي أنجزها عالم الاجتماع والخبير في شؤون الإثنيات، الباحث الفرنسي كلود لوي شترواس، وكذلك أفكار الخبير في القانون وشؤون السياسة الألماني كارل شميدت في الاختلاف بين ما هو سياسي وما هو حكومي، وأيضاً الخصائص العملية لتطور المجتمع السياسي الحديث. يمتاز زماننا بأنه غني بالأحداث، التي يصعب فهمها من منظور الفهم العادي البسيط للسياسة، حيث ما هو سياسي لا يتطابق بشكل واضح مع ما هو شأن حكومي. على سبيل المثال، كان الفيلسوف الثاقب الفكر مامارداشفيلي يؤكد أنه لا وجود للسياسة في ظل السلطة السوفيتية، في حين أننا اليوم نرى كيف، أنه مع غياب الدولة فعلياً تسيطر السياسة بالكامل في المجتمع. وما يؤكد على أنه لا يجوز اختصار ما هو سياسي بما هو حكومي (حكومي بمعنى شأن الدولة ـ المترجم) والعكس ـ هو أن السياسة لا تعبر عن نفسها في الصراع من أجل السلطة فقط، بل ومن أجل تحديدها والتضييق عليها وحتى التحرر من هذه السلطة.‏

إن تطور النظرية والممارسة السياسية يكشف عن آفاق أخرى لظاهرة Phenomena السياسة. قبل كل شيء، السياسة هي عبارة عن سمة متأصلة في طبيعة الإنسان والمجتمع. وهي موزعة على مجمل فضاء الحياة المجتمعية، ولا تقتصر بشكل قطعي على الدولة، أو على أجهزتها والأشخاص القائمين أو على خدمة مصالح الدولة فقط. وأكثر من ذلك، إن العمليات السياسية، التي تتشكل "تحت" عند قاعدة الهرم الاجتماعي، في خضم الحشود الجماهيرية هي الأكثر أهمية والأكثر راهنية من وجهة نظر احتمالية التغيرات المستقبلية. وفي نهاية المطاف، إن مصير أي نظام سياسي و استقرار أية دولة يتوقف إلى حد كبير على ماهية تفكير، وعلى ماذا يخطط، وما هي المثل والآمال التي يتطلع إلهيا الناس البسطاء. بهذه الطريقة، تصبح السياسة من هذا المنظار تابعاً دائماً وغير قابل للزوال لعملية التطور المجتمعي، محتفظة في كل مرة بجذرها الخاص مع تحولها في المظهر فقط.‏

بالإضافة لذلك، إن فضاء السياسة ـ عبارة عن مجال لتأثير المصالح الخاصة بصورة دائمة. إن السعي للتغلب على الآثار السلبية لتظاهر الجوهر السياسي، كان قد أدى في حينه إلى نشوء مؤسسة الدولة (الدولتية)، وهي قائمة اليوم في أشكال الدولة الحديثة في صيغة التناقض الرئيس بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة المتواجدة على أرض الواقع. وهذا ما يؤكده بشكل مباشر الافتراق بين النوايا وبين النتائج في السياسة، هذا الافتراق الذي صار بمعنى ما قانوناً في الممارسة السياسية.‏

إن القيادة السياسية بطبيعتها تواقة بصورة قاتلة إلى درجة معقولة للأخطاء التاريخية وللحسابات الخاطئة والضلالات. فمن صميم السياسة أن تكون السلطة، التي تعبر عنها ميالة بشكل دائم نحو الابتعاد بالتطور السياسي عن التطور الذاتي وعن التطور العام. وهي تفرض في كل مرة أفكاراً مثالية، بحيث أن السعي نحو تحقيقها سيؤدي ـ حتماً ـ إلى إخفاق دوري، وإلى أزمة أو صراع شامل. حتى عندما تشتغل السلطة السياسية على اتجاهات ونزعات متشكلة تاريخياً، فإنها تعمل، في نهاية المطاف، بما يلحق الضرر، لأنها تسلك طريقاً زلقاً في تجاهل الخيارات البديلة، ذلك الطريق الذي يؤدي إلى تشكل منظومة القهر والعنف.‏

إن قرينة الخطيئة التاريخية للسلطة السياسية تتحدد بشكل موضوعي على أساس المواصفات الفطرية للعلاقات السلطوية:‏

تتسم هذه العلاقات بالميل الدائم نحو مركزة السلطة وتحويلها إلى سلطة فردية، ومقاومة هذه النزعة فقط يمكنها أن تؤدي إلى أشكال تاريخية محددة للسلطة أو الحكم.‏

لا يتطابق مفهوما الشعب والسلطة من حيث التعريف، طالما أن العلاقات المتبادلة بينهما تجري في إطار منظومة سياسية من الإحداثيات.‏

لم يحدث أنه كانت توجد يوماً ولا في أي مكان صيغة مثالية لسلطة الشعب، وأما الإشكالية المتعلقة بآلية تحقيقها، فما زالت حتى الآن دون حل مقنع ولو نظرياً.‏

يمكن لأية مجموعة تستلم السلطة أن تتحول إلى بداية لخط سياسي جديد، لنظام، بل لمنظومة كاملة من المؤسسات السياسية، ويمكنها أن تستبدل مصالح الشعب بتصوراتها الذاتية الخاصة بهذا الشأن.‏

إن غرابة السلطة السياسية تكمن في أنه يحق للسلطة الشعبية المثالية أن تراهن على الثقة بها، إلا أن الشعب يمكنه المراهنة على السلطة المثالية فقط في حال غياب دائم للثقة بالحكام.‏

إن مبدأ القرينة بالنسبة لمسؤولية السلطة السياسية يعتبر أخلاقياً ، عندما يتم النظر إلى أي من ممثليها بطريقة نقدية منذ البدء، وعندما يبعث السعي إلى السلطة بحد ذاته شكوكاً متزايدة من قبل المجتمع. ولا يجوز النظر إلى هذا المبدأ على أنه موقف منافٍ للدولتية. فالدولة باعتبارها مؤسسة سياسية حديثة برهنت بدرجة كافية على جدوى نشوئها ووجودها. وعلى الرغم من النظرية القائلة بموات الدولة طرداً مع تطور المجتمع، فإن الواقع يؤكد زيادة التعقيدات في وظائفها الداخلية وتعاظم دورها على المستوى الدولي.‏

ليس هناك في الأفق التاريخي القريب أية علامات أكيدة لموات الدولة، ولكن في الوقت نفسه تبدو واضحة للعيان الضرورة المتنامية للنشاط الإشرافي للجهاز الحكومي. إن الموقف النقدي من الدولة، وغياب الثقة نوعاً ما تجاه البيانات السياسية للدولة وتجاه ممارستها العملية تسمح بتحييد التيارات السلبية، التي تميز تطور الطبيعة الخاصة للدولة، كما تسمح في الوقت المناسب بتصويب، وبتصحيح أو بتغيير مضمون النهج السياسي. من الطبيعي أن يكون المجتمع الأهلي، قبل كل شيء، هو الحامل لمثل هكذا موقف من الدولة. فعلى مستوى نضجه السياسي العام ودرجة تطور مؤسساته تتوقف في نهاية المطاف قابلية السلطة الحكومية للرقابة.‏

ليس من الصعب أن نلاحظ، أن التفاعل بين الدولة وبين المجتمع الأهلي في الصيغة المقترحة يستوعب بشكل كامل قيامه بالدور في إطار الصراع المكشوف أو المحتمل. إن الصراع والسياسية مترابطان؛ بعضهما ببعض بصورة وثيقة للغاية. فمن حيث النشوء، ومن حيث عملية التطور، ومن حيث الآثار الاجتماعية الأساسية والكثير من العوامل الأخرى كل منهما يكمل الآخر، وهما يفقدان المغزى في كل مرة يكونان منعزلين. وبالفعل، ماذا كانت ستعني السياسة في حال انتفت الصراعات الممكنة من حياة المجتمع؟ فالسياسة الفاقدة للإرادة وغير المتبلورة، لا بد من أن تفقد المغزى الداخلي لوجودها وسوف تنطفئ بالتدريج، دون أن تجد المسوغ لبقائها. أي إن الصراعات المستمرة فقط هي التي تبقي السياسة دوماً محافظة على حيويتها، وعلى استعداد دائم لأن تتدخل على الفور في حل المشاكل الاجتماعية التي يقوم النزاع الوشيك بتسليط الضوء عليها. "إن السياسة ـ حقل العلاقات السياسية ـ هو ذلك العالم حيث لا يوجد السلم ولا يمكن أن يوجد. إذ إن عالم السياسة هو المجال المحفوف بالنزاعات وبالصراعات ليس بشكل دائم فحسب، بل بدرجة أعلى من أي مجال آخر من مجالات الحياة الاجتماعية الأخرى".‏

لكل شعب ملامح خاصة به من ملامح السلوك المجتمعي. فطريقة الاتصال الانفعالية والمتأججة، التي يتصف بها أهالي الجنوب، يمكن أن تبدو كما لو أنها أقرب للنزاع أو لحالة الصراع الوشيك بالنسبة لأهالي الشمال. ففي الحياة المجتمعية لبعض الشعوب تكون النزاعات الاجتماعية المكشوفة ظاهرة شائعة إلى حد كبير، في حين أنها قد تكون نادرة بالنسبة لشعب آخر، وينظر إلى كل من هاتين الحالتين باعتبارها حدثاً وطنياً. كما هو الحال بالنسبة لطباع شخص، يمكن أن يتمتع مجتمع قومي معين بالميل نحو النزاع إلى هذه الدرجة أو تلك. ولكن في تاريخ كل شعب وكل مجتمع قد تنشأ مراحل بدرجات متفاوتة من النزعة نحو الصراع الاجتماعي، من التواتر المتفاوت والتأزم المختلف الحدية من التآكلات والتصادمات الاجتماعية. بمعزل عن الثقافة القومية، عن التقاليد التاريخية والسلوك الاجتماعي، عن التركيبة النفسية لمكونات مجموعة من الأفراد، فإن سمة النزوع نحو الصراع في المجتمع قد تتعاظم أو تتراجع، أن تكتسب هذه الأشكال أو تلك من ظهورها وبلورتها. أما العامل الحاسم الذي تتغير تحت تأثيره جميع مقاييس النزوع نحو الصراع في المجتمع، فهو النظام السياسي المسيطر في اللحظة المحددة، نوعية تنظيم وممارسة السلطة السياسية، وبشكل عام، النظام السياسي في المجتمع.‏

فالنظام السياسي يترك أثره في الحياة السياسية من زاوية الانضباط المؤسساتي، العلاقة المتبادلة وتراتبية تلك العناصر فيها، التي تعبر قبل كل شيء عن المصالح الاجتماعية وعن عملية ممارسة السلطة السياسية. إن كل تنوع الحياة السياسية للمجتمع يتخذ في النظام السياسي صفة الحركة المنتظمة المشروطة تبادلياً للعمليات والظواهر السياسية. ففي النظام السياسي يتحقق فرز عناصر محددة، وفيه يتفاعل تطورها ونشاطها المستقل، وكذلك تنشأ علاقات متبادلة وجسور في سياق التطور المتكامل والكلي لمجمل النظام السياسي للمجتمع. فالنظام السياسي يمنح لوحة منظمة ومنضبطة لحركة العمليات السياسية، يكشف أن الظواهر السياسية تعتمد على تطور الأساس الاقتصادي والبنية الاجتماعية للمجتمع، ومن ناحية ثانية، يؤكد التأثير النشط للسياسة على جميع نواحي الحياة المجتمعية. إن التطابق بين المصالح الجذرية لمختلف الشرائح والمجموعات الاجتماعية وبين نشاط المؤسسات السياسية، بين الأفراد وبين المجتمع ككل يجعل من الوعي السياسي عاملاً مهماً وقوياً في الوحدة السياسية، في التكاتف والتضامن وفي فاعلية الإصلاحات الاجتماعية.‏

إن الخصائص النوعية للنظم السياسية تدرس بصورة تقليدية من خلال المقارنة بين التوتاليتارية وبين الديموقراطية. أما مصطلح التوتاليتارية فقد ظهر في الأدبيات العلمية منذ ثلاثينيات القرن العشرين باعتباره انعكاساً للتوجه المتشكل في العلاقات السياسية في بعض بلدان أوروبا الغربية. وقد اكتسب في الكثير من النقاشات العلمية شكل الظاهرة السياسية والاجتماعية المعقدة، التي تمتلك جذورها التاريخية وملامحها المعاصرة الخاصة. بل إن بعض العلماء يعود بالتوتاليتارية إلى الطبيعة الأبدية للإنسان وللمجتمع البشري، إلى الجوهر التراتبي (Hierarchism) للعلاقات الإنسانية. بينما يفترض آخرون أن التوتاليتارية ظاهرة غير عادية وغير مألوفة في تاريخ المجتمع، وهي واسمة للحضارة الصناعية وقد تركت أثراً عميقاً في المظهر السياسي للقرن العشرين.‏

وفي هذا النمط من المجتمعات تصبح الصراعات الاجتماعية ظاهرة نادرة. والقضية هنا لا تكمن فقط في أن العنف و الإكراه تجاه المعارضة يعتبران الضمان بالنسبة للمجتمع "الآمن، الهادئ". فالوسط الاجتماعي بحد ذاته في مثل هذه المجتمعات لا يتمتع بالشروط الضرورية لقيام علاقات اجتماعية طبيعية. فالمصلحة الاجتماعية العامة، التي تتميز بها هذه المجموعة أو تلك، لا يتم إدراكها كما من قبل الأفراد المنتمين لهذه المجموعة، وذلك بسبب غياب الأشكال المنظمة القادرة على جعل تلك المصلحة في متناول الوعي الفردي. وفي تلك المجتمعات تكون النمطية Stereotype الراسخة لعلم النفس الاجتماعي أقرب إلى المحاكمة المعروفة: "لننتظر مجيء السيد، وعندئذ فإن السيد سيفتي فيما بيننا". أي إن السلطة التي تقرر كل شيء وباسم الجميع، هي التي تلعب دور السيد كحكم ثالث. وبالتالي فإن حق السلطة بلا منازع في أن تعود الكلمة الأخيرة لها وفقط لها في أي جدل اجتماعي، يخلق في وعي العناصر المحتملة للصراع نوعاً من عدم الثقة في مقدرتهم على الدفاع عن مصالحهم المشتركة بقواهم الذاتية. ولذلك هم يميلون باستمرار، نحو تأجيل الدخول في صراع مكشوف وعلني من ناحية ومن ناحية ثانية، هم مستعدون لوقف التصرفات الخلافية، حتى قبل أن يحققوا أهدافهم المنشودة ودون أن يجربوا في سبيل ذلك كل الفرص الممكنة، وذلك بمجرد أن يصلهم "من فوق" الأمر "كفوا عن ذلك". لقد لاحظ أ.توكفيل A.Toqfil بصورة عادلة، أن الصراعات الاجتماعية "تنتفي" إذا ما صارت سلطة الدولة المركزية قاهرة، بحيث تعجز أية مجموعة عن الوقوف بوجهها. كما يزيد من صعوبة نشوء الصراعات في النظم التوتاليتارية غياب الآليات المسؤولة عن الأنشطة الذاتية المجتمعية والتنظيم الذاتي المجتمعي. إذ إن مثل هذه المجتمعات لا تحتمل أية مبادرات غير مرخص بها من فوق. لا لأية أنشطة ذاتية مستقلة، خصوصاً في قضايا السياسة أو الأيديولوجيا ـ هذا هو القانون السائد بلا منازع لعلم النظام التوتاليتاري، القانون الذي يعتنى به ويحافظ عليه بواسطة جهاز بيروقراطي يتم تأسيسه خصيصاً لهذا الهدف. في مثل هذه الظروف، تصبح الصراعات الحقيقية ممكنة بين عناصر ذلك الجهاز البيروقراطي وبين مكوناته الداخلية فقط.‏

الوزارات والإدارات، الأقسام السياسية وأجهزة المخابرات، مختلف الاستطالات غير الشكلية في الجهاز بدءاً بالفخذ أو العشيرة على أساس عائلي وصولاً إلى البنى الفاسدة ـ كلها تتحول إلى عناصر محتملة حصراً للصراعات الاجتماعية، والتي تتفاعل في مختلف طبقات البناء الإداري وفي الأروقة المختلفة للسلطة. أي إنّه في المجتمع المغلق حتى نزعة الصراع تكتسب طابعاً مغلقاً وأما المواطنون فهم يعرفون الحقيقة بشأن الصراعات الدائرة في مكونات السلطة وبناها فقط بعد انتهائها، من خلال نتائجها المعلن عنها وعن طريق عواقبها الاجتماعية.‏

إن المواصفات الرئيسية للتوتاليتارية المعاصرة، لم تكن تنطبق على الأنظمة الفاشية فقط، بل وتشكلت تدريجياً، وإن بدرجات مختلفة، في جميع البلدان الاشتراكية. وهذا بدوره انعكس على الحالة العامة للنزوع نحو الصراع. للوهلة الأولى يبدو الأمر مدهشاً، أنه خلال مدة طويلة جداً من تاريخ الاشتراكية الواقعية، لم يتعرض المجتمع الاشتراكي لأي هزات وصراعات اجتماعية عميقة.‏

وهي لم تكن كثيرة بالفعل. بل إلى الآن، بعد أن افتضح أمر الكثير مما كان سراً في السابق، يمكن أن نعد على أصابع اليدين فقط الصراعات الاجتماعية الكبيرة، التي كانت قد حدثت في بلدان الاشتراكية الواقعية. ولكن سبب مثل هذه الظاهرة لا يكمن في الخصوصيات للنظام الاشتراكي فحسب، بل وفي الملامح المميزة للنظام التوتاليتاري، الذي يعيق بشكل مصطنع التعبير الحر عن التململ وعدم الرضى، الذي يمكنه أن يتطور إلى صراع اجتماعي. ويمكن أن نرى بأية طرق وبأية أساليب كانت تتحقق "الهارمونيا الاجتماعية" بشكل جيد في الاتحاد السوفييتي السابق.‏

قبل كل شيء، عن طريق التأثير في وعي الناس من قبل جهاز دعائي فائق الضخامة. لقد أدى الضغط الإيديولوجي الشمولي إلى تشكل وعي اجتماعي يخدم بصورة حصرية المصالح السياسية للنظام السلطوي المسيطر، مما أعطى الانطباع عن أحادية المدلول لما يجري من أحداث في المجتمع. لذلك فإن أية محاولة للاختلاف في الرأي، حتى لو صارت معروفة إلى هذه الحد أو ذاك لشرائح واسعة من المواطنين كانت تبدو عاجزة أمام جبروت وإمكانيات التأثير التي كانت تتمتع بها المؤسسات الرسمية. الصحافة والمذياع والتلفاز ـ كانت تجيش جميع الوسائل الممكنة للتأثير في وعي المواطن العادي وكانت تتلاعب بشكل محترف بالرأي العام، وتجهز على الخطر المتمثل بإمكانية اتحاد المواطنين على أساس الأفكار المناهضة للنهج الرسمي.‏

بالإضافة لذلك، كان التوصل إلى غياب الصراع ظاهرياً يتم عن طريق تسييس أي اصطدام اجتماعي، يمكنه أن يخرج عن سيطرة المؤسسات الرسمية وخارج إطار القواعد المعترف بها في السلوك المجتمعي، حتى وإن لم يبادر المشاركون فيه إلى طرح أية مطالب ذات طابع سياسي. وأوضح مثال على هذا الأسلوب في معالجة ومنع نشوء الصراعات يمكننا تتبعه من خلال الأحداث في مدينة نوفوتشيركاسك صيف 1962. إن مجرد الإطلاع السطحي على تلك الأحداث يظهر كم كانت مختلفة التصرفات الحقيقية للمشاركين عن الاتهامات بارتكاب جرائم سياسية ومعادية للدولة، التي ساقتها ضدهم السلطة الرسمية ونالوا بسببها أعلى درجات العقوبة.‏

إن أحداث مدينة (نوفوتشير كاسك) توضح مرة أخرى خصوصية الموقف، الذي يتخذه النظام التوتاليتاري تجاه الصراعات غير المرخص بها. والمطلوب عادة أن لا يعرف المواطنون عن مثل هذه الصراعات سوى النزر اليسير. لقد بقي التحريم على الخوض في أحداث نوفوتشيركاسك سارياً على مدى أكثر من عقدين من الزمن. من الطبيعي أنه لم يرد أي ذكر لها في صحف تلك الأيام. فقط في السادس من حزيران من ذلك العام ورد اسم تلك المدينة في صحيفة "البرافدا" ـ تمت الإشارة إلى أن "العمال هناك يقوّمون بشكل صحيح ارتفاع أسعار المفرق والجملة على اللحوم والزيوت ومشتقاتها".‏

كما يمكن أن نشير إلى مزية أخرى لموقف النظام التوتاليتاري من الصراع الاجتماعي، أي سعي السلطة لإزالة النزعة الصراعية الكامنة في المجتمع عن طريق الجهود السياسية ذات الطابع الوقائي، انطلاقاً من منع ظهور تململ أو نقمة اجتماعية وبالتالي إمكانية ظهور حركة رفض شعبية. هذه الخدمة يقدمها الصراع المفتعل من قبل الجهات الرسمية. معروفةٌ "الأعمال" و"الارتكابات" في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن العشرين التي كانت تُغذّى من قبل أجهزة الأمن والمخابرات، والتي كانت لها عدة أهداف سياسية هامة. ومن بينها الرغبة بالتخلص من المعارضة المحتملة، والسعي نحو استعراض المستوى العالي من اليقظة السياسية للرأي العام، وتسهيل إجراء وتنفيذ النهج الاقتصادي والسياسي المسيطر. ولكن المهمة الرئيسية، على الأرجح، كانت تكمن في منع حدوث حركات اجتماعية غير ممسوك بها، والسعي بأي ثمن للتعبير عن الوحدة المتماسكة في المجتمع وهذا بدوره يزيد من تعاضد ووحدة المجتمع الفعلية، وهذا يعني القضاء على أية ظروف ملائمة لنشوب الصراعات الاجتماعية.‏

وكدليل قاطع على خصوصيات ظهور النزعة للصراع في النظم السياسية ذات المركزية الصارمة نذكر نزاعات محددة في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق في عقد التسعينيات من القرن العشرين. فقد كانت تجري جميعها تحت تأثير واضح وصريح من قبل النخب الحاكمة، والكثير منها كان يتم افتعاله مباشرة من منطلق سياسي. وهذا ينطبق بالدرجة الأولى على أول صراع كبير وعنيف ومع مسحة قومية في كازاخستان، مباشرة بعد إعفاء كوناييف من مهام السكرتير الأول للحزب الشيوعي في الجمهورية وتعيين الروسي كولبين في هذا المنصب. وهذا ينطبق إلى حد معين على الصراعات ذات الصبغة القومية في كل من أذربيجان، جمهوريات البلطيق وفي جمهورية مولدافيا. جميع هذه الصراعات لم تكن عند انطلاقها تحمل مسوغاً قومياً بوجه خاص، وكانت مجرد أداة في أيدي القوى السياسية، التي تركض وراء مصالحها الخاصة. ليس صدفة، أنه في السنوات الأولى من الصراعات القومية كان يعتري المواطنين العاديين الذهول والحيرة من جراء الصدامات الدموية بين مواطنين من قوميات مختلفة. لم يكن يخطر ببال أحد، أن مجرد الانتماء إلى قومية أخرى كان سبباً للكراهية العميقة ومسوغاً للحقد الشديد. إن مثل هذا المزاج النفسي كان متوافقاً تماماً مع منطق التواصل بين القوميات، الذي كانت لـه في البلاد تقاليد تمتد عشرات السنين من علاقات الصداقة والمودة.‏

لقد كان محقاً بدرجة تامة رمضان عبد اللطيفوف (عضو مجلس الاتحاد في روسيا) عندما أكد أن "الأساس في جميع هذه الصراعات لا يعود إلى التناقضات القومية نهائياً، وإنما إلى الصراع بين مختلف البنى الإجرامية ـ المافيوزية بقصد إعادة توزيع السلطة والملكية. المشكلة هنا لا علاقة لها بالقوميات إطلاقاً".‏

أما في المجتمع الديموقراطي فتنشأ حالة مغايرة بشكل كامل. ففي مناخ الحريات الديمقراطية يكتسب المجتمع الأهلي بالتدريج قواعد وضوابط محددة لنشاطه. وبوجود مجتمع أهلي قوي باستقلاليته فإن سلطة الدولة تتخلى بالتدريج عن طموحها وادعائها ضبط جميع ومختلف مظاهر الحياة الأهلية. إن الحرية في تشكيل التنظيمات السياسية والهيئات المجتمعية، التي تحصر نشاطها ضمن إطار القانون الأساسي فقط، فضلاً عن نضج وتطور الآلية الاجتماعية في الكشف عن المصلحة الخاصة والفردية، تخلق نوعية جديدة تماماً من الحياة الاجتماعية. وفي هذه الظروف يصبح بالإمكان تصور الحياة المجتمعية كلوحة باهتة مرقشة لكثير من مراكز العمليات السياسية، التي تتحدد وتتشكل، أي المراكز، بطريقة حرة، أو كحالة عشوائية نوعاً ما، حيث القاعدة الاجتماعية مجرد محصلة غير مستقرة لتأثير متعدد لمختلف اتجاهات التطور، وبحيث تنشأ هذه المحصلة بصورة موضوعية ضمن ظرف محدد، ولكن نادراً ما يكون لأمد طويل.‏

إن المجتمع الديموقراطي يميل نحو الاستقرار بفضل مرونته، وليس بفضل "وحدته المتراصة والراسخة" أو بسب غياب الصراعات. وهو لا يلجأ قط إلى قمع الصراعات أو كبتها، بل يخلق الظروف المؤاتية لكي تتظاهر وتعبر عن نفسها بشكل حر. حتى إنه يمكن القول إنّ الديموقراطية الحقيقية هي حالة صراعية. إلا أنها، بخلاف الصراعات في النظام الشمولي، صراع معلن وصريح، وكقاعدة، صراع سلمي. ومما يساعد في المجتمعات الديمقراطية على انتفاء الأشكال المتطرفة من حدة التصادمات الاجتماعية تلك الآليات المتطورة من التنظيم الذاتي الاجتماعي. فمع توفر التكنولوجيا الاجتماعية الملائمة، التي تفترض خطوات محددة لإجراء الحوار وبقصد الرقابة والتنسيق والمداولات وفق أسلوب مدروس ومجرب علمياً، فإن الصراع الاجتماعي يتخذ مساراً ديموقراطياً دون عواقب اجتماعية سلبية.‏

وبالعودة إلى التجربة السياسية في روسيا، نجد أنه من المفيد تركيز الانتباه بشكل رجعي Retrospectively على الطريقة التي كانت فيها الأحداث السياسية الجارية تؤثر في نزعة العلاقات الاجتماعية نحو الصراع ويجب أن نعترف بأن الصراعات الاجتماعية كانت، قبل كل شيء، ترافق أكثر تحولات الحياة الاجتماعية اختلافاً من حيث طبيعتها، مضمونها واتجاهاتها السياسية. فقد ترافق بصراعات عاصفة انتقال البلاد إلى القواعد الاشتراكية في التعامل والعيش، ولم تكن أقل عنفاً الصراعات العاصفة التي رافقت العملية المعاكسة تماماً لذلك. ويمكننا أن نستنتج من ذلك، أن ظهور النزعة للصراعات، على العموم، لا يرتبط بالخصائص الجوهرية للتحولات الجارية في المجتمع. فبالنسبة لاحتمالية نشوب الصراع يكفي تماماً مجرد وجود التغيرات الحاصلة. وبالإضافة لذلك، إذا حدثت صراعات اجتماعية أثناء أية تحولات مجتمعية بصرف النظر عن نوعيتها، فهذا يعني أنه لا يوجد في التاريخ ولن يوجد نظام اجتماعي قد لا يرضي أحداً أو يرضي الجميع بلا استثناء. إن البشر مع الصراعات يصلون إلى الاستبداد ويخرجون منه مع صراعات تهلل الحشود المزهوة للمستبدين، والجماهير المنتفضة المحتدة تمارس الاضطهاد عليهم. يستنتج أن كل نمط معروف تاريخياً في تنظيم السلطة لديه مسوغاته المشروطة تاريخياً. فالدكتاتورية تأتي لا لأن الديمقراطيين هفواً عن مجيئها، بل لأن قيامها في ظروف معينة أمر مرغوب به من قبل الكثيرين، وربما هو ضروري بشكل موضوعي، وذلك من أجل إنقاذ ما هو أكثر أهمية بكثير من البناء الديموقراطي، وبالتحديد، العيش المشترك بحد ذاته، الأمة، البلاد، الدولة والمجتمع الأهلي. كما إن الإنسان الذي يفقد رأسه لا يمكنه أن يتأسف على شعره، كذلك هو المجتمع، الذي يصطدم بانهيار الدولة، سوف يستقبل الدكتاتورية مع الشكر والامتنان، إذا كانت الوسيلة الوحيدة للحفاظ على أسس الكيان القومي.‏

بالرغم من المجون الخارجي للفرضيات المعلنة، فإنها تعمل لأجل الديموقراطية أكثر بكثير مما تعمل لأجل الدكتاتورية. فالديمقراطية يجب أن تأخذ بنظر الاعتبار أنها ليست "السيدة الجميلة لكل الأزمان وفي جميع الحالات". ويجب على المدافعين عنها أن يفهموا أن الديمقراطية مجبرة لأن تعمل وتحل إشكاليات التقدم الاجتماعي بالطريقة الأمثل. فإذا لم يحدث ذلك وإذا ما اقتصرت محاسن الديموقراطية على مجموعة من المقولات الجميلة ولكن الفارغة من مخزون القيم الإنسانية العامة، فإن الكارثة حاصلة بلا ريب بالنسبة للديموقراطية وللديموقراطيين.‏

إن القرن الفائت يعد الأكثر عمقاً بلا جدال، من حيث خطط التأثير الصراعي في وعي الأمة، خلال كل تاريخها، ولكننا الآن أيضاً مازلنا، بالمقارنة مع الشعوب الأوروبية الأخرى، من حيث تقبلنا للصراع شعباً فوضوياً نوعاً ما، مع سخافات معششة بهذا الشأن، وأحياناً غبية وساذجة إلى حد كبير. "إن المستقبل مخفي عن النظرة البشرية ـ كتب ي.. أيليين ـ ونحن لا نعرف كيف ستؤول سلطة الدولة في روسيا بعد عصر البلاشفة. ولكننا نعرف أنه إذا صارت معادية للمصالح القومية وللدولتية، وصارت تجاري مصالح الأجانب، وتلعب دوراً تقسيمياً في البلاد وأصبحت خالية من أية فكرة وطنية، فإن الثورة لن تتوقف. بل سوف تنتقل إلى مرحلة الموت الجديد...".‏

إن جميع الظروف "في روسيا بعد البلاشفة"، والتي كان حذر منها ي.أ.إيليين، كانت قد تكرست في ممارسة القيادة السياسية على مدى العشر سنوات الأخيرة بصورة مطابقة إلى حدود مدهشة. فهل ستتحول كلماته عن الثورة المنتظرة وعن مرحلة الموت الجديد إلى نبوءة؟ في سياق المرحلة الزمنية تلك لم يعد الأمر قائماً، أما في الأفق التاريخي الجديد فالأمر وارد تماماً.‏

روسيا بلد شاسع. وبالتالي فإن الترابطات السببية ـ الاستنتاجية للعمليات، المتشكلة عبر فضائها في وعي الملايين الكثيرة من سكانها، لا تنضج بصورة مفاجئة، على الفور. إن "خلد التاريخ" هنا يحفر ببطء شديد. إذ أن عدم التمكن من التقاط الفرصة في اللحظة المناسبة لتحاشي المسار غير المرغوب في التطور قد يتحول إلى سبب قاتل لأحداث كارثية، عندما لا يعود ممكناً توقف الفوضى أمام السعي المتأخر والمستدرك نحو تغيير ما يمكن تغييره في المجتمع في اتجاه الأفضل. وهذا كثيراً ما يحدث في تاريخنا. وليس صدفة، أن مواطننا بالضبط هو من أدرك القاعدة المتكررة.‏

فهذا هو الشاعر الروسي المعروف ف.ي. توتشيف يكتب في رسالته إلى أ.د. بلودوفا بتاريخ 28 أيلول 1857 ما يلي:‏

"يوجد في تاريخ المجتمعات البشرية قانون حتمي لم يسبق أن خان ذاته مطلقاً. فالأزمات العظيمة، والانتقامات أو القصاصات العظيمة عادة لا تحدث، عندما يبلغ خرق القانون حداً معيناً، عندما يسود الظلم وغياب القانون ويتحكم بكل قوته وبكل عهره. يتم تفريغ الانفجار عند أول محاولة خجولة للعودة إلى الخير، عند أول زحف صادق، ربما، ولكنه غير واثق وغير جريء نحو الإصلاح الضروري. عندئذ فقط تتم معاقبة أمثال لودوفيغ السادس عشر على أخطاء لودوفيغ الخامس عشر والرابع عشر".‏

أحياناً يبدو لنا، أن كل شيء في التاريخ يتوقف على الإرادة وعلى الدافع لدى القابضين على زمام السلطة. وهذا بالفعل صحيح إلى حد ما (لا يمكن من دونهم) والسياسة تقدم في هذا المجال مجموعة من الحقائق والأدلة الثابتة. إلا أنه لا يقل صوابية الرأي المعاكس تماماً: "مادة التاريخ هي حياة الشعوب" (ليف تولستوي).‏

فالتأثير الحاسم في نوعية الحياة المجتمعية واتجاه التطور التاريخي أثناء الممارسة السياسية اليومية إنما يعود إلى العلاقة المحددة، التي تتشكل بين السلطة الحاكمة في شخص القادة، الزعماء، النخب والجهاز الحكومي وبين الجماهير (السكان، الشعب، العمال الخ). كلما كانت المسافة بين المشاركين في العملية السياسية أكبر، وبالتالي تأثير أحد الأطراف، كلما كان غير قابل للتنبؤ في مسار التاريخ، وكلما كان أكثر احتمالاً استغلال السلطة، كانت أكثر احتمالاً الانحرافات في الأولويات السياسية، والانسدادات في التطور المجتمعي، والأزمات السياسية، الصراعات و الهزات الاجتماعية.‏

تقريباً إن جميع الصعوبات المتعلقة بحل المشاكل الهامة اجتماعياً في روسيا المعاصرة إنما تنبع من العجز السياسي للسكان المدنيين. ذلك أن المواطنين في بلادنا قد اعتادوا خلال مرحلة السلطة أن يشكلوا عالة سياسية ومدنية، ألفوا أن الموقف الأهلي الواعي وأن المشاركة والنشاط السياسي المستقل ينظر إليه على أنه نادر وخاص نوعاً ما وأنه غير ضروري بالنسبة للمواطن العادي، بل أحياناً يكون ضاراً ومداناً، خصوصاً من قبل السلطة. إن السلبية السياسية والعجز في الدفاع عن المصالح الخاصة إنما يؤدي إلى عواقب سلبية عامة بالنسبة للبلاد ككل. إن قصور النزعات الأهلية ينتقم مباشرة على شكل اضطهاد بيروقراطي، عبر غياب القانون، وهبوط مستوى الدخل بالنسبة لغالبية السكان، وبعدم ثقتهم في يوم غد.‏

إن العجز السياسي التراتبي لمواطنينا ينعكس على المنظومة المعاصرة للتلاعب بالرأي العام الاجتماعي؛ هذه المنظومة التي تشكلت في شروط مغايرة وبرهنت عن ذاتها بنجاح حتى عندما تكون تقاليد الدفاع الذاتي المدني قوية. لقد توصل الباحث السياسي الفرنسي ب. شامبان P.Shampan إلى واحدة من أهم النتائج التي تقول: ما هو موجود في الواقع ـ هذا ليس رأياً مجتمعياً، بل ليس حتى "رأياً مقاساً في استطلاعات الرأي". ما هو موجود بالفعل في الواقع ـ عبارة عن فضاء اجتماعي جديد فعلياً، حيث تسود مجموعة من الشخصيات الفاعلة ـ تجار الاستطلاعات، الباحثين السياسيين، المستشارين بقضايا الاتصال السياسي والتسويق السياسي، الصحفيين ..... إن الخبراء، وعن طريق استخدام التقنيات الحديثة كالسبر والاستفتاء عبر الهاتف، الكمبيوترات والمذياع والتلفزيون، إنما يصبغون على "الرأي العام" الوجود السياسي المستقل، الذي قاموا هم أنفسهم بصياغته وطبخه، جاعلين من تحليله والتلاعب به مهنة لهم وبذلك يتسببون بتغيير عميق في الواقع السياسي ـ ذلك الواقع، الذي يسمح أن يُرى على شاشات التلفاز وذلك الواقع، الذي يعيش فيه الزعماء السياسيون أنفسهم.‏

كما إنه يتم تدنيس مثل هكذا تعبير كلاسيكي عن رأي "التحت" كالمظاهرات. إذ يجري طبخها بشكل مكشوف من قبل وسائل الإعلام الجماهيري (كالمشهد أو الفرجة)، ومن خلالها يتم التأثير على الرأي العام. ودون تغطيتها في وسائل الإعلام الجماهيري لا وجود للمظاهرات كحدث سياسي.‏

إن المجال السياسي ينغلق على نفسه أكثر فأكثر بمساعدة جيش من الخبراء. ففي الوقت الذي يعتبر فيه التلاعب بالرأي العام في الغرب اليوم عامل اضطراب وإقلاق بالنسبة للتطور الاجتماعي، بالنسبة لظروفنا ما زالت ملحة المشاكل التي تم حلها منذ أمد بعيد في أغلب البلدان الديموقراطية. إن الحملات الانتخابية في الآونة الأخيرة وعلى مختلف المستويات تشير بثبات إلى ميزة عامة واحدة الدور المركزي في الانتخابات وتأثير ما يسمى بالعامل الإداري. من المثير أن المحللين الغربيين حتى إنهم لا يستوعبون على الفور فحوى الحديث. إذ لا يمكن أن يخطر ببالهم أن التدخل السافر في العملية الانتخابية من قبل "القيادة" قد تكون لـه عواقب تتفق مع مصالحها ونتائج تتوخاها هذه القيادة. وبالنسبة للديمقراطيات الغربية هذا أمر مستحيل، لأن التأثير المباشر المفضوح على سير العملية الانتخابية لصالح السلطة القائمة يمكن أن تكون لـه نتائج عكسية تماماً فقط.‏

ولكن توجد حدود لمصدر التأثير الإداري في نتائج الانتخابات. كل نجاح جديد للسلطة القائمة في استخدام ذلك المصدر إنما فقط يبعد السلطة في المنظور الاستراتيجي عن الشعب، يزيد من الهوة القائمة بينهما. إذ تنضج وسط الكتلة الجماهيرية، بعد أن تولد، أنماط مختلفة عن تلك المعلنة، من سلم القيم السياسية والسلوك، ينمو باطراد عدم الثقة تجاه السلطة بشكل عام وعدم الثقة في القدرة على الحفاظ والدفاع عن المصالح الذاتية بطرق ديموقراطية، تتأجج مشاعر السخط والغليان في العقول والأفكار. ما يؤدي بمجمله ومن جديد إلى أحداث معروفة في تاريخنا: إما نحو التمرد، إما نحو دعم نظام دكتاتوري آخر. هذا وذاك يعادل الثورة من حيث النتائج، وهذا وذاك حابل بهزات وبأزمات اجتماعية جديدة، وربما بكوارث عنيفة، كما حذر من ذلك ي.أ.إيلين. إن المسؤولية في الوضع السياسي القائم في بلادنا عن احتمال حدوث تطور غير مرغوب نهائياً إنما تقع كاملة على عاتق السلطة الحالية، لأن الشعب كشف عن عجزه في مساعدتها على العمل لما فيه مصلحة للبلاد عامة. إنه لجهل عظيم أن تختصر تلك المساعدة في أمر واحد، الثقة المطلقة بالسلطة، وفي الدعم الكامل والأعمى لكل مبادراتها وأفعالها. ففي الظروف الحالية، في هذه المرحلة من تطور النظم السياسية والاقتصادية لم يعد هذا كافياً البتة. إن التجربة السياسية للقرن العشرين تبين أن الموقف النقدي فقط تجاه السلطة والرقابة الدائمة على نشاطها من قبل المجتمع المدني وهيئاته المستقلة هما كفيلان بمنع استبدال المصلحة العامة بالمصلحة الشخصية، وضمان تطور أكثر استقراراً، وتحاشي الصراعات المدمرة والتجارب الخطيرة اجتماعياً.‏

(1) قاموس دال ـ من أكثر قواميس اللغة الروسية انتشاراً وشهرةً. المترجم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244