مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 28 السنة الثامنة شتاء 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

عن الفاشية، ومعاداة السامية، والحرب الإعلامية ـــ بقلم: أليكسي أرلوف ـ ت.نوفل نيوف

( على ضوء الواقع الروسي)‏

وقائع‏

(نقلت صحيفة "هاآرِتس"الإسرائيلية عن زيئيف بيلسكي رئيس الوكالة اليهودية العالمية "سحنوت" وصْفَه هجومَ الشاب الروسي ألكسندر كوبْتسِف على مصلّين في كنيس يهودي بموسكو، منتصف كانون الثاني 2006،‏

بأنه عمل إرهابي ناجم عن نزعات محدّدة وشبيه بعدد من أعمال يقوم بها أعداء السامية في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. وأصدر كبير حاخامات روسيا بيرل لازَر بياناً خاصاً وصف فيه ما جرى بأنه "فاشية حقيقية"، وقطع زيارته لإسرائيل وأسرع عائداً إلى موسكو. أمّا بوروخ غورِن ورئيسة صندوق "هولوكوست" آلا هربر فقد وجّها اتهاماً مباشراً للسلطات الروسية بالتلكّؤ وصرف النظر عن أعمال العنف التي ترتكب بدوافع حقد دينية وقومية).‏

نعتقد أن رد فعل الأوساط اليهودية الذي سرعان ما جاء متناغماً، بعد الهجوم الذي استهدف كنيساً يهودياً في موسكو، إنما يعبر عن محاولات لإخفاء السبب الحقيقي الكامن وراء هذا الحادث. فقد تكلّم الزعماء اليهود عمّا سمّوه بالطاعون الأسود والفاشية، فيما بلغ الأمر بآخرين منهم أن وصفوا الواقعة بالعمل الإرهابي. فقد أصبح جلياً لكل إنسان سويّ أن ثمة شيئاً ليس كما يصوّرونه، وأن وراء الأكمة ما وراءها. حقاً، إذ كيف يمكن قبل إجراء محاكمة، بل وقبل البدء بالتحقيق أصلاً، وصمُ بلاد بكاملها، إذن ووصم الشعوب التي تقطنها، بهذه الاتهامات الشنيعة بالفاشية؟ وما الأهداف التي يرمي إليها هؤلاء الزعماء اليهود؟ ومن أين هذا الضغط وهذه الدعوات إلى إنزال أشد العقوبات بهذا الشاب الذي ألقي عليه القبض منذ الدقائق الأولى بعد الحادث؟‏

ما من أحد يشكّ في أنه يتعين على النيابة العامة أن تجري تحقيقاً وتوقع العقاب العادل بذلك الشاب الذي هاجم المصلين في كنيس يهودي، مرتكباً بذلك أعمالاً تتنافى مع القانون من غير شكّ. إنما بصرف النظر عن ذلك، ينبغي على النيابة العامة حتماً أن تعطي تقييماً أيضاً لهذا الاستفزاز الذي قام به الزعماء اليهود ووسائل الإعلام الليبرالية التي ألحقت أضراراً جدية بسمعة البلاد، وزادت من حدة العلاقات بين شعوب روسيا. فما كانت هذه المنظمات اليهودية تستند إلى أسس من أية نوع تسوّغ لها هذا السيل العارم من الاتهامات بالفاشية لسلطة الدولة وللشعب الروسي جملة، ولاسيّما أن ذلك كلّه جاء قبل بدء التحقيق وفي ظل ملابسات أحاطت بالحادث.‏

وعليه، يتكوّن لدى المرء انطباع بأن ممثلي الأوساط اليهودية يرمون من وراء تصريحاتهم وأقوالهم إلى الضغط على الرأي العام والنيابة العامة بعد أن اختلقوا سلفاً رواية لما حدث. فإذا ما كان الأمر على هذا النحو كان ذلك خطوة شديدة الخطورة على الجماعة اليهودية قبل كل شيء. ذلك أن شعباً يريد أن يحظى بالاحترام يتعيّن عليه أوّلاً أن يحترم الشعوب الأخرى.‏

لقد قمنا بمحاولة لاستيضاح ما يجري في الواقع حقاً، وإليكم تحليلنا الموجز البالغ البساطة. ويمكنكم، إذا ما شئتم، أن تحاولوا تصحيح ما نقول، ذلك أن لكم كامل الحق في أن تنتقدوا وجهة نظرنا، ولكننا نتمنّى أن يكون ذلك قائماً على الحُجّة، مدعّماً بالبرهان. ونحن هنا لن نلجأ في أحكامنا إلى غير الوقائع والمنطق والعقل السليم، وإلى قليل من التاريخ أيضاً.‏

كانت روسيا تتسع للجميع‏

بلغ عمر دولتنا روسيا ألف عام، وهي أكبر بلاد في العالم من حيث المساحة. ويبدو أن أجدادنا السلافيين كانوا على قدر عظيم من الحكمة وحب السلام. وما هذا بكلام يلقى على عواهنه ولا يقوم على أساس. فقد كان السلافيون يحسنون حقاً استغلال أراضي بلادهم، عاملين بلطف على خلق الألفة والوئام بين عدد هائل من الشعوب والأقوام القليلة العدد. بل ويشهد تاريخنا على أن ذلك جرى دونما إراقة دماء. إن كون روسيا هي الدولة الوحيدة في العالم التي حافظت إلى اليوم على كيانها، المؤلف ممّا يزيد عن 160 إثنية، لواقعة ساطعة، ولن تجدوا نظيراً لها في أية دولة من دول العالم. وعلى الضد من ذلك، فإن الدول التي تتشدق بالحديث عن تحضّرها وتمدُّنها إنما أبادت شعوباً عن بكرة أبيها بعد أن استعمرتها. ذلك ما وقع في أوروبا، مثلما وقع في أمريكا أيضاً. ومن المنطقي أن نستنتج أن السلافيين والروس (الروس والأوكرانيين والبيلوروس) وغيرهم، تعالوا بقدْر كبير من التسامح مع الإثنيات الأخرى، فلم يقمعوها ويخنقوها بعددهم ولا بمهارتهم، بل تعايشوا معها بسلام، ونذروا أنفسهم للعمل في فضاءاتها الهائلة. ولم تكن المسألة القومية ذات شأن أو موضع خلاف في الإمبراطورية الروسية يوماً، على الرغم من ممارسة شيء من المضايقات بعد ذلك في العهد السوفيتي بحق بعض الشعوب، ولكنها كانت بأمر من ستالين الذي لم يكن روسيّاً على كل حال. أمّا القياصرة الروس فلم يضطهدوا الشعوب الأخرى يوماً. زد على ذلك أن البولنديين والألمان والأرمن والتتر واليهود وأبناء شعوب البلطيق كانوا يعملون أيام القياصرة في جيش الدولة الروسية ومؤسساتها، إذ كان كل منهم يجد مكانه المناسب وفقاً لكفاءته، شريطة أن يكون مخلصاً للوطن، حريصاً على المصالح القومية للدولة الروسية.‏

لقد كانت روسيا وما تزال دولة متعددة القوميات. ومن باب التذكير نشير إلى أنه يحق لروسيا، وفقاً للقواعد الدولية المعمول بها حالياً، أن تُعلن نفسها دولة قومية، لأن ما يزيد عن 80% من سكانها هم من الروس، وهي نسبة تفوق كثيراً ما تشترطه الأمم المتحدة من معايير لإقرار الصفة القومية للدولة. ونشير أيضاً إلى أن جميع جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق أعلنت نفسها دولاً قومية بعد انهيار ذلك الاتحاد، بما في ذلك، مثلاً، أوكرانيا وكازاخستان اللتان يراوح عدد الروس فيهما ما بين الربع والثلث من مجموع السكان في كل منهما.‏

فلنسأل أنفسنا الآن كيف وصلنا في الوقت الراهن إلى وجود توتر في مجتمعنا سببه تبادل الكراهية بين هذه الإثنيات وتلك؟ كيف بلغنا هذا الوضع الذي يتهمون فيه الروس اليوم، بوصفهم الإثنية الأكثر عدداً، بعدم التسامح مع القوميات الأخرى. فلا يجوز أن يخدع المرء نفسه عندما تتردد في الصحف اتهامات من نوع: "الطاعون البنّي يتجوّل في البلاد"، و"الفاشية تتجوّل في البلاد"، إذ يجب علينا أن ننظر إلى هذه الأقوال على أنها اتهام للروس تحديداً، ما داموا الشعب الأكثر عدداً في روسيا.‏

إننا في هذه الحالة أمام واحد من أساليب استخدام نوع معيّن من المعلومات الرامية إلى برمجة اللاوعي، إلى قبول "اتهام فعلي لم تتوفر له القرائن". حتى ليخيّل للمرء أنه ما من داع للشك في الاتهام، وبذلك تنطبع في رؤوس الناس تلك النتيجة التي توخّاها المخطّطون. فتكون سلسلة التداعيات التي يبنيها متلقّي المعلومة على النحو التالي تقريباً: "الفاشية تتجوّل في البلاد"، وفي البلاد يعيش بشر، وأكثرهم من الروس، فالفاشية تتجوّل مع الروس، إذن فالروس هم الفاشيون. على أن هذا المقال، بصرف النظر عن تطبيقه على هذه المجموعات البشرية أو تلك، ينطوي على تأكيد يتحوّل إلى اتّهام محدَّد لأناس محدَّدين. هكذا، وبكل بساطة. هكذا يتولّد في رأسك، يا عزيزي القارئ، ما يسميه علماء النفس بـ"البصمة الغريبة". إن هذه الاتهامات لا تُنْطَقُ علناً، غير أنك بمقتضاها: أ ـ فاشي؛ ب ـ مُدان، وكل ذلك يتأتّى من خلال برمجة اللاوعي لديك. إنه أسلوب الحرب النفسية الإعلامية، ولكن الناس لا يستطيعون تبيُّن منشئه. وحذارِ من الظن بأن هذا المثال وحيد، بل هم يبثّونك هذه البصمات باستمرار.‏

فلنحاول استكشاف مصدر التأكيد القائل بأن في روسيا فاشية أو "طاعوناً بنيّاً". وهل من وجود لهذه الفاشية عندنا من حيث المبدأ. لقد خلق تطور القرن العشرين في وعي الناس نمطاً شديد الثبات وتداعياً فحواهما أن الفاشية أمر مُغرق في الرداءة. واصبح ذلك مسلَّمة لا تحتاج إلى برهان. ويمثّل كُرْهُ شعب لأبناء الشعوب الأخرى واحدةً من الملامح الأساسية التي تتسم بها الفاشية، وهو كرهٌ لا يقوم على أسباب ظاهرة، بل أساسه تقسيم الناس إلى عرق أعلى وعرق أدنى بكل بساطة. والحقيقة هي أن الفاشية، ولاسيّما نموذجها الألماني، كانت تعمل على إبادة الروس والبيلوروس واليهود وكثيرين آخرين، في حين أنها لم تكن تهدّد بالإبادة عدداً آخر من الشعوب. ذلك أننا لا نعرف، على سبيل المثال، حالات قتل جماعي للفرنسيين أو الهولنديين، مثلاً. أي إن الفاشية هي إلى حدٍّ كبير كرهٌ واعٍ وانتقائي موجّه إلى شعوب معينة، إنها كرهٌ عرقي.‏

حقاً، تنشب في روسيا بين الحين والحين صدامات بين مجموعات إثنية مختلفة، ولكن على أرضية إجرامية، بل على أرضية النفور العرقي، فما هي أسبابها؟ يخيَّل إلينا أن التفسير الصحيح هو التالي. فقد انهار الاتحاد السوفييتي عام 1991 بعد أن كان قائماً على مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية. وبالطبع كان هناك كثير من الانتهاكات لهذه العدالة، وكثير من الامتيازات لمجموعات معينة، ولاسيّما للقيادة الحزبية. غير أن الشعب لم يتعرض للجوع والموت. بينما فقدت روسيا خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، وفقاً لإحصاءات مختلفة، ما يزيد على خمسة عشر مليون إنسان، بينهم من مات أو قتل أو لم يقدَِّر له أن يولد. إن الشعب يتعرّض اليوم للفناء بمعنى الكلمة الحرفي لا المجازي. ويعود السبب في ذلك إلى جملة من الأسباب ليس العامل الاقتصادي آخرها من حيث الأهمية. بل ونستطيع القول بأن العامل الاقتصادي يحتل المقام الأول بينها. فعقب انهيار الاتحاد السوفيتي والقيام بعدد من الإصلاحات (وليس بجميع ما هو مقرَّر منها، والحمد لله) ظهر عشرات الملايين من الفقراء. وإذا ما أضفنا إلى هذا الفقر أسباباً أخرى ليست ذات طبيعة مادية، كالانهيار الكلّي لأيديولوجيا المجتمع، وفقدان البوصلة، والفوضى في الأهداف، وانعدام الثقة بالمستقبل... إلخ. حصلنا على باقة كاملة من الأسباب التي تؤدّي إلى فناء المجتمع؛ غير أن الناس لا يريدون أن يموتوا. وهيهات أن تجد شعباً يريد أن يتصالح طوعاً مع هذه الحال. وفي هذا الوضع يتعامل كل شعب مع مأساته الأشد حدّة. فالروس في بلادهم يتكبّدون سنوياً أكبر عدد من الخسائر البشرية. غير أن ثمة مخرجاً من هذا الوضع يتمثّل في زيادة الولادات وتقليل الوفيات، وهي غاية قابلة للتحقيق تماماً. غير أن عدم توجه الدولة باتجاه هذا المخرج جعل الروس، وهم يسعون إلى الحفاظ على الميزان الإثني القائم في المجتمع، يحاولون بأنفسهم معالجة هذه القضية بالكيفية المتاحة لهم، وعدمَ السماح بزيادة عدد أبناء الإثنيات الأخرى على حسابهم، ما داموا يرون في ذلك تهديداً لمستقبلهم. فهل ثمّة من أسس لمخاوفهم هذه؟ لا ريب في ذلك. على أن الخوف من الإخلال بالميزان الإثني وكُرْهَ الإثنيات الأخرى مسألتان ليستا وقفاً على الروس وحدهم، بل وتعبّر عن هذه المخاوف أيضاً الإثنيات الأصلية الأخرى في روسيا، وبصفة رئيسية إزاء أبناء الجمهوريات السوفيتية السابقة.‏

إن ما يدور اليوم في خلد من يسكن روسيا، ابن روسيا نفسه، هو: "أيها المواطنون الوافدون من أوزبكستان (مولدافيا، طاجيكستان، المجر، الصين...الخ). إن لكم بلاداً تستطيعون أن تعودوا إليها دائماً، وعموماً لديكم دولتكم التي ينبغي عليها أن تهتم بكم في المقام الأول. أمّا نحن فليس لنا دولة أخرى، ولا ملاذ لنا سوى روسيا. ولذلك، فنحن، من حيث المبدأ، لسنا ضد أن تأتوا إلينا، ولكننا ضد أن يزداد عددكم ويقلَّ عددنا. وإذا ما قلَّ عددنا توجَّب أن يقلَّ عددكم أيضاً".‏

يتبيّن في الواقع أن من لا يرغب بالحفاظ على شعبه وعلى الميزان الإثني في بلاده ليس الشعب نفسه، بل أجهزة الدولة، السلطة. ذلك أن السلطة، بامتناعها عن اتخاذ أية قرارات جذرية ترمي إلى زيادة عدد أبناء البلاد ورفع مستوى معيشتهم ونوعيتها، إنما تدفع بالشعب إلى القيام بأعمال متطرفة. ومرة أخرى، ما دام الشعب الروسي هو الأكثر عدداً في البلاد، فإن المسألة تبدو وكأن هناك حركة روسية مستقلة ضد الغرباء، وهو ما لا يتفق مع الحقيقة، بل وما لا يجوز اتهام الروس به. كما لا يجوز أن نسمّي ذلك فاشية، لأنه لا وجود لكراهية دون أسباب تجاه أبناء الشعوب الأخرى. إنها محاولة اعتيادية يقوم بها سكان روسيا الأصليون من أجل استمرار حياتهم والحفاظ على أراضيهم وتقاليدهم وثقافتهم وتأمين مستقبل لأجيالهم القادمة. وليس إلا وغداً من يبيح لنفسه اتهامهم بهذه النعرات. وهذا هو أصل أسباب كراهية سكان روسيا الأصليين، والروس بصفة خاصة، للوافدين. أمّا السبب الثاني فيتمثّل في قيام العمال الوافدين بشَغل أماكن عمل السكان الأصليين. إنّ من كانوا إخواننا فيما مضى من أوزبيكيين وموالدا فيين، مثلاً، يأتون إلى بلادنا لمدة عام أو ثلاثة من أجل جمع مبلغ من المال. وهم يتحملون أعباء العيش في ظروف فظيعة من أجل أن يقتصدوا ويوفّروا بعض المال لعائلاتهم أو ليرسلوه إلى أوطانهم، وفي سبيل ذلك يكتفون بشراء أرخص أنواع المواد الغذائية. إنهم يعانون، ولكنهم قد يعودون إلى بلدانهم. غير أننا لا نستطيع أن نعيش على هذا النحو دائماً، ولذلك فنحن بالطبع نخسر أمامهم في معركة أجور القوة العاملة. وما القول بأن الروس لا يريدون ممارسة الأعمال التي يقوم بها الوافدون إلا بعيد عن الصواب، لأن أجور مواطنينا الروس في الأرياف ليست أكثر مما هي عليه الأجور في الجمهوريات المجاورة، بل وكثيرين منهم عاطلين عن العمل. وعموماً، هل يجري ذلك عن وعي، أم بسبب قلّة الكفاءة؟ إن لدينا كثرة من "الاختصاصيين النشطاء" الذين يُنذروننا بسوء المصير إذا ما رحل عنّا الوافدون، غير أننا لا نعرف لماذا لا يريد أحد معالجة مشكلة تعليم مواطنينا وإعادة تأهيلهم ومد يد العون لهم في البحث عن عمل. إن منطقنا هذا يوحي بأن ذلك يجري عن وعي نتيجة لأفعال أعداء الدولة، أعني بعض المسؤولين والصحفيين المأجورين الذين يحاولون إقناع المجتمع بهذا الحل تحديداً لمشكلة العمل. وثالثاً، أن بين الوافدين إلى روسيا عدداً كبيراً من الجهلة وأصحاب الماضي الإجرامي الذين، بعبارة مهذبة، لا يرغبون بالخضوع للقانون، بل يلتزمون بتطبيق مبادئهم الخاصة في "معالجة الأمور".‏

وهل يجهل أحد كيف كان نمط الحياة في جمهوريات القوقاز المشمسة وفي آسيا الوسطى أيام الاتحاد السوفييتي. لقد كانت الحياة هناك مستحيلة من غير رشاوى. والذين تدفقوا إلى روسيا هم أصحاب هذه الذهنية، فلم يتسنَّ لنا أن نلتفت إليهم حتى كانوا قد ملؤوا البلاد بالأكشاك والدكاكين ومحطات تنظيف السيارات، واحتلوا الأسواق التجارية ورفعوا فيها الأسعار على هواهم، أي بعد أن كانوا قد "تدبّروا أمرهم". إنهم يعيشون جماعات متكاتفة تذود عن مصالحها العائلية والقبلية. ويمكن القول إنهم يتقاطرون علينا، إذ إنهم يستقدمون إخوانهم واحداً واحداً. ولا يعلم إلا الله كيف ولماذا تُمنَح لهم الأراضي كي يقيموا عليها محلات تجارية، فيما يسعى مواطنونا سنوات عاجزين عن الحصول على شيء بالطرق القانونية. وبدهي أن يكون هذا أمراً يسوؤنا ويستفزنا.‏

هكذا نكون قد أشرنا إلى ثلاثة أسباب تكمن وراء كراهية سكان روسيا الأصليين للوافدين، وهي:‏

ـ الخوف من الإخلال بالميزان الإثني.‏

ـ المنافسة في سوق العمل.‏

ـ زيادة أسباب نشر الإجرام في المجتمع.‏

وفي هذه الحالة فإن وصمة "الفاشية" التي يحاولون بشتى السبل إلصاقها بالشعب الروسي، نتيجة لموقفه غير الودّي من الوافدين، يجب أن يستعاض عنها بعبارة "كفاح شعب روسيا في سبيل حقوقه". وسيكون ذلك تعريفاً صحيحاً.‏

...العداء للسامية شيء آخر‏

لعلّ مواطني روسيا (جميع شعوب روسيا الاتحادية، وليس الروس وحدهم إطلاقاً) يشعرون بنفور إزاء اليهود للأسباب التالية:‏

ـ الذاكرة التاريخية التي تكوّنت بفعل الدور السلبي الذي قام به اليهود في ثورة 1917 وفي إسقاط النظام القيصري، وما أعقب ذلك من إرهاب دموي.‏

ـ أفعال الليبراليين والديمقراطيين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين كان في صفوفهم عدد كبير من كبار المسؤولين اليهود الذين دفعوا البلاد إلى الانهيار عام 1991 وتسببوا بالانخفاض المريع في مستوى حياة الشعب خلال ما تلا ذلك من سنوات.‏

ـ توزيع الملكيات غير العادل في عهد الخصخصة الوحشية والمناقصات التي أسفرت عن تركيز الثروات الأساسية في أيدي أبناء الجالية اليهودية.‏

وإذا ما كان السببان الأولان قد أصبحا واقعاً ناجزاً واستقرّا في ذمة التاريخ إلى حد كبير، فإن السبب الثالث ما يزال قائماً ومستمراً حتى اليوم. فهل من اليسير علينا أن ندرك أن إثنية واحدة يقل عددها عن 1% من سكان روسيا قد استولت فجأة خلال السنوات الخمس عشرة الماضية على ما تقول مصادر مختلفة إنه يمثل أكثر من نصف ثروات هذه البلاد الهائلة المساحة، بل على 70% حسب مصادر أخرى! فما هي الخدمات التي قدمها هؤلاء؟ ثم إنهم ينفقون هذه الأموال على شراء اليخوت والأندية والقصور في شتى أصقاع الأرض، ويا لها من قصور! ويجري هذا كله بوقاحة سافرة أمام أنظار الناس الذاهلين المصعوقين! وفي هذا الوقت بالذات يموت الناس جوعاً، بالمعنى الحرفي للكلمة، ويتساقطون فاقدين أي أمل بإصلاح أوضاعهم. فأي عجب في أن يفكر الناس بأسباب ما هم فيه!؟ أغريب أن يبحثوا عن المتسببين بذلك وعن المتطرفين؟ إذن، إن ذلك ما يفعلونه. وهم يجدون من سلبهم كل شيء ولم يُبْقِ لهم شيئاً. ولكن لمّا كانوا عاجزين عن محاسبة هذه الطغمة من رجال المال والسلطان اليهود، فإنهم يهاجمون المواطنين اليهود في أماكن تجمُّعهم، ما دامت اليهودية ديناً قومياً ولا يصلّي في الكُنُس إلا اليهود عملياً. وهكذا يدفع اليهود البسطاء ثمن ما يقترفه الأثرياء من أبناء جِلدتهم. وذلك ظلم، بالطبع.‏

وهنا تجدر الإشارة إلى أن اليهودي الروسي بوريس بيريزوفسكي صرح عام 1996 في مقابلة أجرتها معه "فايننشل تايمز" بأن 50% من ثروات روسيا هي ملك لسبعة من رجال المال في البلاد، ستة منهم يهود.‏

وبدلاً من أين يلوم الزعماء اليهود أغنياءهم على ما جنوه من ثروات بطرائق غير مشروعة، وبدلاً من أن يحاولوا إصلاح الوضع، نجدهم يقومون بتغطيتهم والدفاع عنهم.‏

ويتبيّن أن إبعاد الشعب والحكومة عن معالجة أشد المشكلات تعقيداً حقاً، (عن إعادة ما نهبوا من ثروات بغير وجه حق، وبشتى الطرق المنسوبة إلى اقتصاد السوق، أعني إعادة المنهوب إلى الدولة والشعب) هو ما جعلهم يختلقون هذه الأغنية عن الفاشية. على أن كراهية الوافدين تتلاقى مع كراهية اليهود ما داموا قادرين على استخدام الفاشية سلاحاً في محاولة إخفاء عدم رغبتهم في إعادة العدالة إلى نصابها. إذ من المعلوم أن الهجوم خير وسيلة للدفاع. غير أن الناس عندنا متعلمون ويرون كل شيء، فيزداد كرههم لليهود على نحو يشبه عجلة تتعاظم قوة دورانها باستمرار.‏

لطفاً، ما هكذا تورَد يا سعد الإبل؟... وإذا ما كان لنا أن نضع تعريفاً ما لمعاداة السامية اليوم ولما يقوم به أفراد أو جماعات من أفعالٍ متفرقة، وفي الغالب عَرَضيةٍ، موجهةٍ ضد اليهود، كان أحرى بنا ألا نسمي ذلك "فاشية" أو "فاشية روسية"، بل، مثلاً، "كفاح الروس في سبيل العدالة الاجتماعية". وبالطبع فإن شكل هذا الكفاح ليس صحيحاً، إذ لا يجوز قتل إنسان أو ذبحه، لأن ذلك انتهاك جليّ للقانون ولتعاليم الأديان السماوية الكبرى، ولاسيّما الأرثوذكسية في المقام الأول، في حين أن أشكال الكفاح الأخرى مقبولة تماماً. فإذا ما اختفى هذا الظلم الاجتماعي تراجع "العداء للسامية" تراجعاً ملحوظاً، بل وقد يختفي تماماً، ليعود الحال إلى ما كان عليه في روسيا طيلة قرون. وما من سبيل آخر لحل هذه المشكلة، حتى ولو دعت الحكومة إلى تسيير دوريات تحرس الكُنس اليهودية كل دقيقة، ووضعت دبابة عند كل كنيس. فلم يعد ينقصنا إلا أن نجعل من أراضي الكُنس اليهودية عندنا مثيلاً لقطاع غزة في ظل الاحتلال الإسرائيلي. وهنا نسأل عمّا إذا كانت دور العبادة الإسلامية والأرثوذكسية وغيرها ستحظى بمثل هذه "الحماية"، أم أن ذلك "للمختارين" فقط؟‏

على أن محاولات اليهود الرامية إلى تجاهل المشكلات الروسية، وعدم رغبتهم في أن يكونوا مواطنين في هذه الدولة التي يقيمون فيها، وفي أن يراعوا ويصونوا حقوقها، مسائل لا تكسبهم مزيداً من التعاطف معهم من جانب أكثرية سكان البلاد.‏

ما نكتبه الآن في هذه المقالة ليس بالشيء الجديد على اليهود. ذلك أن الكاتب اليهودي إدوارد توبَل، المشهور والذائع الصيت بين جميع القراء الروس، نشر في مجلة "أرغومينتي إي فاكتي" الأسبوعية مقالة عام 1998 قال فيها: "هناك برنامج تلفزيوني اسمه "كوكلي" (الدُّمى‏

(وتمثَّل هذه الدمى كلاً من يلتسن، ويسترجيمبسكي، وتشيرنوميردِن، وكوليكوف، وآخرين. غير أن محرّك الدمى الرئيس موجود وراء الستارة، واسمه شينديروفيتش. أمّا في الواقع، فإن الدّمية الفعلية الرئيس له اسم يهودي طويل مؤلّف من: بيريزوفسكي ـ غوسينسكي ـ سمولينسكي ـ خودوركوفسكي...الخ. أي أننا استولينا على السلطة الفعلية في هذه البلاد لأول مرة خلال ألف عام من إقامة اليهود في روسيا". ويلحّ توبَل بالسؤال على بيريزوفسكي: "كيف حدث أن وقع جميع أموال هذه البلاد، أو جميعها تقريباً، في أيدي اليهود؟"، ثم يدعوه قائلاً: لا تبخلوا بخلَ اليهود، ساعدوا روسيا!". إلا أن الأوساط اليهودية لا تريد العدالة الاجتماعية، إذ يعزّ عليها أن تعيد ما نُهِب، بل ولشدّ ما يعزّ عليها ذلك!‏

فلماذا، إذن، كل حكايات الأطفال هذه عن الفاشية، ولماذا تعميق هذه المشكلة وتدويخ رؤوس الناس بأنواع الخرافات عن الطاعون البني والفاشية، بل المطالبة بإنزال "أشدّ أنواع العقاب"، حسب تعبير أحد الزعماء اليهود قبل أيام، بواحد من هؤلاء المناضلين، وهو غِرٌّ بالطبع، ولكنه حاول بطريقته المتطرفة تلك أن يغيّر شيئاً. وعلى أية حال، فقد نجح في ذلك، إذ يبدو أنه لولا فِعلتُه تلك لما قُدّر أن نكتب هذه المقالة التي نحاول فيها معالجة هذه المشكلة صادقين.‏

ومع أننا نؤكد على إدانة الهجوم الذي قام به مواطن روسي على مصلّين في كنيس يهودي، ونتقدّم بتعازينا الصادقة لكل من تضرّر جرّاء الحادث، فنحن نشير إلى أن الأوساط اليهودية تشتغل هذه الواقعة كذريعة، وكـ"مناسبة عَرَضية سعيدة" للعودة ثانية إلى غسل أدمغة المواطنين بالحديث عن الفاشية والتطرف، وإلى تعزيز مواقعها التي كسبتها في حربها الإعلامية، وكذلك إلى محاولة تشديد القوانين عموماً، رغبة منها في التأثير على الإنترنت أيضاً من أجل ألا يكون هناك، ربّما، الآن ولا في المستقبل أي نقاش موضوعي لمشكلة العداء للسامية.‏

وها نحن نكرّر مرة أخرى وجهة نظرنا القائلة بأن الصراخ المتعالي، وكأنه تلبية لأمر عسكري، حول فاشية وطاعون بنّي يتجوّلان، ليس أكثر من إطلاق دخان تمويهي يساعد على تعزيز طريقة النهب التي لا نظير لها في التاريخ، من حيث ضخامتها وجشعها، والتي استُخدمت في تقاسم الثروة غير المشروع وتركيزها في أيدي الجالية اليهودية التي تمثّل دائرة محدودة من الناس. فتحت غطاء هذه المشكلة المختَلَقة المسماة بـ"الفاشية" يريد اليهود أن يكرّسوا هذا الظلم الاجتماعي ليتفادوا الحل الفعلي لهذه المشكلة جملةً. على أن من يحاول القيام بهذا العمل ليس طغمة رجال المال بالذات، بل وربما ليس أغنى اليهود المدافعين عن حقوق الإنسان، فهم يحاولون إنقاذ ما نهبوه بكل ما أوتي العالم اليهودي بأسره من قوة. وإذا ما أُقِرّت قوانين "جديدة" وتعديلات على القوانين الراهنة، الشديدة القسوة أصلاً، والتي تتحدث بهذا المدى من الاتساع عن التطرف و"إثارة النعرات القومية والدينية" مع إمكانية تفسير ما يجري في إطار من المفاهيم بالغ الاتساع، عديم الحدود، فإننا سنَبلُغ من الانحدار درجة تؤدي بنا إلى حد منعِنا كلياً حتى من مناقشة المسائل اليومية الفعلية الملحّة في حياتنا أيضاً.‏

أماّ إقرار قوانين تشدّد عقوبة من يُرمي بتهمة معاداة السامية فسوف يعني عملياً قيام الدولة بتجنيد أجهزة القوّة والقانون من أجل ترسيخ انعدام العدالة الاجتماعية والحفاظ على ذلك، وتكريس تقسيم المجتمع بالصورة الفظيعة الراهنة وفقاً لمستوى الدخل والانتماء القومي.‏

وختاماً، فإني أدعو المعنيين إلى مناقشة هذه القضية التي أثرتها في مقالتي، وأتمنّى أن أرى في وسائل الإعلام الأخرى مناقشة فعلية واسعة لمسائل الفاشية، ومعاداة السامية، والوافدين، وما يتعلّق بذلك من مشكلات العدالة الاجتماعية. وإلا انتقلت مناقشة هذه القضايا إلى الأقبية والأسواق التي تباع فيها كتابات مجهولة المؤلّف، مجهولة القصد، يلجأ الناس بعد قراءتها إلى حمل السلاح والمضي إلى إصلاح الأمور بوسائل لا تليق، على غرار ما فعل الشاب ألكسندر كوبتسِف. ولن يعود ذلك بالفائدة على أحد، بل سيخسر الجميع، سيخسر المجتمع الروسي بأسره.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244