مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 28 السنة الثامنة شتاء 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

أدبيات مشروع الشرق الأوسط الكبير ـــ د.غازي حسين

المقدمّة:‏

يواجه النظام العربي حالياً مخاطر قيام مشروع الشرق الأوسط الكبير، لإخضاع المنطقة للهيمنتين الأميركية والإسرائيلية، حيث سيبدأ السرطان الإسرائيلي الخبيث بالتغلغل في قلب الجسم العربي والإسلامي ليشكل تحالفات من أطراف إقليمية،‏

يمكن أن يكون بعض منها من منطقة الخليج، وبعضها الآخر من أقليات عرقية وطوائف دينية يسهل السيطرة عليها وقيادتها ضد مصالح شعوبها وبلدانها. ويقول الخبراء الأميركيون في شؤون المنطقة أن هناك دولاً عربية تحاول إقامة نوع من العلاقة بينها وبين إسرائيل. ويوضح روبرت ستغالو ويقول: إن بعض الدول العربية تريد إدخال إسرائيل كلاعب رئيسي مباشر وعلى المكشوف في لعبة توازن القوى والخلافات بينها وستقوم ببناء تحالفات بينها وبين إسرائيل تستخدمها لمساعدتها في صراعاتها وخلافاتها فيما بين بعضها البعض. ويرجع موقفه هذا إلى حقيقتين: الأولى: إن إسرائيل هي القوة العسكرية المهيمنة في المنطقة والقادرة على ترجيح ميزان قوى دولة عربية ضد دولة عربية أخرى.‏

والثانية: هو أن الكثير من الدول العربية تدرك أن مفتاحها إلى واشنطن موجود في إسرائيل. وبالتالي على تلك الدول أن تحسِّن علاقاتها مع إسرائيل على حساب القدس والمقدسات العربية فيها الإسلامية والمسيحية وعلى حساب حق العودة والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.‏

إن العرب هم الوريث الحقيقي للدولة العربية والنظام العربي. وتتطلب إقامة النظام العربي المتين إلغاء السيطرة والتبعية الأجنبية والقواعد العسكرية، وإقامة نظام عربي تحت مظلة الجامعة العربية قادر على حماية الأمة والنهوض بها، وتحقيق التنمية والتطور والقيام بدورها الحضاري تجاه البشرية. وإن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يطرحه الرئيس بوش لتحقيق المصالح الأميركية والإسرائيلية على حساب مصالح شعوب وبلدان المنطقة نظام متعدد الطوائف والأعراق تقوده إسرائيل الاستعمارية والعنصرية والإرهابية التي تعمل على تغيير المنطقة وتعزيز دور الأقليات الطائفية على حساب الهوية العربية والإسلامية والنظام العربي.‏

إن التعاون الإقليمي الذي سيتمخض عن المشروع الأميركي سينهي المقاطعة العربية ويحمل البلدان العربية على الهرولة في التطبيع، وبالتالي يحقق لإسرائيل نتائج اقتصادية هائلة، تُنهي اعتمادها على المساعدات الأميركية والألمانية ويوسِّع قاعدتها الاقتصادية.‏

عانت الشعوب والبلدان العربية من الحروب والاعتداءات والمجازر والدمار والتوسع الاستيطاني الإسرائيلي وسوف يعانون في المستقبل من التغلغل اليهودي في الاقتصادات والمجتمعات العربية إن عقد مؤتمرات القمم الاقتصادية للتنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وطرح موضوع سوق الشرق الأوسط بدأ يُدخل المنطقة في منعطف خطير وحاسم من تاريخها المعاصر. فسوق الشرق الأوسط تمثل النقيض للسوق العربية المشتركة، وتعني الإلغاء العملي للوحدة الاقتصادية العربية والتكامل الاقتصادي العربي.‏

وتتطلب إقامة السوق الشرق أوسطية تحقيق مشروع الرئيس بوش وتصفية قضية فلسطين على حساب الحقوق الوطنية والقومية والدينية للعرب والمسلمين فيها، وإنهاء الصراع العربي الصهيوني انطلاقاً من المخططات والمشاريع الإسرائيلية، واستغلال الثروات والأموال والأسواق والأيدي العاملة العربية في إقامة المشاريع لخدمة المصالح الأميركية والإسرائيلية وتصبح "إسرائيل" بوابة الاستيراد والتصدير بين البلدان العربية وبين الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية وتهيمن "إسرائيل" من خلال المشروع والسوق على الاقتصادات العربية، وسوف تربط الاقتصاد العربي أكثر فأكثر بالاقتصاد الغربي لتحقيق الاستغلال المزدوج لشعوب وبلدان المنطقة. وسيكون التعاون الاقتصادي أشبه بالعلاقة بين الصياد والفريسة، بين إسرائيل القوية والمنتصرة والمغتصبة للأرض والحقوق التي تسخر القوة والحروب والاعتداءات والتهديد بها لكسر الإرادات العربية وإملاء القرارات السياسية، والتي لا حدود لأطماعها وأحلامها ومخططاتها وبين بلدان المنطقة العربية فهي تريد أن تهيمن وتسيطر وتتسلط وتستغل وتبتز جماعات عربية ضعيفة، ممزّقة ممنوع عليها تحقيق أي شكل من أشكال الوحدة أو الحصول على مصادر القوة والسلاح.‏

كيف يمكن أن يكون هناك مصالح مشتركة، ومنافع متبادلة وشراكة عادلة بين مغتَصِب للأرض والحقوق والمياه ويمارس الإبادة والعنصرية والاضطهاد القومي والاستعمار الاستيطاني، وطرف آخر ألحقت به الهزيمة الساحقة جراء الحروب العدوانية والاحتلال. ودعم الولايات المتحدة الأميركية المطلق لإسرائيل؟‏

كيف يمكن أن تكون هناك علاقات ومصالح مشتركة في ظل امتلاك إسرائيل لأسلحة الدمار الشامل النووية والكيماوية والبيولوجية؟ ما يجعلها تتحكم في حاضر ومستقبل بلدان المنطقة، وتأخذ ما تريده من المياه والنفط والأموال كما تفعل الولايات المتحدة في العراق ومع بعض بلدان الخليج الغنية جداً.‏

دَرَستْ إسرائيل أسباب إخفاق الصليبيين في المنطقة، ورأت أن عليها العمل على تجنب المصير الذي حل بهم، وذلك عن طريق التغلغل الاقتصادي في نسيج بلدان المنطقة والسيطرة على المقدرات الاقتصادية فيها كي تتمكن من الاستمرار والبقاء. ويطالب المفكرون والسياسيون في إسرائيل بالسيطرة على الموارد العربية للاستمرار في المنطقة والهيمنة عليها، واستغلال النفط فيها لتمويل الاستراتيجية الأميركية والصهيونية للهيمنة على الاقتصاد العالمي.‏

قامت إسرائيل بعدة حروب عدوانية واحتلت أراضٍ فلسطينية وعربية أخرى، وبدلاً من معاقبتها على حروبها العدوانية وإجبارها على الانسحاب الفوري وعلى دفع التعويضات عن الخسائر التي أنزلتها بالشعب الفلسطيني والبلدان العربية تطبيقاً لقرارات الشرعية الدولية، ومعاقبة المسؤولين فيها كمجرمي حرب أسوة بمجرمي الحرب النازيين تقوم الولايات المتحدة على تسويق مشاريع التسوية الإسرائيلية وإعادة ما تريد إسرائيل إعادته من الأراضي المحتلة مقابل إقامة الشرق الأوسط الكبير والسوق الشرق أوسطية وإسرائيل العظمى الاقتصادية.‏

إن الطبيعة العنصرية والإرهابية والاستعمارية لليهودية والصهيونية والكيان الصهيوني ووجود عدة أعراق وأديان سماوية، واغتصاب فلسطين العربية، والأطماع في الأرض والنفط والمياه والأسواق العربية تجعل من المستحيل لمشروع الشرق الأوسط الكبير أن يعمِّر طويلاً إذا نجح الرئيس بوش في فرضه.‏

إن نتائج السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية وقطاع غزة، والجولان وجنوب لبنان تظهر بجلاء الخسائر الفادحة البشرية والمادية التي ألحقتها إسرائيل في مجالات الصناعة والزراعة والتعليم والصحة والحياة الاجتماعية والأمنية. وإسرائيل وحدها هي التي جنت وتجني الأرباح الهائلة على حساب سكان المناطق المحتلة.‏

إن تحقيق التسوية بالرعاية الأميركية ومن خلال تمسك إسرائيل بالأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، والمفاوضات على مزاج السفاحين وبرعاية الولايات المتحدة، أي برعاية الليكوديين أو من يماثلهم في الإدارة الأميركية تؤدي إلى تحقيق المخططات والمشاريع الإسرائيلية على حساب الوطن والمواطن وعلى أنقاض النظام العربي.‏

إن مخاطر نظام الشرق الأوسط الكبير لا تنحصر في الأبعاد الاقتصادية والسياسية وإنما أيضاً تمتد لتشمل البعد الثقافي والحضاري للصراع، ولاسيما أن إسرائيل تعتبر نفسها جزءاً من الوطن العربي وامتداداً لأوروبا في قلب آسيا،و تعمل بمساعدة الولايات المتحدة على مسح الثقافة العربية الإسلامية وتغيير المناهج التعليمية في المدارس والجامعات ووضع إسلام يخدم مصالحها.‏

واعتادت "إسرائيل" على استخدام القوة والتهديد باستخدامها لفرض مواقفها ومخططاتها، ما يجعل المواطن يخشى من "السلام" الذي تفرضه عن طريق الراعي الأميركي الذي يتبنى المخططات الإسرائيلية ويعطيها اللباس الأميركي.‏

إن التباين في المواقف العربية من نظام الشرق الأوسط الكبير ـ وبشكل خاص الدول العربية الصغيرة جداً والتي تحتلها القوات الأميركية عن طريق القواعد العسكرية ـ يزيد من مخاطره على شعوب وبلدان المنطقة.‏

وسيقود المشروع الجديد إلى تصاعد الدور الإسرائيلي في المنطقة وتوسيع صادراتها ووارداتها حتى تشمل البلدان العربية من النيل إلى الفرات، ومن القدس حتى مكة المكرمة والمدينة المنورة. وستشارك العرب في النفط والمياه والأموال والأسواق من خلال دورها الاقتصادي المهيمن وتفوقها العسكري وتحالفها الاستراتيجي مع أميركا والضعف والتمزق العربي. وسيكون توسعها الاقتصادي بديلاً عن توسعها الجغرافي لإقامة "إسرائيل العظمى الاقتصادية" بدلاً من "إسرائيل الكبرى" الجغرافية.‏

وتستغل إسرائيل المتغيرات الدولية وتغيُّر البلدان العربية (وعدم تغيّر الصهيونية والكيان الصهيوني) وعلاقاتها القوية مع دول الاتحاد الأوروبي، وسيطرة الولايات المتحدة على الأمم المتحدة، وتمسكها باحتلال الأراضي الفلسطينية والسورية، والمفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف لتحقيق مخططاتها وإنجاح المشروع الصهيوني في الوطن العربي.‏

وستقوم دول النفط العربية بتمويل القسم الأكبر من المشاريع الإقليمية، وسيذهب الربح الأكبر منها إلى إسرائيل التي ستزيد من كراهية الغرب للعرب ومن الهوة بينهم وتضعف دور الجامعة العربية ومؤسساتها لحساب مؤسسات الشرق الأوسط الكبير. وستزيد من الصراعات والفتن العرقية والطائفية وعدم الاستقرار. وستشعل صراعات عرقيّة وقومية، ودينية وطائفية، ما يبدد ثروات المنطقة وجهودها ويعرقل التنمية والتطور.‏

مشروع الشرق الأوسط فكرة صهيونية‏

خططت الحركة الصهيونية منذ نشأتها إلى السيطرة على المنطقة العربية الممتدة من النيل إلى الفرات على أن تكون الدولة اليهودية في فلسطين العربية المركز والمنطلق لإقامة "إسرائيل الكبرى". ولا يزال هذا الهدف في الماضي والحاضر والمستقبل الجوهر الأساسي للصهيونية كإيديولوجية وحركة وكيان. ووضعت لتحقيق هذا الهدف مرحلتين:‏

الأولى: تهجير اليهود إلى فلسطين العربية وترحيل الفلسطينيين سكانها الأصليين وأصحابها الشرعيين منها، وتحقيق التوسع والاستعمار الاستيطاني باستخدام القوة والحروب العدوانية والإرهاب والمجازر الجماعية والاحتلال وإقامة المستعمرات اليهودية وتهويد الأراضي والمقدسات العربية، الإسلامية والمسيحية.‏

والثانية: الانطلاق من الأمر الواقع الناتج عن استخدام القوة والحروب العدوانية والاحتلال بتسخير الدبلوماسية والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، والمفاوضات المباشرة والمتعددة الأطراف لفرض المخططات الإسرائيلية في التسوية برعاية الولايات المتحدة واللجنة الرباعية.‏

إن مصطلح "الشرق الأوسط" سياسي النشأة والاستعمال، ولا ينبع من سمات المنطقة أو طبيعتها السياسية أو الثقافية أو الحضارية أو الديمغرافية. ويرمي إلى تمزيق الوطن العربي، والقضاء على آمال الوحدة العربية والنظام العربي وإضفاء الشرعية على الاغتصاب اليهودي لفلسطين العربية. والمصطلح صهيوني النشأة ولخدمة الكيان الصهيوني والإمبريالية الأميركية.‏

تخيّل تيودور هرتسل، مؤسس الحركة الصهيونية "قيام كومنولث شرق أوسطي يكون لدولة اليهود فيه شأن قيادي فاعل ودور اقتصادي قائد". وأقر مؤتمر بلتمور الصهيوني عام 1942 إقامة كومنولث شرق أوسطي تقوده دولة اليهود.‏

ونجح اليهود في الولايات المتحدة وبريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية في غرس فكرة "الشرق الأوسط" في صلب السياستين الأميركية والبريطانية. واقترح اليهودي الأميركي ارنست بيرجمان في مذكرة رسمية قدمها في اجتماع بين ممثلين عن وزارتي الخارجية الأميركية والبريطانية في لندن خطة لتهويد فلسطين العربية وإقامة إسرائيل فيها وتحويلها إلى قاعدة صناعية متطورة لتكون حجر الزاوية في المشاريع والمخططات المستقبلية الأميركية بالمنطقة. ظهرت فكرة الشرق الأوسط كفكرة يهودية في وثيقة أصدرها "اتحاد اليهود" عام 1948 وتضمنت العمل على التصاق فلسطين في اتحاد شرق أوسطي واسع (كبير).‏

واقترح بن غوريون، مؤسس "إسرائيل" في تموز 1958 على الرئيس الأميركي أيزنهاور "إقامة سد منيع ضد التيار العربي التحرري والوحدوي الذي كان يقوده الرئيس جمال عبد الناصر من إسرائيل وتركيا وإيران والحبشة.‏

خططت "إسرائيل" والولايات المتحدة لحرب حزيران ولأهدافها العسكرية والسياسية، وحالت الولايات المتحدة دون إجبار "إسرائيل" على الانسحاب من الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية المحتلة تطبيقاً لقرارات الشرعية الدولية حتى اليوم. وبدأت المخططات بالظهور بعد الحرب العدوانية مباشرة. فأنشأ المليونير روتشيلد بعد الحرب العدوانية مباشرة، معهداً بالقرب من جنين أطلق عليه اسم "معهد من أجل السلام في الشرق الأوسط" جعل مهمته الأساسية دراسة احتمالات التعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط بعد تسوية الصراع العربي الصهيوني، والبحث عن وسائل إقامة علاقات تجارية بين إسرائيل وبلدان المنطقة.‏

وعقدت "إسرائيل" ثلاثة مؤتمرات سنوية لأصحاب الملايين اليهود، لوضع المخططات لاستغلال ثروات وأسواق الأراضي المحتلة وإحكام سيطرتها الاقتصادية على بلدان المنطقة. وأسست عام 1968 جمعية باسم "جمعية من أجل السلام في الشرق الأوسط"، مهمتها وضع المخططات لفرض هيمنة "إسرائيل" الاقتصادية على بلدان الشرق الأوسط وخططت الجمعية لإنشاء سوق شرق أوسطية، وحددت السمات الأساسية التي ستبرز في اقتصادات دول المنطقة وما تنتجه كل دولة من دوله. وركزت على السياحة واعتبرتها من أهم صناعات الشرق الأوسط. وطرح حزب العمل الإسرائيلي إقامة اتحاد إسرائيلي ـ فلسطيني ـ أردني على غرار اتحاد بنيلوكس (بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ). وركزت برامج الحزب ونشاط قياداته في وجوب العمل على توطيد التعاون الإقليمي في الشرق الأوسط. وطالب الجنرال أمنون شاحاك من إسرائيل وجوب ترسيخ انتمائها إلى الواقع الشرق أوسطي.‏

وكان ناحوم غولدمان، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي يطالب، علناً بالتزاوج بين "الذكاء اليهودي" والثراء العربي ووجوب التوصل إلى تسوية للصراع وعقد معاهدات صلح والاندماج في الإطار الإقليمي للمنطقة والهيمنة عليها. وحدد الكاتب الصهيوني دافيد كاما في كتابه "الصراع لماذا وإلى متى؟" الاستراتيجية الإسرائيلية حيال الوطن العربي قائلاً: "إن هنالك وطناً واحداً للعرب عائداً لهم وليسوا غرباء فيه، ألا وهو الجزيرة العربية، أما بقية البلدان التي يقيمون عليها فليسوا سوى محتلين لها ويقيمون إمبراطورية مغتصبة. إن العالم العربي يقوم على أساس احتلال العرب لأراضي الكثير من الشعوب التي قهرت وأجبرت على الذوبان ضمن العرب. ويجب أن تطالب الأمة العربية بالعودة للعيش في المنطقة كشعب من بين غيره من الشعوب لا كحاكمة على بقية الشعوب، وعليها أن تتوقف عن غطرستها وتتنازل عن حقوقها السياسية الزائدة إذا كانت تريد العيش هنا في المستقبل بطمأنينة وسلام".‏

ويعمل الاحتلال الأميركي للعراق حالياً على تحقيق هذه الاستراتيجية الصهيونية في تغيير الوجه العربي للعراق. ويحدد دافيد كاما دور إسرائيل في الاستراتيجية الصهيونية تجاه الوطن العربي ويقول: "وهناك عبء في الحقوق والواجبات ملقى على كاهل الإسرائيليين كي يقدموا يد العون إلى أولئك المتعفنين في عبوديتهم بالسجن العربي، لذا يجب إيجاد لغة مشتركة وطريق عمل واحدة مع الأكراد في العراق، والزنوج في السودان،، والموارنة في لبنان، والأقباط في مصر، وسائر أبناء الشعوب والأديان التي تحارب سوية من أجل التحرير والاستقلال" وهذا ما تقوم به الولايات المتحدة في العراق وجنوب السودان ودارفور. وتعمل "إسرائيل" منذ أن سيطرت الولايات المتحدة الأميركية بعد عام 1991 على شمال العراق لتنفيذ هذه الاستراتيجية وأوضح الصهيوني ارييه اورنشتاين الموقف الصهيوني من الوحدة العربية ودور إسرائيل في إشعال الفتن العرقية والطائفية في المنطقة وقال: "على نقيض شعار الوحدة العربية الذي ينادي به العرب، إنني أؤمن بعد مدة بتفسخه وظهور طوائف عرقية وجغرافية، مثل لبنان المسيحي، ومنطقة الأكراد شمال العراق، وجبل الدروز، ودولة إسرائيل، وفي نهاية الأمر ستنضم الأردن إلى هذا التجمع المتمثل في الهلال الخصيب، والذي سيكون بقيادة إسرائيل".‏

إن هذا التخطيط الصهيوني لا يقيم وزناً لمبادئ الحق والعدالة والقانون الدولي والعهود والمواثيق الدولية ولا لسيادة الدول العربية واستقلالها وحرمة أراضيها، وإنما ينطلق من شريعة الغاب، من إشعال الحروب العدوانية الوقائية والاستباقية، ومن الأمر الواقع الناتج عن الحروب والاحتلال وإجبار العرب للإذعان للمخططات الصهيونية وكسر إراداتهم.‏

الاستراتيجية الإسرائيلية في الثمانينات‏

تعمل إسرائيل باستمرار وجنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة وعرقلة التنمية والتطور لتفتيت الدول العربية الكبيرة وإعادة تركيبها لتحقيق مشروع الشرق الأوسط الكبير.‏

وقد وضّح الجنرال مردخاي غور، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق الاستراتيجية الإسرائيلية في مطلع الثمانينات قائلاً: "إن السياسة الصحيحة والمتزنة والشجاعة التي يجب على إسرائيل أن تتبعها في المستقبل القريب هي أن تعمل على استمرار الوضع المتزعزع في العالم العربي، واستغلال هبوط الهمة والتجزئة التي يعيشها العالم العربي من أجل التوصل إلى اتفاق مع مختلف الأوساط العربية والفلسطينية بغية تأسيس السلام مع الأمن من جهة ومنع اتحاد البلدان العربية من جهة أخرى".‏

وانطلقت الاستراتيجية الإسرائيلية في الثمانينات من القرن الماضي من الوقائع التالية:‏

* اتفاقيتي كمب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية واعتراف مصر بإسرائيل.‏

* اعتراف قيادة عرفات بإسرائيل وبدء الحوار معها ومع الولايات المتحدة.‏

* مشروع السلام العربي في قمة فاس الثانية التي يعترف ضمناً بإسرائيل.‏

* مبادرة ريغان التي قبلتها العديد من البلدان العربية ولم ترفضها قيادة عرفات.‏

* تعاون الانعزاليين في لبنان مع إسرائيل وإقامة محمية إسرائيلية لسعد حداد في الشريط الحدودي.‏

وأخذت المشاريع الإسرائيلية لإقامة التعاون على أساس "شرق أوسطي" بالظهور بدءاً من مشروع جاد يعقوبي وزير المواصلات في حكومة رابين عام 1975، ومخطط يعقوب ميريدور وزير الاقتصاد في حكومة بيغن عام 1977 إلى مشروع مارشال الذي طرحه بيرس عام 1986 ومشروعه "الشرق الأوسط الجديد" الذي ظهر في كتابه عام 1993.‏

ووقعت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق أوسلو عام 1993 والأردن معاهدة وادي عربة عام 1994.‏

اعتمدت الاستراتيجية الإسرائيلية على القوة العسكرية كأساس لفرض أوضاع جديدة في المنطقة، واستغلال هذه الأوضاع التي نتجت عن استخدام القوة والاحتلال والاستيطان لتحقيق المشروع الصهيوني في فلسطين والمنطقة، وبالتالي استغلت نتائج الحروب العدوانية لكسر الإرادات وتحقيق مكاسب سياسية، وإقليمية، واقتصادية عن طريق دمج العاملين العسكري والسياسي لتصفية قضية فلسطين وفرض اتفاقات مذلة لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية والأمنية.‏

إن الهدف الإسرائيلي والأميركي من الحروب والتسويات والمشاريع في المنطقة هو العمل على استغلال نتائج الحروب والمآسي والويلات والقتل والخراب والدمار لزيادة أرباح إسرائيل وأميركا وإنجاحا للمشروع الصهيوني والقضاء على الوحدة العربية وعرقلة التنمية وزعزعة الاستقرار عن طريق تغذية الطائفية والعرقية وتحريك الفتن وعمليات التخريب لتمرير مشروع الشرق الأوسط الكبير وفرض الهيمنتين الإسرائيلية والأميركية عليها.‏

وجاءت الحرب العدوانية على العراق في هذا السياق، حيث كشف الجنرال كولن باول، وزير الخارجية الأميركي؛ أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ في السابع من شباط عام 2003 الهدف من الحرب وقال إن الإطاحة بالنظام العراقي يمكن أن تعيد تشكيل الشرق الأوسط بما يعزز المصالح الأميركية ويساعد في إنهاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي ورسم خريطة جديدة للمنطقة.‏

إن الهدف الاستراتيجي لإسرائيل من طرح "نظام الشرق الأوسط الجديد" هو إقامة نظام إقليمي جديد اقتصادي وأمني ترعاه وتدعمه الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي وبعض الدول العربية الصغيرة لتأمين الهيمنة الأميركية المستقرة على النفط في المنطقة ومحاربة العروبة والإسلام.‏

الدور الأميركي في مشروع الشرق الأوسط‏

حققت الولايات المتحدة الحلم الذي كان يراود بن غوريون والمؤسسون الصهاينة بإخراج مصر من دائرة الصراع العسكري مع العدو الإسرائيلي بإجبار السادات على توقيع اتفاقيتي كمب ديفيد. وجاءت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ووضعت عام 1977 مخططاً للشرق الأوسط لإقامة التعاون فيه على أساس شرق أوسطي وليس على أساس عربي وتلعب فيه الولايات المتحدة دور الوسيط، وخلق مؤسسات تتجاوز الجامعة العربية تسمح بانخراط "إسرائيل" في نظام الشرق الأوسط.‏

وترمي الولايات المتحدة من تبنيها لمشروع الشرق الأوسط الصهيوني إلى خدمة مصالحها ومصالح إسرائيل المعادية لشعوب وبلدان المنطقة والتي تقوم على:‏

* تأمين السيطرة الأميركية على منابع النفط وممراته وكمياته وأسعاره وأمواله (وإدارة بوش هي من أكبر المستفيدين من الارتفاع العالمي لأسعار النفط بسبب هيمنتها على النفط العراقي وبعض بلدان الخليج).‏

* المحافظة على تفوق إسرائيل العسكري واحتلالها للأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية ودعم تهويد القدس بشطريها الغربي والشرقي.‏

* إقامة القواعد العسكرية في معظم بلدان الخليج بما فيها العراق.‏

* صناعة قيادات وتسوية للصراع العربي ـ الصهيوني برعايتها لتنفيذ المخططات الإسرائيلية وإنجاح المشروع الصهيوني.‏

* تفتيت الدول العربية الكبيرة طائفياً وعرقياً وإعادة تركيبها وجعل العراق البوابة لرسم خريطة للمنطقة وتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير.‏

أخذت المخططات الإسرائيلية والأميركية تتحقق بعد حرب الخليج الثانية بانعقاد مؤتمر مدريد في 30/10/1991 وبدء المفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف. وجرى توقيع اتفاق أوسلو ووادي عربة.‏

وتبنى الرئيس بوش (الأب) في كلمته الافتتاحية في مؤتمر مدريد المخطط الإسرائيلي للتسوية. وأجبرت الولايات المتحدة بعض الدول العربية على إلغاء المقاطعة والهرولة في التطبيع وفتح الأسواق أمام المنتجات الإسرائيلية وعقد القمم والمؤتمرات الاقتصادية، لجعل "إسرائيل" المركز والقائد والمهيمن على المنطقة.‏

ووضع اليهودي الأميركي برنارد يوبس مخططاً تحت عنوان "إعادة النظر في الشرق الأوسط" ينطلق فيه من التخلي الرسمي عن حلم الوحدة العربية ويقول فيه باحتمال إلغاء دور العرب في التاريخ الجديد للمنطقة لمصلحة قوى إقليمية أخرى وفي طليعتها "إسرائيل". ووضع مخططاً آخر أطلق عليه الشرق الأوسط الجديد. وجاء الرئيس بوش وحذف منه كلمة "الجديد" ووضع بدلاً منها الكبير وطرح مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تصل حدوده إلى جمهوريات "آسيا الوسطى الإسلامية".‏

بيرس ونظام الشرق الأوسط الجديد‏

قدمت إسرائيل في كتاب شمعون بيرس "نظام الشرق الأوسط الجديد" الذي ظهر عام 1993، وفي اتفاقات أوسلو ووادي عربة، والقمم الاقتصادية للتنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفي تصريحاتها مشروعاً استعمارياً للهيمنة على اقتصادات المنطقة وتغيير ثقافتها العربية الإسلامية، بأسلوب ولباس جديد مضلل ومخادع ويخفي خطورة الأفكار والمخططات الواردة فيه.‏

فما هي تصورات شمعون بيرس أبو مفاعل ديمونا الذري وسفاح قانا حول "نظام الشرق الأوسط الجديد"؟.‏

طرح بيرس تصوراته حول التعاون الاقتصادي في منطقة "الشرق الأوسط" لأول مرة في تشرين الثاني عام 1992 أمام مثقفين مصريين في المعهد القومي لدراسات الشرق الأوسط قائلاً:‏

"لا ينبغي أن ننظر إلى المفاوضات السياسية بالتركيز على النظر إلى الماضي يجب أن نضع نهاية للنزاع الإسرائيلي العربي وأن نبني الشرق الأوسط الجديد يجب أن يكون الشرق منطقة مفتوحة من ناحية اقتصادية لكل الشعوب التي تقطن فيه. لم يعد في العالم اقتصاد أمة ناجع، بل اقتصاد سوق، على المدى البعيد يمكن أن تنشأ كنفدرالية إسرائيلية ـ أردنية ـ فلسطينية، أو حلف بصيغة بنيلوكس".‏

وهكذا يطالب بيرس بنسيان ماضي إسرائيل الإجرامي، والحروب العدوانية والمجازر الجماعية التي ارتكبتها، ونسيان الأراضي والمياه والممتلكات والحقوق التي اغتصبتها، وفي الوقت نفسه خلّدت مسؤولية ألمانيا والشعب الألماني عن الأعمال الإجرامية التي ارتكبتها النازية، وتلقت التعويضات الألمانية التي زادت عن (300) مليار مارك وصفقات الأسلحة المجانية التي زادت حمولتها عن مئة سفينة من أسلحة جيش ألمانيا الشرقية ويقصد بيرس بفتح أبواب بلدان المنطقة إلغاء المقاطعة العربية والاعتراف باغتصاب إسرائيل للأرض والمياه والمقدسات والحقوق الفلسطينية والعربية والإسلامية، والهرولة في تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني الاستعماري والعنصري، والعدو التاريخي للعروبة والإسلام.‏

وتناول بيرس في حديثه أمام المعهد في القاهرة سوق الشرق الأوسط والاتحاد الاقتصادي الإسرائيلي ـ الأردني ـ الفلسطيني وقال: "يمكن أن تبدأ هذه العملية (سوق الشرق الأوسط) باتحاد اقتصادي إسرائيلي ـ فلسطيني ـ أردني: في مثل هذا ا لاتحاد تلغى المحظورات الراهنة على حركة الناس والسلع والائتمانات بين المصارف على ضفتي نهر الأردن تجري تنمية السياحة التوراتية على الضفة الغربية، ويُبنى ميناء بحري في غزة. يُشيّد مطار دولي فيما بين العقبة الأردنية وإيلات الإسرائيلية. يُحاط البحر الميت بمناطق سياحية من جهة البتراء. تحفر قناة مولدة للطاقة الكهربائية (ولتزويد البحر الميت بالمياه) بين البحر الميت والبحر الأحمر، ويمتد بمحاذاتها خط حديد يحمل الفوسفات إلى البحر الأحمر". وكان تيودور هرتسل، مؤسس الحركة الصهيونية والمفكرون الصهاينة في الثلاثينيات من القرن العشرين قد طرحوا فكرة قناة البحرين. وجاء الأردن في العقد الأخير من القرن العشرين وطرح الفكرة في عدة مؤتمرات دولية على أنها اقتراح أردني.‏

وعاد بيرس وطالب في كلمته أمام البرلمان الأوروبي في 9 آذار 1993 ببناء شرق أوسط جديد، من خلال إنشاء سوق شرق أوسطية مشتركة، على أساس المياه والسياحة، مثلما قامت السوق الأوروبية المشتركة على الفحم والصلب.‏

إن السوق الشرق أوسطية التي يدعو لها بيرس تقود عملياً إلى استفراد "إسرائيل" باقتصاديات البلدان العربية وأسواقها، وتقود إلى القضاء على السوق العربية المشتركة، وانخراط البلدان العربية في علاقات اقتصادية دونية مع العدو الإسرائيلي، كما أن قيامها يناقض الوضع الطبيعي لتراث المنطقة السياسي والاقتصادي والديني والثقافي والاجتماعي.‏

ويعمل يهود العالم والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وبعض العرب المتصهينين في الخليج للترويج للسوق المشتركة في الشرق الأوسط التي خرجت من مراكز الدراسات اليهودية إلى تسويقها العلني وبلورتها في معاهدات واتفاقات ومنها اتفاق غزة ـ أريحا.‏

أكد رئيس غرفة التجارة الإسرائيلية، دان جيلرمان "أنه في إطار السلام يمكن لإسرائيل أن تصبح سنغافورة الشرق الأوسط، ويتصور رجال الأعمال أن تصبح إسرائيل جسراً للتجارة بين العالم العربي وشركائه التجاريين الرئيسيين (في أوروبا وأميركا)، وأن تصبح إسرائيل مركزاً مالياً في الشرق الأوسط".‏

وطرحت المجموعة الأوروبية وثيقة توضح تصورها لقيام سوق مشتركة في الشرق الأوسط والربط بين المستقبل الاقتصادي لدول المنطقة بشكل يستحيل من خلاله التفكير في خوض حروب أخرى. وبالتالي تخليد اغتصاب "إسرائيل" للأراضي والممتلكات والحقوق الفلسطينية وتكريس الاستعمار الاستيطاني اليهودي في فلسطين العربية.‏

وبادرت دول الاتحاد الأوروبي بتقديم مكافأة لإسرائيل على الاستمرار في احتلالها للأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية، واستمرار الهولوكوست على الشعب الفلسطيني بعقد اتفاقية معها فتحت أسواقها الغنية أما الصادرات الإسرائيلية.‏

وضع بيرس مخططات إسرائيل لنظام الشرق الأوسط الجديد في كتاب صدر في نهاية 1993 بالإنكليزية، وفي عام 1994 بالعربية، ويتكون من أربعة عشر فصلاً بألفاظ وعبارات مضللة ومغرية عن السلام والمصالح المشتركة، ويتحدث في الفصل الأول عن فجر السلام (الإسرائيلي) الذي بزغ في أوسلو ويقول: "فرحتي في أوسلو كانت مزدوجة، فقد تصادف في تلك الليلة أيضاً عيد ميلادي السبعين (عمره حالياً 82 سنة) وقتها قال لي أبو العلاء (أحمد قريع ـ رئيس الوزراء الفلسطيني سابقاً) وهو يبتسم بجدارة: الاتفاقية هي هديتنا لك في عيد ميلادك. قلت في نفسي: يا لها من هدية، هدية مميزة وغير متوقعة بل من المستحيل تقييمها". ويقول في هذا الفصل: إنه أول من طرح فكرة غزة أولاً عام 1980، ثم تعززت فكرة غزة بأريحا (لأن أريحا ملعونة في التوراة). ويعترف بيرس أن د. أسامة الباز وعمرو موسى لعبا دوراً في تسويق الفكرة للقيادة الفلسطينية ويؤكد أن "إسرائيل" حصلت في اتفاق أوسلو على تنازلات أمنية هامة وأبقت قضية القدس واللاجئين (حق العودة) والمستوطنات خارج الاتفاق.‏

ويتحدث في الفصل الثاني عن خطر الأصولية (الإسلام) والخطر النووي في أيدي مسلمين متعصبين يشكل خطورة على إسرائيل ويهدد السلام العالمي. قامت إسرائيل بتدمير مفاعل تموز النووي بسبب امتلاك إيران القدرة النووية ويقول: "إن وجود السلاح النووي داخل بغداد على الرغم من أن النظام العراقي علماني لا يمت للتطرف الإسلامي" بصلة. وكانت قد دمرت أول مفاعل ذري اشتراه العراق من فرنسا داخل المستودعات الفرنسية قبل شحنه بساعات إلى بغداد وتمتلك "إسرائيل" أكثر من /200/ رأس نووي، وبعض القنابل الذرية والغواصات النووية، ولديها أسلحة الدمار الشامل النووية والكيماوية والبيولوجية. وترفض إخضاع منشآتها النووية لأي تفتيش أو رقابة دولية، ونرفض التوقيع على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية ووضعها تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فينا.‏

وتمارس الحروب والاحتلال والضم والاستعمار الاستيطاني والعنصرية والإبادة كسياسة رسمية. وترفض الانصياع إلى قرارات الشرعية الدولية. ووضعت نفسها بدعم من يهود العالم فوق القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وفوق العهود والمواثيق الدولية.‏

ويعترف في الفصل الثالث ولأول مرة أن "إسرائيل" هي التي شنت حرب حزيران العدوانية عام 1967 مع العلم بأن إسرائيل كان تصرح دائماً أن مصر هي التي بدأت بالحرب، وذلك كعادتها في التضليل والكذب.‏

يقول بيرس: "خلال حرب الأيام الستة (حرب حزيران العدوانية) أخذت إسرائيل الطرف الآخر بالمباغتة، أما في حرب يوم الغفران (حرب تشرين التحريرية) المصريون والسوريون هم الذي تمتعوا بهذه المزية".‏

وتناسى بيرس أن التدخل الأميركي في الحرب بجانب إسرائيل هو الذي أنقذ إسرائيل من الهزيمة.‏

ويتناول بيرس في الفصل الرابع من كتابه "النظام الإقليمي"، ويريد من السلام بين إسرائيل والعرب أن يخلق البيئة الملائمة لإعادة تنظيم مؤسسات نظام الشرق الأوسط الجديد بصورة أساسية ويقول: "هدفنا النهائي هو خلق أسرة إقليمية من الأمم، ذات سوق مشتركة، وهيئات مركزية مختارة على غرار الجماعة الأوروبية. وتقوم على أربعة عوامل جوهرية:‏

1 ـ الاستقرار السياسي: إن الأصولية تشق طريقها سريعاً وعميقاً في كل بلد عربي، مهددة السلام الإقليمي، واستقرار حكومات....‏

2 ـ الاقتصاد: إنشاء منظمة تعاون إقليمية تتحرك على قاعدة فوق قومية هي الرد بل الرد الوحيد على الأصولية (أعلنت إسرائيل الحرب على العروبة والإسلام).‏

3 ـ الأمن القومي: السبيل الوحيد لضمان مستوى معقول من الأمن القومي هو إقامة نظام إقليمي للرقابة والرصد.‏

4 ـ إشاعة الديمقراطية (الكاذبة): ليست الديمقراطية مجرد عملية تضمن الحقوق الشخصية والمدنية بل هي أيضاً هيئة رقابة تحرص على السلام وتعمل على تبديد العوامل الكامنة وراء التحريض الأصولي".‏

ويعبّر بيرس في الفصل الخامس عن عدم رضاه لأن بعض البلدان العربية تقيم علاقات ثنائية فقط مع إسرائيل قائلاً: "فلا يكفي تسوية الخلافات بشكل ثنائي أو حتى متعدد، فالمطلوب هو بناء شرق أوسط جديد، وضمن هذا الإطار يظل السلام هو الطريق الفعلي لتوفير الأمن، فالأمن المشترك وحده هو القادر على توفير الأمان الشخصي.‏

وعاد بيرس إلى التحدث عن الخطر النووي والأصولية في المنطقة في هذا الفصل وقال "إنّه إذا كان الخصم من النوع الذي يفتقر إلى المنطق أو تسيره الأصولية، فإن هذا النوع من الخصم على استعداد للتضحية بالعالم كله إذا لم يتم تلبية طلباته. فقط من خلال التحالف السياسي المسؤول يمكن إنقاذ الشرق الأوسط ودوله من الخليط القاتل المتمثل بالقوة النووية والأصولية".‏

وهكذا يتناسى شمعون بيرس أنه هو أول من بنى مفاعل ديمونا الذري بمساعدة من فرنسا وباليورانيوم الأميركي الذي سرقه ألماني نازي سابق عن طريق فرع الشركة الذي يملكه في إيطاليا. ويتناسى أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي قامت على أساس مزاعم توراتية وتلمودية, وبالتالي على أساس ديني وشرعت قانوني العودة والجنسية على أساس ديني، وأن إسرائيل هي الوحيدة في المنطقة التي تملك أسلحة الدمار الشامل، وأنها على استعداد لتدمير كل منزل وقتل كل طفل في فلسطين والبلدان العربية وإيران إذا لم يتم تلبية طلباتها وكسر إرادات شعوب وبلدان المنطقة للقبول بالمشروع الصهيوني في الوطن العربي ويتناول في الفصل السابع موضوع مصادر التمويل والاستثمار ويقول: "تواجه الولايات المتحدة الآن متاعب اقتصادية جمة، الأمر الذي يجعل قابليتها لتقديم العون المالي المباشر تتناقص بصورة واضحة".‏

وهكذا يعترف بيرس بأن من جملة الأسباب لتوجهه إلى نظام الشرق الأوسط الجديد هو أن الولايات المتحدة (وكذلك ألمانيا) لم تعد قادرة على الاستمرار في تقديم المساعدات المالية الضخمة لإسرائيل. ويضرب على وتر المصالح الأميركية والأوروبية في المنطقة، ويشجعهم على الاهتمام فيها لخدمة مصالحهم الاقتصادية والسياسية ويقول في هذا الفصل: "إن للأمم المتقدمة في العالم (الدول الصناعية) مصالح سياسية واقتصادية كبيرة في الشرق الأوسط، وأن للسوق الأوروبية المشتركة مصالح قديمة في المنطقة". واقترح على هيلموت كول المستشار الألماني الأسبق تقليص البطالة في ألمانيا عن طريق إيجاد وتنمية أسواق جديدة في المنطقة، وبالتالي تساهم أوروبا بحسب رأيه في حل مشكلاتها الخاصة وتساعد الشرق الأوسط الجديد، ولكنهم وجدوا في الحروب على الإسلام وسيلة أفضل لإنعاش الاقتصادات الأميركية والأوروبية.‏

وطالب بيرس بتأسيس "بنك الشرق الأوسط" بأموال دول النفط العربية ومساهمة الشركات الدولية الكبيرة، أي من مصادر عربية (نفطية) وخارجية.‏

ويذكر أن الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 كلّف إسرائيل وحدها 4 مليارات دولار (بالإضافة إلى القتل والدمار الذي حل بالشعبين اللبناني والفلسطيني)، كما أن حرب الخليج كلفت الدول العربية حوالي 676 مليار دولار، ولا يشمل هذا الرقم فقدان النمو الاقتصادي في دول المنطقة وتلوث البيئة في الكويت والعراق, ويطالب الولايات المتحدة باستثمار حصة الأسد من معونتها الخارجية في الشرق الأوسط لأنها تقود عملية السلام. ويتناول في الفصل الثامن تحت عنوان "الحزام الأخضر" المشاريع التي يجري تخطيطها في إسرائيل للزارعة الصحراوية وتطوير تكنولوجيا الزراعة وتحلية المياه ومقاومة التصحر وتربية الحيوانات. ويطالب بعدم الانتظار إلى أن يحل السلام بل يجب البدء بالشراكة من الآن لتخليد احتلال القدس كما فعلت إسرائيل منذ عام 1948 في الأراضي الفلسطينية التي احتلتها زيادة عن الحدود التي رسمها قرار الأمم المتحدة للتقسيم رقم 181.‏

ويحدد في الفصل التاسع تحت عنوان "المياه الحية" أربعة أسباب لافتقار المنطقة إلى المياه، وكيف أن المياه كانت سبباً لنشوب العديد من الحروب (ويقصد بأنه على العرب نسيان حقوقهم في مياههم وإلا فالحروب تنتظرهم) و تطرق إلى مشروع جر المياه من تركيا وتحلية مياه البحر.‏

ويتناول في الفصل العاشر "البنية التحتية للنقل والمواصلات" ويتطرق إلى سكة حديد الحجاز وشحن البضائع من ميناء حيفا إلى الأردن وسورية، وبناء ثلاث شبكات من الطرق السريعة، إحداها تخترق الشرق الأوسط من شمال أفريقيا إلى أوروبا، وإقامة مناطق تجارية حرة بمحاذاة موانئ البحر المتوسط والبحر الأحمر، وقناة البحرين. ويتطرق في الفصل الحادي عشر إلى تطوير وفتح حدود جميع بلدان المنطقة، ويركز على الأموال التي يمكن الحصول عليها جراء تطوير السياحة الإقليمية.‏

ويتناول في الفصل الثالث عشر موضوع الكونفدرالية، وترتيب بناء إسرائيلي ـ أردني ـ فلسطيني وإبقاء القدس الموحدة (المحتلة بشطريها الغربي والشرقي) تحت السيطرة الإسرائيلية.‏

ويتناول في الفصل الرابع عشر والأخير مشكلة اللاجئين، ويرفض حقهم في العودة إلى وطنهم تنفيذاً لقرارات الشرعية الدولية للمحافظة على النقاء العنصري لدولة إسرائيل، وانطلاقاً من إيمانه بالتطهير العرقي وتوطين اللاجئين في أماكن تواجدهم.‏

وتعمل "إسرائيل" على إقامة "إسرائيل العظمى" الاقتصادية بدلاً من إسرائيل الكبرى الجغرافية ويقول بيرس: "إن إسرائيل تواجه خياراً حاداً أن تكون إسرائيل الكبرى اعتماداً على عدد الفلسطينيين الذين تحكمهم، أو أن تكون إسرائيل الكبرى (العظمى) اعتماداً على حجم السوق التي تحت تصرفها.‏

ويمضي أبو مفاعل ديمونا الذري ويعلن بغطرسة لا مثيل لها إلا في أوج العصر الذهبي للاستعمار ويقول: "أنا أقول إنه لن يكون هناك حل دائم إذا لم يصبح هناك شرق أوسط جديد...، لقد أدركنا أنه لا قيمة للاستقلال السياسي دون أسس اقتصادية قوية.‏

إن العبارات الخلابة والمغرية والتخطيط اليهودي الذكي لا يمكن لها أن تحجب حقيقة أن إسرائيل تريد من خلال نظام الشرق الأوسط الجديد أن تستغل ثروات وأسواق المنطقة وفي طليعتها النفط والغاز والمياه والأسواق والأيدي العاملة الرخيصة ورؤوس الأموال لتحقيق الازدهار الاقتصادي و"إسرائيل العظمى".‏

اعتمد بيرس في كتابه عبارات وأساليب وأفكار ومصطلحات بارعة في التضليل والتكتيك لإبعاد أنظار العرب عن مخاطر نظام الشرق الأوسط الجديد، والذي تبناه الرئيس بوش وطرحه باسم "مشروع الشرق الأوسط الكبير"، وذلك للتغرير ببعض الأوساط العربية والدول الصغيرة في الخليج، ولهدم النظام العربي وفكرة الوحدة والعروبة والإسلام، واستعداء العالم الغربي على العرب والمسلمين، وبعض الحكام العرب على فئات واسعة من مواطنيهم. وعمل من خلال الأفكار التي طرحها في كتابه على الحط من التراث الفكري والثقافي للأمة العربية، وتسخيف المبادئ والأهداف التي أجمعت عليها، وعاداتها وتقاليدها، وآمالها وأمانيها، وتدمير كل صلة بين الماضي والحاضر، والهزء بسيادة الوطن والعدالة والحقوق والتاريخ والجغرافيا والمقدسات، وحافظ في الوقت نفسه على النقاء العنصري لإسرائيل.‏

وسوّق سفاح قانا مشروعه الاستعماري للدول الغربية زاعماً أنه يهدف إلى تعزيز استقرار سوق النفط العالمية، أي أن إسرائيل تعمل على ضمان الهيمنة الأميركية من بحر قزوين مروراً بأفغانستان والخليج حتى البصرة وكركوك. ومن هنا يمكن للمرء أن يربط بين دور اليهود وإسرائيل في حمل الرئيس الأميركي بوش على إشعال الحروب العدوانية على أفغانستان والعراق، ووصفه مقاومة الاحتلال الإسرائيلي والأميركي بالإرهاب.‏

واقترح تطبيق نظام الشرق الأوسط الجديد على مرحلتين: تتضمن الأولى إقامة مشاريع مشتركة في مجال الطاقة والسياحة والمواصلات والمياه، ويعتبر اتفاق أوسلو ووادي عربة بداية تطبيق المشروع. والمرحلة الثانية تتضمن إقامة سوق مشتركة ومؤسسات شرق أوسطية مركزية على غرار السوق الأوروبية المشتركة وجاء الرئيس بوش وتبنى المشروع وتعهد رسم خريطة جديدة للمنطقة من خلال البوابة العراقية والقواعد العسكرية الأميركية في العراق وبقية بلدان الخليج العربية.‏

إن إسرائيل والإدارة الأميركية تعملان على تزوير التاريخ والجغرافية والواقع، ومسح الذاكرة العربية من أن إسرائيل دولة غريبة عن المنطقة دخيلة عليها، ومغتصبة للأرض والحقوق، وقامت على الإرهاب والإبادة والحروب العدوانية والاستعمار الاستيطاني، وتتمسك حتى الآن بالخرافات والأكاذيب والأطماع التوراتية والتلمودية والصهيونية.‏

سيقود مشروع الشرق الأوسط الكبير والمؤسسات التي ستنبثق عنه إلى تجسيد الاستعمار الإسرائيلي من النيل إلى الفرات على أرض الواقع وتخليد الاغتصاب والاستيطان وتهويد القدس والمقدسات والتبعية لإسرائيل وللإمبريالية الأميركية، عبر التفوق العسكري الإسرائيلي والانحياز الأميركي الأعمى لإسرائيل وعبر المشاريع المشتركة والتطبيع والتمسك بالمزاعم والخرافات والأكاذيب والأطماع التوراتية والتلمودية والصهيونية والإسرائيلية.‏

إن نظام الشرق الأوسط فكرة صهيونية المنشأ، إسرائيلية التخطيط والتنظيم، ولمصلحة "إسرائيل" ويهود العالم أولاً، والولايات المتحدة الأميركية ثانياً وعلى حساب الوطن والمواطن في المنطقة. وتبنتها الولايات المتحدة وسوقتها للدول الأوروبية، وحملت بعض الحكام العرب على الموافقة عليها والانخراط فيها. وترمي "إسرائيل" والولايات المتحدة جراء المشروع إلغاء الهوية والوحدة العربية والتكامل الاقتصادي والنظام العربي، وحل أزماتهما الاقتصادية على حساب الثروات والبلدان العربية.‏

ويكمن خطر "مشروع الشرق الأوسط الكبير" الاقتصادي في نهب النفط والمياه والغاز العربي وبالتدمير السرطاني للنسيج الوطني والقومي للاقتصادات العربية.‏

ويكمن خطره السياسي بتدمير مؤسسات العمل العربي المشترك، وإقامة مؤسسات شرق أوسطية تخدم صهينة المنطقة وأمركتها ومسح هويتها الحضارية.‏

وتنبع خطورة المشروع من غياب المشروع العربي البديل والدعم الأميركي والأوروبي غير المحدود لإسرائيل وللحرب العالمية التي تشنها أميركا على العروبة والإسلام ووجود القواعد العسكرية الأميركية في بلدان الخليج والاحتلال الأميركي للعراق، والسعي لجعل العراق البوابة لرسم خريطة استعمارية للمنطقة أسوأ من خريطة سايكس ـ بيكو وتصفية قضية فلسطين وفرض الهيمنتين الأميركية والإسرائيلية على المنطقة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244