مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 28 السنة الثامنة شتاء 2007
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

الشرعية الدولية ومعتقل غوانتانامو ـــ د.مصطفى أحمد أبو الخير

مقدمة الدراسة‏

أثار تقرير لجنة حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عما يحدث في معتقل جوانتانامو حفيظة الرأي العام العالمي ومنهم فقهاء القانون الدولي، حيث تساءل العالم عن رأي القانون الدولي فيما حدث ويحدث من تجاوزات اهتز لها ومنها العالم.‏

فبادرت بعرض التقرير وما حدث على قواعد وإحكام الشرعية الدولية لكي نضع أمام الرأي العام العالمي والباحثين موقف الشرعية الدولية مما سلف، فكان هذا البحث الذي تناولت فيه أولاً: الشرعية الدولية من حيث الماهية وهي عبارة عن إسقاط أحكام وقواعد ومبادئ القانون الدولي على النظام الدولي والواقع الدولي والمصادر الشرعية الدولية والتي تكاد تنحصر فيما ورد في نص المادة (38) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية وهي مصادر القانون الدولي ذاتها، وطبقنا كل ما سلف على الواقع الدولي الراهن حتى نبين الطبيعة القانونية لهذا النظام.‏

وثانياً الشرعية الدولية والحرب ضد أفغانستان والذي تناولنا بالدراسة فيه عدم صحة إسناد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتنظيم القاعدة واستندنا في ذلك إلى العديد من الوقائع والأدلة المحققة والموثوق بها ومصادر معتمدة لا يدخل ولا يتسرب إليها الشك، وتبين من الدراسة أن أحداث (11/9) بالولايات المتحدة كانت داخلية الفاعل والمفعول به، فعلها من فعلها لتمرير المشروع الأمريكي للقرن القادم حتى إن البعض أطلق عليها (بيرل هاربير الجديدة) ثم القينا الضوء على الأسباب الحقيقية للحرب ضد أفغانستان السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية وتناولنا بالدراسة القانونية القرارين الصادرين عن الأمم المتحدة بشأن الأحداث وهما القرار (1368) والقرار (1373) وبينا المثالب القانونية التي أصابتهما، وموقف وحكم الشرعية الدولية من الحرب ضد أفغانستان، وما ترتب عليها من تصرفات ونتائج وانتهينا إلى عدم شرعية ومشروعية الحرب ضد أفغانستان، وبيّنا أنها تمت خارج إطار الشرعية الدولية وخالفت وانتهكت العديد من مبادئ وأحكام القانون الدولي، ثم كان الفرع الثاني الذي يمثل ركيزة أساسية في هذا البحث لذلك فقد استأثر بعنوان البحث (الشرعية الدولية ومعتقل جوانتانامو، الذي وضحنا فيه موقف القانون الدولي الإنساني من المعتقل والمعتقلين وحقوق وواجبات الأسرى، كما وردت في اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 وانتهينا إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تحترم، ولم تضع أمامها القانون الدولي عامة في هذه الحرب وما تلاها من تصرفات غير شرعية.‏

فتتمثل مشكلة البحث في الإجابة عن السؤال الآتي:‏

ما حكم الشرعية الدولية، وما موقفها من الحرب ضد أفغانستان 2001، وما ترتب عليها من نتائج، وما حكم القانون الدولي من معتقل جوانتانامو؟ وما حقوق وواجبات الأسرى الموجودين به؟ ومن ثم يهدف هذا البحث إلى دراسة المركز القانوني لمعتقلي جوانتانامو وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، لذلك فإنّ هذه الدراسة ليست لتحديد الوضع القانوني لما يسمى الحرب على الإرهاب، وليست دراسة لحقوق الإرهابيين، ولا لمحاكمتهم، ولكنها دراسة قانونية للقواعد التي تحكم الحرب ضد أفغانستان في أكتوبر 2001 وأثر على معتقلي جوانتانامو.‏

أولاً: الشرعية الدولية‏

إن مصطلح الشرعية الدولية من أكثر المصطلحات انتشاراً على الساحة الدولية مما أثار حولـه الغموض، رغم أنه مصطلح علمي ثابت ومحدد المعنى في العلوم السياسية والقانون الدولي، وقد يختلف العلماء والمتخصصون حول بعض التفاصيل لتحديده، ولكنهم يتفقون في عناصره الرئيسية ومن ثم يصبح لازماً تحديد مفهومه وماهيته.‏

وللشرعية الدولية مصادر متعددة تبدأ بالقانون الدولي بفروعه المختلفة وقواعد وأحكام ومبادئ مروراً بقانون المنظمات الدولية وتشمل أيضاً مجموعة المعاهدات والاتفاقيات والعهود الدولية التي أقرها أشخاص القانون الدولي وآلياته ونستطيع حصرها فيما ورد بالمادة (38) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية ولحسن الدراسة والعرض أن نبين مدى العلاقة بين الشرعية الدولية والنظام الدولي الجديد وما تأثير تلك على ذلك.‏

1 ـ ماهية الشرعية الدولية‏

أحيط مصطلح الشرعية الدولية بالغموض والتزييف، وبات من أكثر المصطلحات على الصعيد الدولي ترديداً، فالكل بات يتحدث عن الشرعية الدولية، ويزعم السياسيون كافة في كل رجا من أرجاء المعمورة أن أقوالهم وأفعالهم مطابقة للشرعية الدولية وفي نطاقها، وتستظل بظلها(1).‏

وبالرغم من أن تعبير (الشرعية الدولية) مصطلح علمي محدد المعنى في العلوم السياسية وعلم القانون الدولي. ولكن يختلف الفقهاء حول بعض التفاصيل في تحديده، ولكنهم يتفقون في عناصره الرئيسية التي تجعل هذه الكلمة قابلة للاستخدام كمصطلح علمي وليس كمصطلح سياسي، يفسره كل سياسي طبقاً لمصالحه وهواه. حتى إن البعض وصف مصطلح الشرعية الدولية بأنه أحد أخبث أقنعة النظام الدولي الجديد وأكثرها فتنة للألباب(2).‏

ولكي يبقى السؤال ما هي الشرعية؟ وهل هي مجرد قرارات صادرة عن مجلس الأمن؟ أو هي مجمل البنية التشريعية والقانونية التي تقوم عليها الأمم المتحدة؟ ثم ما هي المرجعية التي يمكن الاستناد إليها لمعرفة مدى اتفاق تصرف دولي ما مع الشرعية الدولية؟‏

بداية يجب التفريق بين مفهوم الشرعية (Legitimacy) الذي يدور حول الأسس التي يتقبل فيها أفراد المجتمع النظام السياسي ويخضعون له طواعية، ومفهوم المشروعية‏

(Legality) بمعنى خضوع نشاط السلطات ونشاط الأشخاص للقانون، وبالتالي فقد تكون السلطة مشروعة، أي مطابقة لأحكام القوانين، ولكنها غير شرعية برفض الجماعة لها. بسبب عدم تلاؤمها مع قيمهم وتوقعاتهم. فالشرعية فكرة أو معتقد تتعلق بأساس السلطة وكيفية ممارساتها، بالتالي فهي مفهوم مصدره الدين أو الكاريزما أو التقاليد، بينما المشروعية مصدرها القانون(3).‏

كما أن هناك فرقاً بين القانونية (Legality) والشرعية (Legitimacy) فالقانونية هي صدور القرارات وفق القانون، وأما الشرعية ألا تمثل هذه القرارات تجاوزا من جانب السلطة لاختصاصاتها طبقاً للقوانين أي استخدام السلطات القانونية لتحقيق أهداف لا ينص عليها القانون(4).‏

إن مفهوم الشرعية الدولية ثابت عند الفقهاء في القانون الدولي، والعلاقات الدولية والعلوم السياسية، ومعروف لدى القوى الدولية. فقد عرفها بعضهم في كلمات قليلة أنها (أحكام القانون الدولي المعاصر التي يمثلها ميثاق الأمم المتحدة والنظام الذي يحكم العلاقات الدولية عقب الحرب العالمية الثانية.‏

وهي تلك المبادئ التي نص عليها الميثاق من عدم استخدام القوة، أو التهديد باستخدامها في العلاقات بين الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول، والمساواة في السيادة بينها، وحق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية بحرية، وواجب الدول في تنفيذ التزاماتها وفقاً للميثاق بحسن نية، وفي تسوية نزاعاتها بالطرق السلمية، وكل هذه المبادئ تضمنها تفصيلاً إعلان المبادئ الخاصة بالعلاقات الودية، والتعاون بين الدول وفقاً للقانون الدولي والمطابقة لميثاق الأمم المتحدة، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 أكتوبر 1970.‏

وهي تلك المنظومة التي شكلتها الأمم المتحدة على مدى ما يزيد على نصف قرن لتبني عليها النظام الدولي المعاصر، والتي من أهم لبناتها تصفية الاستعمار وتفعيل حق تقرير مصير الشعوب واستقلالها، الأمر الذي كرسه الإعلان رقم (1514) الصادر عن الجمعية العامة في 14 ديسمبر 1960.‏

كما أن الشرعية الدولية تشمل مجموعة المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، سواء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 أم العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية عام 1966، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966، واتفاقية إزالة كافة أشكال التمييز العنصري عام 1965، والإعلان الخاص بإزالة التمييز ضد المرأة عام 1967، واتفاقية تحريم وعقاب جريمة إبادة البشر عام 1948، واتفاقية تحريم التعذيب وغيره من ضروب المعاملة اللاإنسانية أو المهينة عام 1984، وغيرها من الاتفاقات والإعلانات الدولية الخاصة بحقوق الطفل واللاجئين والعمال.‏

وهي التي تشمل اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، الأولى الخاصة بتحسين حالة الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان والثانية الخاصة بتحسين حال الجرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة في البحار، والثالثة المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب، والرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب.كما تشمل البروتوكولين الإضافيين إلى هذه الاتفاقات عام 1997، الأول الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة ـ ومنها حرب التحرير ضد التسلط الاستعماري، والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية والثاني المتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية.‏

ومنها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عام 1998، والذي يعرف بنظام روما، الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية التي تختص بمحاكمة مرتكبي جريمة إبادة البشر والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان. وتشمل كذلك الاتفاقات الدولية التي تحظر استخدام أنواع معينة من الأسلحة، ومنها اتفاقية عام 1981 والبروتوكولات الأربعة الخاصة بالأسلحة الانشطارية والحارقة، والمخادعة وأسلحة الليزر، واتفاقية الألغام عام 1997، والاتفاقات الخاصة بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية، وغيرها.‏

الشرعية الدولية إذن بناء متكامل، حاولت البشرية به أن تقيم العلاقات بين الدول على أسس سليمة لتحقيق السلام والتعاون فيما بينها بعد أن اكتوت بنار حربين عالميتين خلال جيل واحد. وهذا البناء المتكامل يقوم على أسس من مبادئ القانون الدولي، منها ما يمليه العرف ومنها ما تتضمه الاتفاقات الدولية، فالشرعية الدولية ليست مجرد شعار بل إنها مجموعة مبادئ ثابتة)(5).‏

وعرفها آخر بأنها (سيادة منطق العدل والحق بين أعضاء الجماعة الدولية وليست مرادفاً لشريعة القوة والغطرسة)(6) وقال عنها آخر إنها (تجسيد وترجمة لإرادة المجتمع الدولي)، ولذلك ليس لطرف أو لدولة أن تحدد هذه الشرعية. وهي المرجعية والإطار العام الذي بموجبه يتم الحكم على كافة أفعال وتصرفات أشخاص وآليات المجتمع الدولي،وبناء عليه أن ما يقوم به طرف قوي أو طرف ضعيف، متفق أو مخالف مع الشرعية الدولية ينبغي تقويمه وفقاً لقواعد وأسس هذه المرجعية الدولية. ومعنى ذلك أن الشرعية الدولية وإن تجاوزتها سلوكيات القوة للدول القوية، فلا يعني ذلك إلغاء الشرعية الدولية، أو تبديل مفهومها أو إضفاء الشرعية على تصرف يتناقض مع مبادئ وأسس الشرعية الدولية.‏

عموماً فالشرعية الدولية صفة لا تزول عن تصرف من التصرفات الدولية عن طريق معاهدة ما، أو وضع جديد يوصف بأنه يتناقض مع الشرعية الدولية، أي مع الأسس المقررة في القانون الدولي العام، ولا يغير من ذلك الاضطرار إلى التعامل مع التطبيقات الباطلة القائمة على أرض الواقع، وهذا معناه رغم التعامل مع وضع قائم ما غير شرعي، فإن ذلك لا يعني الاعتراف بمشروعيته.‏

فمصطلح الشرعية الدولية لا يتبدل مقصوده بكثرة استخدامه في غير موضعه فقد وضع ليسري على مر الدهور وكر العصور وأوضاع متشابهة ومتعددة ومختلفة، وأحداث وتطورات جارية، دون أن يفقد معناه ومغزاه، ولا تضيع معالمه وحدوده. فالشرعية الدولية لا يمكن تفصيلها كما تفصل الملابس لتناسب لقطة زمنية معينة أو عصر معين(7).‏

فلا يمكن لدولة ما أو مجموعة من الدول، أن تكون مرجعاً للشرعية الدولية مفهوماً وحدوداً، فالشرعية الدولية هي المرجعية للحكم على تصرفات سائر أشخاص وآليات النظام الدولي على مر الدهور وكر العصور، وهي بناء متكامل ثابت الحدود والأركان والمعالم.‏

رغم ذلك ذهب بعضهم إلى الخلط بين مصالح الدول الكبرى والشرعية الدولية، فهم يسوغون تصرفات الدول الكبرى على اعتبار أنها الشرعية الدولية، كما يفعل بعضهم الآخر في منطقتنا العربية من تسويغ تصرفات الولايات المتحدة الأمريكية، بزعم أنها القطب الأوحد وتقف وحدها على قمة النظام العالمي الجديد، حيث تملك من المقومات ما يجعلها مرجعاً للشرعية الدولية وأساساً لها، وهم (المارينز العرب).‏

فنحن العرب ننظر إلى الشرعية الدولية على أنها شيء عالي مقدس، لا يصدر عنها إلا الخير فقط، أو أنها كائن مثالي قائم بذاته، منفصل عن النظام الدولي وعلاقاته، يمسك بميزان العدالة والحق ويحكم بينهما بين أشخاصه وآلياته. وننسى أو نتناسى أن الشرعية الدولية (هي الوجه المعبر في كل لحظة دولية عن تقاطع مصالح الدول الكبرى المتصارعة في العالم وعلى العالم) وليست ولا يمكن أن تكون ذلك الكائن المثالي الذي نتصوره ونعلق عليه آمالنا، ونعتمد عليه في حل كافة أزماتنا الدولية الصغيرة والكبيرة(8).‏

لو لم يكن ذلك صحيحاً، لما كانت تتبدل المفاهيم لهذه الشرعية، كلما تبدلت موازين القوى، بين عصر وآخر، ولما ظهرت ازدواجية المعايير وتعددها، والكيل بأكثر من مكيال، ولما كانت بعض القرارات العادلة ولو بحدود ضيقة ترمى في سلة المهملات، أو في مزبلة التاريخ، أما القرارات الظالمة فتأخذ طريقها للتنفيذ لكونها تلبى مصالح الدول الكبرى وحلفاؤهم.‏

تلك حال المجتمع الدولي منذ أمد بعيد، ولا نغالي في القول إذا قلنا إن ذلك حال المجتمع الدولي على مر الدهور وكر العصور، مما أوجد حالة تناقض وفصام بين القانون الدولي قواعد وأحكام ومبادئ وبين النظام الدولي السائد في عصر من العصور، أي إن البون واسع بين القانون الدولي وبين الواقع الدولي.‏

والحقيقة يجب أن نفصل تماماً بين مفهوم القانون الدولي كشرعية لتنظيم العلاقات الدولية على أسس ومبادئ ثابتة، أي بين الشرعية الدولية، وقرار أو قرارات يصدرها مجلس الأمن أو حتى الجمعية العامة للأمم المتحدة، لأن استعمال كلمة (شرعية) بما لها من حرمة وقدسية لا يمكن حصرها في قرار أو بضعة قرارات صادرة عن مجلس الأمن التي تسيطر عليه الدول الخمس الكبرى سيطرة كاملة أو حتى الجمعية العامة للأمم المتحدة، لأن القرارات الصادرة عن الجمعية العامة تعبر عن مصالح الدول السياسية والقانون الدولي يحمي حقوق وليست مصالح، لأن المصالح تخضع للسياسة.‏

لذلك يجب حصر استعمال كلمة (شرعية دولية) للدلالة على المفاهيم الثابتة في القانون الدولي والعرف الدولي الناشئ عن ممارسات تواترت وحظيت بالقبول من أشخاص وآليات المجتمع الدولي(9).‏

ونحن نرى أن الشرعية الدولية هي (إسقاط قواعد ومبادئ وأحكام القانون الدولي بفروعه المختلفة ومصادره المتعددة، وكافة المعاهدات والاتفاقيات والعهود الدولية المتعددة الأطراف والجماعية وما يستجد من قواعد ومبادئ يتعارف عليها ويتواتر على تطبيقها المجتمع الدولي بأشخاصه وآلياته).‏

مما سبق من تعريفات للشرعية الدولية يمكن استخلاص الخصائص العامة لها فيما يأتي:‏

1 ـ إن الشرعية الدولية تعلو ولا يعلو عليها في المجتمع الدولي.‏

2 ـ إن الشرعية الدولية تستند إلى القانون الدولي وليس على تصرفات دولة معينة أو مجموعة دول مهما كانت وكانوا، فالشرعية الدولية تحكم على تصرفات الدول وليس العكس.‏

3 ـ لا يمكن لأي شخص من أشخاص القانون الدولي أو آلية من الآليات أن تحدد أو تتحكم في الشرعية الدولية، بقرار أو بعدة قرارات أو بتصرف أو بعدة تصرفات.‏

4 ـ الشرعية الدولية ثابتة لا تتغير ولكنها تتسع في المضمون أي في المبنى وليس في المعنى، وقفاً على العرف الدولي وما قد يستحدثه من قواعد ومبادئ لاقت قبولاً وتأييداً وتطبيقاً من المجتمع الدولي.‏

2 ـ مصادر الشرعية الدولية‏

وبعد أن انتهينا من تحديد ماهية ومضمون الشرعية الدولية، سوف نوضح المصادر التي تستند إليها الشرعية الدولية، والتي تتمثل في القانون الدولي بفروعه المختلفة ومصادره المتعددة، إضافة إلى العديد من الاتفاقيات والمعاهدات والعهود الدولية المتعددة الأطراف والجماعية التي لاقت قبولاً من كافة أشخاص وآليات المجتمع الدولي، ويمكن إجمال هذه المصادر فيما ورد في المادة (38) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية والتي نصت على:‏

1 ـ وظيفة المحكمة أن تفصل في المنازعات التي ترفع إليها وفقاً لأحكام القانون الدولي، وهي تطبق في هذا:‏

(أ) الاتفاقات الدولية العامة والخاصة التي تضع قواعد معترف بها صراحة من جانب الدول المتنازعة.‏

(ب) العادات الدولية المرعية المعتبرة كقانون دل عليها تواتر الاستعمال.‏

(ج) مبادئ القانون العامة التي أقرتها الأمم المتمدنة.‏

(د) أحكام المحاكم ومذاهب كبار المؤلفين في القانون العام في مختلف الأمم ويعتبر هذا أو ذاك مصدراً احتياطياً لقواعد القانون وذلك مع مراعاة أحكام المادة 59.‏

2 ـ لا يترتب على النص المتقدم ذكره أي إخلال بما للمحكمة من سلطة الفصل في القضية وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف متى وافق أطراف الدعوى في ذلك).‏

وقد نشأ القانون الدولي العام في القرن السادس عشر الميلادي، لكي ينظم العلاقات السياسية والقانونية بين عدد قليل من الدول منحصرة في القارة الأوروبية فقط، مما جعله فرعاً من القانون العام(10). وقد أدى زيادة عدد الدول حتى وصل الآن حوالي (191) دولة هم أعضاء الأمم المتحدة، إلى زيادة هائلة في العلاقات الدولية، ونمو قواعد القانون الدولي العام وزيادة زيادة كبيرة. مما أدى إلى بروز فروع جديدة للقانون الدولي.‏

وأصبح القانون الدولي المعاصر قانوناً للمجتمع الدولي. مما أدى إلى كثرة الموضوعات التي يعالجها هذا القانون وأصبح بعضها فروعاً ذاتية لها كيانها المتميز. فأصبح للقانون الدولي العام المعاصر فروع متعددة. كما له مصادر مختلفة(11). وساعد على ذلك نشوء المنظمات الدولية، وما نتج عنه من اتساع دائرة الروابط القانونية التي يحكمها الآن في ظل التنظيم الدولي.‏

على صعيد تعريف القانون الدولي يوجد مدرستين في هذا المجال الأولى، تركز على أن القانون الدولي هو ما استقر من قيم ومبادئ وقواعد أساسية وحقوق إنسانية متعارف عليها عبر التجارب الماضية وتم تدوينها في مواثيق دولية ملزمة إذن يتمثل القانون الدولي العام في مجموعة القواعد والمبادئ الدولية الأساسية، مثل مبدأ حظر استخدام القوة، وتحريم الاستيلاء على أراضي (الغير) بالقوة، وحق تقرير المصير. والثانية تركز على مجموعة المواثيق والمعاهدات والاتفاقات وقرارات المنظمات الدولية، وهذا هو القانون الدولي التطبيقي، ونحن لا نرى تناقضاً بين المدرستين ولكنهما في الحقيقة مدرسة واحدة، فأي تصرف دولي ومعاهدة ينبغي أن يكونا متطابقين معاً(12).‏

ويمكن تعريف القانون الدولي العام بأنه (مجموعة القواعد الملزمة التي تنشأ عن المصادر المشار إليها في المادة (38) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية. والتي تهدف إلى تنظيم العلاقات المتبادلة بين أشخاص القانون الدولي العام)(13).‏

وفروع القانون الدولي العام يمكن إيجازها في الآتي:‏

1 ـ المبادئ العامة للقانون الدولي العام: التي تهتم بدراسة قواعد القانون الدولي ومصادر القانون الدولي، وأشخاصه، والمسؤولية الدولية، والعلاقات الدبلوماسية، والقواعد التي تحكم العلاقات الدولية وقت الحرب، ووسائل حل المنازعات الدولية بالوسائل السلمية(14).‏

2 ـ قانون التنظيم الدولي: نشأ هذا القانون نشأة متواضعة للغاية، تتناسب مع حجم وحركة التنظيم الدولي في بداية انطلاقها، ثم أخذ ينمو مع ازدياد عدد المنظمات الدولية العالمية والإقليمية، حتى أصبح اليوم فرعاً متكاملاً له ملامحه الخاصة، وطابعه المتميز. الذي يهتم بدراسة القواعد التي تحكم إنشاء المنظمات، وتحدد لها وسائل تنفيذ أهدافها، والعلاقة القانونية بين الدول والمنظمات الدولية، ووسائل التنسيق بين المنظمات الدولية. وهذا القانون يتسم بأنه سريع التطور ومرن(15).‏

3 ـ القانون الدولي الاقتصادي: وهذا الفرع يختص بدراسة القواعد القانونية التي تنظم العلاقات القانونية بين الدول بعضهم البعض، وبين المنظمات الدولية وبعضها الآخر وبينها وبين الدول، كما يهتم بدراسة العلاقات القانونية المتعلقة بالاستثمارات الأجنبية. ويتميز هذا القانون بأساليبه الفنية المتميزة، التي تتفق مع طبيعته الخاصة، ومع الموضوعات والأوضاع التي تتناولها قواعده، مثل التصويت في المنظمات الدولية الاقتصادية، الذي يأخذ بنظام وزن الأصوات، بهدف الوصول إلى تحقيق نوع من التوازن والتناسب بين حق التصويت، والمسؤوليات الاقتصادية الدولية الملقاة على عاتق الدول، الأمر الذي يعد خروجاً على مبدأ المساواة في التصويت(16). ونظام التحكيم في المنازعات الاقتصادية التي يسلم له بسلطات شبه تشريعية.‏

4 ـ القانون الدولي الإداري: التي تنظم قواعده كافة مجالات الوظيفة العامة الدولية، كحقوق وواجبات الموظفين الدوليين والوسائل القانونية والقضائية التي تحمي حقوقهم(17).‏

5 ـ القانون الدولي للتنمية: أدى زيادة عدد الدول الفقيرة، إلى زيادة الفجوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة، خاصة وأن التقدم العلمي والتكنولوجي تركز في دول الشمال المتقدم، مما زاد من الحاجة إلى ظهور قواعد قانونية دولية تنظم عملية التنمية الاقتصادية لدول الجنوب أو دول العالم النامي. مما أدى إلى ظهور واستقرار مجموعة من القواعد القانونية الدولية، والتي يطلق عليها اليوم (القانون الدولي للتنمية). والتي تطبق بصفة خاصة على العلاقات الاقتصادية بين الدول النامية دول الجنوب، ودول الشمال المتقدم(18).‏

ولكن هناك جانب من الفقه يؤكد على أن قواعد القانون الدولي للتنمية جزء من القانون الدولي الاقتصادي. ولكننا نعتقد أن القانون الدولي للتنمية أصبح له ذاتية خاصة تميزه عن القانون الدولي الاقتصادي، أبرز ذلك، اعتداده بالظروف الواقعية للمخاطبين بأحكامه. ومن ثم فإن قواعده تفتقد إلى أهم صفات القاعدة القانونية وهي العمومية والتجريد، حيث ينحصر هدف القانون الدولي للتنمية في تصحيح اختلال التوازن في العلاقات الاقتصادية الدولية. لصالح الدول النامية، مما يتطلب إرساء قواعد قانونية، تتخلى عن فكرة المساواة القانونية. لإرساء نوع من عدم المساواة القانونية لصالح الدول المتخلفة(19).‏

6 ـ القانون الدولي الجوي: الذي يختص بدراسة القواعد القانونية التي تنظم استعمال الهواء والفضاء الجوي في المواصلات الدولية والتنمية الاقتصادية، والمنظمات الدولية التي تعنى بالمشاكل القانونية الناجمة من ذلك، والتوفيق بين مصلحة الدولة ومصلحة المجتمع الدولي في استغلال الفضاء الجوي(20).‏

7 ـ القانون الدولي للعمل: أدت الثورة الصناعية وظهور طبقة العمال إلى المطالبة بحماية حقوق العمال ومكاسبهم خارج نطاق دولتهم. مما أدى إلى زيادة الأصوات المنادية بحماية العمال على المستوى الدولي فأنشأت منظمة العمل الدولية عام 1919 مع إنشاء عصبة الأمم، حيث وافق مؤتمر السلام في 11 أبريل 1949م على تقرير اللجنة الخاصة التي شكلها المؤتمر، والذي تضمن مشروع اتفاقية خاصة بإنشاء جهاز دائم للتشريع الدولي للعمل، بعد إدخال بعض التعديلات، وأصبحت منظمة العمل الدولية من ضمن الوكالات المتخصصة للأمم المتحدة، وأنشئت منظمة العمل الدولية العديد من القواعد القانونية التي كونت القانون الدولي للعمل، وتهتم بتنظيم العلاقات القانونية الدولية بشأن العمل الإنساني الذي يتسم بالتبعية(21).‏

8 ـ القانون الدولي للبيئة: لقد حظيت البيئة باهتمام رجال القانون منذ أقدم العصور وذلك في إطار القوانين الداخلية. وبدأت الدول تدرك الأخطار المحدقة بالبيئة، وقد تمثل ذلك في مبادرة للعمل على دعم قوانينها الداخلية في هذه المجالات، إلى جانب اعتماد البرامج والخطط اللازمة لحماية البيئة وصيانتها في حدود اختصاصها الإقليمي، ووضع بعض القوانين واللوائح الجديدة في ميدان البيئة. وتلك الجهود السابقة لم تحقق غاياتها إلا بجهود على صعيد العلاقات الدولية، لارتباط البيئة ارتباطاً وثيقاً بالقانونين الداخلي والدولي. فكان لا بد من توحيد جهود الدول في حماية البيئة فظهرت قواعد قانونية دولية تهتم بدراسة الجهود والوسائل الدولية التي تحمي البيئة. فكان القانون الدولي للبيئة(22).‏

9 ـ القانون الدولي البحري: ويهتم بدراسة المشاكل القانونية للبحار العامة سواء تعلقت بوسائل النقل البحري، أم باستغلال الموارد الطبيعية للبحار ووضع القواعد لحماية البحار من التلوث، وعدم استخدامها لتخزين الأسلحة الذرية أو لإجراء التجارب الخاصة بإنتاج وتطوير هذه الأسلحة.‏

10 ـ قانون الفضاء الخارجي: وهو فرع جديد في دور التكوين، نشأ لمواجهة نجاح محاولات غزو الفضاء الخارجي، وما يترتب على ذلك من مشاكل قانونية في العلاقات‏

الدولية(23).‏

11 ـ القانون الدولي لحقوق الإنسان: يهتم بدراسة حقوق الإنسان وقت السلم وضمان حماية قانونية فعالة لها من قبل دولته أو الدول الأخرى، وتوفير الضمانات القانونية الفعالة لحماية الإنسان في ذاته وحياته(24).‏

12 ـ القانون الدولي الإنساني: وهو الفرع الذي يهتم بحماية الإنسان في النزاعات المسلحة سواء الدولية أم غير الدولية وفي الأزمات السياسية. وهذا الفرع ترجع نشأته وتطوره إلى جهود المنظمات الدولية(25).‏

13 ـ قانون القضاء الدولي: يهتم هذا الفرع بالقواعد الخاصة بأنواع المحاكم الدولية وطريقة تشكيلها، واختصاصاتها والإجراءات التي تسير عليها.‏

14 ـ القانون الدولي الجنائي: يدرس هذا الفرع القواعد القانونية التي تحدد الجرائم الدولية وإجراءات المحاكمة والعقوبات المحددة لكل منها(26).‏

بعد أن استعرضنا القانون الدولي العام بفروعه المختلفة. بقي أن نلقي الضوء على مصادر القانون الدولي المتعددة، والتي تعتبر بحق مصادر للشرعية الدولية، وقد قسم فقهاء القانون الدولي مصادره إلى مصادر أصلية تتمثل في المعاهدات الدولية والعرف الدولي والمبادئ العامة للقانون. ومصادر احتياطية تتمثل في أحكام المحاكم، وأراء كبار الفقهاء في القانون الدولي ومبادئ العدالة والإنصاف ويضيف بعض الفقهاء التصرف بالإدارة المنفردة، وقرارات المنظمات الدولية.‏

مصادر القانون الدولي العام هي الوقائع Les faites أو الطرق Procedes les التي يعترف لها هذا القانون بقوة إنشاء وتعديل وإلغاء قواعده وينصرف هذا التعريف على المصادر الرسمية أو القانونية Les sources formelles ou jurdiques والتي تختلف عن المصادر المادية Materielle les sources للقاعدة القانونية التي تنحصر في وسائل عديدة، مثل الضرورات المجردة، والعدالة، وغير ذلك من العوامل التي يمكن أن تلعب دوراً ما في نشوء القاعدة القانونية علماً بأن هذه العوامل لا تكفي بذاتها لنشوء القاعدة، لأن وجود القاعدة يتم بعد الشعور بهذه الضرورة الاجتماعية في صورة قاعدة قانونية، وذلك عن طريق أحد المصادر الرسمية المعترف بها في القانون الدولي. وسوف نلقي الضوء بإيجاز غير مخل بكل مصدر من المصادر السابقة ذكرها:‏

أولاً: المصادر الأصلية: تتمثل هذه المصادر في المعاهدات الدولية والعرف الدولي والمبادئ العامة للقانون.‏

1 ـ المعاهدات الدولية: عرفت الشعوب القديمة المعاهدات الدولية كوسيلة لتنظيم علاقاتها الدولية، في زمن السلم والحرب، لكن العرف كان السائد. ولم يشهد المجتمع الدولي قانوناً للمعاهدات إلا في عام 1980. وقد بدأت الجهود الدولية لوضع قانون المعاهدات منذ منتصف القرن العشرين، حيث بدأت عملها لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة‏

عام 1950 وانتهت عام 1966 بوضع قانون للمعاهدات، تم مناقشته في المؤتمر الدولي الذي دعت إليه الجمعية العامة للأمم المتحدة في فيينا عامي 1968، 1969، حيث وافقت الدول المجتمعة على إصدار أول اتفاقية دولية لقانون المعاهدات هي (اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات فيما بين الدول) والتي تم التوقيع عليها في 23 مايو 1962م ودخلت في حيز النفاذ في 27 يناير 1980م.‏

وواصلت اللجنة استكمال أحكام قانون المعاهدات، فتمكنت من إعداد مشروع معاهدة دولية في شأن خلافة الدول في المعاهدات ووافقت عليه الدول المجتمعة في مؤتمر فيينا في 22 أغسطس 1978م. وبناء على توصية واردة في القرار الذي اعتمده مؤتمر الأمم المتحدة لقانون المعاهدات بشأن المادة الأولى من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969م، قررت اللجنة في عام 1970م، أن تدرج في برنامجها العام مسألة المعاهدات المبرمة بين دول ومنظمات دولية أو بين منظمتين أو أكثر، وعرض مشروع معاهدة حول هذا الموضوع، ووافقت عليه الدول المجتمعة في فيينا في 21 مارس 1986، وبذلك أخذت كثير من القواعد العرفية طريقها للتدوين وأصبحت المعاهدات تتقدم مصادر القانون الدولي بعد إزاحة العرف الدولي(27).‏

2 ـ العرف الدولي: يلعب العرف الدولي دوراً هاماً في كل فروع القانون، إلا أن دوره في القانون الدولي العام أكثر أهمية، فقد بدأت قواعد هذا القانون بداية عرفية، ودون ما دون منها، وبقيت قواعد عديدة غير مدونة، ولكنها ثابتة في العرف، وتتكون القاعدة العرفية من اتباع تصرف معين خلال مدة طويلة بحيث يتولد الإحساس بأن انتهاج هذا التصرف قد أصبح أمراً ملزماً قانوناً، فالعرف الدولي يتكون من ركنين مادي هو تكرار تصرف معين ومعنوي اعتقاد الدول بصفتها الإلزامية(28).‏

3 ـ المبادئ العامة للقانون: ذهب غالبية الفقهاء إلى أن المقصود بالمبادئ العامة للقانون (مجموعة المبادئ الأساسية التي تعترف بها النظم القانونية الوطنية لمختلف الدول) يمكن تطبيقها في مجال العلاقات الدولية بين الدول، ما لم تكن هناك قاعدة اتفاقية أو عرفية تحكم الموضوع، وتكون هذه المبادئ ملائمة للنظام الدولي، ومعترف بها من الدول داخل المجتمع الدولي ومسلم بها في الأنظمة القانونية الرئيسية في العالم منها عدم التعسف في استعمال الحق والمسؤولية عن المخاطر(29).‏

أما المصادر الاحتياطية فقد اختلف الفقهاء فيها، ويمكن إجمالها في الفقه الدولي (أراء كبار فقهاء القانون الدولي) وأحكام المحاكم الدولية، ومبادئ العدالة والإنصاف، وقرارات المنظمات الدولية، والتصرف بالإرادة المنفردة والاتفاقيات الدولية الشائعة وسوف نلقي الضوء كلاً على حدة:‏

1 ـ الفقه الدولي أو أراء كبار فقهاء القانون الدولي: لعب الفقه في القانون الدولي دوراً بارزاً وكبيراً، بخلاف فروع القانون الأخرى، يعود ذلك إلى الطبيعة الخاصة بالنظام القانوني الدولي الذي يتولى فيه الأشخاص المخاطبة بأحكامه بالدور الرئيسي في صنع وتطبيق وتفسير قواعده، وتأثر القانون الدولي بكتابات وآراء كبار الفقهاء القدامى أمثال (جنتيلي) و(جروسيوس) و(فاتل) وغيرهم.‏

ولكن بعد التطور الهائل في النظام الدولي في الأشخاص والآليات، انحصر دور الفقه، وظهرت أبحاث ودراسات صادرة عن جمعيات علمية مثل مجمع القانون الدولي وجمعيات القانون الدولي ولجنة القانون الدولي في الأمم المتحدة واللجنة القانونية الاستشارية الآسيوية، وأنشأت الدول جمعيات علمية للقانون الدولي منها الجمعية المصرية للقانون الدولي، رغم أهمية دور الفقه في القانون الدولي، إلا أنه لا ينشئ قاعدة قانونية دولية بل هو دليل على وجودها، فالقاضي الدولي يحتكم إلى آراء كبار الفقهاء في تحديد مضمون القاعدة القانونية الدولية وتفسيرها(30).‏

2 ـ أحكام المحاكم: تعد أحكام المحاكم الدولية سواء محكمة العدل الدولية التي أنشئت مع الأمم المتحدة، أو المحكمة الدائمة للعدل الدولي المنشأة مع عصبة الأمم والجهاز الوحيد الذي استمر عقب انهيار العصبة مع تغيير الاسم، فقد مصدراً من مصادر القانون الدولي العام، من خلال تبنيها للقواعد العرفية وتدوينها وإبرازها، وتكوين قواعد دولية جديدة، علماً بأن اللجوء للقضاء الدولي اختياري للدول(31).‏

3 ـ مبادئ العدالة والإنصاف: بعض الفقهاء قصر هذا المصدر على قواعد العدالة فقط دون الإنصاف، وأعتبر فكرة العدالة من الأفكار الغامضة، إلا أن كثير من الفقهاء يربطها بالحكمة من التشريع، أو بمبدأ حسن النية، وعرفها بأنها (مجموعة من المبادئ المتوازنة يوصي بها العقل وحكمة التشريع)، وهي فكرة مرنة تختلف باختلاف الزمان والمكان، ورغم ذلك لم يتفق فقهاء القانون الدولي على تعريف جامع مانع للعدالة ولا على تأثيرها في تسوية المنازعات الدولية، إلا أنه يمكن الاستعانة بها كوسيلة لتخفيف القانون الدولي أو لتكملة أو استبعاد تطبيقه حينما يكون في ذلك ظلم شديد الوطأة، ومصدر مكمل للقانون الدولي، في حالة نقص القانون أو سكوته عن تنظيم مسألة معينة(32).‏

4 ـ الاتفاقيات الدولية الشارعة: وهي التي تعقدها جماعة كبيرة من الدول تضع فيها بعض القواعد لتنظيم مسألة هامة تتعلق بالعلاقات الدولية فيما بينهم وتتضمن قواعد قانونية جديدة، وذهب بعض الفقهاء إلى اعتبار تلك المعاهدات مصدراً للقانون الدولي العام، شريطة ألا تكون الدول الكبرى قد استغلت هيمنتها وسيطرتها لتقنين وضع يحقق مصالحهم حينئذ لا تعتبر هذه المعاهدات من مصادر القانون الدولي العام(33).‏

5 ـ قرارات المنظمات الدولية: اختلف الفقهاء حول اعتبار قرارات المنظمات الدولية مصدراً من مصادر القانون الدولي، واستند جانب من الفقهاء على عدم اعتبار هذه القرارات مصدراً من مصادر القانون الدولي على أساس أن المادة (38) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولي، لم يرد فيه هذه القرارات، ولكن الجانب الآخر، اعتبر ذلك ليس صحيحاً لأن نص المادة السالفة منقول حرفياً من النظام الأساسي للمحكمة الدائمة للعدل الدولي حيث لم تكن المنظمات الدولية قد تطورت وأصبحت من أشخاص القانون الدولي(34).‏

كما أن محكمة العدل الدولية، استندت في العديد من آرائها الاستشارية، أو أحكامها القضائية لقرارات المنظمات الدولية باعتبارها مصدراً للقانون الدولي، منها الرأي الاستشاري بشأن جنوب أفريقيا، وكذلك أحكام المحكمة الإدارية للأمم المتحدة، والمحكمة الإدارية لمنظمة العمل الدولية(35).‏

6 ـ التصرف بالإرادة المنفردة: له عدة صور مثل الإعلان والاحتجاج والاعتراف والتنازل والتعهد، ويتميز هذا المصدر بأنه تعبير عن إرادة واحدة، وهذا ما يفرق بينه وبين غيره من التصرفات القانونية الثنائية أو متعددة الأطراف أو الجماعية(36)، وقد اختلف الفقه الدولي حول اعتبار التصرف بالإرادة المنفردة مصدراً من مصادر القانون الدولي، حيث وجد من ينكر كلية أي أثر قانوني للإرادة المنفردة إلا إذا قابلتها إرادات من أشخاص قانونية أخرى تطابقها، بحيث لا تكون الإرادة وحدها مصدراً للقانون بل تقابل الإرادات هو المنشئ للقاعدة القانونية، ويرى جانب كبير من الفقه أن التصرف بالإدارة المنفردة يمكن أن يكون مصدر الالتزام على عاتق من صدر عنه أو محدداً لموقفه بالنسبة لواقعة معينة في علاقته مع الآخرين، ويتميز هذا التصرف بعناصر ثلاثة تتمثل في أنه لا يتوقف على تصرفات قانونية أخرى وأنه مظهر لإرادة شخص دولي واحد، كما أنه لا ينتج التزامات على عاتق (الغير)(37).‏

وللتصرف بالإرادة المنفردة عدة صور منها:‏

ـ الإخطار Notification ويطلق عليه بعض الفقهاء الإبلاغ(38) وعرفه بعضهم بأنه (تصرف ينطوي على إبلاغ شخص قانوني آخر بواقعة أو وضع أو عمل أو وثيقة) وقال آخر هو (تصرف دولي من جانب واحد قوامه الإرادة المنفردة لشخص بعينه من أشخاص القانون الدولي العام إلى إحاطة شخص دولي آخر ـ وبصورة رسمية ـ بوضع دولي معين مستهدفاً بذلك ـ تحقيق آثار قانونية بعينها) وعرّفه أنزيلوتي (الإجراء الذي بواسطته تقوم إحدى الدول بإخطار دولة أو دول أخرى بواقعة معينة، يمكن أن عليها آثاراً قانونية) والإعلان باعتباره عملاً قانونياً دولياً لا يصدر ولا يوجه إلا من أشخاص القانون الدولي العام، وتلجأ إليه الدول في المسائل الهامة مثل الاعتراف، والإعلانات كإعلان الحرب، وإعلان تأميم قناة السويس.‏

ـ الاعتراف: Recognition-la recomaissance هو تصرف من جانب واحد ينطوي على إقرار من صدر عنه بوضع أو بواقعة معينة، ويكون هذا الإقرار صريحاً وضمنياً يستفاد من تصرفات الشخص الدولي مع الأشخاص الدوليين الآخرين، مثل الاعتراف بدولة جديدة، أو الاعتراف بحكومة، أو الاعتراف بالأمر الواقع.‏

ـ الوعد Promlse -le promesse هو تصرف يصدر عن الإرادة المنفردة ينطوي على تعهد بالعمل وفق طريقة معينة تجاه شخص أو أكثر من أشخاص القانون الدولي، وينتج أثره القانوني دون توقف على رضا المستفيد منهم بشرط أن تتوافر فيه شروط صحة التصرفات الدولية، بأن يكون من صدر عنه أهلاً لذلك ومتمتعاً بالشخصية القانونية الدولية، وأن يكون محل الوعد مشروعاً وممكناً مادياً، ويترتب على عدم تنفيذه المسؤولية الدولية إذا ما تسبب بضرر لشخص من أشخاص القانون الدولي.‏

ـ التنازل Renunciation, la Renonciation يمكن تعريفه بأنه (التعبير عن الإرادة التي بمقتضاها يترك أحد أشخاص القانون الدولي العام حقاً شخصياً دون حاجة إلى التعبير عن إرادة أخرى من جانب شخص آخر من أشخاص القانون الدولي العام)(39) وعرفه بعضهم بأنه (تصرف من جانب واحد يتجه المتصرف بمقتضاه إلى التخلي عن حق يملكه أو اختصاص يتمتع به أو ادعاء أو دفع كان له أن يتمسك به) وقال آخر بأنه (تصرف دولي من جانب واحد إلى اتجاه الإرادة المنفردة لأي شخص من أشخاص القانون الدولي العام إلى التخلي عن واحد أو أكثر مما له من حقوق أو اختصاصات أو دعاوى أو دفوع، ثابتة كانت أو مجرد ادعاء، سواء تم التعبير عن إرادة التخلي صراحة أم بأسلوب ضمني قاطع في دلالته عليها)(40).‏

وينتج آثاره القانونية متى توافرت فيه شروط صحة التصرفات الدولية، وأقرت محكمة العدل الدولية إمكانية التنازل الضمني في قضية مضيق كورفو بين ألبانيا وبريطانيا، وأكدت أن التنازل لا يمكن افتراضه، إنما يتعين إثباته بدليل قاطع، كما أن عدم ممارسة الحق مدة طويلة لا تعني التنازل عنه، ولا يقتصر التنازل عن الحقوق الشخصية وحدها، فمن الجائز أن يكون محل التنازل حقاً أو اختصاصاً أو دعوى أو دفعاً أو مجرد ادعاء، والتنازل نادر الحدوث في القانون الدولي لأنه من الصعب التضحية بالحقوق دون مقابل.‏

ـ الاحتجاج: La protestation - Protest هو الوسيلة التي تلجأ الدول إليها ضد انتهاك حقوقها أو التدخل في مصالحها السياسية، ويلعب دوراً هاماً في تكوين العرف الدولي ويشترط فيه أن يكون صادراً من شخص من أشخاص القانون الدولي،ويقدم إلى الشخص المسؤول عن العمل غير المشروع(41). والاحتجاج تصرف يصدر عن شخص دولي بإرادته المنفردة يعلن بمقتضاه صراحة رفضه لوضع أو مسلك معين أو تحفظ ذو طابع سياسي، وتكمن أهميته في أن عدم صدوره من جانب صاحب الحق فيه يفيد إقراره للوضع أو المسلك أو التحفظ المعني، وهذا ما أكدّته محكمة العدل الدولية في قضية المصايد بين بريطانيا والنرويج عام 1951م(42).‏

بعد استعراض المصادر الأصلية والاحتياطية للقانون الدولي والتي تعد مصادر للشرعية الدولية يتبين أن الشرعية الدولية لا تختلف عن القانون الدولي بفروعه المختلفة ومصادره المتعددة، بل هي ظل القانون الدولي على الواقع الدولي، فإن لم يمتد الظل إلى التصرف الدولي بات غير مشروع مهما كان مصدره دولة كبرى أو منظمة عالمية مثل الأمم المتحدة بأجهزتها الرئيسية أو وكالاتها المتخصصة.‏

إن القانون الدولي لا يتغير، ولكن يمكن أن يضاف إليه ويتطور إيجابياً أما الأسس والمصادر التي قام عليها والمعايير التي جاءت نتيجة التجارب العديدة للبشرية على مر الدهور وكر العصور، فهي ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، وكانت نشأة المنظمات الدولية محاولة ناجحة من المجتمع الدولي لإيجاد قالب تنظيمي لتنفيذ القانون الدولي، وخاصة منظمة الأمم المتحدة التي تشمل في عضويتها كافة دول المجتمع الدولي وهذا القالب التنظيمي قابل للتغيير والتبديل ولكن في إطار الأسس التي قام عليها، أما أن يصبح هذا القالب أداة لتغيير تلك المصادر فإن ذلك يخالف مفهوم الشرعية الدولية(43) ويجعل المجتمع الدولي مختصراً في الأمم المتحدة والأمم المتحدة مختصرة في مجلس الأمن، والمجلس مختصر في دول الفيتو الخمس الكبار ودول الفيتو أصبحت مختصرة في الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تخفي ازدرائها بالمنظمة العالمية كلها(44)،. وكل زعماء دول الفيتو الخمس لا يحترمون الأمم المتحدة فالرئيس الروسي الأسبق خرشوف كان يصوت على القرار بحذائه. وقال عنها الرئيس ديجول (الشيء التافه).‏

3 ـ الشرعية الدولية والنظام العالمي الجديد‏

نتناول العلاقة بين الشرعية الدولية والواقع الدولي الحالي، وما العلاقة بينهما وما هي طبيعة النظام الدولي الجديد وما تكييفه القانوني؟ وهل هناك نظام عالمي جديد من عدمه؟‏

إن فكرة النظام الدولي أو العالمي الجديد، ليست جديدة في إطار العلاقات الدولية، ويمكن إرجاعها إلى العهد الروماني، حين فرضت روما (السلام الروماني) على العالم القديم، وخلال الحقب الزمنية الطويلة التي امتدت ما بين (السلام الروماني) وبين ما يقال له اليوم النظام الدولي الجديد أو (السلام الأمريكاني)، ظهرت عدة أنظمة عالمية متعاقبة(45) فبعد خروج المسلمين من الأندلس، نادوا بعالم دولي جديد، وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى قالوا بنظام دولي جديد، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فرضوا نظاماً دولياً.‏

وشاع استخدام مصطلح (النظام الدولي الجديد) بعد سقوط وانهيار الاتحاد السوفيتي‏

عام 1989م، واستخدمه الرئيس الأمريكي بوش الأب إبان حرب الخليج الثانية، فالمجتمع الدولي اليوم يعيش مرحلة تاريخية مهمة من التحولات والمستجدات السريعة المتلاحقة ذات تأثيرات واضحة عديدة ومختلفة، تظهر آثارها على كافة جوانب العلاقات الدولية(46).‏

إن الغموض المتعمد يحيط بمعنى ومضمون (النظام الدولي الجديد)، هل المقصود به العودة إلى ما قبل التنظيم الدولي؟ والقضاء على كافة المكاسب التي حققها المجتمع الدولي في هذه الفترة والمبادئ العامة في القانون الدولي منها مبدأ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وحق تقرير المصير وغيرها أي العودة إلى القانون الدولي التقليدي، وتسخير القانون الدولي لتحقيق أهداف الدول الكبرى، واحتكار عضوية المجتمع الدولي وإسباغها على من يشابها من دول العالم الثالث وحجبها عمن سواها، وعودة الحكومة الدولية الواقعية من خلال مؤتمر الدول الصناعية السبع الكبرى الذي تأسس عام 1975(47).‏

ولتحديد ماهية النظام الدولي القديم والجديد، ينبغي التفرقة بين (النظام الدولي) و(المجتمع الدولي) وهو الإطار الذي يشكل بنيان النظام الدولي تبعاً لحقائقه، كما أن النظام الدولي يعد مجاله التطبيقي المجتمع الدولي، والتفرقة بين (التنظيم الدولي) و(النظام الدولي) فالأول يمثل التعبير المؤسسي للثاني، ولكنه ليس هو وكذلك فإن القانون الدولي ليس هو النظام الدولي، فالقانون الدولي بمصادره المختلفة قد يعبر عن حقائق المجتمع الدولي ولكنه لا يمثل صورة صادقة عن العلاقات في هذا المجتمع(48).‏

أما النظام الدولي عموماً فيعرفه بعضهم بأنه (مجموعة الحقائق الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية والسياسية التي تحكم علاقات المجتمع الدولي بكل أشخاصه ومؤسساته، وبكل الأنساق القيمة والقانونية التي تعبر عن هذه الحقائق والتي تنظم علاقات الدول بعضها ببعض وعلاقات الدول والمجتمع الدولي بالطبيعة، وآليات التنفيذ لهذه العلاقات)(49) وعرفه آخر بأنه (مجموعة قواعد التعامل الدولي الناتجة عن التفاعلات الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والثقافية الحاصلة بين القوى الدولية الكبرى وأثرها على العالم كله في مرحلة تاريخية معينة)(50). وعرف بعضهم هيكل النظام الدولي (توزيع القدرات في هذا النظام وبالتالي ترتيب الوحدات المكونة له بعضها بالنسبة إلى البعض الآخر، وانعكاسات مثل هذا التوزيع على سلوك الوحدات الدولية، وقدرة إحداها أو بعض منها في السيطرة على توجيهات الفاعلين الآخرين)(51).‏

تكييف النظام الدولي الراهـن:‏

اختلف فقهاء القانون الدولي والعلاقات الدولية، حول طبيعة النظام الدولي الراهن فمن قائل بأنه أحادي القطبية، ومن قائل بأنه متعدد الأقطاب ومن قائل بأنه ثنائي القطبية، ولكن بدلاً من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق، أصبح الشمال المتقدم والجنوب المتخلف، ومن قائل بأن النظام الدولي لم يتشكل بعد، مما يصعب تحديد ماهيته وطبيعته وشكله بعضها بالنسبة إلى بعض الآخر، وانعكاسات مثل هذا التوزيع على سلوك الوحدات الدولية، وقدرة إحداها أو البعض منها في السيطرة على توجيهات الفاعلين الآخرين)(52) والنظام الدولي يأخذ أحد الأشكال التالية:‏

(أ) النظام الدولي متعدد الأقطاب: وهو النظام الذي تتعدد فيه القوى التي تقوم بالوظيفة القيادية، وهو ما يعرف بنظام توازن القوى وهو النظام الذي ساد في القرنين السابع والثامن عشر.‏

(ب) النظام الدولي ثنائي القطبية: وهو النظام الذي تمارس القيادة فيه دولتين فاعلتين أو دوليين كبيرين، وساد بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى عام 1989، أي فترة الحرب الباردة ويطلق عليه نظام (توازن القطبين أو نظام القطبية الثنائية).‏

(ج) النظام الدولي أحادي القطبية: هو النظام الذي تنفرد بقيادته دولة واحدة أو منظومة دول وساد في ظل الإمبراطورية الرومانية، ويعتبر بعضهم النظام الدولي الراهن كذلك(53). وسوف نتعرض بالدراسة لكل صورة من هذه الصور.‏

وتعرف القطبية الواحدة بأنها (بنيان دولي يتميز بوجود قوة أو مجموعة من القوى المؤتلفة سياسياً تمتلك نسبة مؤثرة من الموارد العالمية تمكنها من فرض إدارتها السياسية على القوى الأخرى دون تحدي رئيسي من تلك القوى). ويرى بعضهم أن عالم ما بعد الحرب الباردة هو عالم القوة الواحدة التي لا تتحداها أية قوة أخرى(54) بحكم ما تمتلكه من كافة جوانب القوة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والجاذبية الحضارية التي لا تتوافر لدى قوة أخرى، الأمر الذي دفع بعضهم إلى القول بأن (القرن العشرين) كان قرناً أمريكياً، وسيكون القرن الواحد والعشرين كذلك قرناً أمريكياً)(55).‏

وقد تصور أصحاب هذا الرأي، أن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت عقب انتهاء الحرب الباردة عملاقاً وحيداً (Comely Giant) في النظام الدولي، بانتصارها على الشيوعية، وهي حالياً تستطيع أن تهزم أي تهديد محتمل، ولا تخشى من أية قوة جديدة ذات بعد واحد ـ غالباً الاقتصادي ـ في قارتي أوربا ممثلة في الاتحاد الأوروبي أو آسيا سواء اليابان أو الصين(56).‏

وقد تعرض هذا الرأي لانتقادات عديدة تتعلق بحالة الولايات المتحدة عقب الحرب الباردة، خاصة جوانب القصور الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، وقد اعتمد هذا النقد على أن صراع الحرب الباردة جعل الولايات المتحدة الأمريكية تواجه الكثير والكثير من الاعتمادات المالية للجوانب العسكرية خصماً من الموارد المخصصة للحاجات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مما شوه الاقتصاد الأمريكي وأضعف السوق الأمريكي، وأدى إلى عجز الميزانية وضعف الاستثمار وتحلل البنية التحتية، حيث بدأت تظهر عوامل الضعف والتخلف في مجالات مهمة داخل الولايات المتحدة الأمريكية(57).‏

كما أن انتهاء الحرب الباردة أدى إلى اهتزاز النفوذ السياسي على الصعيد الدولي للولايات المتحدة، وخاصة تجاه حلفائها من أوربا واليابان، الذي تمثل خوفهم من القوة السوفييتية السابقة التي انهارت، مما أدى إلى تصدع الائتلاف السياسي الأمريكي مع كل من أوربا واليابان، وأصبحت الولايات المتحدة لا تستطيع تمويل عجز ميزانيتها المزمن عن طريق شراء الأوربيين واليابانيين أذونات الخزانة الأمريكية، ولا تستطيع أن تقوم بتداخلات عسكرية على نطاق واسع دون مساهماتهم المالية كما حدث في حرب الخليج الثانية والثالثة.‏

ومثل انتهاء الحرب الباردة أيضاً، انحدار درامياً في قدرة الولايات المتحدة على تقرير اتجاهات الأحداث على الصعيد الدولي والإقليمي، وفشلت في أن تكون القوى العظمى في عالم تتعدد فيه أدوات القوة، ودللوا على ذلك بفشل الولايات المتحدة في مؤتمر البيئة العالمي عام 1992م. في أن تشكل ائتلافاً من الدول الغنية يؤيد موقفها المحافظ من قضايا البيئة، وفي حرب الخليج الثانية والثالثة احتاجت لشركاء معها، مما جعل بعضهم يقول أن التفوق الأمريكي هو (واقع ووهم معاً) Reality and illusion)(58).‏

ويذهب جانب آخر إلى أن النظام الدولي الجديد متعدد الأقطاب، لم تنفرد به وعليه الولايات المتحدة بل هناك عدة أقطاب تعتبر متساوية القوى منها اليابان والصين والاتحاد الأوروبي(59). ولكن هذا الرأي تعرض للنقد، فقد رأى بعضهم أن تلك الأقطاب أو القوى ليست مؤهلة للعب دور على الصعيد الدولي، ومنها من لم يرغب في ذلك مثل الصين واليابان، بينما أوربا لم تتحد بعد، وقد فشلت في معالجة بعض قضاياها الداخلية مثل البوسنة والهرسك وكوسوفو. ولم تتفق على الدستور الأوربي الموحد. واليابان ليس لها قوة عسكرية، فهي من هذه الناحية تابعة وتعيش تحت مظلة الحماية الأمريكية(60).‏

ويرى جانب من الفقهاء بأن النظام الدولي الراهن ثنائي القطبية. ولكن القطبان أحدهما الشمال المتقدم بزعامة الدول الصناعية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة. والجنوب المتخلف ويضم الدول النامية، ولكن القطب الأول مسيطر ويكاد يهيمن على القطب الثاني مع اختلاف واضح في موازين القوى بين القطبين. ولكن هذا الرأي تعرض للنقد من ناحية أن بعض دول الجنوب النامي يقف مع القطب الآخر وبعض دول الشمال المتقدم تعتبر من وجهة نظر الدول الصناعية الكبرى دولاً نامية تنتمي إلى عالم الجنوب. فضلاً عن استحالة تقسيم العالم عملياً إلى ذلك.‏

ورأى جانب آخر أن النظام الدولي الراهن يشهد حالة من السيولة، لم تظهر بعد ماهيته وحدوده، وأن هذا الأمر سوف يستمر ربما لحقبة قادمة من الزمن، كما أن معايير التصنيف المتبعة في الحرب الباردة سوف تتغير، وفي ضوء ذلك يبدو النظام الراهن غريباً يصعب تحديده، ففي الحرب الباردة كانت الدولتان القائدتان في خصومة لأن كلاً منهما كان يعتبر الآخر خطراً عليه، أما بعد الحرب الباردة، فإن العلاقات بين أشخاص وآليات النظام الدولي تغيرت(61).‏

وهناك تصنيف آخر للنظام الدولي الراهن، يتلخص في ثلاثة اتجاهات رئيسية الأول: يرى وجود نظام دولي جديد والثاني: ينفي وجود نظام دولي جديد والثالث: يرى أن النظام الدولي لا زال قيد التشكيل وسوف نلقي الضوء على كل اتجاه مما سبق.‏

(أ) الاتجاه الأول: يؤكد وجود نظام دولي جديد مختلفاً عن القديم، واستند على انتهاء الحرب الباردة وزوال الاتحاد السوفيتي وبروز دور الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في عالم ما بعد الحرب الباردة، وتدعيم دور الأمم المتحدة باعتبارها تجسيداً للشرعية الدولية. وظهور مجموعة من المشكلات والتحديات الدولية الجديدة التي تتطلب جهداً دولياً لمواجهتها، وثمة اتجاهات فرعية داخل هذا الاتجاه، فهناك من ينظر ويركز على الجوانب الإيجابية للنظام العالمي الجديد، وهناك من ينتقد الأسس التي يستند إليها هذا النظام باعتباره يسعى لتحقيق مصالح قوى معينة. ويخلص أنصار هذا الاتجاه إلى أن وجود النظام العالمي الجديد لا يحمل بالضرورة وعوداً بعالم أكثر أمنا وعدلاً، أو كونه أفضل من القديم، وأن كان النظام الدولي الراهن به فروق عميقة وجوهرية في أسسه وقواه وقضاياه عن النظام العالمي السابق.‏

(ب) الاتجاه الثاني: إن أصحابه ينكرون ويشككون بوجود نظام عالمي جديد، برغم ما جرى في الساحة الدولية من تحولات ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، والحديث عن ذلك وهم وخدعة، وهناك اتجاهان داخله الأول يُنكر وجود نظام دولي جديد ويسمي ما يحدث الآن (الفوضى الدولية الجديدة) والتي سوف تستمر حتى يتم التوصل إلى ترتيبات دولية جديدة وترسيخ في صيغة نظام عالمي جديد. والثاني يقر بوجود متغيرات دولية جديدة، كما ورد في الاتجاه الأول. إلا أن ما يعرف بالنظام العالمي الجديد ليس جديداً في مضمونه أو أهدافه، إنما هو أقرب إلى الترتيبات الجديدة التي يستخدمها النظام العالمي القديم ليعيد بها تأكيد دوره في ظروف متغيرة.‏

(ج) الاتجاه الثالث: يرى إنه من السابق لأوانه الحديث عن نظام عالمي جديد بالمعنى العلمي الدقيق فهو لا يزال قيد التشكيل والتبلور، ولم تستقر معالمه بصورة واضحة بعد، وأن المرحلة الراهنة من مراحل تطور النظام الدولي تمثل مرحلة انتقالية، تشهد اندثار بعض أسس وقواعد النظام الدولي القديم، وظهور أسس وقواعد لنظام دولي جديد، وسوف تستغرق بعض الوقت وتتسم بحالة من الفوضى الدولية، ويكتنفها غموض واضطراب ومظاهر لعدم الاستقرار في مناطق عديدة من العالم، ويرى أن القطب الأمريكي سوف يهيمن لمدة من الزمن. وبالرغم من تعدد الاتجاهات الفكرية السالفة إلا أن هناك اتفاقاً عاماً بين الباحثين في مجال العلاقات الدولية على وجود متغيرات وتحولات جديدة، جعلت العالم يبتعد تدريجياً عن النظام الدولي السابق الذي ظهر عقب الحرب العالمية الثانية والذي استند على نظام القطبية الثنائية ودخل العالم مرحلة جديدة، وهذا رأي غالبية الباحثين والفقهاء(61).‏

ويرى أحد الفقهاء أن للنظام الدولي بعد الحرب الباردة ملامح تتلخص في ما يأتي(62):‏

1 ـ وجود قوة عظمى واحدة.‏

2 ـ استخدام القوة العسكرية كوسيلة لبسط الهيمنة الأمريكية على دول العالم الثالث.‏

3 ـ العمل على إيجاد وسيلة لحل المشاكل الاقتصادية الخطيرة التي يعاني منها الاقتصاد الأمريكي عن طريق بيع الحماية لأغنياء وحكام دول العالم الثالث.‏

4 ـ قيام أوربا واليابان ببعض المهام لاستكمال عملية الاختراق للاتحاد السوفييتي السابق وتحويله إلى كيانات متناحرة على غرار النمط السائد في أمريكا اللاتينية.‏

5 ـ اعتماد الخطة الأمريكية الإسرائيلية للمنطقة العربية بهدف إضاعة فلسطين ثم الأردن بوضعه الراهن من خلال مؤتمر دولي تتحكم الولايات المتحدة الأمريكية في مجرياته.‏

6 ـ يتميز النظام الدولي الراهن بكونه ثلاثي الأقطاب على الصعيد الاقتصادي، أوربا الموحدة واليابان، بزعامة وهيمنة الولايات المتحدة، وأحادي القطبية عسكرياً.‏

وأضاف أحد الفقهاء ملامح أخرى تتمثل في الآتي(63):‏

1 ـ أنه عالم القطب الواحد.‏

2 ـ التدخل عسكرياً لحماية مصادر الطاقة في العالم حتى لو تم احتلالها.‏

3 ـ التدخل في الشؤون الداخلية للدول بزعم حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان تحت شعار التدخل الإنساني.‏

4 ـ فرض الوصاية الدولية على دول العالم الثالث وخاصة الإسلامية.‏

5 ـ تعظيم دور الأمم المتحدة باستغلالها عن طريق إصدار قرارات من مجلس الأمن تضفي الشرعية على تصرفات الدول الكبرى غير الشرعية.‏

وقد انتهى أحد الفقهاء إلى أن النظام الدولي الراهن هو نظام الهيمنة الأمريكية، أو كما اشتهر في الساحة السياسية بأنه (النظام العالمي الجديد) الذي قام عقب انتهاء الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفييتي، فقد روج أصحابه والمستفيدون منه بأنه سيقوم على حماية الشرعية الدولية، وسيادة مبادئ القانون الدولي وتطبيق نظام الأمن الجماعي تطبيقاً عادلاً. أشاعوا ذلك في حرب الخليج الثانية، ولكن ما إن انتهت الحرب حتى ظهر على حقيقته وانكشف وجهه القبيح. وأثبت تخاذلـه وتراجعه، وأخذ ينقض ويهدم بنفسه المقومات الدولية التي قام عليها بصورة تدعو إلى إسقاطه وزواله، على الأقل في عين القانون الدولي أو الشرعية الدولية، وبان ذلك جلياً في القضية الفلسطينية واحتلال أفغانستان 2001 والعراق 2003(64).‏

ونحن نرى أن التكيف الصحيح ـ من وجهة نظرنا ـ للنظام الدولي الحالي أنه نظام لم يتشكل بعد ولم تتضح معالمه وحدوده، فالعالم اليوم يشهد حالة من عدم الثبات لم يشهدها منذ فترة من الزمن. ومن ملامح هذه الحالة ظهور ما يطلق عليه بعضهم (الشرعية الدولية الجديدة)(65) والتي تتمثل في القرارات التي يصدرها مجلس الأمن منذ عام 1990. والتي تناقض كافة مبادئ وأهداف منظمة الأمم المتحدة. ولكن هذه القرارات تصدر صحيحة من حيث الإجراءات فقط. ولكن مضمونها مناقض تماماً لكافة مبادئ وأهداف المنظمة العالمية. وخير مثال على تلك القرارات ما صدر بخصوص العراق منذ عام 1990 حتى الآن وكذلك القرارات الصادرة بشأن دارفور وأزمات السودان الداخلية(66) والقرارات بشأن لبنان وسورية(67).‏

وقد أدى تواتر صدور هذا النوع من القرارات المستندة للفصل السابع إلى ظهور ما يطلق عليه أحد الفقهاء (الشرعية الدولية الجديدة) وازدياد القلق من استخدام المجتمع الدولي للتداخل في شؤون العالم العربي وتمرير المشروعات الأمريكية في المنطقة.‏

وتتميز الشرعية الدولية الجديدة بأنها تستند إلى قرارات مجلس الأمن الصادرة وفق الفصل السابع والتي تقف خلفها أو بجوارها أو من ورائها الولايات المتحدة، وتصدر هذه القرارات بتوافق الآراء دون معارضة بعد مفاوضات بين أعضاء المجلس، بحيث ترضي كل الاتجاهات فضلاً عن أنها تصدر وفق قواعد الإصدار الصحيح في الميثاق الواردة في المادة‏

(27/3) منه فهي تصدر بإجراءات صحيحة قانونياً، ولكنها تعبر عن إرادة أعضاء مجلس الأمن وتجاوز حدود الشرعية في الميثاق(68) ويعتبر العالم العربي التربة الخصبة التي زرعت فيه هذه الشرعية.‏

وتتميز هذه الشرعية الجديدة بأنها انتقائية وتتبع سياسة الكيل بمكيالين أو عدة مكاييل، فهناك قرارات صدرت عن المجلس نفسه تعبر عن الشرعية الدولية الحقيقية ومع ذلك لا تنفذ منها القرارات الخاصة بفلسطين، كما أن قرارات الشرعية الدولية الجديدة تهدم القواعد الآمرة في القانون الدولي العام منها مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ومبدأ السيادة، ومبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، مما جعل بعضهم يقرر أنه ليس هناك نظام‏

دولي جديد ولكنها ترتيبات جديدة للعالم، وأنه في الحقيقة (اتفاق جديد على مناطق نفوذ ومصالح)(69) ووصفه آخرون بأنه النظام الدولي الجديد هو نفسه (النظام الإمبريالي القديم الذي نعرفه جيداً، ولكنه يجيء اليوم على فوهة مدفع)(70).‏

وقد اختُلِف في المصطلح الذي يطلق على هذا النظام، فمن قائل بأنه نظام دولي جديد ومن قائل أنه (العولمة) نسبة إلى العالم حيث يشمل النظام العالم كله، بينما أطلق عليه بعضهم (الأمركة) نسبة إلى دعوى ومزاعم باطلة بأن الولايات المتحدة هي القطب الوحيد الذي يقف على قمة هذا النظام، ومن قائل بأنها ترتيبات جديدة لعالم ما بعد الحرب الباردة، ونكتفي من جانبنا أن نطلق عليه مصطلح (نظام ما بعد الحرب الباردة) حتى يتشكل وتتضح معالمه.‏

الخلاصة: نرى أن الشرعية الدولية السابق بيانها ماهية ومصادر لا توجد في نظام ما بعد الحرب الباردة، بل الموجود (لا شرعية ولا دولية) ولكنها تصرفات دول قوية تعبّر عن رغبتها في الهيمنة والسيطرة على العالم شعوباً ودولاً وموارد لا نقول هيمنة أمريكية فقط ولكنها هيمنة وسيطرة قوى الشمال الغنية ممثلة في مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى التي تأسست عام 1975م، حيث تسخر الشرعية الدولية في غير ما شرعت لـه، وتوظفها لتحقيق أهداف ورعاية مبادئ لم تدر بخلد من صاغوا ميثاق الأمم المتحدة، حيث يجري حالياً استخدام الأمم المتحدة كأداة رئيسية في إعادة صيغ العالم بلون واحد وتمهيده لاستقبال قواعد سلوك جديدة، فهي (تصدر) قرارات خطيرة مناهضة تماماً لأهداف ومبادئ الأمم المتحدة يتفق عليها وتصاغ خارج مقر المنظمة، أي خارج إطار الشرعية الدولية نحن نعيش الآن مرحلة انتقالية، فالميثاق القائم، لا يتناسب مع الواقع الراهن وخصوصاً ما يتعلق منها بالأمن والسلم الدوليين والتنمية(71)، بإيجاز شديد، إن النظام العالمي الراهن، ليس سوى اغتصاب الولايات المتحدة ـ مؤيدة من الغرب ـ الشرعية الدولية لتحقيق سياساتها وأهدافها في العالم كافة.‏

ثانياً: الشرعية الدولية والحرب ضد أفغانستان‏

نتناول هنا الحرب ضد أفغانستان واحتلالها في ضوء الشرعية الدولية، حيث نطبق مفاهيم ومبادئ وقواعد وأحكام الشرعية الدولية على ما حدث لأفغانستان عام 2001م. نتعرض بالدراسة لمدى صحبة نسبة أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتنظيم القاعدة من عدمه، حيث شككت روايات عديدة في ذلك، واعتبرته حادثاً داخلياً أمريكياً ونتعرض فيه للأسباب السياسية والاقتصادية والعسكرية الحقيقية وراء اختيار أفغانستان، ونعرض لموقف الأمم المتحدة من الأحداث وما صدر عن مجلس الأمن من قرارات بشأنها، ونبين موقف الشرعية الدولية من الحرب ضد أفغانستان وموقف القانون الدولي من الحرب ضد أفغانستان. وموقف الشرعية الدولية من معتقل جوانتانامو.‏

1 ـ عدم صحة إسناد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م لتنظيم القاعدة‏

ظهرت كتابات وأصوات عديدة، تشكك في صحة إسناد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتنظيم القاعدة وبوجود تنظيم بهذا الاسم، استندوا على دلائل قوية لا يجوز ولا يمكن تجاهلها أو القفز عنها، دون ترتيب نتائج مهمة عليها، وهذه البراهين والأدلة ظهرت في العديد من الكتب وعلى شبكة الإنترنت وفي تصريحات صحفية. ولم يسمع أحد بها أو يشعر بصوتها وراح صداها سدى، لأن الصوت الأمريكي عقب الأحداث كان عالياً ولم يترك لأي إنسان مهلة للتفكير فيما حدث أو للعقل أو يزن الأمور بميزانه، وقد أرهب الإعلام الأمريكي العالم كله، حتى أن بعضهم ذهب إلى أن دول العالم كلها كانت خائفة من الرد الأمريكي على ما حدث. ولكن بعد أن هدأ الصوت والعاصفة، وتحرر العقل من طغيان الإعلام وهوسه. ظهر نور الحقيقة، وأدرك العالم أنه كان واهماً وأغمض عينه وعقله عن الحقيقة تحت تأثير الميديا الأمريكية وقت الحادث.‏

ومن هذه الكتب، كتاب (الحرب والعولمة الحقيقية وراء 11 سبتمبر) من تأليف مايكل تشودوفيسكي، وكتاب مايكل بارنتي بعنوان (مصيدة الإرهاب ـ 11 سبتمبر وما بعده) وكتاب (جيمس ريد جواي) بعنوان (الأسئلة الخمسة التي لم تتم الإجابة عنها) وكتاب (11 سبتمبر ينكشف ـ تحدي الحقائق وراء الحرب على الإرهاب) من تأليف كل من هانشال ورولاند مورجان، وكتاب (11 سبتمبر 2001 الخديعة المرعبة) تأليف تييري ميسان، ويأتي على رأس هذه الكتب، كتاب بعنوان (بيرل هاربر الجديدة: أسئلة مقلقة حول إدارة بوش و11 سبتمبر) لمؤلفه (ديفيد راي جريفين) وكتاب (نفيس صادق) الحرب على الحقيقة. ويتآزر مع هذه الكتب العديد من المقالات في الصحف العالمية، منها مقام وليام بنش في صحيفة (فلادفيا ديلي نيوز) في 11 سبتمبر 2003م، بعنوان (لماذا ليس لدينا إجابات عن الأسئلة التي فجرها هجوم 11/9 حتى الآن)، وجريدة (نيويورك تايمز) بتاريخ 29/نوفمبر 2002م، وجريدة نيوزويك في 15/9/2002م، ومقال (جوك وناسون) في مجلة نيوزويكا أوبزرفر) في 21/فبراير 2004م. كما يعضد ما سبق أيضاً، العديد من المواقع على الإنترنت والمذكورة في كتاب تييري ميسان وأهمها موقع بول تومسون والمسمى (Time line).‏

وينبغي علينا قبل الخوض في غمار الأدلة والوقائع الصحيحة والمؤكدة، التي تؤكد على أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر صناعة أمريكية، ولم يقم بها ابن لادن وأنصاره، أن نبين حقيقة تنظيم القاعدة.‏

بداية لا يوجد في الواقع تنظيم يسمى (تنظيم القاعدة)، بل هو عدو خلق في مبنى المخابرات المركزية الأمريكية، وذريعة لما تفعله وسوف تفعله الولايات المتحدة بالمسلمين ديناً وشعباً ودولاً، فقائد التنظيم المدعو (أسامة بن لادن) المولود عام 1957م أحد أبناء الشيخ (محمد بن لادن) الأربعة والخمسين، والده مؤسس مجموعة ابن لادن السعودية عام 1931م، وهي من أكبر الشركات السعودية، وهو حاصل على بكالوريوس الاقتصاد وإدارة الأعمال من جامعة الملك عبد العزيز ويعرف عنه مهارة رجال الأعمال.‏

ـ في ديسمبر 1979م، قام بإدارة العمليات المالية السرية لوكالة المخابرات الأمريكية في أفغانستان والتي بلغت (ملياري دولار) لذلك فهي تعد أكبر عمليات الوكالة تكلفة، بغرض إجهاض ووقف نشاط الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، حيث كان جهاز المخابرات السعودي والأمريكي يعملان على تجنيد الإسلاميين وتدريبهم وتسليحهم بدعوى أن حرب السوفييت حرب مقدسة وتم استغلال مشاعر المسلمين لتنفيذ مخططات الأمريكان في آسيا. وكان أسامة يقوم بهذه المهمة عن طريق تدوين بيانات على الحاسب الآلي تحت مسمى (القاعدة) وهو اسم يقصد به حرفياً (قاعدة المعطيات) ومن هنا جاء إطلاق مصطلح (تنظيم القاعدة) أي لا زال الاسم نفسه والمهمة نفسها أيضاً والتي تتخلص في تمرير المشروع الأمريكي وتسويقه في العالم عامة والعالم الإسلامي خاصة.‏

ـ وفي عام 1990م، أقترح أسامة على الحكومة السعودية بأن يقوم هو ومن جنده من شباب الإسلام الذين هزموا الاتحاد السوفيتي السابق في أفغانستان، بطرد صدام حسين من الكويت بدلاً من الاستعانة بالقوات الأجنبية وخاصة الأمريكية ولكن الحكومة السعودية رفضت الاقتراح، نتيجة لذلك رأت الولايات الأمريكية الاستفادة من هؤلاء، وتم التمهيد لاتهام ابن لادن بإنشاء وإدارة تنظيم يدعى (تنظيم القاعدة).‏

ـ ففي عام 1992م، تم اتهام تنظيم القاعدة بأنه السبب في مقتل (18) من قوات المارينز في الصومال في حملة (إعادة الأمل) واتضح أن الجنود الصوماليين هم الذين ارتكبوا هذا الحادث، وقد ظهر ذلك على شاشات الفضائيات حينما قام هؤلاء الجنود الصوماليون بسحل قوات المارينز وربطهم في الأشجار.‏

ـ وفي عام 1996م، اتهم تنظيم القاعدة المزعوم بتدبير وتنفيذ هجوم الخبر بالسعودية على القاعدة الأمريكية والذي راح ضحيته (18) جندياً أمريكياً، وفي 7 أغسسطس 1998م وقع اعتداء على كل من سفارتي الولايات المتحدة في دار السلام بتنزانيا، ونيروبي بكينيا واتهم فيه تنظيم القاعدة أيضاً، وفي 12 أكتوبر 2000 وقع اعتداء بقارب مفخخ على المدمرة الأمريكية (كول) بخليج عدن باليمن وتم اتهام تنظيم القاعدة أيضاً، وفي عام 2006 تم تفجير فندقين بالأردن واتهم تنظيم القاعدة وهو ما لم يتم إثباته.‏

وبين عامي 1987 ـ 1998 كان يشرف على إعداد المقاتلين التابعين لتنظيم القاعدة المزعوم (علي محمد) الضابط المصري الذي التحق بالجيش الأمريكي والذي كان يقوم في الوقت نفسه بالتدريب في مركز ومدرسة جون كنيدي للحرب الإلكترونية وكان يقوم في الوقت نفسه بتدريب أكبر شبكات التأثير سرية شبكة (قف بالخلف) بالإضافة لتدريب القوات الخاصة بالولايات المتحدة، فهل يعقل أحد ولو لحظة أن يعمل علي محمد بالتبادل في قاعدة عسكرية أمريكية وفي قاعدة عسكرية تتبع تنظيم القاعدة في السودان وأفغانستان، دون أن يتم اكتشاف أمره على الفور علماً أن القواعد الأمنية لأجهزة المخابرات الأمريكية تنص على المراقبة الوثيقة للعاملين بعضهم بعضاً، وتم اعتقال علي محمد في نهاية 1998م مصحوباً بضجة إعلامية، فهل يعقل أن يعمل هذا الضابط في شبكة (قف بالخلف) وفي توريد المقاتلين التابعين لتنظيم القاعدة دون أن يكشف أمره(72).‏

لم تنقطع العلاقة بين ابن لادن ووكالة المخابرات المركزية ففي عام 1998م، عندما أشتد عليه المرض في الفترة ما بين 4، 12 يوليو 2001م تلقى العلاج بالمستشفى الأمريكي بالإمارات وفي خلال فترة العلاج قام بزيارته عدد كبير من أفراد عائلته، بالإضافة للعديد من الشخصيات السعودية والإماراتية. وشوهد أيضاً الممثل المحلي لوكالة المخابرات المركزية في دبي يزوره في غرفته، وفي مساء ليلة (11/9) كان أسامة ابن لادن في باكستان وقد تم إدخاله سراً إلى مستشفى عسكري في مدينة روا ليندى لإجراء عملية غسيل كلوي تحت حماية الجيش الباكستاني. ولقد تورط في هذا التزييف بعض المقربين من ابن لادن وبعض مقاتلي تنظيم القاعدة، وقد استخدمتهم الولايات المتحدة في كوسوفو والشيشان. ترتيباً على ما سبق، يتضح أن تنظيم القاعدة وهم وخيال تم خلقه لاستغلاله في تمرير وتسويغ التصرفات الأمريكية في العالم الإسلامي.‏

أما عن حقيقة طالبان فقد أنشئت طالبان بمبادرة باكستانية ومباركة أمريكية، وكان البعد الاستراتيجي هو الدافع الأكبر وراء ذلك، وبرز اتجاهان داخل الإدارة الأمريكية أحدهما مؤيد لطالبان والآخر معارض وغلب التيار المؤيد، الذي رأى أن البعد الاستراتيجي يجب أن يطغي في التعامل مع طالبان، فهي ضد إيران وروسيا ومع باكستان لذا يجب السكوت عنها وعدم انتقادها، فالكيفية التي تعامل بها مواطنيها شأن يخصها وحدها. كما أن طبيعة طالبان التقليدية المحافظة وعدم خبرتها في السياسة الإقليمية والدولية، ستجعلها على عكس الإسلام السياسي (الجهادي)، ومنكفئة داخلياً وليست لديها رغبة في تصدير ثورة خارج أفغانستان، فهي تهتم بمسائل السلوك الفردي وقضايا الإسلام التقليدية(73).‏

وبعد انتهاء شركات البترول الأمريكية من شراء حقول النفط والغاز في منطقة بحر قزوين في النصف الثاني من التسعينيات، ظهرت الحاجة إلى نقل هذه الكميات الهائلة من النفط والغاز إلى الأسواق المفتوحة وبرزت أفغانستان كممر لأنابيب نقل هذه الثروات فانقلبت الولايات المتحدة الأمريكية على حليفتها طالبان وأجبرت حليفتها باكستان على تمهيد السبيل للقضاء على طالبان، لتحقيق هدفها الكبير بعد أن استقر نهائياً على أن أفغانستان هي الممر والمعبر الوحيد لمرور أنابيب النفط والغاز مما يتطلب ترتيبات جذرية في الأجزاء التي تسيطر عليها طالبان، وعملت الولايات المتحدة على تحييد دول الجوار، وترتيب المنطقة على أسس جديدة لضمان مرور الشريان الجديد لسيطرتها العالمية، مع أن الرئيس الأمريكي الأسبق ريجان وصف قادة طالبان أثناء تقديمهم لرجال الصحافة في حديقة البيت الأبيض عام 1986م (أن هؤلاء السادة هم النظير الأخلاقي للآباء الذين أسسوا الولايات المتحدة الأمريكية)(74).‏

في 17 يوليو 2001م عقد اجتماع بخصوص إحلال السلام في أفغانستان والذي أيدته القوى العظمى بين وزير خارجية فرنسا ورئيس بعثة الأمم المتحدة الخاصة بأفغانستان، وجرى الحديث عن إعادة الملك الأفغاني السابق ظاهر شاه إلى أفغانستان، واستمرت المفاوضات في لندن ثم في جنيف تحت مسمى (منتدى الأعمال الإنسانية) بتمويل من شركة بترول يونوكال غير أن المفاوضات كان لها أهداف وأطراف أخرى من بينها اليابان التي تطمع في بترول بحر قزوين فلم تكن المفاوضات من أجل إحلال السلام، ولكن من أجل الإعداد للحرب وإعادة البناء وخشية الوقوع تحت ضغط شديد من الجانب الأنجلو أمريكي.‏

وأدركت باكستان ذلك فأخذت تبحث عن حلفاء جدد قبل بداية العاصفة، فقامت بدعوة وفد صيني إلى إسلام آباد حيث وعدته بفتح ممر يصل الصين بالمحيط الهندي في مقابل مساندتها العسكرية، وعندئذ استشاط الجانب الأنجلو أمريكي وقرر شن الهجوم بأسرع مما هو متوقع، قبل أن يفسد الصينيون اللعبة الكبرى، وفي منتصف يوليو 2001م أعلن الوفد الأمريكي إلى مفاوضات برلين متعددة الأطراف حول مستقبل أفغانستان أن أمريكا ستقوم بغزو أفغانستان في منتصف شهر أكتوبر وسوف تقوم بالإطاحة بنظام طالبان بعد أن تيقن فشل المفاوضات، وفي أوائل شهر سبتمبر، وتحت ستار المناورات السنوية في بحر عمان المعروفة باسم (الحصاد الأساسي) قامت المملكة المتحدة بنشر قوات أسطولها البحري بطريقة لم يسبق لها مثيل منذ حرب المالون، وقامت بحشد قواتها على طوال الحدود مع باكستان، أما خلف شمال الأطلنطي فقد قام بمناسبة مناورات (النجم الساطع) في مصر بنقل أربعين ألف جندي إلى المنطقة، وفي 9 سبتمبر 2001م تم اغتيال زعيم الجبهة الإسلامية القائد مسعود ذو الشخصية الفذة والمناهض الشرس لأمريكا(75). وبالتالي أصبحت القوات الأنجلو ـ أمريكية مستعدة مسبقاً في المنطقة قبل وقوع الهجمات(76). ويتضح انقطاع الصلة تماماً بين أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وضرب واحتلال أفغانستان في 7/أكتوبر 2001م.‏

أما عن الحادث وكيفية تدبيره ووقوعه فهناك العديد من الحقائق التي كانت ماثلة أمام الأعين والعقول ولم يتوقف أحد لمناقشتها، لشدة سياط الغضب الأمريكي المندفع كالثور الهائج، فقد كانت الأحداث جسيمة ومباغتة لدرجة جعلت من الصعب تسجيل المتناقضات التي شابت الصيغة الرسمية لهذه الأحداث في لحظتها فقد تسمر مئات من المشاهدين أمام شاشات التلفزة لمتابعة الأحداث، وشلت الصدمة واتساع الهجوم جميع المشاهدين بسبب الجرأة في استباحة العنف، وقد اقتصر نقل المعلومات على الوقائع فور العلم بها بسبب تأثير المفاجأة على التغطية الإعلامية المباشرة، مما حرم المشاهد من الفهم الكامل للأحداث، ثم وصل إلى الصحف من مصادر رسمية كم كبير من المعلومات الإضافية المتعلقة بالجوانب المجهولة من الأحداث، تاهت وسط طوفان مستمر من الأخبار حول الضحايا ووسائل الإنقاذ وأخبار أخرى بدت كما لو كانت حكايات طريفة أو مجرد نوادر دون أن يتم وضعها في سياق سليم(77).‏

ولكن بعد أن هدأت الأحداث بدأ يظهر مزيد من الأحداث والحقائق المتصادمة مع الرواية الرسمية للحادث زعزعت الثقة في هذه الرواية التي لم تقنع أحداً في العالم وكان أصدقاء أمريكا في أوربا أكثر الناس تشككاً، خصوصاً في ألمانيا وإسبانيا وفرنسا، حتى إن مايكل ميتشر وزير البيئة البريطاني السابق وصف أحداث (11/9) بأنها (بيرل هاربر جديدة) صنعت خصيصاً لتفعيل مشروع القرن الأمريكي(78).‏

إن الولايات المتحدة لم تفعل شيئاً يذكر لإجهاض الهجوم قبل وقوعه برغم كل التحذيرات الاستخباراتية التي وصلت إلى الولايات المتحدة من إحدى عشرة دولة صديقة على الأقل، وكان التخاذل في مواجهة الهجوم مثيراً للذهول، فلم تنطلق طائرة واحدة من طائرات الاعتراض العسكرية المفترض أنها في حالة تأهب (24 ساعة) في اليوم، ومستعدة للانطلاق في غضون دقائق قليلة، بالتحديد دقيقتان ونصف، وتصل سرعة طيرانها إلى (1800) ميل في الساعة(79).‏

وبيرل هاربر حكاية معروفة في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، ترجع إلى بدايات الحرب العالمية الثانية، حيث كانت الولايات المتحدة مترددة في الاشتراك في الحرب، حتى وقع الهجوم الياباني على الأسطول الأمريكي الرابض في مياه بيرل هاربر وتم تدميره.. وقيل إن الرئيس روزفلت كان يعلم مسبقاً بالخطة اليابانية، ولكنه لم يفعل شيئاً لمنعها فقد كان راغباً في المشاركة في الحرب وفي رأسه خطط إمبريالية توسعية يريد تنفيذها بعد انتهاء الحرب، وتكون الإمبراطوريات القديمة قد أنهكتها الحروب فلا يبقى في الساحة سوى القوة الأمريكية الصاعدة، فلما وقع الهجوم الياباني غضب الشعب الأمريكي وهب لينخرط في القوات العسكرية المحاربة وهكذا تحققت أهداف روزفلت.‏

ولقد فعل الهجوم على مركز التجارة العالمي في 11/9/2001 الأثر نفسه، وحقق لإدارة بوش فرصتها السانحة لتنفيذ خطتها الإمبريالية التي كانت جاهزة قبل الأحداث بزمن طويل، فيما عرف باسم (مشروع القرن الأمريكي الجديد) وقد سارع بالفعل بعض رجال إدارة بوش بإطلاق اسم بيرل هاربر الجديدة على هذه الواقعة كأنما كانوا ينتظرون وقوعها.‏

وقد أكد ذلك المدعي العام الأمريكي السابق (جون لوفتوس) حيث صرح (إن المعلومات التي وفرتها أجهزة المخابرات الأوروبية لأمريكا قبل هجوم (11/9) كانت معلومات كثيرة ومفصلة، بحيث لم يعد في مقدور ال (سي آي إيه) أو ال (إف بي آي) أن تتنصل من مسؤولياتها أو تنسب عجزها وتقاعسها إلى قلة المعلومات) وانتهى إلى أن التقاعس الأمريكي الذي هيأ النجاح للهجوم، كان ذريعة مثلى لوضع مشروع القرن الأمريكي الجديد في حيز التنفيذ. نستنتج من ذلك أن الحرب ضد أفغانستان في أكتوبر 2001م سبق التخطيط لها على أسس جغرافية وسياسية مفهومة في إطار مشروع القرن الأمريكي الجديد، ومن ثم لم تكن أحداث (11/9) سبباً لها، وإنما مجرد تسويغ وذريعة فقط.‏

وقد قام أحد الباحثين برصد عدة دلائل قوية تنفي الرواية الرسمية الأمريكية للحادث، بعد أن اطلع على كافة الكتب والمقالات والمصادر الصحفية، وخاصة موقع بول تومسون على الإنترنت، وخرج من ذلك بنتيجة واحدة، هي انقطاع الصلة بين الحادث وبن لادن وحركة طالبان، وعدم صحة إسناد الأحداث لابن لادن وتنظيم القاعدة، وتتمثل الدلائل والوقائع في الآتي:‏

1 ـ سُمح قبل الحادث بفترة طويلة لرجال لهم علاقة بطالبان، بدخول الولايات المتحدة الأمريكية علماً بأن تحركاتهم معروفة ومرصودة من قبل أجهزة المخابرات الأمريكية رغم وجود إجراءات يمكن أن تمنعهم من الدخول، بل سمح لهم بالتدريب في مدارس الطيران الأمريكية دون ثمة اعتراض، ولما تشكك بعض أصحاب هذه المدارس فيهم قاموا بإبلاغ أجهزة المخابرات الأمريكية المسؤولة للتحقيق في الأمر، ولكن هذه الأجهزة لم تفعل شيئاً.‏

2 ـ البيانات التي صدرت من القيادات العسكرية عن عمليات الاختطاف يوم الحادث لم تشتمل على أن أوامر صدرت لطائرات الاعتراض النفاثة بالانطلاق، إنما جاءت هذه التصريحات بعد أيام من الهجوم لاستكمال الناقص في الرواية الرسمية التي كانت تحتوي على بيانات مضللة ومفبركة.‏

3 ـ لقد نفى شهود العيان مقولة أن انهيار برجي مركز التجارة العالمي كانت نتيجة اصطدام طائرتين بهما وأكدت ذلك جمعيات رجاء الإطفاء في نيويورك والمجلة المهنية (فاير إنجينرنج) حيث نفوا أن تكون النيران التي نشأت عن الانفجار أدت إلى صهر الهياكل المعدنية، لأن هذه الهياكل كانت قادرة على مقاومة النيران طويلاً، ولكن الانهيار جاء نتيجة وضع متفجرات في الأدوار السفلى بالبرجين أدت إلى تحطيم الركائز الحديدية وحولت الخرسانة إلى تراب، وقد أكد رجال الإطفاء سماعهم صوت انفجارات صادرة من قاعدة البيانات وطالبوا بإجراء تحقيق مستقل في هذا الشأن وقد صرّح خبير في المناجم والتكنولوجيا أن الانهيار لا يمكن أن يكون قد حدث إلا باستخدام متفجرات، كما أن انهيار البرجين لا يؤدي لانهيار البرج رقم (7)، وقد استبعدت جمعية المهندسين المدنيين افتراض تخلخل الأساسات خاصة وأن البرج السابع أنهار على ذاته مما يرجح عملية تفجيره من الداخل(80) ولذلك حرصت الحكومة الأمريكية على التخلص سريعاً من حطام الأعمدة الحديدية المنصهرة ولم تنتظر حتى يتم فحصها من قبل الخبراء، وحملت على سفن ذهب بعضها إلى الصين، وبذلك أعدم الدليل على وجود المتفجرات.‏

4 ـ ثبت أن الهجوم على البنتاجون لم يكن بطائرة بوينج (757) إنما بطائرة أصغر كثيراً منها أو بصاروخ موجه يشبه الطائرة، فلم ترصد كاميرات أجهزة المراقبة في موقف سيارات البنتاجون أية طائرة بوينج في أي لحظة أو من أي زاوية(81).‏

5 ـ كانت أجهزة المخابرات الأمريكية (إف بي آي) و(C-I-A) لديهم معلومات مفصلة عن خطة الهجوم قبل الحادث وقد تلقوا معلومات أكيدة من أكثر من مخابرات دول صديقة، فالحادث كان معروفاً لدى مخابرات أكثر من اثنتي عشرة دولة‏

6 ـ أعلنت المباحث الفيدرالية عثورها على جواز سفر سليم يخص (محمد عطا) وسط أنقاض البرجين فهل يعقل أن ينصهر الحديد من شدة النيران، ولا تحرق هذه النيران الرهيبة وثيقة ورقية؟ كما أن خمسة من ضمن المتهمين التسعة عشر وجدوا أحياء في المملكة العربية السعودية ومنهم واحد يعمل طياراً في الخطوط الملكية المغربية كما أن قوائم الضحايا التي نشرتها شركات الطيران يوم 13/9/2001م خلت تماماً من أسماء المتهمين التسعة عشر، وتداركاً لهذا الأمر فإن المباحث الفيدرالية اختلقت قائمة وهمية بأسماء مختطفي الطائرات.‏

قامت المباحث الفيدرالية بنشر ترجمة إنجليزية لأربعة وثائق مكتوبة بخط اليد باللغة العربية لتأكيد الرواية الرسمية، في حقيبة (محمد عطا) التي فقدها أثناء الرحلة تتكون من أربع صفحات تتضمن أدعية دينية تبدأ بعبارة (باسم الله وباسمي وباسم عائلتي) علماً بأن المسلمين دائماً يبدؤون كتاباتهم بالآية (بسم الله الرحمن الرحيم)، وهذه العبارة غربية يكتبها أهل الغرب، وإمعاناً في التضليل كتبت هذه الوثائق بلغة العصور الوسطى(82).‏

7 ـ أكد طيارون محترفون أن قلة قليلة منهم هي التي يمكنها الإقدام على مثل تلك العملية، مستبعدين تماماً قيام طيارين هواة بتنفيذها، بيد أن هناك وسيلة أكيدة لإصابة الهدف، ألا وهي الاعتماد على إشارات، إذ أن إشارة تنبعث من هدف معين ستجذب إليه ببساطة طائرة تسير آلياً، وقد سجل بعض هواة استخدام أجهزة اللاسلكي إشارة التقطوها من مركز التجارة العالمي حيث تم رصدها لتداخلها مع إرسال هوائيات تلفزيون بأعلى الأبراج، ويحتمل أن تكون الإشارة قد تم تنشيطها في آخر لحظة حتى لا يتم اكتشافها وتدميرها، ومن الممكن أن يكون القراصنة قد استخدموا إشارتين مستقلتين لصعوبة تنفيذ العملية بإشارة واحدة رغم تحاذي الهدفين.‏

8 ـ وعلى أية حال فلا بد أنه كان لهم أعوان على الأرض، وإذا كان هناك أعوان على الأرض فليس ثمة ضرورة لعدد كبير من القراصنة على متن الطائرة، إذ أن مجموعة صغيرة كانت تكفي لضبط أجهزة الطيار الآلي، بل لم يكن الأمر يستلزم إطلاقاً الاستعانة بأي قراصنة نظراً لعدم أخذ رهائن، فتحويل أجهزة الكمبيوتر الخاصة بالطائرة قبل الإقلاع يتيح التحكم فيها وهي في الجو بفضل تكنولوجيا (جلو بال هوك) التي قامت وزارة الدفاع الأمريكية بتطويرها، بحيث يمكن توجيه الطائرة البوينج عن بعد تماماً كطائرة دون طيار(83).‏

ووفقاً للمعلومات فإن المختطفين يحملون السكاكين، وعقب إغلاق المجال الجوي الأمريكي قام مكتب المباحث الفيدرالية بإجراء تفتيش دقيق لكل الطائرات عقب هبوطها، مما أسفر عن وجود سكاكين مماثلة أسفل مقاعد طائرتين، وقد استنتج المحققون أن جميع مختطفي الطائرات يستخدمون هذا النوع من السكاكين، في أعقاب اكتشاف وكالة المخابرات المركزية أكياس سكاكين مماثلة داخل منزل في أفغانستان كان أسامة بن لادن قد أقام به من قبل، مما يثبت أن الإسلاميين كانوا يتلقون تدريباً على استخدامها، علماً أن عملية تهريب مسدسات مجهزة عبر الطائرات أسهل بكثير من تهريب سكاكين معدنية، والسكاكين لأن المجتمع الأمريكي في مخيلته أن المسلمين يفضلون ذبح ضحاياهم، لذلك اتهموهم(84).‏

وزيادة في التضليل الذي مارسته الولايات المتحدة على العالم، وبعد ضغط من الرأي العام العالمي، تم تشكيل لجنة للتحقيق في الحادث، اللجنة الأولى تم تشكيلها في عام (2002) وكانت مشتركة بين أعضاء لجنتي المخابرات في مجلس النواب والشيوخ، وهي لجنة تقصي الحقائق وتكونت من (37) عضواً، وقد تم إرهاب أعضاء اللجنة عن طريق استجوابهم من قبل جهاز (إف بي آي) قبل أن تبدأ اللجنة عملها بدعوى التأكد من عدم تسب المعلومات للعدو، وقام جهاز المخابرات الفيدرالية باستجواب وتفتيش منازل وخصوصيات أعضاء اللجنة حتى أنهم قلبوا في جداول مواعيدهم وأرقام تليفوناتهم، بل وضعوهم على أجهزة كشف الكذب، مما أحدث رعباً شديداً لدى أعضاء اللجنة، فلم يجرؤ أحدهم على توجيه نقد للجهاز علماً بأن ذلك انتهاك فاضح وواضح لمبدأ دستوري هام هو الفصل بين السلطات، وقال أحد أعضاء اللجنة أن الإجراءات السابقة (كانت محاولة لوضع كمامات على أفواهنا وحركتنا وأعتقد أنهم نجحوا في ذلك).‏

ولم تكتف الإدارة الأمريكية بذلك بل قام كل من الرئيس بوش ونائبه بالاتصال بزعيم الأغلبية في الكونجرس وهو جمهوري وأكدا عليه أن يحصر مهمة اللجنة في نطاق ضيق جداً حدداه باحتمال وجود تقصير في التواصل بين الأجهزة الفيدرالية، وألا تتوسع اللجنة في بحثها أبعد من ذلك وعللوا طلبهم بتوفير الموارد المالية ولجهد أفراد تحتاجهم الأمة في هذا الظرف مما نتج عنه أن جاء تقرير اللجنة عاجزاً عن توفير إجابات شافية لحقيقة ما حدث وعن الفاعلين وكيفية التخطيط والتنفيذ والتي لم تبحثها اللجنة أصلاً.‏

ومع إلحاح الرأي العام العالمي وخاصة الأمريكي اضطر الرئيس بوش الابن إلى تشكيل لجنة ثانية لتقصي الحقائق عرفت باسم اللجنة (لجنة 11/9 المستقلة)، ولكن الإدارة الأمريكية وضعت عراقيل وعقبات في طريق عملها حتى أصبح من المستحيل إتمام المهمة وقد نجحوا في ذلك وتتمثل هذه العقبات في عقبات مالية، حيث تم تخصيص مبلغ ضئيل لعمل اللجنة هو (ثلاثة ملايين من الدولارات)، فلما طلبت اللجنة زيادة رفضت الإدارة الأمريكية الطلب علماً بأن هذا المبلغ تافه جداً بالمقاييس المنطقية للجنة تبحث في مسألة خطيرة جداً تهدد الأمن القومي الأمريكي.‏

وعقبات في الإجراءات إذ حدد قرار تشكيل اللجنة موعداً لإنهاء التحقيقات وتقديم تقريرها هو مايو 2004م. علماً أن اللجنة لم تبدأ عملها إلا قبل عام من هذا الموعد، والعقبات التالية كانت في صعوبة الحصول على الوثائق اللازمة للجنة، وفي تقديم أشخاص من الإدارة للإدلاء بشهاداتهم، وصعوبة الإطلاع على تقرير اللجنة السابقة، فقد ظل الرئيس الأمريكي يماطل في ذلك حتى آخر يوليه 2003م. كما لم يسمح للجنة بالإطلاع على وثائق محتجزة في وزارة العدل ووزارات أخرى، وقد صرح البيت الأبيض أن الرئيس بوش لن يقدم شهادته أمام اللجنة، فضلاً عن أن أي موظف طلبت اللجنة سماع شهادته لم يكن مسموحاً لـه أن يذهب بمفرده إلى لجنة التحقيقات بل يذهب معه مراقب من إدارته يحضر التحقيق كنوع من التخويف.‏

وقد وصف السناتور (ماكس كليلاند) أحد أعضاء اللجنة موقف الإدارة الأمريكية بأنه موقف يثير التقزز وأضاف (أننا ما زلنا نحاور بل نستجدي البيت الأبيض أن يساعدنا في الحصول على الوثائق المطلوبة دون جدوى.. كان رجال البيت الأبيض ـ يريدون من هذه المماطلات ـ أن يمر الوقت دون أن نتمكن من بدء مهمتنا في التحقيق) وقال عضو آخر جمهوري (إن عدم التعاون سيجعل من المستحيل أن تنهي اللجنة عملها في الموعد المحدد)(85) إضافة لما سبق فإن الرئيس الأمريكي وضع عدة شروط قيد عمل اللجنة وأدت إلى فشل مهمة اللجنة وتتمثل هذه الشروط فيما يأتي:‏

1 ـ قام الرئيس الأمريكي بتحديد مهمة اللجنة ونطاق التحقيق في (النظر في أسباب القصور حتى لا يتكرر ذلك في المستقبل) وأكده (لهاملتون) عضو اللجنة بقوله (إن عمل اللجنة يقتصر على المستقبل.. فنحن لن نقوم بتقويم أو لوم.. فليس هذا جزءاً من مهمتنا) مما حصر عمل اللجنة في تأكيد الرواية الرسمية الأمريكية.‏

2 ـ عين الرئيس الأمريكي رئيس اللجنة وهو (هنري كيسنجر) رغم كثرة الاعتراضات، وبعد فترة استقال بسبب عدم تعاون الأجهزة الحكومية مع اللجنة، وتم تعيين آخر.‏

3 ـ في نوفمبر 2003 طلبت اللجنة الإطلاع على التقارير الاستخبارية (P O B) التي تقدم يومياً للرئيس ومنها تقرير قدم للرئيس في 6 أغسطس 2001 من المخابرات البريطانية يفيد بعزم مجموعة القيام بأعمال إرهابية داخل الولايات المتحدة بطائرات مدنية. مما ينفي الرواية الأمريكية بعدم علمها المسبق بما حدث، وتم رفض الطلب، وسمح لعدد قليل من أعضاء اللجنة بالإطلاع على ملخصات لهذه التقارير يقدمها البيت الأبيض، وعندما تدون اللجنة أي ملاحظات من هذه التقارير تعرض تلك الملاحظات على البيت الأبيض للموافقة عليها، وإذا رفض لا تحصل اللجنة على تلك الملاحظات. مما جعل مجلة (نيوزويك أوبزرفر) في 21/4/2004 تقرر أن الرئيس بوش عمد إلى إعاقة عمل اللجنة وكان يعاملها منذ البداية بازدراء شديد، وأكدت أن من يتجرأ ويكذب الرواية الرسمية الأمريكية للأحداث يتعرض للهجوم الشديد وضربت مثلاً لذلك بالنائبة الديمقراطية (سنتا ماكيني) التي فقدت مقعدها في الكونجرس عن طريق ضخ أصوات الناخبين جمهوريين في دائرتها الانتخابية بالتحايل على قانون الانتخابات الأمريكي(86).‏

إضافة لما سبق هناك العديد من الأدلة والوقائع التي تؤكد كذب الرواية الرسمية الأمريكية للحادث، ولكن نكتفي بهذا القدر، الذي نري أنه بين عدم صحة قيام تنظيم القاعدة المزعوم بأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، مما يؤكد أن حرب واحتلال أفغانستان تمت لسبب آخر غير هذه الأحداث وأنها تمت بسوء نية. ويترتب على ذلك أن حرب أفغانستان تمت خارج إطار الشرعية الدولية ومخالفة لمبادئ وقواعد القانون الدولي ولأحكام ميثاق الأمم المتحدة.‏

مما يجعل من حق حركة طالبان الدفاع الشرعي، وإن مقاتليها أسرى حرب يتمتعون بالحماية المقررة في اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 ضد هذه الحرب العدوانية وتتحمل دول التحالف بقيادة الولايات المتحدة المسؤولية الدولية عنها.‏

2 ـ الأسباب الحقيقية للاعتداء على أفغانستان‏

نتناول هنا الأسباب الحقيقية التي أدت إلى اختيار أفغانستان بالذات كمسوغ لتفعيل مشروع القرن الأمريكي وتتمثل في أسباب سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية وهي:‏

أولاً: الأسباب السياسية:‏

1 ـ بالرغم من أهمية منطقة آسيا الوسطى من الناحية السياسية عبر تاريخها الطويل، إلا أن اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بهذه المنطقة بدأ في بداية التسعينيات ومع تفكك الاتحاد السوفييتي للسيطرة على هذه المنطقة التي ترى فيها بوابة حقيقية للنفوذ والسيطرة على آسيا، وتتعدد أسباب الاهتمام بهذه المنطقة في ظل موقعها الهام الرابط بين آسيا وأوربا ومنطقة الشرق الأوسط، حيث توصف بأنها همزة وصل بين الشرق والغرب وجسر يربط بين أوربا وآسيا أو بين المسيحية والإسلام، وهي تتمتع بموقع له أهميته على صعيد الجغرافيا السياسية، وخاصة أفغانستان التي تعتبر بحق قلب منطقة وسط آسيا(87).‏

2 ـ تعتبر الولايات المتحدة أن منطقة وسط آسيا ـ وخاصة أفغانستان والمناطق المحيطة بها ـ نقطة ضعف رئيسية لحلف الأطلنطي، وترى أن أمن هذه المنطقة يجب أن يكون في محور الاهتمام السياسي والعسكري لدول الحلف، حيث إن أي أحداث غير متوقعة في هذه المنطقة قد تسبب انتقال ميزان القوى لغير صالح الولايات المتحدة والتحالف الغربي، وهو الأمر الذي أدى إلى تطوير مهام ودور حلف الأطلنطي لتغطي هذه المنطقة الهامة استراتيجياً واقتصادياً وسياسياً وأمنياً(88).‏

3 ـ وصول أفغانستان بفضل الحروب الخارجية والداخلية إلى حالة اللادولة مثل الصومال.‏

4 ـ أفغانستان تتوسط كل القوى العسكرية النووية والمحتملة في آسيا وهي الصين وروسيا، وباكستان، الهند، إيران كما تعتبر الحلقة الأخيرة في سلسلة حصار الصين، القوة العظمى المحتملة المناوئة للولايات المتحدة(89). خاصة وأنه تم التبديل الأمريكي لتسمية الصين من الحليف الاستراتيجي إلى المنافس الاستراتيجي، فضلاً عن أن هذه المنطقة خاصة وقارة آسيا عامة تضم القوى الكبرى التي يمكن أن تنافس الولايات المتحدة مثل روسيا العدو السابق والهند والصين، وهناك إيران التي صنفت من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بالدولة المارقة وهي إحدى دول محور الشر الذي يضم إيران والعراق وكوريا الشمالية، كما أن وجود الولايات المتحدة في أفغانستان يوفر لها مراقبة المثلث الخطير الذي بدأت خطوات تكوينه الأولى في الظهور (الصين وروسيا والهند)، مما يعني معه الوقوف بقوة في وجه الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي(90).‏

وفي النهاية يمكننا القول إن المتتبع للتحركات الأخيرة خاصة في بداية، التسعينيات يلاحظ أن هناك (سيناريو) جديد ـ بدأت ترتسم ملامحه ـ لإعادة صياغة التوازنات السياسية في منطقة آسيا الوسطى التي تفصل بين الصين شرقاً وأوربا غرباً، وهي المنطقة التي يبدو أنها سوف تستقطب نوعين من الصراع الدولي الحاد، خلال المرحلة المقبلة.‏

ثانياً: الأسباب الاقتصادية:‏

إن منطقة آسيا الوسطى التي تمثل أفغانستان قلبها، عبارة عن كتلة جغرافية تبلغ مساحتها نحو أربعة ملايين ميل مربع، ووفقاً لدائرة المعارف البريطانية فالمنطقة عبارة عن بحر داخلي عظيم أي أنها مساحة قارية لكنها حبيسة وهو الأمر الذي يجعل دولها أكثر تأثراً بظروف وأوضاع الدول المحيطة التي تمثل بالنسبة لها معبراً للبحار المفتوحة. كما أن النفط يمثل أهمية في الاستراتيجية الغربية عامة والولايات المتحدة خاصة لأن النفط يمثل عصب الحياة الصناعية فمعظم الدول الصناعية الكبرى تقع في الكتلة الغربية، كما أنه لا بديل عنه للصناعة فقد كان النفط مرتكزاً أساسياً في الاستراتيجية الأمريكية التي تسعى إلى التمركز حول منابعه واحتياطاته الهامة في العالم، لذلك فإن نفط وغاز منطقة بحر قزوين يمثلان ركيزة اقتصادية يمكنها أن تغير معالم المنطقة بما توفره من ثروات لدول المنطقة(91).‏

ثالثاً: الأسباب العسكرية:‏

1 ـ لم يكن الهدف العسكري بعيداً عن اختيار أفغانستان كمتهم في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث موقعها الجغرافي والاستراتيجي المهم، فهي تتوسط معظم القوى النووية في العالم (روسيا ـ الصين ـ الهند ـ باكستان ـ إيران في المستقبل) فوجود الولايات المتحدة في هذه الدولة بالذات يمكنها من مراقبة هذه القوى النووية فضلاً عن تحكمها في الصراع النووي بين الهند وباكستان، ومراقبتها محاولات إيران الحقيقية والجادة نحو السعي في امتلاك السلاح النووي.‏

2 ـ إن التواجد الأمريكي في أفغانستان يعضد استراتيجية الولايات وحلف الناتو في السيطرة على المناطق الملتهبة في العالم، مما يساعد القوات العسكرية المتمركزة في منطقة الخليج العربي.‏

3 ـ أثار بعضهم مسألة المخازن الأمريكية المليئة بالسلاح القديم والجديد الذي يجب تجربته لبيان مدى فاعليته خاصة الأسلحة الذكية، وإخلاء مخازن السلاح من الأسلحة القديمة، حتى يستطيع المجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة من إيجاد فرصة ذهبية لتصريف تلك الأسلحة الراكدة(92) خاصة وأن أفغانستان ليس فيها مقاومة تذكر فقد أطلق عليها الأستاذ محمد حسنين هيكل: إن أفغانستان تمثل ميدان لضرب النار وليس هدفاً استراتيجياً للولايات المتحدة الأمريكية(93). فهي كفرصة ذهبية لإرسال إشارة إلى بعض القوى الدولية المناوئة للولايات المتحدة والدول الأخرى، بأن الولايات لم ولن ترحم من يقف في طريق هيمنتها وسيطرتها على النظام الدولي(94).‏

رابعاً: الأسباب الثقافية:‏

لا يقل هذا العامل أهمية عن العوامل السابقة بل له من الأهمية مما يجعلنا لا نستطيع إغفاله، ويمثل هذا العامل في توجيه الاتهام إلى الإسلام كثقافة وحضارة خاصة بعد أن اتخذه ليس حلف الأطلنطي فقط العدو التقليدي لـه بل اتخذته الكتلة الغربية كلها الرأسمالية أو الشيوعية، ومما يؤكد ذلك، أن المتهم الأول في الحادث هو أسامة بن لادن، السعودي الجنسية أي إنه عربي، ولكن الأفغان من المسلمين غير العرب، فلماذا إذن تم اختيار حركة طالبان (أفغانستان) ولم يوجه الاتهام إلى السعودية مثلاً كدولة المتهم الأول وتنظيم القاعدة الذي يمثل معظمه من المسلمين العرب (الظواهري مصري ومحمد عطا مصري وغيرهم)(95).‏

وكان مما ساعد على توجيه الاتهام للمسلمين، أنهم وحدهم الذين قدموا أرواحهم في سبيل تحرير أراضيهم على نحو ما يجري من عمليات استشهادية في فلسطين المحتلة فليس في الديانات والحضارات الأخرى، من يقدم أو يفكر في الموت بهذه الطريقة سوى المسلمين(96).‏

فالحكمة من ذلك تكمن في الإسلام السياسي الأصولي (الجهادي)، الذي يدعو إلى جهاد الكفار المحتلين لأراضي المسلمين، وليس الإسلام العلماني المستأنس سياسياً من قبل الدول الكبرى مثل تركيا، فالحركات الإسلامية الأصولية نشيطة في هذه المنطقة وهي تمثل الخطر الأكبر على استراتيجية الولايات المتحدة وحلف الأطلنطي فبجوار أفغانستان توجد إيران عدواً للولايات المتحدة خاصة وإن الإسلام الأصولي استطاع أن يصل إلى الحكم في إيران وتكوين دولة مما يجعله قدوة لجميع حركات الإسلام الأصولي في الدول الإسلامية كافة وفي منطقة وسط آسيا وخاصة في الجمهوريات الإسلامية المستقلة حديثاً عن الاتحاد السوفيتي، مما جعل الولايات المتحدة تعتمد على تركيا العلمانية وسط نفوذها في هذه الجمهوريات الإسلامية بدلاً من إيران حتى لا تستطيع إيران تصدير النموذج الإسلامي الإيراني لتلك المنطقة الحساسة في العالم الإسلامي، والتي يمكن عن طريقة تحالفها من تهديد الاستراتيجية الغربية كافة سواء الرأسمالية أم الاشتراكية، خاصة وأن الاتحاد السوفيتي (روسيا) يعاني من مشكلة الشيشان(97).‏

ترتيباً على ما سلف، فإن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م تمثل قوة دفع للسبب الرئيسي لضرب أفغانستان، ولو لم يكن هذا الحادث قد وقع، فكانت الولايات المتحدة سوف تبحث عن سيناريو آخر لتنفيذه حتى تتمكن من التمركز وسط آسيا، كجزء من مشروع القرن الأمريكي.‏

3 ـ موقف الأمم المتحدة من الحرب ضد أفغانستان‏

منذ انتهاء الحرب الباردة أصبح واضحاً أن الدول العظمى صاحبة الفيتو في مجلس الأمن وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية تستغل الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن لإصدار قرارات تحقق مصالحها القومية، أو تهميشها عندما لا يستطيعون استغلالها مفضلة التدابير الانفرادية، والبداية كانت حرب الخليج الثانية 1991م، حتى قال بعضهم بظهور شرعية دولية جديدة، وظهر ذلك في أحداث (11 سبتمبر)، فقد نجحت الولايات المتحدة في فرض رؤيتها ورأيها على الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن، الذي أصدر قرارين (1368/2001 و 1373/2001) اعتبرهما بعضهم نهاية القانون الدولي(98).‏

وكان مجلس الأمن قد اجتمع في اليوم الثاني للأحداث وأصدر بالإجماع القرار رقم‏

(1368) في 12/9/2001، وفي البداية أكد القرار على مبادئ وأهداف الأمم المتحدة وعلى عزمه على مكافحة تهديدات السلم والأمن الدوليين الناجمة عن أعمال الإرهاب بكل السبل، وأقر الحق الأصيل للدول في الدفاع الفردي والجماعي عن النفس طبقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين، ثم أدان المجلس هجمات (11/9) واعتبرها تهديداً للسلم والأمن الدوليين، وعبر عن تضامنه مع شعب وحكومة الولايات المتحدة الأمريكية فيما حدث، ودعا كافة الدول إلى تقديم الفاعلين والمنظمين والقائمين بتلك الأحداث للعدالة مع محاسبة المسؤولين عن مساعدتهم ودعمهم أو إيوائهم، ودعا لمضاعفة جهود كافة الدول لمنع وقمع الأعمال الإرهابية وفق الاتفاقيات الدولية المتصلة بمكافحة الإرهاب، وأكد على استعداده لاتخاذ الخطوات الضرورية للتعامل مع الأحداث ومناهضة كافة أشكال الإرهاب وفقاً لمسؤولياته في إطار ميثاق الأمم المتحدة(99) وقد رفضت الولايات المتحدة هذا العرض.‏

ويؤخذ علي القرار السالف أنه لم يتضمن الانتقال إلى أية إجراءات إضافية، واكتفى بالتأكيد على استعداد المجلس لاتخاذ كافة الخطوات اللازمة للرد على تلك العمليات ومكافحة الإرهاب بكافة أشكاله بموجب ميثاق الأمم المتحدة دون الإشارة صراحة إلى معالجة الأزمة وفق أحكام الفصل السابع من الميثاق ولم يصرح للولايات المتحدة باستخدام القوة ضد أفغانستان، ولم يعط الحرية للولايات المتحدة أن تحدد الفاعل دون تقديم الدليل، ولكن القرار بمضمونه يعطي الحق للولايات المتحدة في انتهاك سيادة الدول التي تحمي الجناة، إذا أستدعى الأمر القبض على من تعتبرهم الولايات المتحدة الفاعلين أو إرهابيين ولكنه لم يعطها الحق بتطبيق العدالة بنفسها أو مهاجمة دولة معينة أو تغيير نظم الحكم(100).‏

وفي 28/9/2001، أصدر مجلس الأمن بجلسته (4385) القرار رقم (1373) والذي أعدت مشروعه الولايات المتحدة، وأقر دون إدخال أية تعديلات أساسية، فجاء القرار متعارضاً في بعض نصوصه مع أحكام ميثاق الأمم المتحدة نفسه والاتفاقيات الدولية وقرارات الجمعية العامة وخاصة القرار رقم (40/61) الصادر في (9/12/1985) والذي ينص في البند السابع منه على (تحث الجمعية العامة جميع الدول فرادى وبالتعاون مع الدول الأخرى، وكذلك أجهزة الأمم المتحدة ذات الصلة، على أن تساهم في القضاء التدريجي على الأسباب الكامنة وراء الإرهاب الدولي، وتولي اهتماماً خاصاً بجميع الحالات، بما فيها الاستعمار والعنصرية والحالات التي فيها انتهاكات عديدة وصارخة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية والحالات التي فيها احتلال أجنبي والتي يمكن أن تولد الإرهاب الدولي وتعرض السلم والأمن الدوليين للخطر)(101).‏

ويعدُّ هذا القرار ملزماً لكافة الدول لصدوره بناء على الفصل السابع من الميثاق، ويخول مجلس الأمن فرض إجراءات عقابية على الدول في حالة عدم التعاون وتتراوح هذه الإجراءات ما بين الحصار الجزئي والكلي للعلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية وفقاً للمادة (41) من الميثاق، واستخدام القوة المسلحة بإعلان الحرب طبقاً للمادة (42) من الميثاق، وقد أغفل القرار حق تقرير المصير وحق مقاومة الاحتلال وحق الدفاع عن النفس، مما يجعل مفاعليه وتداعياته خطيرة لأن القرار لم يقرر ما إذا كان إعمال حق الدفاع الشرعي ينصرف للولايات المتحدة في مواجهة تنظيم القاعدة باعتباره ـ طبقاً للرواية الأمريكية ـ المسؤول عن الهجمات وطالبان باعتباره النظام المسؤول عن إيواء تنظيم القاعدة المزعوم أم ينصرف إلى غيره من الأهداف الأخرى والقرار لم يحدد هذه الأهداف، وقد استغلته الولايات المتحدة فكانت أفغانستان هي الخطوة الأولى في حرب طويلة الأمد، ثم العراق(102).‏

مما أعطى الحق للولايات المتحدة باستخدام القوة ضد أي دولة تراها مشتركة بأي صورة في الأحداث، أو أنها لم تتعاون التعاون المناسب من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية، ووفر ذلك أساساً لها تدير به ومن خلاله علاقاتها بالمجتمع الدولي لفترة طويلة، كما وفر لها مساحة متزايدة من الضغوط على الكثير من الدول(103) علماً أن القرار لا يركز على تنظيم القاعدة أو حركة طالبان، بل على الإرهاب ضمن مفاهيم عامة مما جعله سيفاً للولايات المتحدة تنفذه أين وعندما تشاء برعاية دولية.‏

والقرار يلزم جميع الدول باتخاذ تدابير ضد الأشخاص أو التنظيمات الإرهابية دون وضع الضوابط أو الجهة التي ستتولى تحديد ما يعتبر تنظيمات إرهابية. علماً بأن الولايات المتحدة دأبت بصفة انفرادية على وضع قوائم لما تعتبره منظمات إرهابية، مقحمة فيها أحياناً تنظيمات أو أحزاب تحظى في بلادها وعبر العالم باعتراف بشرعيتها وبتقدير واسع في مجتمعاتها كحزب الله في لبنان والعالم العربي والإسلامي، وحركة المقاومة الإسلامية حماس في فلسطين ـ كما أقحمت فيها جمعيات خيرية بل وشركات تجارية. وستكون أي دولة في موقف صعب عندما تطلب منها الولايات المتحدة، على أساس القرار السابق، أن تجمد أموال مثل هذه التنظيمات أو تتخذ ضدها تدابير قمعية بدعوى ممارستها أو علاقتها بالإرهاب. فالقرار لا يعتمد على معايير أو قواعد دولية معترف بها ومجمع عليها تحدد مفهوم الإرهاب.‏

كما أن من الجوانب الخطيرة للقرار دعم التوجه البوليسي والأمني داخل الدول، لأنه يدفع إلى منح أجهزة الأمن والمخابرات سلطات واسعة على الحياة الخاصة للأفراد، والتدخل في شؤون الأشخاص والتنظيمات المختلفة، مما يخالف مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول (م2/2) من ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما أن القرار (1373) لم يشر إلى ضرورة التزام الدول بقواعد حقوق الإنسان في متابعة تنفيذ التدابير التي نص عليها. ورغم أن هذا الالتزام مفترضاً فإن النص عليه صراحة كان يكون مفيداً ويضيق القرار من إمكانية حماية حقوق اللاجئين، كما يخدم الدول العظمى في ميدان التحقيقات الجنائية، ويسمح لها بالاختراق والحصول على المعلومات التي ترغب فيها بخصوص التنظيمات والأشخاص والأحزاب والنقابات، وهذا القرار يشكل سابقة خطيرة ووصفه أحد مسؤولي الأمم المتحدة بأنه ثوري(104).‏

وقد أنشأ القرار (1373) لجنة مكافحة الإرهاب (C T C) بموجه الفقرة (6) منه وهي تتكون من جميع أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر ولها رئيس وثلاث نواب، وتتكون من ثلاث لجان فرعية يتولى رئاسة كل منها نائب الرئيس، وتراقب هذه اللجنة تنفيذ القرار ولا تعد لجنة جزاءات، وتسعى اللجنة إلى إرساء الأساس لإجراء حوار مستمر بين مجلس الأمن وجميع الدول أعضاء الأمم المتحدة حول أفضل الطرق التي يمكن بها زيادة القدرات الوطنية لمكافحة الإرهاب وأضاف مجلس الأمن (المديرية التنفيذية لمكافحة الإرهاب) بموجب القرار رقم (1535 في 26/مارس/2004).‏

وطبقاً للفقرة السالفة من القرار تطلب اللجنة من جميع الدول أن تقدم إليها تقارير عن الخطوات التي اتخذتها والتي سوف تتخذها لتنفيذ القرار، وتعتبر هذه التقارير أساس التعامل مع الدول، وتقدم هذه التقارير إلى اللجان الفرعية، وتدعى الدول للحضور إلى اللجان الفرعية حال مناقشة التقارير وتستعين اللجنة بعدد من المستشارين والخبراء المستقلين ذوي الخبرة، وتقدر اللجنة في ضوء هذه التقارير مدى التزام الدول بتنفيذ القرار من عدمه، ويمكن للجنة أن تطلب المزيد من الإيضاحات والإجراءات، ويجب على الدول أن ترد على هذه الرسائل خلال ثلاثة أشهر.‏

وقد حددت اللجنة عملها في ثلاث مراحل، الأولى خاصة بالتشريعات والثانية لمدى قدرة وكفاءة هذه التشريعات على تغطية جميع جوانب القرار، والثالثة لدراسة ظروف كل دولة. ويفرض القرار (1373) على الدول العديد من الالتزامات والمتمثلة في منع جميع أشكال الدعم المالي للجماعات الإرهابية (الفقرة 1/أ/ب/ج/د) من القرار، وعدم توفير ملاذ آمن للإرهابيين أو دعمهم (الفقرة 2/أ/ج//د/ز ـ 3/و/ز) من القرار، ويلزم القرار الدول بتبادل المعلومات عن أي جماعات تمارس أو تخطط لعمليات إرهابية (الفقرة 2/ب و3/أ/ب/ج) من القرار، والتعاون مع الدول الأخرى في التحقيقات التي تجري بشأن عمليات إرهابية والقبض عليهم ومحاكمتهم (الفقرة 2/ب/و) والفقرة (3/أ/ ب/ ج) من القرار، وتجريم المساعدة الصريحة والضمنية المقدمة للإرهابيين في القوانين المحلية الفقرة (2) من القرار، والانضمام في أقرب وقت ممكن إلى الاتفاقيات الدولية ذات الصلة والبروتوكولات المتصلة بالإرهاب الفقرة (3/د)(105).‏

4 ـ الشرعية الدولية والحرب ضد أفغانستان‏

نتناول هنا حكم الشرعية الدولية في الحرب ضد أفغانستان، في نقطتين:‏

أ ـ موقف القانون الدولي المعاصر من هذه الحرب.‏

ب ـ موقف الشرعية الدولية من معتقلي جوانتانامو والمعتقلين فيه.‏

أ ـ القانون الدولي المعاصر والحرب ضد أفغانستان‏

لم تكن الحرب من قبل الولايات المتحدة ومن حالفها، مجرد حرب عادية تقتصر آثارها على طرفي الحرب، ولكنها غير عادية، حتى بين الأطراف، والوسائل المستخدمة فيها، فقد استخدمت في تلك الحرب أحدث وأشد وأخطر الأسلحة في العالم ضد أفقر وأضعف دولة في العالم فكان طرفا الحرب تحالفاً دولياً مكوناً من (136) دولة بقيادة الولايات المتحدة ضد الطرف الأضعف في النظام الدولي الجديد. أو بعبارة أخرى كانت الحرب بين النظام الدولي الجديد وبين هذا النظام.‏

لم يهدف الطرف الأقوى من هذه الحرب القضاء على تنظيم القاعدة وحرب طالبان الحاكمة في أفغانستان، وإلا لكانت النتيجة لهذا العملاق صفر خاصة وأن رأس تنظيم القاعدة "أسامة بن لادن" وحركة طالبان بقيادة "الملا محمد عمر" ينعمان بالحياة، لكن المقصود منها تغيير بنية النظام الدولي ولاستمرار وتأكيد هيمنة القطب الأكبر على هذا النظام.‏

فقد خالفت هذه الحرب العدوانية مبادئ وأحكام القانون الدولي، وتغير مفهوم الأمن الجماعي الدولي واختصر في الأمن القومي الأمريكي، أو بعبارة أخرى حل الأمن القومي الأمريكي محل الأمن الجماعي الدولي وتغير مفهوم الإرهاب الدولي حيث فرض نفسه بقوة عقب الأحداث، وصار على رأس اهتمامات النظام الدولي. فتمثل هجمات 11 سبتمبر قمة تطور ظاهرة الإرهاب وهو تطور لا يقتصر فقط على مضمون وطبيعة العمل الإرهابي، ولكنه يمتد أيضاً إلى متغيرات البيئة الدولية التي يتحرك فيها، والتي تعتبر العامل الرئيسي وراء التحول في أشكاله.‏

فعلى الرغم من أن جوهر الإرهاب يظل واحداً من حيث استخدام العنف أو التهديد باستخدامه من أجل إثارة الخوف والهلع في المجتمع الدولي، من خلال استهداف أفراد أو جماعات أو مؤسسات أو نظام حكم لتحقيق هدف سياسي معين، فإن أشكال الإرهاب وأدواته تختلف وتتطور بسرعة مع الزمن، كما يتأثر الإرهاب إلى حد كبير بخصائص النظام الدولي وتوازناته، من حيث الأهداف والآليات حيث تم إنشاء لجنة مكافحة الإرهاب سالفة البيان(106).‏

وفي هذا الإطار، فإن هجمات 11 سبتمبر ضد الولايات المتحدة شكلت تعبيراً بالغ الوضوح عن طبيعة وخصائص الإرهاب الجديد، فقد استهدفت هذه الهجمات إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر والضحايا داخل الولايات المتحدة من خلال ضرب أهم وأكبر رموز القوة في الولايات المتحدة فضلاً عن أنها أهداف تتميز بوجود كثافة بشرية عالية، وقيمة مالية ضخمة وقوة اقتصادية وسياسية عالمية.‏

وقد ترتب على المفهوم الجديد للإرهاب والمنظمات الإرهابية أنه لم يفرق بينه وبين الدفاع الشرعي لمن يحارب لتحرير أرضه المحتلة لتقرير مصير بلاده، لذا اعتبرت الولايات المتحدة منظمة حماس والجهاد وكتائب عز الدين القسام التي تكافح لتحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة من قبيل المنظمات الإرهابية، كما اعتبرت الولايات المتحدة حزب الله اللبناني منظمة إرهابية، بل الأدهى من ذلك الأمر أن الولايات المتحدة رأت في شارون رجل سلام وأطلقت يده في الأراضي المحتلة مما ترتب عليه اجتياح مارس 2002 للأراضي الفلسطينية، التي استخدمت فيه كل الأسلحة من طائرات الأباتشي الأمريكية والقنابل والصواريخ بدعوى مكافحة الإرهاب الفلسطيني المتماثل مع إرهاب 11 سبتمبر 2001م. حيث قامت بضرب المساكن وهدمها على من فيها، ولقد تضررت القضية الفلسطينية ضرراً بالغاً جراء هذه الأحداث(107).‏

وفي النهاية يمكننا القول. أن مصطلح الإرهاب زاد فيه الخلط حتى حُمِلّ المصطلح بأكثر مما يحتمل معناه وبمقاصد لم تخطر على بال النحاة، وفقد المصطلح في النهاية صلته بالمعنى الأول(108) وقضت الولايات المتحدة على فكرة الحقوق المشروعة التي بذل المجتمع الدولي جهداً كبيراً في بلورتها وصياغتها بصورة واضحة في اتفاقيات جنيف 1949م وملحقيها 1977م، أما المبادئ التي خالفتها هذه الحرب العدوانية تتمثل فيما يأتي:‏

1 ـ مبدأ السيادة بين الدول: مبدأ السيادة الوطنية مبدأ قديم، قدم فكرة الدولة ذاتها وقد ظهر هذا المبدأ لتأكيد وجود الدول الأوروبية الحديثة وذاتيتها(109) بالرغم من الانتقادات التي وجهت لهذا المبدأ فإنه لا زال من المبادئ العامة في القانون الدولي المعاصر، بل الرئيسية التي يقوم عليه النظام الدولي، ونص عليه ميثاق الأمم المتحدة في (م 2/1) فقال (تقوم الهيئة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها) وتأكد هذا المبدأ بالنص عليه في العديد من الاتفاقيات الدولية.‏

ومع التطورات التي طرأت على القانون الدولي منذ صياغة ميثاق الأمم المتحدة، اتجه إلى التدخل في كثير من المجالات التي تعد طبقاً لمبدأ السيادة من الاختصاص المطلق للدول، وبالرغم من ذلك تم الاحتفاظ بهذا المبدأ، إلا أن صدرت عدة آراء في الفقه الدولي تنادى بضرورة أن يفهم مبدأ السيادة في حدود القانون الدولي المعاصر، وقد أشارت إلى ذلك المحكمة الدائمة للعدل الدولي في أحد أحكامها، حيث قررت أن على الدولة ألا تتجاوز الحدود التي رسمها القانون لصلاحيتها، وتكون تصرفاتها ضمن تلك الحدود تدخل في سيادتها، وهو ما يعنى أن السيادة فكرة قانونية محدودة ونابعة من القانون الدولي وخاضعة له، وهو ما شجع على القول بأن مبدأ السيادة قد زال عنه طابعة العتيق المطلق، وأن الدولة في المجتمع الدولي المعاصر، قد أصبحت دولة قانون تلتزم بقواعد ومبادئ يحددها القانون الدولي(110).‏

ولكن بعضهم نادى بزوال فكرة السيادة تحت تأثير المتغيرات الدولية الجديدة لتحل محلها المصلحة الدولية بدلاً من المصلحة الخاصة للدول، والتي قد تتعارض، مما يؤدي إلى نشوب المنازعات الدولية وبالتالي الحروب، خاصة وأن هؤلاء الفقهاء قالوا بأن العالم كله أصبح قرية واحدة وأن الإنسان أصبح عالمياً، مما أدى إلى ظهور الاهتمام بحقوق هذا الإنسان مهما كانت دولته أو جنسيته، مما يضحي معه التدخل في الشؤون الداخلية للدول لا يعد انتهاكاً لمبدأ السيادة.‏

هذا وقد استغلت الولايات المتحدة أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والحرب ضد أفغانستان لتعلن أنها لن ولم تلتزم بهذا المبدأ العتيق لتنهى بذلك مبدأ من المبادئ الرئيسية التي يقوم عليها القانون الدولي، بل يعد من القواعد الآمرة في القانون الدولي التي لا يجوز انتهاكها فقط بل لا يجوز الاتفاق على مخالفتها ويقع باطلاً بطلاناً مطلقاً هذا الاتفاق والانتهاك، وقد قامت الولايات المتحدة بانتهاك سيادة دولة أفغانستان ودول أخرى تحت مسميات حقوق الإنسان وحق التدخل لنصرة الديمقراطية.‏

الأمر الذي يبدو على أكبر درجات من الخطورة لأنه يتعلق بإرساء سوابق دولية يمكن تكرارها في العمل الدولي، مما يمهد السبيل لإرساء قواعد عرفية جديدة تنسخ القواعد القانونية المستقرة، مما يؤدي إلى السيطرة الأمريكية على مقدرات العالم وإمساكها بزمام الأمور التي تؤدي بالضرورة إلى إضعاف مبدأ السيادة الوطنية، بحيث لا يشكل هذا المبدأ العتيق عقبة أمام ظهور قانون دولي أمريكي جديد يختلف في أسسه ومنطلقاته عن القانون الدولي الذي تواضع المجتمع الدولي على العمل بموجبه والانصياع لأحكامه ولا يلقى بالاً لمبادئ القانون الدولي.‏

2 ـ مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول: استغلت الولايات المتحدة أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، فأباحت لنفسها التدخل في الشؤون التي تعد من صميم السلطان الداخلي للدول، حيث قضت على حكومة شرعية واستبدلتها بحكومة أخرى فاتحة الباب لمواجهات ومشكلات عديدة مما يعد مخالفة لمبدأ أساسي من المبادئ العامة للقانون الدولي وقاعدة آمرة من قواعده هو مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول (م 2/7) من ميثاق الأمم المتحدة(111).‏

3 ـ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية: بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بعد الأحداث التعامل مع القانون الدولي بغية تطويعه لخدمة مصالحها وأهدافها، عن طريق زعزعة مبدأ السيادة الوطنية والمساواة فيها ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول،وطالبت بتحرير استخدام القوة من القيود التي يرفضها القانون الدولي المعاصر حتى تستطيع أن تتعامل بحسم مع أي دولة قد تقف في سبيل فرض هيمنتها وسيطرتها على العالم من خلال استخدام القوة دون التزام بالمعايير والمحاذير التي يفرضها القانون الدولي المعاصر، والعودة إلى معايير القانون الدولي التقليدي الذي كان يطلق الحق للدولة في استخدام القوة المسلحة دون قيد، فكانت أفغانستان الخطوة الأولى والعراق الثانية(112).‏

وكان مما ترتب على تحرير استخدام القوة من القيود التي يفرضها القانون الدولي المعاصر أن ادعت الولايات المتحدة الأمريكية بأن قيود ميثاق الأمم المتحدة الواردة في المادة (م 2/4) بشأن خطر استخدام القوة والاستثناءات الواردة على هذا الحظر والمتمثلة في المادة‏

(51) لم تعد تتناسب مع التطورات الدولية ومن ثم يجب إقامة إطار قانوني جديد ينظم استخدام القوة في عالم اليوم بكل تفاعلاته وتداعياته وذلك لتغير طبيعة النظام الدولي حالياً عما كان عليه حال وضع ميثاق الأمم المتحدة. ويستلزم أيضاً تحرير استخدام القوة في العلاقات الدولية، تغييراً في شروط الدفاع الشرعي خاصة شرط أن يكون هناك خطر هجوم وشيك وتغيير مفهوم الخطر الحالي في ضوء إمكانيات وأهداف خصوم اليوم وتذهب إلى التأكيد على أنه بقدر جسامة التهديد يعظم الخطر، وتظهر الحاجة الملحة للقيام بعمل استبقائي للدفاع عن النفس، حتى ولو ظلت هناك شكوك أو عدم يقين حول زمان ومكان الهجوم المحتمل للعدو (113) مما يعني معه إقرار حق الدفاع الشرعي الوقائي طبقاً لوجهة النظر الأمريكية.‏

ب ـ معتقل جوانتانامو والشرعية الدولية‏

لقد أثار تقرير لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة الصادر في فبراير الماضي بشأن معتقل جوانتانامو وما يحدث فيه من انتهاكات للقانون الدولي وحقوق الإنسان للمعتقلين فيه منذ يناير 2002 حتى الآن من قبل الإدارة الأمريكية ردود فعل واسعة النطاق على كافة الأصعدة، حتى قبل نشره رسمياً فقد تبنى البرلمان الأوروبي في 16 فبراير الماضي قراراً يدعو فيه الولايات المتحدة الأمريكية إلى إغلاق هذا المعتقل ومحاكمة السجناء أمام محكمة مختصة مستقلة وحيادية وقد رفضت الولايات المتحدة التقرير وقالت إنه يسيء إلى المنظمة الدولية وأن الأصوات المطالبة بإغلاق معتقل جوانتانامو لن تجد آذاناً صاغية كما طالب أنان بإغلاقه.‏

كانت الولايات المتحدة بعد سويعات قليلة من أحداث 11/9 قد اتهمت تنظيم القاعدة الموجود بأفغانستان وحركة طالبان الحاكمة بها دون تقديم دليل على ذلك حتى الآن، مما شكك في صدق الرواية الأمريكية حيث قامت بغزو أفغانستان واحتلالها في أكتوبر 2001، وفي يناير 2002 ألقت القوات الأمريكية القبض على أفراد من تنظيم القاعدة وحركة طالبان ونقلتهم إلى معتقل في القاعدة البحرية بخليج جوانتانامو الذي تستأجره الإدارة الأمريكية من كوبا على متن طائرات عسكرية مكتوفي الأيدي والأرجل ومثبتين على المقاعد وعلى وجوههم أقنعة وعلى آذانهم صمامات ويلبسون في أيديهم قفازات وبعضهم جرى تخديره ولم يسمح لهم خلال الرحلة التي استغرقت 26 ساعة طيران باستخدام الحمامات ومن أراد قضاء حاجته يقضيها مكانه، وعند وصولهم تم حلق لحاهم ووضعوا في زنازين ضيقة (2 × 1.8 متر لكل واحد منهم) محاطة من جميع الجوانب بقفص حديدي يكشف كل ما يدور بداخلها وفيها فرشة إسفنجية وإناء لقضاء الحاجة كما يتم تسليط أضواء شديدة على الزنازين والمعتقل بصفة مستمرة ويعطى المعتقل ثلاثة أرغفة يومياً بمعدل رغيف لكل وجبة.‏

وقد مارس الجنود الأمريكيون صوراً متعددة من التعذيب حيال المعتقلين مثل التي حدثت في سجن أبو غريب بالعراق بدءاً من الاعتداءات الجنسية بممارسات شاذة إضافة إلى الصعق بالكهرباء والإيذاء البدني مروراً بالإرهاب النفسي، ووصولاً إلى السخرية من الإسلام وتدنيس المصحف الشريف، كما منعوا من الصلاة جماعة(114) فالمعتقل بصفة عامة يفتقد إلى العناصر الأساسية التي تتطلبها اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 الخاصة بحماية الأسرى والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، وهو ما أثبته ذلك التقرير سالف الذكر وبعض مؤسسات حقوق الإنسان العالمية والإقليمية، وقد أثار ذلك سؤال مهم عن موقف الشرعية الدولية من كل هذه الأحداث خاصة وأن الإدارة الأمريكية ضربت عرض الحائط بالشرعية الدولية.‏

(أ) تعريف الأسير في القانون الدولي: لقد أصبغ القانون الدولي على الأسرى حماية خاصة معتمداً على وثائق دولية معترف بها من قبل المجتمع الدولي وهي: الفصل الثاني (المواد من 4 ـ 20) من لائحة لاهاي الملحقة بالاتفاقية الرابعة لسنة 1907،واتفاقية جنيف الثانية لعام 1929 لتحسين حالة أسرى الحرب، واتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1977. والفكرة الأساسية التي تبناها القانون الدولي عن الأسر (إنه ليس عقوبة ولكنه إجراء وقائي الغرض منه إضعاف قوة الخصم العسكرية)(115).‏

وحددت المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 الفئات التي يعتبرها القانون الدولي أسرى حرب وهي:‏

ـ أفراد القوات المسلحة والميليشيات أو الوحدات التطوعية الأخرى التي تشكل جزءاً منهم.‏

ـ أفراد الميليشيات والوحدات التطوعية الأخرى وعناصر المقاومة المنظمة الذين ينتمون إلى أطراف النزاع سواء كانت الدولة محتلة أم لا، في الداخل أو الخارج، على أن تتوفر في جميع هؤلاء الأشخاص الشروط التقليدية الأربعة (قيادة مسؤولة وعلامة مميزة وسلاح ظاهر ومراعاة أحكام الحرب وأعرافها).‏

ـ أفراد القوات النظامية الحكومية أو سلطة لا تعترف بها الدولة الآسرة.‏

ـ العناصر التي تتبع القوات المسلحة دون أن تكون مباشرة جزءاً منها، مثل المدنيين الموجودين ضمن أطقم الطيران الحربي ومراسلي الحرب والقائمين بالتموين والمكلفين بترفيه القوات المسلحة شرط أن يحمل هؤلاء جميعاً ترخيصاً من القوات المسلحة التي يتبعونها.‏

ـ عناصر أطقم البحرية التجارية والطيران المدني والقادة ومساعدوهم ما لم يكن لهم معاملة أفضل بموجب أحكام القانون الدولي الأخرى.‏

ـ أهالي الأرض التي لم يقع احتلالها بعد والذين يهبون في وجه العدو المداهم أو ينفرون نفيراً عاماً على أن يراعوا الشرطين الثالث والرابع (حمل السلاح بشكل ظاهر واحترام قوانين الحرب وأعرافها).‏

إضافة إلى ذلك هناك فئتان تتمتعان بحقوق الأسرى وهما:‏

ـ الأشخاص الذين تعيد سلطات الاحتلال اعتقالهم بعد الإفراج عنهم بينما لا تزال العمليات العسكرية قائمة خارج الأراضي المحتلة، وذلك لضرورات تعتبرها ملحة، خصوصاً بعد محاولة فاشلة منهم للالتحاق بقواتهم المحاربة أو رفضهم الانصياع لأمر اعتقالهم.‏

ـ الأشخاص المذكورون آنفاً في المادة (4) الذين يلتحقون بأرض طرف محايد أو غير