مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 28 السنة الثامنة شتاء 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

تداعي التحكم الأمريكي بانتشار التقنية النووية ـــ د.خير الدين عبد الرحمن

وقائع‏

بعد أسبوع واحد من إعلان حكومة كوريا الشمالية رسمياً يوم الثلاثاء 2/ 10/ 2006 عن قرب إجراء أول اختبار نووي تحت الأرض، صدر إعلان رسمي عن إنجازه بنجاح في الصباح الباكر من يوم الاثنين 9/ 10/ 2006.‏

أجريت تجربة التفجير النووي هذه على عمق ألفي متر تحت سطح الأرض في منجم بالقرب من الحدود الصينية عند أقصى شمال كوريا، وروعي تنفيذ تعليمات الزعيم الكوري كيم جونغ إيل المشددة بتحاشي التسبب باهتزازات كبيرة لجبل بايكتو الذي يقدسه معظم الكوريين. وقد ثارت عاصفة من ردود الفعل في العالم، بما يؤسس لتحركات وتداعيات وتحولات جيوسياسية ذات تأثيرات عميقة تتجاوز شرق آسيا وكل القارة الآسيوية إلى الساحة الدولية بأسرها. سارع مجلس الأمن الدولي إلى إدانة هذه الخطوة بعد ساعات من إجراء التجربة، وتحت الضغط الأمريكي قرر المجلس بالإجماع فرض عقوبات بموجب الباب السابع، مع تجاوب نسبي مع الرفض الصيني والروسي للتدخل العسكري. أما المندوب الكوري الشمالي لدى الأمم المتحدة فاستنكر هذا الموقف من مجلس الأمن ووصفه بتصرف عصابة، ثم انسحب من الجلسة. وهو كان قد دعا دول مجلس الأمن إلى تهيئة كوريا الديمقراطية على هذا الإنجاز الذي تم بجهود وقدرات كورية خالصة، والذي يعزز فرص السلام والاستقرار في المنطقة ويردع التهديدات الأمريكية المتوالية ضد بلاده.‏

تشكلت خلية أزمة على أعلى مستوى في اليابان المجاورة التي تستشعر الخطر الكوري الشمالي أكثر من أي طرف آخر، والتي سبق أن عرفت آلام ودمار مأساة التعرض لهجوم أمريكي بقنبلتين نوويتين في آب 1945 على مدينتي هيروشيما وناغازاكي. وكانت اليابان قد هددت لدى نشوب أزمة سابقة حول البرنامج النووي لكوريا الديمقراطية (الشمالية) في العام 1994 بأنها سوف تتحلل من كل الالتزامات والقيود التي ارتبطت بها وبالتالي سوف تنتج سلاحاً نووياً فور التأكد من أن كوريا الديمقراطية تمتلك مثل هذا السلاح، علماً بأن تقارير عديدة أفادت قبل سنوات بان اليابان تملك مخزوناً من اليورانيوم والبلوتونيوم يفوق مخزن أي دولة أخرى في العالم. لكن رئيس الوزراء الياباني الجديد (شينزو أبي) الذي بدأ رئاسته الحكومية بمواجهة هذه الأزمة المعقدة قال في اليوم التالي للتفجير النووي الكوري ـ بعدما سرت تكهنات واسعة بأنه لن يستطيع تحاشي إجراء تغيير استراتيجي يتمثل بإعادة عسكرة اليابان ولجوئها بدورها إلى حيازة الخيار النووي ـ أن اليابان لا تزال ترفض حيازة سلاح نووي، لكنها سوف تلجأ إلى وسائل مناسبة ـ فردية وجماعية ـ لمواجهة التطور الخطير الناجم عن التفجير النووي الكوري. ولن تكتفي بالعقوبات الاقتصادية والتجارية التي فرضتها منفردة على كوريا الشمالية في اليوم الثالث للتفجير الكوري.‏

أما كوريا الجنوبية، الشقيق اللدود للشطر الشمالي من الوطن الكوري الذي انقسم إلى شطر شمالي موال للاتحاد السوفيتي وجنوبي موال للولايات المتحدة منذ انتهت الحرب التي شنتها الأخيرة على كوريا بهذا التقسيم سنة 1951، فقد استنفرت قواتها المسلحة على الفور، وجددت الحديث عن موازنة السلاح النووي لكوريا الشمالية بإنتاج سلاح نووي أو استرجاع ما كان لدى القوات الأمريكية المتمركزة على أرضها، والبالغ عدد أفرادها ثلاثين ألفاً، ما كان بحوزتها قبل سنوات من أسلحة نووية. لكنها لم تلبث أن دعمت في اليوم التالي رفض الصين وروسيا استخدام القوة ضد كوريا الشمالية، كما حرضت الولايات المتحدة.‏

وهنا نذكر بالأزمة التي وضعت تلك المنطقة بأسرها على حافة الهاوية في العالم 1994، حيث هدد الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون بشن القوات الأمريكية حرباً ضد كوريا الشمالية تستخدم فيها أسلحة نووية. عاد كلنتون بعد ذلك التهديد فقبل بالعديد من مطالب كوريا الشمالية لإنهاء الأزمة بوساطة من الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، الذي صرّح عقب التفجير النووي الكوري مؤخراً أن السياسة الأمريكية مسؤولة عن دفع كوريا الشمالية إلى هذا الرد على تهديدات واستفزازات وتعهدات أمريكية لم تنفذ. بدأت المواجهة آنذاك عندما تراجعت الولايات المتحدة عن شروط صفقة عقدت في العام 1991 تم بموجبها سحب أسلحة نووية كانت مخزنة في كوريا الجنوبية ووقف المناورات العسكرية المشتركة المسماة (روح الفريق) بين القوات الأمريكية وقوات كوريا الجنوبية، في مقابل توقيع كوريا الشمالية على اتفاق الضمانات الذي ينظم التفتيش والإبلاغ الطوعي عن الاستخدام العسكري للطاقة النووية. وقعت كوريا الشمالية فعلاً على اتفاق الضمانات يوم 30/ 1/ 1992، بتأخير واضح، وكان انضمامها إلى معاهدة حظر الانتشار النووي سبق أن تم يوم 12/ 12/ 1985. (د. خير الدين عبد الرحمن، القوى الفاعلة في القرن الحادي والعشرين، دار الجليل، دمشق، 1996، ص 165) لقد كررت كوريا الديمقراطية منذ ذلك الحين لعبة التحدي ودفع الأمور إلى حافة الهاوية كلما كررت الولايات المتحدة ما اعتادت من نكوص عن التزامات وتعهدات قطعتها أو شروط قبلت بها.‏

فمن طرد كوريا الديمقراطية خبراء وكالة الطاقة النووية من أرضها سنة 2003 إلى إجرائها تجارب صاروخية ترتعد لها دول مجاورة وتغيظ الولايات المتحدة، إلى تطوير صاروخ تايبودنغ ـ 2 الذي يبلغ طوله 32 متراً ويبلغ مداه ستة آلاف وسبعمائة كيلو متر، بينما يبلغ مدى نسخته المعدلة خمسة عشر ألف كيلو متر، وبالتالي يستطيع الوصول إلى كل المدن والأهداف الحيوية داخل الولايات المتحدة، وصاروخ نودنغ الذي يبلغ مداه ألفاً وخمسمائة كيلو متر، وبهذا يصيب أهدافاً في اليابان وعدة دول أخرى، ناهيك عن ترسانة ضخمة من صواريخ أخرى متعددة الاستعمالات، إلى الإعلان رسمياً قبل عدة سنوات من إجراء تجربة تفجير القنبلة النووية الكورية الأولى مؤخراً عن النجاح في امتلاك ردع نووي؛ وهو ما شككت أوساط غربية به واعتبرته محاولة لابتزاز مساعدات أمريكية ويابانية وكورية جنوبية، بينما أكدت أوساط أخرى أن كوريا الشمالية استطاعت آنذاك إنتاج نحو خمس قنابل نووية صغيرة فعلاً.‏

أما الآن فتتراوح تقديرات عدد القنابل النووية الكورية بين ثمانية قنابل وخمس عشرة قنبلة.‏

لقد تصرفت الولايات المتحدة بعجرفة غبية كعادتها. فبعد وساطة الرئيس الأسبق جيمي كارتر تراجع الرئيس كلنتون عن تهديده بضرب كوريا الشمالية بأسلحة نووية وقبل مقايضة تقليص نشاطها النووي بمعونة أمريكية لتطوير استخداماتها السلمية للطاقة النووية، لكن الرئيس الحالي جورج بوش افتتح ولايته الأولى قائلاً: إنه لن يحتمل أبدا تحول كوريا الشمالية إلى دولة نووية ثم تكررت التهديدات الأمريكية لكوريا الديمقراطية وتجاهل دعواتها العديدة إلى التفاوض.‏

ذكر مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية مثلاً أنه يستبعد "أن تشهد إيران وكوريا الشمالية مسلسل الأحداث الدامية نفسه التي يشهدها العراق" (New York Times, 24. 3. 2004) ونقلت افتتاحية أبرز صحف كوريا الجنوبية (The Times, 4. 10. 2006) عن أوساط في قمة الإدارة الأمريكية أن "هذه الإدارة سوف تلغي أي حوار بشأن كوريا الشمالية وتنتقل إلى استراتيجية تغيير النظام الحاكم فيها إذا انضمّت إلى النّادي النووي وبينما يجاهر ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي ودونالد رامسفيلد بضرورة التشدد في التعامل مع كوريا الشمالية بأقسى الوسائل وإسقاط نظام رئيسها كيم جونغ إيل، فقد نقل ديفيد سنغر عن مقربين من قمة الإدارة الأمريكية القول بأن الاختبار النووي الكوري ليس تطوراً سيئاً تماماً فهو سوف يجعل الصينيين والروس والكوريين الجنوبيين الذين كانوا مترددين في التعامل بحزم شديد مع كوريا الشمالية في الماضي ينضمون إلى الولايات المتحدة واليابان. (New York, 5. 10. 2006).‏

في المقابل، ذكرت وزارة خارجية كوريا الديمقراطية بالمأساة العراقية قائلة: إنه لو كان العراق يمتلك سلاحاً نووياً بالفعل، كما زعمت الولايات المتحدة وبريطانيا كذباً لتمرير احتلالهما العراق عسكرياً وتدمير كيانه وبنيته، لما تجرأ الأمريكيون أصلاً على غزوه.‏

لقد فتح التفجير النووي الكوري صفحة جديدة مختلفة بالتأكيد في مجال الانتشار النووي. توقع جوزيف تشيرينتشوني، ـ وهو خبير مركز التقدم الأمريكي Center for American progress في واشنطن ـ أن تقود تجربة كوريا النووية إلى سلسلة من ردود الفعل النووية في آسيا على نحو يطلق سباق تسلح نووي محموم، وخاصة في كوريا الجنوبية وتايوان واليابان والهند وباكستان وإيران. وهذا تطور طبيعي جداً في ضوء نفاق دول كبرى تعلو أصواتها داعية العالم إلى حظر انتشار الأسلحة النووية بينما تقوم هي بزيادة مخزونها من هذه الأسلحة وتطوير أنواع جديدة والتهديد باستخدامها، خلافاً لالتزامات سابقة معلنة، ضد دول لا تمتلك أسلحة نووية!‏

نتذكر مثلاً كيف توعد الرئيس الفرنسي جاك شيراك بأن فرنسا تحتفظ بحق الرد بوسائل غير معهودة، في مواجهة قادة دول قد يستخدمون ما وصفها بوسائل إرهابية ضدها. فقد خاطب الرئيس شيراك يوم الخميس 19/ 1/ 2006 فرق الغواصات النووية الفرنسية في قاعدة ليل لونغ النووية الفرنسية قرب برست إن الردع النووي لا يرمي إلى ثني إرهابيين متعصبين، لكن فرنسا طورت أساليب وأدوات مرنة للرد بوسائل غير تقليدية على أي تهديد لمصالحها.‏

من حق العالم أن يقلق بعد سوابق تقدير مزاجي لتهديد، أو افتراضه، أو توهمه، مثلما افتعلت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن ذرائع ومزاعم ثبت كذبها لغزو العراق واحتلاله فيما اعتبرته حرباً استباقية، أو وقائية إن الحديث عن مس بمصالح هذه الدولة أو تلك، والتهديد المفتوح المسبق باستخدام أسلحة نووية أو أسلحة غير تقليدية أخرى ضد مصدر تهديد غامض، مؤشر على بؤس الوضع الذي تدهور إليه عالمنا في ظل تفرد الهيمنة الأمريكية. ألح سؤال مبدئي إزاء هذا التحذير الفرنسي المفاجئ، هو: من هي الدولة أو المنظمة التي تهدد فرنسا اليوم بحيث يحتاج الرّد الفرنسي إلى تهديد صارم مقابل مثل الذي صدر عن الرئيس جاك شيراك، في سياق خطاب مكتوب له تم إعداده وصياغته بعناية شديدة؟ لقد خطر لمعلقين على الفور أن الأمر يتعلق بإيران التي يتكثف عليها ضغط أورو ـ أمريكي موجه إسرائيلياً للتخلي عن تطوير برنامجها النووي. وخطر لآخرين أن الأمر يتعلق بتشديد الضغوط على سورية في سياق إحكام هيمنة أمريكية ـ فرنسية على لبنان، بل ذهب معلقون آخرون إلى ربط إنذار الرئيس الفرنسي باستخدام وسائل وأسلحة غير تقليدية بانتفاضة أحزمة الفقر والحرمان المحيطة بالمدن الفرنسية، عندما اندفع مئات آلاف المهمشين والمضطهدين من المهاجرين مؤخراً يحرقون السيارات والمحال التجارية والمؤسسات الرسمية احتجاجاً على الحرمان والتمييز العنصري الذي يمارس بحقهم، وما يتعرضون له من انتهاك حقوقهم الإنسانية والمواطنية.. لا يعني هذا استخدام أسلحة نووية تكتيكية أو أسلحة أشعة أو أسلحة كيماوية أو سواها من أسلحة تدمير شامل أو أسلحة غير تقليدية ضد متظاهرين أو معتصمين أو منتفضين أو مشاغبين، وإنما المقصود استخدام تلك الأسلحة ضد دول قد تتهمها فرنسا بالتحريض المباشر أو غير المباشر لهؤلاء المهاجرين والفرنسيين من ذوي الأصول المغاربية أو التركية أو المارتنيكية أو الأفريقية أو الآسيوية، أو دول تتهمها فرنسا بنشر أفكار تؤثر في معتقدات هؤلاء.. وبالتالي، فطيف الخيارات واسع ومفتوح أمام الحكومة الفرنسية لافتعال عدو وفبركة ذريعة تعتبرها كافية لضربه عسكرياً! أليس هذا ما دشنه الرئيس بوش عملياً من قبل؟‏

من ناحية أخرى، قال ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي، في مقابلة تلفزيونية أجريت في يوم إلقاء الرئيس شيراك خطابه نفسه ذاك أن الولايات المتحدة سوف تتدخل عسكرياً بأقصى قوة وبكل الأسلحة في حال تعرض إسرائيل إلى هجوم من أي دولة أو منظمة أو جماعة(!). إن مظاهر تضارب مصالح وسياسات فرنسا والولايات المتحدة لا تمنع ارتباطاً منطقياً بين هذين التصريحين المتزامنين. صدرت وثيقة "مبدأ العمليات النووية المشتركة" عن رئيس أركان القوات المسلحة الأمريكية في شهر آذار من العام الماضي 2005 (نشرها موقع وزارة الدفاع الأمريكية ـ البنتاغون ـ على الإنترنت) مجددة ما رمت إليه "مراجعات الموقف النووي N. B. R " للعام 2002، التي جوبهت بمعارضة واسعة لأنها تمهد لاستخدام أسلحة نووية أمريكية في ضربات استباقية ضد قوى غير نووية. أنهى المبدأ الجديد ما كان من تمايز بين الأسلحة النووية القتالية والأسلحة النووية الاستراتيجية، كما جَسَّد تنصل الولايات المتحدة من التزامات معلنة سابقة بعدم استخدام سلاح نووي ضد دول لا تملك أسلحة نووية وقد صادق وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد ـ وفق تأكيد محلل شؤون الأمن الوطني وليام أركين، على أمر سري للغاية في منتصف العام 2004 اسمه "أمر بحالة التأهب للضربة العالمية" طلب من القوات المسلحة الأمريكية التأهب للهجوم على خصوم محتملين مثل إيران وكوريا الديمقراطية، وقال أركين: إنه حصل على صورة أمر رئاسي سري صدر عن الرئيس بوش في كانون الثاني 2003 باستخدام ضربات نووية وضربات تقليدية "كدعم للأهداف الوطنية، وفي ساحات القتال" أكد إيفان أو يلريتش من اتحاد العلماء الأمريكيين، وهانس كريستينسن من مجمع الدفاع للموارد الطبيعية، وخبراء أمريكيون آخرون، أن اعتماد تطوير أصناف جديدة من أسلحة نووية صغيرة ووسائط إيصالها يرسخ موقفاً عدوانياً أمريكياً غير مسبوق إذ يجعل الأسلحة النووية أداة قتال "عادية" في سياق مخطط ضربات نووية إقليمي، يتضمن ضربات استباقية، لمجرد وجود هواجس واقعية أو مفتعلة باحتمال بروز تهديد مستقبلي من جهة ما وقد أكد فيليب جيرالدي، الموظف السابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية C. I. A والمحرر حالياً في عدد مجلة "المحافظة" الأمريكية الصادر في آب (أغسطس) 2005 أن نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني قد تسلم زمام القيادة الاستراتيجية للولايات المتحدة برسم خطة طوارئ لشن هجوم على إيران بأسلحة نووية وتقليدية، بحيث يستخدم السلاح النووي ضد الأهداف قوية التحصين وكذلك الأهداف الموجودة عميقاً تحت الأرض. (انظر أيضاً مجلة: وAsia, September 2005).‏

بدا التناقض صارخاً وشديداً بين تصعيد الولايات المتحدة من حملاتها وضغوطها لمحاصرة أو إلغاء البرنامج النووي لكل من إيران وكوريا الديمقراطية في الوقت نفسه الذي قام به العلماء الأمريكيون بتصميم وتطوير جيل جديد من الأسلحة النووية يمتاز بقدرة تدمير أشد، وصلاحية أطول. لقد تم توظيف أحدث الابتكارات التكنولوجية في هذا السياق لتصنيع رؤوس نووية خفيفة الوزن، صغيرة الحجم، قوية الفاعلية، يمكن تحميل اثني عشر واحداً منها في صاروخ واحد. كما تم التخلي علناً عن التزام أمريكي قديم بعدم استخدام سلاح نووي أو التهديد به ضد دول لا تمتلك أسلحة نووية. وقد سبق تكرار هذا الالتزام في سياق الاتفاقيات مع الاتحاد السوفيتي السابق على الحد من الانتشار النووي. لا تزال الدولتان النوويتان الرئيسيتان تحتفظان بست وتسعين في المئة من الترسانة النووية. ونشير هنا إلى أن الولايات المتحدة وروسيا لا تزالان تمتلكان ستاً وتسعين في المائة من الأسلحة النووية في العالم التي وصل عددها إلى ثلاثين ألفاً، العالمية البالغة ثلاثين ألف رأس وقنبلة نووية(1).‏

تخطى صوت الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر السدود التي وضعتها مصالح مؤسسات وشركات وشبكات منتفعة باستمرار بقاء العالم أسيراً للتهديد والابتزاز النووي. أَنَحى كارتر باللوم على بؤس السياسة الأمريكية واستفزازها في دفع كوريا الشمالية إلى إجراء التفجير النووي. وقبل ذلك بسنوات قال كارتر في مقالة عنوانها "كيف ننقذ معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية"(2): "من أسف أن الولايات المتحدة تعد اليوم الشريك الأكبر في انحسار الالتزام الدولي بنصوص معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. وفي الوقت الذي تدعي فيه الولايات المتحدة حمايتها للأمن الدولي من مخاطر انتشار الأسلحة النووية في كل من العراق وليبيا وإيران وكوريا الشمالية وغيرها، لا يكتفي قادتها بمجرد رفض الالتزام بالقيود التي تفرضها نصوص معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية فحسب، وإنما يتبنون خططاً وبرامج لتطوير ترسانات جديدة ومتنوعة من هذه الأسلحة.... كما تنصلت أميركا من كل الالتزامات النووية السابقة، وهاهي تهدد اليوم باللجوء إلى استخدام السلاح النووي ضد دول غير نووية". وقد اقترح كارتر سبع "خطوات تصحيحية لهذه المواقف الخاطئة" أولها التصدي الأمريكي للقضايا النووية المتبقية مع روسيا، حيث لا يزال خطر الدمار العالمي قائماً بالجدية ذاتها التي كان عليها من قبل...، وثاني الخطوات أن تتصدر الولايات المتحدة التزاماً بعدم اللجوء إلى السلاح النووي إلا كخيار اضطراري أخير، وثالثها إعادة حلف الناتو تأكيد دور أسلحته النووية وإعادة النظر في أسلحته المنتشرة في أوروبا، والتي لا زالت كما كان حالها عندما كانت أوربا ساحة رئيسة للصدام العسكري المحتمل بين معسكرين شرقي وغربي، بينما دول أوربا الآن بأكملها تقريباً أعضاء في حلف الناتو. رابع الخطوات وقف انتهاك معاهدة الحظر الشامل للاختبارات النووية، فالميزانية الأمريكية للعام 2005 تشير إلى سيناريوهات خاصة بالاختبارات النووية. خامس الخطوات دعم معاهدة خاصة بالمواد الانشطارية لمنع انتقال البلوتونيوم واليورانيوم شديد الخصوبة وانتشارهما. وسادس الخطوات وقف تطوير برنامج الدرع الصاروخي الأمريكي لعدم جدواه. أما آخر خطوة اقترحها الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر فهي خطر انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، قال حرفياً: "حان الوقت كي نتجاوز حالة الفشل التي تعترينا حين يأتي الأمر للاعتراف بحقيقة أن حيازة إسرائيل وتطويرها لهذه الأسلحة إنما يشكل إغراء ما بعده لكافة الدول المجاورة لها في المنطقة، مثل سوريا ومصر وغيرها، من أجل الانضمام إلى معسكر الدول المسلحة نووياً"(3).‏

لقد أبرزت هيلين كالدويت في كتابها "الخطر النووي الجديد"(4) مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية في إحداث هلع عالمي متفاقم من الخطر النووي، فتحكم مؤسسات الصناعة الحربية الأمريكية بسياسات الدولة وقراراتها من خلال تحكمها بالمؤسسة العسكرية الأمريكية وبالكونغرس جعل العالم بأسره رهينة لمصالح تلك المؤسسات الساعية إلى مراكمة الأرباح بأي ثمن، ناشرة عبادة المال والقوة والتكنولوجيا وتفاقم الغطرسة والاستهتار بالأمم الأخرى أركاناً رئيسة في التربية الجمعية الأمريكية وما تفرزه من سياسات، إذ باتت مراكمة أرباح قلة جشعة مهيمنة من الناس تلازم كارثة تهدد العالم بأسره. هذا استنتاج يوافق عليه كثيرون، مثل لين إيدن، الباحثة الأولى في مركز الأمن والتعاون في معهد الدراسات الدولية في جامعة ستانفورد، في كتابها المعنون "عالم بأسره يشتعل بالنار"(5) الذي استكمل كتابيها السابقين "مناقشات نووية" و"مدخل مساعد للتاريخ العسكري الأمريكي"‏

توصل كتاب لين إيدن الجديد إلى استنتاج هام من خلال استقصاء ومراجعة وتحليل عدد كبير من الوثائق والشهادات السرية والمنشورة، فتطوير القدرات التنبؤية للقوات الجوية الأمريكية التي تقوم عقيدتها العسكرية إجمالاً على مبدأ القصف الدقيق Precision Bombing كبير، لكن قدرات المؤسسات والشركات صاحبة المصلحة في إخفاء الحقائق أكبر.‏

كثيراً ما تلجأ تلك الشركات والمؤسسات إلى إبعاد الاهتمام وصرف الأنظار عن الخطر النووي الأمريكي. بتسليط الضوء على قضايا وتطورات خارجية، يتم افتعال بعضها وتضخيم معظمها.‏

من ذلك مثلاً التركيز على سوء تخزين الأسلحة النووية الروسية وضعف التحكم بها وسهولة اختراق الإجراءات الأمنية والوصول إليها بقصد سرقتها والمتاجرة غير القانونية بها! فقد كتب بروس بلير(6)، رئيس مركز المعلومات الدفاعية في واشنطن مثلاً، يقول إنه ما من يوم يمر على روسيا دون أن يتم فيه تحريك ونقل مئات القطع النووية من جمهورية إلى أخرى، ومن مكان إلى آخر لإعادة التصنيع والصيانة، لأن ترسانة الأسلحة النووية الروسية متدنية الكفاءة والجودة، فلا تعمر القنبلة النووية الروسية إلا ما بين 8 ـ 12 سنة ثم يعاد تصنيعها في أوزريسك، أما العمر الافتراضي للقنبلة النووية الأمريكية فهو ثلاثون سنة. وبينما يعيد مصنع ماياك الروسي تصنيع مئات القنابل النووية ـ وحتى ألف قنبلة ـ سنوياً، يعاد تصنيع أقل من عشر قنابل نووية في الولايات المتحدة. ثم يقول ببساطة إن مجموعة مقاتلين شيشان تستطيع اقتحام موقع قصي لصواريخ نووية روسية بسهولة لإطلاقها ضد الولايات المتحدة وأوربا!‏

أما روبرت مونرو، المدير السابق للوكالة النووية التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، فقد اعتبر أن تطوير وإنتاج أسلحة نووية أمريكية جديدة ضرورة يقتضيها الردع، فقد افتقدت ترسانة الأسلحة النووية الأمريكية ـ التي صممت خصيصاً لردع هجوم سوفييتي ـ مقومات الردع وباتت تشكل خطراً حتى على الأمريكيين أنفسهم. لذلك يرى مونرو ضرورة ملحة لتطوير جيل جديد من أسلحة نووية أمريكية هائلة الدقة والقدرة التخصصية والفعالية، كقنابل تخترق التحصينات والأرض عميقاً أو تحيد العناصر الكيميائية والبيولوجية، أسلحة قابلة للاستخدام الحربي فعلاً بحيث تخيف أعداء الولايات المتحدة وتقنعهم بأنها جادة وقادرة على تدميرهم. في الوقت نفسه دعا مونرو الولايات المتحدة إلى منع انتشار الأسلحة النووية باعتباره التهديد الأكبر للعالم.‏

وقبل تساؤل القارئ عن التناقض في الدعوة لمزيد من تسلح الولايات المتحدة نووياً بينما تنزع سلاح الدول الأخرى أو تمنعها من التسلح، يقول مونرو إنه ليس هناك تضارب في هذا "إذ ما من دولة أخرى في العالم لديها المسؤوليات التي تحملها الولايات المتحدة على كاهلها"(7)!‏

لقد اشتد تركيز الولايات المتحدة في هذا الصدد على الربط بين أي احتمال لحيازة دولة عربية أو إسلامية للمعرفة والتقنيات النووية، وتسرب هذه المعرفة والتقنيات إلى تنظيمات تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية. يبتعد هذا التركيز عن جوهر المسألة هنا، وهو التصميم الأمريكي على استمرار الاحتكار والتفرد الإسرائيلي في حيازة الأسلحة النووية والاستخدام الأقصى لها في الردع والابتزاز. كما يغطي هذا التركيز على الإيغال الأمريكي في استخدام معايير مزدوجة، ليس فقط في التحيز السافر لإسرائيل، وتوفير عناصر القوة والتفوق لها، وتقديم الغطاء والحماية والحصانة لاعتداءاتها، وجرائم الحرب التي ترتكبها، وإنما في التعامل مع مسألة البرامج النووية للدول المختلفة التي لا ترضى الولايات المتحدة عنها. وهكذا غزت القوات الأمريكية العراق واحتلته بذريعة مزاعم ثبت بطلانها تماماً، حول برنامج نووي لديه، بعد حصار خانق طويل، وبعد أكثر من عشرين سنة من التواطؤ مع المخابرات والقوات الإسرائيلية بتدمير مفاعلين نوويين باعتهما فرنسا للعراق قبل شحنهما من فرنسا، وتدمير مفاعل آخر نجح العراق في إقامته، كما فرضت الولايات المتحدة حصاراً خانقاً وضغوطاً شديدة على ليبيا، وشنت حملة شعواء على إيران، واستوعبت باكستان تماماً ووضعت قبضتها المباشرة على منشآتها النووية، في حين تعاملت لسنوات طويلة بتهاون كبير مع حالة كوريا الديمقراطية التي أعلنت بوضوح أنها تمتلك فعلاً سلاحاً نووياً، وتحدت بأن صواريخها المحملة برؤوس نووية تستطيع إصابة عدة مدن وأهداف أمريكية، لكنها هاجت وراحت تحاول استنفار العالم لمعاقبة كوريا بقسوة عندما قامت فعلاً باختبار تفجير قنبلة نووية تحت الأرض يوم 9/ 10/ 2006 بعد ستة أيام من إعلانها رسمياً أنها على وشك إجراء هذا التفجير. كذلك تجاهلت الإدارة الأمريكية قرار البرازيل تفعيل برنامجها لتخصيب اليورانيوم مؤخراً، متراجعة عن قرار تطوعت باتخاذه قبل عشر سنوات بإلغاء برنامجها النووي(8).‏

يعكس هذا التركيز الأمريكي الشديد على احتمال حصول أطراف تعارض التوجهات الأمريكية على أسلحة نووية اعتبارات عديدة. يبدو هنا التناقض الصارخ بين الهياج من ذلك الاحتمال، وجوهر الصيغة الراهنة المتداعية للعولمة التي تفرضها الولايات المتحدة، حيث أصبحت القوى الكبرى في عالمنا هي الشبكات، أي الكثير من الأفراد المترابطين شبكياً والخاضعين لقيادة فعالة، الذين يشعر كل فرد منهم أنه في المركز، كما قال المفكر الاستراتيجي جون نايسبت، الذي رأى أيضاً أن تعويذة العصر الجديد التي هي "فكر عالمياً واعمل محلياً، قد بدأت تنقلب رأساً على عقب لتصبح: فكر محلياً، أو حتى قبلياً، واعمل عالمياً"(9).‏

وقد خطف التركيز الدولي على تداعيات التفجير النووي الكوري الكثير من الأضواء والقلق والترقب الذي استقطبته الحملة الأمريكية ـ الأوربية على البرنامج النووي الإيراني في السنوات الأخيرة. وبعد عدة توقعات ومؤشرات وتسريبات أكدت أن عملاً عسكرياً أمريكياً ـ وربما بمشاركة إسرائيل ودول تابعة أخرى ـ بات مؤكداً ضد إيران قبل خريف 2007، تراجع هذا الاحتمال في رأي كثير من المحللين السياسيين والاستراتيجيين. "إيران ربحت نقاطاً على الصعيد الجيو ـ استراتيجي جراء تفجيرات كوريا الشمالية، فتطور الأحداث في شبه الجزيرة الكورية سيدفع واشنطن إلى إرسال قوات أمريكية إضافية إلى هناك، لطمأنة حليفتها كوريا الجنوبية، وهذا بدوره سيقلص من قدرة واشنطن على القيام بعمل عسكري ضد إيران. فالقوات الأمريكية تتخبط في العراق، وتعاني من هزيمة سياسية في أفغانستان بعد مرور خمس سنوات على احتلالها. وتورط القوات الأمريكية عسكرياً في غير منطقة من العالم سيحد بالتأكيد من قدرتها على شن حروب أخرى، باعتبار أن التلويح بضربة عسكرية ضد طهران صار منذ فترة احتمالاً واقعياً لدى الإدارة الأمريكية"(10).‏

وسبق لحكومة كوريا الشمالية أن حاججت الولايات المتحدة قبل سنوات عن شرعية الحماية الأمريكية للترسانة النووية الإسرائيلية رغم أنف الاتفاقيات والقوانين والقرارات الدولية، بينما تهدد كوريا وتتوعدها لمجرد سعيها إلى تطوير تقنيات ومعارف نووية لاستخدامات سلمية أساساً، فجاء الرد الأمريكي الرسمي قائلاً: "إسرائيل حالة خاصة في العالم لا تنطبق عليها القواعد المعتمدة للدول الأخرى"! وهنا ردت كوريا على تلاحق التهديدات الأمريكية بأنها لن تقبل التمييز والنفاق والتعامل بمعايير مزدوجة، ولذلك لن تتردد في السعي إلى إنتاج سلاح نووي يحميها من التهديدات ا لأمريكية. بل إن حكومة كوريا الجنوبية أيضاً قد أبلغت حليفتها وحاميتها الولايات المتحدة أنها لم يعد من المقبول لشعوب كثيرة منح الترسانة النووية الإسرائيلية حصانة أمريكية، بينما تفرض العقوبات وتطلق التهديدات في حالات دول أخرى، لكن الولايات المتحدة حذرت حكومة كوريا الجنوبية من تكرار هذه المقارنة، مكررة القول بأن إسرائيل حالة استثنائية لا يجوز القياس عليها.‏

وهكذا، تهتاج إسرائيل والولايات المتحدة من احتمال نظري بعيد التحقيق بأن تمتلك جهة معادية لهما سلاحاً نووياً صغيراً واحداً، على نحو ما جاء في افتتاحية صحيفة نيويورك تايمز عنوانها" الخطر النووي الحقيقي"(11)، بينما لا تتورع الولايات المتحدة وإسرائيل عن تكرار التهديد علناً باستخدام أسلحة نووية من ترسانتيهما ضد دول أخرى. علماً بأن الترسانة الأمريكية لا تزال تضم عشرات الألوف من القنابل والرؤوس النووية التي تتزايد أعدادها وتطور أصناف جديدة منها بدلاً من التقلص، كما تضم الترسانة الإسرائيلية مئات من القنابل والرؤوس النووية والهيدروجينية والنيترونية ووسائل إيصالها. تجاوز الأمر اعتبارات التفرد والتمايز الأمريكي عندما راحت الولايات المتحدة تفرض تلك الاعتبارات نفسها لمصلحة الكيان الصهيوني. فبعد ما قدمت التمويل والخبرة العلمية والفنية والتجهيزات والمواد اللازمة لإنتاج السلاح النووي، والحماية والحصانة من المساءلة الدولية، بل ومن مساءلة القانون الأمريكي، لتعزيز ترسانة نووية إسرائيلية هائلة، ولمنع أي دولة عربية أو إسلامية من كسر الاحتكار الإسرائيلي للسلاح النووي. أكدت كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية، هذا الانحياز السافر للسياسة الأمريكية بقولها "إن أمن إسرائيل هو المفتاح لأمن العالم كله"(12)!.‏

نشرت صحيفة واشنطن بوست في مطلع نيسان 2005 ـ أي بعد إحكام الإشراف الأمريكي المباشر على المنشآت النووية الباكستانية وتسليم النظام الليبي كل ما عنده من تجهيزات ووثائق ـ مزاعم بأن باكستان قد اشترت كميات تفوق حاجتها من هكسافلوريد اليورانيوم، وباعت الفائض لكل من إيران وليبيا لصنع سلاح نووي! لم يكد يتم نشر هذه المزاعم حتى تبين وفقاً لما نشر يوم 10/ 4/ 2005 أن محققين اتحاديين أمريكيين يحققون في قضية تهريب تكنولوجيا نووية أمريكية لكل من باكستان والهند. لكن من يثيرون مثل هذه الحملات يغمضون الأعين عن مصادر وقود العديد من بين نحو مئة وثلاثون مفاعلاً نووياً في عشرات البلدان، تستخدم اليورانيوم عالي التخصيب، ناهيك عن مصادر كميات اليورانيوم المخزونة من منشآت أخرى. ويتعامون خاصة عن حقيقة أن معظم ما تم اكتشافه من عمليات سرقة وتهريب اليورانيوم ومستلزمات نووية أخرى على مدى السنوات الخمسين الماضية كانت سرقات رتبها الموساد الإسرائيلي أو جهات تعمل في خدمة إسرائيل من الولايات المتحدة أو من دول أخرى.‏

رأى كاتب في صحيفة الخليج أن واشنطن تخلق المشكلة، وتدعّي أنها وحدها تملك الحل: "...بالصيغة الهيغلية الأشهر: اخلق المقولة، ثم ابحث عن نقيضها... كل هذا يدفع إلى التساؤل غير البريء: هل واشنطن تستهدف حقاً تجريد بيونغ يانغ من السلاح النووي، أم أنها تسعى في الواقع لدفعها إلى حيازة القنبلة، بهدف تفجير سباق تسلح شامل في منطقة آسيا ـ الباسيفيك؟ سباق ستخرج منه حتماً رابحة اقتصادياً، ومنتصرة عسكرياً، ومتفوقة تكنولوجياً؟‏

سؤال غير بريء آخر: من المسؤول الحقيقي عن انتشار الأسلحة النووية في العالم: القوى المتشردة، أم القوة العظمى الوحيدة في العالم؟ أليست واشنطن هي التي لا تزال ترفض التخلي عن ترسانتها النووية الهائلة وتعمل بدلاً من ذلك، على تطويرها وتحديثها برغم انتهاء الحرب الباردة؟ ألم تكن هي السبب وراء دفع الاتحاد السوفييتي لحيازة القنبلة بعد الحرب العالمية الثانية، لحماية نفسه من خطط أمريكية حقيقية لإعادته إلى العصر الحجري؟ من سمح لإسرائيل منذ منتصف الخمسينات بإدخال الأسلحة النووية إلى الشرق الأوسط، ومن لا يزال حتى الآن يرفض أي بحث بتفكيك هذه القوة الخطرة والمدمّرة؟"(13).‏

انتهى في تقديرنا زمن إصرار القوى العظمى على احتكارها حيازة السلاح النووي، بينما تسمح لدول تابعة بهذه الحيازة تحدياً للقانون الدولي والاستقرار والسلم، بذرائع واهية. بل كانت تلك القوى هي التي حفرت لنفسها قبر احتكارها عندما تآمرت فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة لتمكين الكيان الصهيوني من حيازة سلاح نووي واحتكاره إقليمياً ليهيمن على منطقتنا، في مقابل منعها أي بلد عربي أو إسلامي حتى من امتلاك تقنيات ومعارف نووية للاستخدام السلمي. انقلب السحر على الساحر، فلن تكون كوريا الديمقراطية في رأينا آخر من يقتحم النادي النووي عنوة!‏

الهوامش:‏

(1) الاتحاد، أبو ظبي، 1/ 5/ 2004، ص 21.‏

(2) لوس أنجلس تايمز وواشنطن بوست، والاتحاد، أبو ظبي، 29/ 3/ 2005،ص 25.‏

(3) المصدر السابق.‏

(4) New Nuclear Danger, The New Press, 2nd ed., 2004.‏

(5) Lynn Eden, Whole World on Fire, Cornel Uni. Press. 2003.‏

(6) Los Angles Times, 20. 9. 2004.‏

(7) Los Angles Times, 15. 12. 2004.‏

(8) برينت سكوكروفت (مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق ورئيس منتدى السياسة الدولية)، لحظة نووية حرجة، الاتحاد، أبو ظبي، 26/ 6/ 2004، ص 25.‏

(9) وثائق ندوة إعادة التفكير في المستقبل، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أبو ظبي، 2004.‏

(10) مصطفى اللباد، الحياة، لندن، 21/ 10/ 2006.‏

(11) New York Times, 28. 5. 2004.‏

(12) مقابلة مع ناحوم برنياع، معاريف، 2/ 5/ 2003.‏

(13) سعد محيو، الخليج، الشارقة، 14/ 10/ 2006.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244