|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
الاستراتيجية الأمريكية صناعة الحروب والمؤامرات ـــ عبد الوهاب زيتون الاستراتيجية هي الخطة التي ترسم وتحدد الأهداف العليا للدولة. والاستراتيجية الأمريكية التي تجسّدَت مع الحرب العالمية الثانية وما بعدها تقوم أساساً على تحقيق أهداف محددة وهي: النهب، السيطرة، وصناعة الحروب. وصناعة الحروب هي البوَّابة الأمريكية الأوسع للنهب والسيطرة... وإذا كانت الحكومات الأمريكية في حقبة القرن التاسع عشر قد نادت بسياسة [عدم التدخل]، وأطلقت حكومة الرئيس الأمريكي مونرو يوم 2/12/1823م مبدأها الشهير الذي عرف بـ [مبدأ مونرو]، وقد طالبت فيه الدول الأوربية أن تبقى بعيدة خارج القارة الأمريكية، وأن تترك أمريكا وشأنها للأمريكيين أنفسهم؛ فإن الاستراتيجية الأمريكية في القرن العشرين وليومنا هذا، خصوصاً مع الحرب العالمية الثانية وما بعدها تقوم أساساً على التدخل في كل شؤون العالم بغرض النهب والسيطرة والهيمنة على الآخرين.. تحت مظلة (حقها الإلهي بقيادة العالم). وقد تلاقت في ذلك وتزاوجت المؤسسة الإمبريالية الأمريكية، مع المؤسسة الصهيونية بمشروعها التوراتي الاستيطاني... كل منهما في خدمة الآخر.. وعلى حساب الآخرين من غيرهم. وقد شكل النفط الجانب الأهم في الاستراتيجية الأمريكية.. ومن أجله قامت الإدارات الأمريكية المتعاقبة بإيقاد الحروب، وصناعة الأزمات والمؤامرات والانقلابات الدموية في أمكنة كثيرة من العالم لا محصورة ولا ممنوعة.. فالسناتور جورج والدن أحد أباطرة النفط، وصاحب شركة (سوكوني فاكو) النفطية العملاقة، وضع في تشرين الثاني لعام 1945م في الكونجرس الأمريكي ورقة عمل الإدارة الأمريكية، بقوله: [يقع على الإدارة الأمريكية مسؤولية حماية المنابع النفطية في العالم كله، خارج حدود سيادتها الإقليمية، وخارج قيود القانون الدولي](1). والدكتور هنري كسنجر أحد منظري السياسة الأمريكية عرَّف الأمن القومي الأمريكي بقولـه: [الأمن القومي الأمريكي حدوده، تبدأ، وتنتهي بآبار النفط حيثما وجدت في العالم](2). وبغرض وضع استراتيجيتها موضع التنفيذ فقد امتلكت الولايات المتحدة الأمريكية عبر عقود طويلة من الزمن إمبراطوريتين متشابكتين، معقّدتين... كل منهما يرفد الآخر في خدمة الأغراض العليا للاستراتيجية الأمريكية. الأولى: هي إمبراطورية إعلامية واسعة، متشعبة تتجاوز حدودها حدود الدولة الأمريكية إلى ما وراء البحار والمحيطات... وتقوم بمهمة صناعة رأي عام أمريكي، ورأي عام عالمي يتقبل كل منهما ما تروِّجه الإدارة الأمريكية من أهداف [نبيلة] و[مهام إنسانية] للسياسة الأمريكية مهما كانت أغراضها بشعة ودنيئة... وتمتلك هذه الإمبراطورية الإعلامية أجهزة معقَّدة لإنتاج وتسويق كافة أشكال الخداع والكذب والتضليل الشامل، بحيث تجعل من [اللامعقول] تجعله يبدو [مقبولاً، ومسوغاً] من كثرة التركيز والتكرار... مع اعتماد أسلوب [التضخيم، والتهويل] للحدث الإعلامي المراد الإحاطة به... مثل ما قامت به من تهويل [لأسلحة الدمار الشامل العراقية والمدفع العملاق...] وما تقوم به اليوم من تهويل [للمفاعلات النووية الإيرانية].. وتهويل حجم الرعب الذي يشكله كل من [أسامة بن لادن ... أبي مصعب الزرقاوي]..، في إطار معزوفتها بـ [الحرب على الإرهاب]. أمَّا الثانية فهي إمبراطورية مخابراتية تجسسية واسعة تتمركز قيادتها على الأراضي الأمريكية، وتنتشر خلاياها على كافة خطوط الطول والعرض في العالم أجمع.. ومهامها الأساسية تنصبُّ على جمع المعلومات والإحصائيات عن التركيبات السكانية، والاقتصادية، والثقافية، والدينية والعشائرية... كي تستخدم كل ذلك في الوقت المناسب كـ[خمائر] بغرض صناعة [الأزمات]، وصناعة [البؤر الساخنة]، ثم الوصول بها إلى نقطة [الغليان]... فصناعة المؤامرات.. إلى صناعة [الحروب الأهلية]... إلى صناعة [الحروب الطاحنة] في العالم.. أمَّا صناعة [الذرائع] في هذه، أو تلك؛ فهي أيضاً صناعة [متميزة، متقنة] وقد تجدها في أتفه الأسباب! فالحرب العالمية الثانية التي أودت بحياة نحو ستين مليون إنسان من شعوب أوروبة مع ما ألحقته من خراب ودمار، قد شاركت الولايات المتحدة الأمريكية في جانب كبير في إيقادها وتهيئة الظروف المواتية لها... ثم استثمارها كسوق تصريف لأسلحتها وجيوشها في الدمار.. ثم مرَّة أخرى لرساميلها المالية عبر مشروع [مارشال] لإعادة الإعمار.. بمثل ما قامت به بعدها في أمكنة كثيرة من العالم قد لا يكون آخرها ما جرى ويجري في العراق. لقد انتهجت الولايات المتحدة سياسة التصادم بين كلّ من ألمانيا والاتحاد السوفيتي عبر أخذها المبادرة مع كل من فرنسا وبريطانيا بإلغاء العقوبات المفروضة على ألمانيا وإيطاليا في [عصبة الأمم] عام 1938م مشكلة بذلك الشروط المواتية للحرب العالمية الثانية.. وهو ما أفصح عنه الرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت في لقائه مع قادة المحافل الماسونية في لندن بقولـه(3): [لقد قررت التخلص من كل من الدكتاتورين هتلر وستالين، عبر ضربهما ببعضهما البعض]. لقد تظاهرت الولايات المتحدة الأمريكية بالوقوف إلى جانب الاتحاد السوفيتي ومساندته طيلة سنوات الحرب العالمية الثانية... وبعد الحرب مباشرة قد انقلبت على السوفييت، من أجل تسويغ وجودها [الاحتلالي] لمجمل دول غرب أوروبة... فأنتجت معزوفتها آنذاك بـ [الخطر الشيوعي] وضرورة حماية أوروبة من الخطر الشيوعي القادم من الشمال والشرق... وأنشأت منظمة [حلف الأطلسي]، وجعلته مظلة لجيوشها، وهيمنتها تحت مظلة [الخطر الشيوعي]، مع إلزام الآخرين بتمويل نفقات حلف الأطلسي لحسابها... لقد شرح الرئيس الأمريكي الأسبق إيزنهاور في كتابه الذي صدر له عام 1948م بعنوان [الحملة الصليبية في أوروبة]؛ شرح السياسة الأمريكية تجاه الاتحاد السوفييتي تحت مزاعم [تخليص أوروبة من الكفرة السوفييت](4)! وعلى التوازي انتهجت الولايات المتحدة تجاه الآخرين في العالم سياسة [إعادة ملء الفراغ] أي في الحلول محل تلك القوى المستعمرة في المستعمرات.. لقد أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق تيودور روزفلت في مجلس الشيوخ السياسة الأمريكية الجديدة الحرب العالمية الثانية تجاه العالم بقوله: [لقد اختار الله الشعب الأمريكي دون سائر الشعوب كشعب مختار لكي يقود العالم.. إن قدرنا هو أمركة العالم... أقول لكم: تكلَّموا بهدوء، واحملوا عصاً غليظة كي نصل بعيداً](5)... ومع كلماته تلك عرفت السياسة الأمريكية في الدبلوماسية الدولية بـ سياسة [العصا الغليظة]! .. ومع أنَّ الإدارات الأمريكية المتعاقبة لم تسقط [ العصا الغليظة] من يدها تجاه الآخرين من شعوب العالم المستضعفة، لكنها أيضاً كثيراً ما تلجأ وليومنا هذا إلى إخفاء هذه (العصا) تحت عباءة [الحريات، والديمقراطيات، وحقوق الإنسان...]؛ وهو ما سبق وأعلنه الرئيس السابق هاري ترومان عام 1952م بقوله: [الولايات المتحدة قبلت بحمل الحريات والدفاع عنها في العالم بما تدعونا إليه العناية الإلهية](6)! والرئيس الأمريكي الأسبق جون كندي، وقد كان أكثرهم اعتدالاً عام 1962م بقوله: [كتب على الأمريكيين دون غيرهم أن يكونوا حرَّاس أسوار الحرية والمدنية في العالم](7). وتحت ذريعة [الخطر الشيوعي] شنَّت الولايات المتحدة الأمريكية حروباً قذرة في كوريا وفيتنام ولاوس وكمبوديا.. ودول أمريكا اللاتينية (في نيكاراغوا، وبنما، والفيلبين، وغرينادا..) وفرضت حصاراً ظالماً على سورية عام 1957م ثم على الجزيرة الكوبية بافتعال أزمة [التواجد العسكري السوفيتي] على كوبا.. وأن ذلك تهديد لأمنها! وفي حربها المعلنة على (الشيوعية) قامت بتوظيف الورقة الدينية المسيحية والإسلامية على السواء في حسابها... لقد خاطب الرئيس الأمريكي الأسبق لندن جونسون الجيوش الأمريكية الذاهبة إلى حرب عدوانية في فيتنام عام 1963م بقوله(8): [إننا نخوضها في فيتنام حرباً صليبية مقدَّسة لحماية القيم العليا للمسيحية في مواجهة الشيوعيين والماديين الكفرة] حسب زعمه. وبالقدر ذاته قامت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان بتوظيف الورقة الإسلامية في الحرب الأمريكية على [الشيوعية] في أفغانستان في مواجهة الاتحاد السوفييتي... وطيلة عقود طويلة ما بعد الحرب العالمية الثانية لم يسمع أحد في العالم بشيء اسمه [الإرهاب الإسلامي].. وكان الإسلام [مقدَساً] لدى سدنة الاستراتيجية الأمريكية، وجعلت من [الجهاد] في الإسلام ركناً أساسياً من استراتيجيتها... وجنَّدت مئات الآلاف من العرب والمسلمين في العالم لحساب حربها القذرة في أفغانستان. ... ومع تفكك الاتحاد السوفيتي ودول المنظومة الاشتراكية وانتفاء الحاجة لمظلة [حلف الأطلسي] الذي فقد مسوغ وجوده بانهيار [الأنظمة الشيوعية]، طرحت الإدارة الأمريكية عام 1992م على لسان رئيسها الأسبق جورج بوش الأب معزوفة [خطر النزاعات الإثنية والعرقية] في أوروبة... وأن يبقى [حلف الأطلسي] قوياً في مواجهتها! ولم تكن اوروبة طيلة عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية قد عرفت [نزاعاتٍ اثنية]، فقد قامت الإمبراطورية الأمريكية المخابراتية بتأجيج المشاعر العرقية والدينية معاً بين المسيحيين والمسلمين في جمهوريات الاتحاد اليوغسلافي... واندلعت الحروب في يوغسلافيا... في كرواتيا، وسلوفينيا عام 1993م ثم في البوسنة والهرسك ثم في إقليم كوسوفو ربيع العام 1999م... وكلها في حسابات الهيمنة الأمريكية ومدِّ نفوذها وسيطرتها على شرق أوروبة [السلافي] مع تطويق روسيا من الجنوب والغرب... بسقوط الاتحاد السوفيتي أصبح العالم أكثر انكشافاً أمام حروب الهيمنة الأمريكية... لقد أعلنها الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب مطلع نيسان العام 1992م بخطابه في الكونجرس الأمريكي بقولـه(9): [لقد سقطت الإمبريالية الشيوعية، وأمريكا اليوم تقود العالم بلا منازع وسيكون القرن القادم كما كان هذا القرن أمريكياً وسيشهد انتشار القيم الأمريكية والثقافة الأمريكية]... .. وكل ما تكشَّف من ثوابت وحقائق أنَّ حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران (منذ 1980م ولغاية 1989م)، ثم بعدها بافتعال الأزمة الكويتية العراقية التي نجم منها حرب الخليج الثانية مطلع العام 1991م.. والتي لم تنته فصولها بعد في المنطقة... كل ذلك كانت حروباً أمريكية قذرة بامتياز ولحساب المؤسسة الأمريكية ومشروعها وشريكها الصهيوني بالقدر ذاته!. مع انتفاء [الخطر الشيوعي] وسقوط الاتحاد السوفيتي، انتقلت الإمبراطورية الإعلامية الأمريكية، فصنعت لنفسها عدواً جديداً... هو [الخطر الإسلامي... الإرهاب الإسلامي... الأصولية الإسلامية.. الجماعات الإسلامية المتشدِّدة..] ثم افتعلت من مكرها ما عُرِف أحداث الحادي عشر من أيلول لعام 2001م أدب [الثلاثاء الأسود] الأمريكي! .. وأنتجت معها معزوفتها أو ذريعتها بـ [ الحرب على الإرهاب]... بعد أن كانت الحرب على [الشيوعية]!. تحت ذريعة [الحادي عشر من أيلول...] قامت الإدارة الأمريكية. باجتياح أفغانستان في خريف العام نفسه في 6/10/ 2001 في حرب قذرة لم تنته بعد... وتحت ذريعة امتلاك العراق لـ [أسلحة الدمار الشامل].. مع الترويج الإعلامي والتضخيم لهذه الأكذوبة.. وحصار العراق قبلها وتجويعه، والتجسس عليه عبر لجان [التفتيش] أو بكلمة أدق عبر لجان [الجواسيس] وتجنيد العملاء والمرتزقة... قامت بحربها العدوانية القذرة باحتلال العراق في ربيع العام 2003.. ومع ثلاث سنوات على سقوط بغداد ونيف.. فإن هذه الحرب لم تنته بعد.. وهي في مستنقع هزيمة محققة، في ورطة تفوق بكثير ورطتها السابقة السيئة الصيت في فيتنام والهند الصينية. و[مكُّوك] مبعوثيها من الطبقة الأولى من أمثال رامسفيلد إلى كونداليزا رايس/ بل إلى المستر جورج w بوش وطوني بلير وجاك سترو، وريتشارد بيرل... وديفيد وولش وحشد كبير معهم كل يوم إلى بغداد، إلى عواصم دول المنطقة.. كل ذلك يعكس حجم [ورطتها]، وحجم جهودها المستميتة لإيجاد مخرج [آمن] لجيوشها من هذه الورطة التي تهزها طوابير القتلى والجرحى كل يوم وكوابيس الرعب وحالات الفرار والانتحار بشكل لم تعرف مثله جيوش العالم من قبل... ناهيك عن فضائح التعذيب واللصوصية والقرصنة والكذب والتضليل التي تهز الإدارة الأمريكية كل يوم بجديد ومعها حلفاؤها... الباحث الاستراتيجي الأمريكي أنطوني كوردسماك في تقييمه للحالة المزرية الأمريكية البريطانية في العراق كتب يقول(10): [إذا كان لنا أن نحكم من حيث النتيجة النهائية للحرب، فإن الولايات المتحدة قد حققّت هزيمتها في العراق بامتياز؛ وعليها أن تبحث عن حلٍّ سياسي للخروج من مأزقها]. والجنرال السابق أنطوني زيني في مقابلة متلفزة له على شبكة سي بي اس الأمريكية يوم الجمعة في 25 شباط لعام 2005م بقوله [إن أسوأ سرٍّ احتفظت به في حياتي هو أن الإدارة الأمريكية من المحافظين الجدد، قد خاضت حرب احتلال العراق لحساب إسرائيل](11). ولأن الولايات المتحدة الأمريكية تعيش حالة كابوسٍ ومأزق وأزمة، بل وأزمات في العراق.. فإنها أيضاً تتبع سياستها المجرَّبة في فيتنام بـ [الهروب إلى الأمام]... بتحميل مسؤولية هزائمها على الآخرين... سابقاً على لاووس وكمبوديا... واليوم على إيران وسورية بالتناوب.. وقد وضعت على أجندتها بشكل مسبق استهداف كلٍ من البلدين.. وهو ما سبق وأعلنه الرئيس الأمريكي جورج w بوش في المعهد القومي الأمريكي للديمقراطية في واشنطن يوم الخميس في 6/11/2003م بقوله(12): [إن القوات الأمريكية قد حملت الديمقراطية والحريات إلى العراق ونجاح التجربة العراقية سيحمل الرسائل إلى دمشق وطهران. إنني الرئيس الأمريكي في زمن الحرب، وأن دولاً أخرى بعد العراق... هي على جدول الأجندة الأمريكية].. ثم كان أكثر صراحة هذا العام يوم الثلاثاء في 21/3/2006م بقوله: [سأحارب إيران وأستخدم القوة بلا حدود.. إذا وجدت ذلك لازماً لحماية إسرائيل](13). وما عجزت عن تحقيقه بالقوة الغاشمة في العراق، فإنها تعمل اليوم على استكماله تارة عبر مشاريعها لصناعة وتسويق [الأنظمة الديمقراطية في المنطقة]؛ ومشاريعها في الشرق الوسط الكبير... والإصلاحات المفروضة من الخارج، بتغيير المناهج؛ وتارة أخرى تعاود سيرتها الأولى بالإمساك بالعصا الغليظة التي لم تسقطها من يدها بعد أمام شعوب المنطقة... مستخدمة الأساليب ذاتها في صناعة الكذب, والذرائع والنصب والاحتيال في تمرير مشاريع قراراتها الجائرة بامتياز عن [مجلس الأمن].. وكل مشككٍ بأكذوبة [11 أيلول لعام 2001م] يصبح إرهابياً في التوصيف الأمريكي، وكل مشككٍ بـ [الهولوكوست ـ المحرقة] يصبح نازياً، معادياً للسامية بامتياز! .. إن الإدارة الأمريكية قد أفصحت بشفافية وبشكل سبق عن استهدافها لكل من سورية وإيران، وأنهما ضمن أجندتها، وأن كل الخيارات مفتوحة معهما... وربطت بين ورطتها وهزائمها التي تتخبط فيها في العراق، وبين خططها ومخططاتها الانتقامية بشأن سورية وإيران. من هنا يجب النظر إلى المحاولات الأمريكية الحثيثة بشأن إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن... وإلى القرار 1559 عن مجلس الأمن في تشرين أول لعام 2004م بشأن ما سموه [بسيادة لبنان..]، وليس آخراً القرار 1595 في نيسان العام 2005م بتشكيل لجنة دولية للتحقيق في جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان الأسبق.. ممَّا تم استخدامه بخبث ودهاء لاستصدار القرار 1636 عن مجلس الأمن ليوم الاثنين في 31 تشرين الأول لعام 2005م والذي جاء ضمنه(14) الفصل السابع من الميثاق بشأن مطالبة سورية [بالتعاون المطلق مع لجنة التحقيق الدولية برئاسة ميليس وبالشروط التي تطلبها أو تفرضها اللجنة]، بما يعيد إلى الذاكرة القرار عن مجلس الأمن رقم 1441 بشأن لجنة [الأنموفيك] برئاسة هانس بليكس للتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل المزعومة في العراق.. مع استخدام أساليب الابتزاز والتدليس ذاتها في تمرير مشاريع القرارات الأمريكية في مجلس الأمن وضمن الفصل السابع من الميثاق... أي مع التهديد باستخدام العقوبات كافة والقوة المسلّحة.. وكما وظفت الإدارة الأمريكية الحادي عشر من أيلول لعام 2001م بشأن أحكام اتهام وإدانة فورية مسبقة الصنع على أفغانستان... لتسويغ احتلالها.. كذلك أيضاً اليوم وبالقدر نفسه ومنذ اللحظات الأولى لجريمة اغتيال الشهيد الحريري حمَّلت سوريا وشعبها وقبل أن تشكل لجان التحقيق وزر من نفَّذ، وخطَّط لهذه الجريمة، مع أن القتلة لن يخرجوا عن عملائها وعملاء كيانها الصهيوني عملاً بقاعدة [فتش عن المستفيد من الجريمة للاستدلال على المجرم]! وصدق فيهم قوله تعالى: ?وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال. فلا تحسبنَّ الله مخلف وعده رُسله. إن الله عزيز ذو انتقام? (سورة إبراهيم الآية 46 ـ 47). إن سبب هذه النقمة اللامحدودة على سورية هو في تمسكها بنهجها القومي وعدم خضوعها لسياسة الإملاءات من الخارج، وهو ما عنته وزيرة الخارجية الأمريكية بكلمتها في مجلس الأمن إثر التصويت على مشروع القرار الأمريكي 1636 بقولها(15): [على سورية أن تتخذ قراراً استراتيجياً بتغيير اتجاهها في الاتجاه الصحيح]! والإدارة الأمريكية هي في طور ارتكاب حماقة أخرى، كتلك التي لم تنته بعد في العراق؛ حيث يتم التحضير ـ كما أفصح الإعلام الأمريكي ـ لسيناريو عسكري لاجتياح إيران، وعن مناورات أمريكية(16). حربية واسعة بفرضيات مشابهة للحالة الإيرانية... بغية إسقاط النظام الإيراني، ونهب ثروات إيران النفطية، وإقامة نظام في إيران تطمئن إليه إسرائيل... مع استنساخ أزلامٍ، وأجراء كثيرة مثل [زلماي، وقرضاي].. وسط تزايد الرّفض العالمي تجاه ما ترتكبه الولايات المتحدة الأمريكية من حماقات متلاحقة في العالم هنا، وهناك لحساب طغمتها المالية من تجَّار الحروب وحساب كيانها الصهيوني.. وهو ما أفصح عنه مؤخراً الجنرال(17) الأمريكي جون أولترمان من مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية من واشنطن بقوله: [أيّاً كان ما ستقوم به الإدارة الأمريكية في إيران، فإن الاعتبارات الإسرائيلية ستكون حجر الزاوية فيه]. إن ما يغري أباطرة الحرب في الإدارة الأمريكية، ويثير لعابهم إلى المزيد من الحماقات تجاه العرب ودول المنطقة هو هذا الانكشاف في الساحة العالمية إثر غياب الاتحاد السوفييتي في حفظ التوازن الدولي؛ وهذا الانكشاف في الساحة العربية عبر حالة من التفكك والتمزق لم يشهد العرب مثلها من قبل سوى في أيام حملات الفرنجة والمغول والتتار.. يُكرِّسُها وكلاءُ للولايات المتحدة في المنطقة يعملون بـ الوكالة، كما بالأصالة عن أنفسهم لحسابها، وحساب مشاريعها.. وأغراضهم السلطوية! وإن ما يبعث على التفاؤل هو اتساع دائرة الرفض الإنساني... واتساع طوق المواجهة،و نطاق المقاومة والرفض الشعبي المتزايد في الشارع العربي.. وهذا العصر الذي نعيشه هو عصر المقاومة، مقاومة الاحتلالات ووكلائها... وأن عصر [القوة الغاشمة] قد ولَّى وهذا هو ما تكتبه المقاومة الباسلة في فلسطين والعراق ولبنان... وكل أرض محتلة.. وأن أمريكا قد كتبت أولى فصول تفسخها وانهيارها مع كيانها الصهيوني.. وهو ما تحمله كلمات الأيام التالية. الاستراتيجية الأمريكية... صناعة الأزمات في الوطن العربي نموذجاً: 1 ـ الحالة العراقية ـ الكويتية لقد شكَّل نفط دول الخليج العربي والمنطقة العربية عموماً الغرض الأهم في الاستراتيجية الأمريكية، ومن أجله كانت وما زالت تُحبَكُ كافة المؤامرات، وتُصنَعُ وتُصدَّرُ الأزمات، وتُفبرَكُ أو تُختلَقُ الذرائع عبر ضخ إعلامي لم يتوقف يوماً، يقوم بتصوير كل ذلك ضمن [المهام الإنسانية، والديمقراطية.. والدور الإلهي] للولايات المتحدة الأمريكية في حماية الحريِّات ونشر حقوق الإنسان... جنباً إلى جنب مع عملٍ مخابراتي منظَّم ومنذ عقود طويلة، ينصبُّ على الإحاطة المعرفية الواسعة والدقيقة بكل تفاصيل ومكوِّنات المجتمع العربي، مع بيانات إحصائية متلاحقة لم تتوقف يوماً للإحاطة الشمولية بكل قطرٍ عربي خصوصاً ما يتعلق بالتركيبة السكانية، المذهبية، والطائفية، والدينية،و القبلية... والعرقية.. كي تستخدم كل ذلك في الوقت المناسب.. في صناعة الأزمات، ثم الوصول بها إلى نقطة الغليان، وإلى صناعة الحروب المتلاحقة التي تشهدها المنطقة العربية من فينةٍ لأخرى. فمن أجل النفط ربطت الإدارة الأمريكية العراق في عقد الخمسينيات من القرن العشرين بحلف بغداد، وربطت حلف بغداد بحلف الأطلسي.. وضمن الهدف نفسه، وضمن سياسة [إعادة ملء الفراغ]، وإيداع المنطقة تحت مظلة [الوصاية] الأمريكية شرَّعت الإدارة الأمريكية لنفسها عام 1957م في عهد الرئيس السابق إيزنهاور ما أطلقت عليه بـ [مبدأ إيزنهاور], وقد تمَّ بموجبه فرض حصار واسع على سورية من البر والبحر والجو من قبل حلف الأطلسي.. بذريعة [حماية سورية، وضرورة تخليصها من خطر شيوعي وشيك].. وبعد أن كسرت سورية طوق الحصار الأمريكي عليها بفعل المدِّ القومي العربي، وقيام وحدة سورية ومصر في 22 شباط عام 1958م كنواة لأول مشروع قومي عربي في العصر الحديث.. وكان سقوط [حلف بغداد] في العراق في ثورة تموز لعام 1958م استكمالاً للمشروع القومي العربي في المنطقة، وضربة موجهة للإدارة الأمريكية.. التي سارعت بكل ثقلها عبر [وكلاء] لها في الداخل إلى تنفيذ ما عُرِف بـ [الانفصال] الأسود يوم 28/9/1961م بين توأمي الكفاح العربي سورية ومصر، مع قيام الرئيس الأمريكي السابق جون كندي بإنذار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر من [استخدام القوة] ضده في حال مواجهة قادة الانفصال المشؤوم بالقوة. وجاءت حرب حزيران العدوانية لعام 1967م تتويجاً للمشروع الأمريكي الصهيوني في الهيمنة على الوطن العربي وثرواته... ولمّا حقَّق العرب انتصاراً عسكرياً، وقومياً وسياسياً في حرب تشرين لعام 1973م، كان الردُّ الأمريكي ببعثرة الجهد العربي المشترك، وتعويم المنطقة بكمٍ كبير من الأزمات توالد بعضها من بعض بدءاً بإحداث شرخٍ بين سورية ومصر، والاستفراد بكل منهما على حدة عبر طرح سياسة [الحلول المنفردة]، و[الحل] على مراحل، و[الخطوة؛ خطوة] لمبتكرها المستشار الأمريكي السابق للأمن القومي هنري كيسنجر.. ثم تفجير الحالة [اللبنانية] بحرب أهلية ضروس بدءاً من عام 1975م، وعلى التوازي افتعال أزماتٍ بين كافة الأقطار العربية بعضها بعضاً.. وبين سورية والعراق وأزمة سدِّ الفرات... وسورية والأردن؛ ومصر والسودان، ومصر وليبيا والجزائر وتونس، والجزائر والمغرب... ولم يسلم بلد عربي واحد طيلة عقود متلاحقة من مكيدةٍ، أو أزمة أو مؤامرة، منتجةٍ ومُصَنَّعة بعناية فائقة في [المطبخ الأمريكي] لصناعة [الأزمات] بالاعتماد على استثمار وتوظيف وتأجيج الخلافات العربية العربية عبر وكلاء معتمدين للإدارة الأمريكية في المنطقة، كما عبر الكيان الصهيوني والموساد الصهيوني الذي ما زال لهما اليد الطولى في كل ما يجري على امتداد الساحة العربية من أزمات، وأحداث مأساوية لم تنته بعد. على أنّ الحالة العراقية الكويتية كانت الأكثر جذباً واهتماماً لدى صنَّاع [الأزمات] في الاستراتيجية الأمريكية منذ عقد الستينيات للقرن الماضي وليومنا هذا بسبب أنَّ كلاً من البلدين الجارين العراق والكويت يعوم على بحرٍ من النفط. لقد عكس هنري كيسنجر، مُنظِّر السياسة الأمريكية لعقود طويلة، ومستشار الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، وهو الأكثر دهاءً وبراعةً في [صناعة وتسويق] الأزمات... عكس الاهتمام الأمريكي بكل من البلدين وعلى رأس الخصوص بثرواتهما النفطية بقوله في مذكَّراته التي أورد فيها بحرفية اللفظ: [لقد كلَّفني الرئيس المنتخب ريتشارد نيكسون بالتحضير، والإعداد للقاء أمير الكويت عام 1969م.. وكنت أفكر في الواقع أن يكون الشأن العربي بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل في حرب عام 1967م على رأس اهتمامات الأمير سالم الصباح، وأن يكون قد أعدَّ ملفّاً كاملاً حول هذا الموضوع. لكن الأمير ـ لحُسنِ حظِّي ـ فاجأني بسؤاله حول رغبته في معرفة موقف الإدارة الأمريكية العتيدة، وكيف تتصرَّف إدارة الرئيس الجديد نيكسون في حال قيام العراق بهجوم عسكري يستهدف احتلال الكويت. فأجبت بأن موقف الرئيس نيكسون تُحدِّدُه المعطيات والظروف على الساحة الدولية، من مبدأ المحافظة على سلامة كافة دول المنطقة.. فسُرَّ الأمير لإجابتي.. ولم يكن الأمير يدري ما كان يدور في مخيَّلتي.. ويتابع كيسنجر بقوله1: لقد وجدت في سؤال الأمير كنزاً ثميناً لم أحلم بمثله قط]... أي قد وجدت في خشية الكويت من العراق والحساسيات القديمة بينهما منجماً لا ينضب لبسط مشاريع الهيمنة على المنطقة، وما على الإدارة الأمريكية سوى استثمار ذلك بمهارة عالية، وحسب الظرف, والوقت المناسب.. وهو ما تحقَّق للإدارة الأمريكية إثر سقوط الاتحاد السوفيتي نهاية العام 1991م، وغياب معادلة [توازن الرعب، أو توازن القوى] على الساحة العالمية والاستفراد الأمريكي بها. هذا وإنّ الوثيقة التي حملت الرقم /س/ 540 التي عثرت عليها القوات العراقية إثر عملية غزوها الكويت، في القصر الأميري في الكويت والتي تم إيداعها في سكرتارية الأمم المتحدة آنذاك، تبرز مدى ضلوع الإدارة الأمريكية مع وكالة المخابرات المركزية والموساد الصهيوني باستثمار الأوضاع الاقتصادية الصعبة للعراق إثر انتهاء حرب الثماني سنوات العجاف مع إيران، ودور أمريكا مع الكيان الصهيوني في افتعال النزاعات الحدودية بين البلدين الجارين العراق والكويت، ودفع الأزمة بينهما للانفجار.. وهو ما حصل لاحقاً بالفعل.. لقد ورد في هذه الوثيقة: [اتفقنا ـ أي الكويت والجانب الأمريكي ـ على أهمية الاستفادة من الوضع الاقتصادي المتدهور في العراق للضغط على حكومته بغية العمل على ترسيم الحدود معها، واسترداد الديون المستحقة للكويت على العراق. وقد زوَّدتنا الإدارة الأمريكية بتصورها حول طرق الضغط المناسبة، على أن يكون التنسيق بين الجانبين على مستوىً عالٍ جدّاً] (انظر كتاب حرب الخليج وأوهام النصر، لمؤلفه محمد حسنين هيكل مؤسسة الأهرام القاهرية ص318 لعام 1992م) ويعود تاريخ الوثيقة أعلاه إلى 14 تشرين الثاني لعام 1989م. لقد استثمرت الإدارة الأمريكية عبر رؤسائها المتعاقبين بدءاً من الرئيس جونسون إلى نيكسون إلى جيرالد فورد إلى كارتر وريغان... إلى جورج بوش الأب, وكلينتون وقد يكون ليس آخراً جورج بوش الابن استثمرت الإدارة الأمريكية في استراتيجيتها في صناعة الأزمات [الحالة العراقية الكويتية] لحظة بلحظة، وفي الوقت المناسب.. وقامت بدفع كل من البدلين الشقيقين على بعضهما بعضاً.. فكانت الإدارة الأمريكية وراء مطالبة الكويت بديونه المستحقة على العراق، ومطالبته بإعادة النظر في ترسيم الحدود خصوصاً في [المنطقة المحايدة] بينهما بغية ضم آبار نفطية كان يستثمرها العراق، إلى السيادة الكويتية.. في الوقت نفسه الذي أثارت فيه الإدارة الأمريكية شهية [العراق] لاحتلال الكويت بغية التخلص من ديونه وحلِّ أزمته الاقتصادية الخانقة. ففي المرحلة التي احتدمت فيها أزمة الديون الكويتية على العراق، وأزمة الخلاف الحدودي بينهما أعطت الإدارة الأمريكية انطباعاً لدى العراق بأن لا شأن لها في المسألة، وأنَّ ذلك شأنٌ داخلي، ممّا شكَّل ضوءاً أخضر أمريكياً للعراق باجتياح الكويت دون أن يخشى من مساءلة دولية.. ففي مقابلة السفيرة الأمريكية في بغداد يوم 23 تموز لعام 1990م السيدة أبريل جلاسبي أعلنت للرئيس العراقي صدّام حسين بما لا يدع مجالاً للشك أنه لا دخل لحكومتها في نزاع العراق مع جارتها الكويت, ولا علاقة لأمريكا في هذه القضية.. وقد أكَّدت ذلك في شهادتها أمام الكونجرس الأمريكي بعد حرب الخليج الثانية على العراق التي حشدت لها إدارة الرئيس جورج بوش الأب تحالفاً دولياً باسم [عاصفة الصحراء]. (انظر كتاب حرب الخليج لمؤلفه محمد حسنين هيكل ص 347) وإمعاناً في إعطاء مثل هذا الانطباع حول اللامبالاة الأمريكية بما كان يجري بين العراق والكويت، قامت السفيرة الأمريكية في بغداد بالعودة إلى بلادها في إجازة اعتيادية في الفترة التي بلغت فيها الأزمة الذروة بين العراق والكويت. ...هكذا تهيَّأت للمكيدة كافة أسبابها وشروطها عبر سنوات طوال من التآمر والتخطيط لدى صنَّاع الأزمات والحروب للولايات المتحدة الأمريكية... ومع تحرك الجيش العراقي في عملية غزوه الكويت يوم 1/8/1990م تحققت اللعبة الخبيثة في معظم مراحلها، ولم يبق منها سوى جني ثمارها التي تحققت أثناء الحرب في عملية ـ عاصفة الصحراء ـ كما أطلقوا عليها، وما تزال تلك الحرب القذرة، والمأساة في تاريخ العرب والعالم تؤتي ثمارها الخبيثة لمُوقديها من أبالسة الشرِّ والحروب الأمريكيين والصهاينة ليومنا هذا.. والتي ليس آخرها احتلال العراق واجتياح عاصمته بغداد يوم 9 نيسان لعام 2003م، وفرض واقع مُهين على المنطقة العربية كلها يُنْذِرُ بما هو أسوأُ بكثير من سايكس ـ بيكو، وقيام أكثر من كيانٍ صهيوني على الأرض العربية، مع تكبيل دول الخليج العربي باتفاقات ومعاهدات وتحالفات أصبحت تحت ثقلها فاقدةٍ للسيادة من الناحية الواقعية، وتحوَّلت إلى سوق خدمات للجيوش الأمريكية والقوات الدولية المتعددة الجنسيات، ومكاتب اتصال للعدو الصهيوني... في وضح النهار! وإنَّ كل ما يجري اليوم على الساحة العربية وعلى امتداد الوطن العربي من أزمات وبؤر ساخنة ليس آخرها الحرب الأمريكية الصهيونية على لبنان الشقيق يوم 12 تموز ولغاية 14 آب لعام 2006م.. هو من تداعيات، ومفرزات تلك الأزمة الكبرى بين العراق والكويت والتي طُبخت بخبث ودهاء في المطبخ الأمريكي الصهيوني، وقد فرَّخت بسيلٍ لم يتوقف من الأزمات والحروب يتوالد بعضها من بعض، وهي الأسوأ في تاريخ المنطقة والعالم كله. وشهد شاهدٌ من أهلها. فالبروفسور الأمريكي جون ديوك أنتوني من جامعة واشنطن قد ألقى محاضرة في مركز زايد للدراسات الاستراتيجية في أبو ظبي مطلع العام 2003م تحدَّث فيها عن الأخطار المحدقة بالعراق والعالم من حربٍ مدمِّرة قد خطَّطت لها الولايات المتحدة قبل القيام بها بزمن طويل... تحدَّث قائلاً: [إن الحرب المحتملة على العراق ـ وقد تَمَّتْ بما هو أسوأ ـ تهدف إلى إعادة رسم الخارطة السياسية في المنطقة كلها، ولن يفلت منها أحد، مع إعادة ترتيب أوضاعها بما يخدم المصالح البترولية والاستراتيجية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في المقام الأول، وبما يُحوِّل إسرائيل إلى إمبراطورية مهيمنة على المنطقة والعالم إلى جانب الإمبراطورية الأمريكية الأم.. وإن مصلحة إسرائيل كانت دائماً في استمرار الحروب في المنطقة، وبذلك كانت مع استمرار الحرب العراقية الإيرانية، ولم تخف تخوفها من توقفها.. وأنَّ خوفها الدائم من العراق هو الذي دفعها إلى قصف المفاعل النووي في العراق عام 1981م.. وهي التي تؤجِّجُ الحرب المحتملة عليه، التي إذا اشتعلت ستؤدي إلى اضطرابات عاصفة بالمنطقة والعالم كله، مع موجاتٍ من التطهير العرقي والمجازر الجماعية مثل التي حدثت في البوسنة والهرسك، وبوروندي في أفريقيا، وبمثل ما يحدث في فلسطين تحت الاحتلال الصهيوني بها، وتابع جون ديوك أنتوني قولة: ... وسيتم فرض حكومة في العراق حليفة لأمريكا، مع إخراج العراق نهائياً من ميزان القوى المناهضة لإسرائيل تماماً، كما تمَّ إخراج مصر والأردن.. على أن يعمل النظام الجديد في بغداد على تنفيذ كامب ديفيد ثالثة تؤدي في النهاية إلى توطين مليوني فلسطيني واقتلاعهم من أرضهم المحتلَّة وغرسهم في العراق والأردن، وإنهاء الانتفاضة، ومسألة المستوطنات دفعة واحدة. كما أنّ الحرب المحتملة على العراق ستفتح الطريق أمام أمريكا وإسرائيل إلى نفط العراق والحصول عليه بأرخص الأسعار إحياءً لمخططٍ قديم تحدَّث عنه بن غوريون عام 1950م: [إن إسرائيل تُكلِّفُ الخزانة الأمريكية كل عام مقدار اثني عشر مليار دولار على شكل مساعدات وضمانات قروض, وأنَّ كامب ديفيد ثالثة تتطلَّع إليها إسرائيل عبر العراق لحل كافة مشاكلها المتبقية دفعةً واحدة.. وأن فاتورة السلام الباهظة التكاليف ستدفعها أمريكا لإسرائيل من أموال النفط العراقي، والنفط الخليجي عموماً، وستتحرَّر الخزانة الأمريكية من أعباء المساعدات المالية لإسرائيل، وتلقي بها على عاتق دول المنطقة نفسها]. (المصدر: صحيفة تشرين السورية ليوم الأحد في 12 كانون الثاني لعام 2003م العدد 8521 الصفحة 12 ـ عن مراسلة تشرين فاطمة عطفة من (أبو ظبي)]. .. وما سبق أن تحدَّث عنه الأستاذ الأمريكي في محاضرته مطلع العام 2003م.. قد دخل حيِّز التنفيذ مع حرب احتلال العراق العدوانية يوم 20/3/2003م، وينذِرُ بما هو أسوأ بكثير على العراق وشعبه، والأمة العربية عموماً. وقد كشف النائب البريطاني جورج غالاوي في مقال له في الديلي تلغراف مطلع كانون الثاني لعام 2003م الدوافع الحقيقية [للهيجان] الأمريكي الجارف تجاه العراق بقوله: [المسألة ليست في امتلاك العراق أو عدم امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل،و ليست في سماح العراق أو عدم سماحه للمفتشين الدوليين بالعمل دونما أية قيود، مع أنه تعاون معهم إلى أبعد الحدود؟ بل المسألة تكمن في تعنت الولايات المتحدة، وإصرارها المسبق على استخدام القوة المفرطة لإذلال العراق وشعبه، مدفوعةً بشهواتها النفطية، ومرجعيتها الصهيونية.. ومن ثم تختلق الذرائع، وتبحث عن المسوغات في أتفه الأسباب]. 2 ـ الحالة السودانية: السودان هو أكبر الأقطار العربية مساحةً، وتزيد مساحته عن مليونين ونصف المليون كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانه نحو ثلاثين مليون إنسان.. وهو غني جداً بثرواته الطبيعية والمائية، وموارده الغذائية التي تكفي وتفيض لمجمل احتياجات الوطن العربي من الغذاء، فيما لو تمَّ استثمارُها بأساليب علمية وعصرية، في ظروف من الطمأنينة والاستقرار السياسي والاقتصادي.. وفضلاً عن ذلك فهو غني بالثروات النفطية والمعادن الثمينة، ممَّ تمَّ اكتشافه في العقدين الأخيرين وبكميات كبيرة خصوصاً في جنوب السودان وغربه (في إقليم دارفور).. ممَّا أثار شهية الولايات المتحدة، وصنَّاع استراتيجيتها نحوه منذ أمدٍ بعيد.. وهذا هو السبب الحقيقي في عدم استقرار هذا البلد العربي الذي ما زال يشهد هزَّاتٍ، وهزَّات.. ما إن يندمل جرحٌ فيه حتى ينبجس جرحٌ آخر.. وأزمةٌ أخرى.. أمَّ هذا التنوع الأثني والديني داخل الشعب السوداني الشقيق فقد شكَّل [الخمائر] اللازمة والمواتية لصناعة الأزمات، والبؤر الساخنة أمام صُنَّاع الاستراتيجية الأمريكية لبسط هيمنتهم على هذا البلد العربي، ونهب ثرواته مع جهود مستميتة لم تتوقف حتى تاريخه على تفتيته، إلى كيانات هزيلة، بل إلى كانتونات صغرى.. مع منع نهوضه ووقف أية مشاريع تنموية أمام شعبه؛ مع إلهائهم المستمر بحروب، وأزمات، وانقلابات تبدو وكأنَّها من الداخل؛ ولكنها بكل تأكيد ما زالت تُطبَخُ في أقبية [المخابرات المركزية الأمريكية، والموساد الصهيوني]، ولهما اليدُ الطولى في كل ما يجري في هذا البلد من حروب وأزمات لم تتوقف منذ ما يزيد عن عشرين عاماً، وإن كان اليوم أبرزها هذا الاستقطاب الأمريكي تحت مظلة [الأمم المتحدة، ومجلس الأمن] نحو إقليم دارفور في غربي السودان.. مع توجهٍ أمريكي استراتيجي لسلخ هذا الإقليم، وأقاليم أخرى.. وسلخ السودان.. وبلدانٍ عربية أخرى عن المحيط العربي.. وعن الهوية العربية.. ضمن مشروع الشرق أوسط الجديد أم الكبير..لقد جدَّد زبيعنينو بريجينسكي ـ وهو يهودي صهيوني من أصلٍ بولوني ـ مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق للأمن القومي جيمي كارتر؛ حدَّد النهج الأمريكي في التعامل مع دول المنطقة، وصناعة أزماتها المستقبلية بقوله في خريف العام 1980م: [علينا الاستفادة القصوى من الخلافات والتيَّارات الدينية، والنعرات المذهبية، والفروقات الأثنية والقبلية في بلدان الشرق الأوسط، والوصول بها إلى الحدِّ الذي يجعل فيه تلك البلدان تشعر فيه بأنَّ الخطر الآتي إليها من الداخل يفوق بكثير الخطر الآتي إليها من الخارج]. (المصدر صحيفة الرأي العام الكويتية في 5/12/1980م ـ ص1 ـ ص20) وقد استمر التمرد في جنوبي السودان وبدعمٍ واحتواءٍ أمريكي صهيوني معلن غير مستتر طيلة عشرين عاماً؛ ولغاية إبرام اتفاقية [نيفاشا] لتقرير المصير من جانب الجنوب المتمرد العام 2005م، وفي إقليم دارفور في غربي السودان الغني بالبترول واليورانيوم والكوبالت والغابات يعمدون إلى تكرار [نيفاشا] أخرى مع تقسيم دارفور إلى أكثر من إقليم، كأساسٍ آخر لإعادة تقسيم السودان إلى وحدات صغرى.. والأمر يتكرر بتمامه في شرق السودان مع التوجه الأمريكي لفرض الطريقة نفسها على الحكومة المركزية.. كي تضمحل وتنتهي تماماً (كما آلت إليه الحكومة اليوغسلافية) وهذا بالطبع يصبُّ في حساب الاستثمارات الأمريكية، ويحول دون وجود دولة عربية ذات وزن وثقل جغرافي وسكاني في المنطقة.. ولهذا جاء الإصرار الأمريكي على تدويل المسألة السودانية. وإحالة ملف [دارفور] إلى مجلس الأمن الدولي تحت غطاء [حملات الإبادة الجماعية]، مع أنَّ الاستراتيجية الأمريكية الصهيونية تقوم أساساً على حملات إبادة منظَّمة تجاه [سكان أمريكا الأصليين من الهنود الحمر]، كما تجاه سكان فلسطين، وبالقدر نفسه اليوم تجاه شعب العراق.. وبما أن الإدارة الأمريكية ـ بمحافظيها الصهاينة الجُدد ـ تملك مفاتيح مجلس الأمن؛ بالقدر نفسه الذي كانت فيه بابوية روما أيَّام حملات الفرنجة تملك مفاتيح الجنَّة.. والحرمان من الجنَّة.. فإن الإدارة الأمريكية ـ بابوية النظام العالمي الجديد ـ قد استصدرت من مجلس الأمن الدولي القرار 1706 مطلع أيلول العام 2006م، وضمَّنته الفصل السابع من الميثاق أي فرضت واقعاً دولياً جديداً غير مسبوق في العلاقات الدولية بتشكيل قوات دولية لحفظ الأمن في إقليم دارفور باستخدام القوَّة، ودونما حاجة إلى موافقة حكومة السودان نفسها، ممَّا يشكل خرقاً فاضحاً لسيادة السودان، ولميثاق هيئة الأمم المتحدة الذي أكدَّت المادة الثانية منه في فقرتها السابعة على عدم جواز التدخل في الشأن السيادي للدول الأعضاء من أية جهة كانت، ولأي سبب كان.. في الوقت الذي يتذرَّعُ فيه الكيان الصهيوني ـ بالشأن السيادي ـ لمنع وجود حتى مراقبين دوليين لحماية الشعب الفلسطيني.. ممَّا يجعل السودان تحت مظلة احتلال [دولي] أمريكي سافرٍ جديد! وإنَّ الذي يجري في السودان يتكرَّر بتمامه في الصومال وللأسباب نفسها، وطمعاً بالثروات نفسها، ومن قبل صُنَّاع [الأزمات، والحروب] لدى الولايات المتحدة الأمريكية أنفسهم.. وحيث هناك حروب، وصدامات وأزمات وفوضى [ خلاَّقة أو بنَّاءة]... هناك أذرع الأخطبوط الأمريكي الصهيوني.. لقد نشروا وغرسوا بذور الشقاق والفتنة الدينية داخل الشعب المصري؛ ولمَّا تصدَّى لهم قداسة البابا شنودة بوعي وطني وإيمانٍ روحي كبيرين، لجؤوا إلى شق وحدة [الكنيسة القبطية]، واستحدثوا [مرجعية قبطية جديدة] غير مرجعية قداسة الباب شنودة حكيم طيَّب الله ذكره. ?وقد مكروا مكرَهم وعند الله مكرُهم وإن كان مكرُهُم لِتَزولَ منه الجبال?. و[الفوضى البنَّاءة] هي [الصيغة الجديدة]، التي طرحتها الاستراتيجية الأمريكية للهيمنة على العرب والعالم، وصناعة الأزمات والحروب.. بعد اهتراء وتآكل صيغة [الأرض مقابل السلام.. والحريَّات وحقوق الإنسان].. لأن الفوضى [البنَّاءة]، تُؤسِّسُ وتبني للوجود الأمريكي، والهيمنة الأمريكية الصهيونية التي تقدِّم نفسها على أنَّها المنقذُ و[المُخلِّصُ] للعالم كله من أزماته وحروبه.. وشرُّ البلية ما يضحك! فالأستاذ الأمريكي اليهودي الدكتور نعوم تشومسكي في محاضرته في الجامعة الأمريكية بالقاهرة يوم السبت في 22 أيار عام 1993م، قد أوجز الاستراتيجية الأمريكية تجاه الوطن العربي والعالم بحرفية النص المترجم بقوله: [إن الولايات المتحدة الأمريكية ممثَّلة في شركاتها الكبرى المتعددة الجنسيات تسيطر على العالم وتسيِّره كيفما تشاء، وتخطط مستقبله وفقاً لأغراضها دون اعتراضٍ يذكر، وهي قادرة على سوقه كما فعلت في أمكنةٍ عديدة من لعالم ليس آخرها ما جرى في حرب الخليج الثانية.. إنَّ هناك استراتيجية مشتركة بين الولايات المتحدة وشركائها تستهدف في الدرجة الأولى تأمين نفطٍ رخيص لها، مع تدوير واستثمار أموال النفط العربي في الاقتصاد الأمريكي والأوروبي... وإن هذه الاستراتيجية تعتمد في المقام الأول على الشركات النفطية نفسها، وفي المقام الثاني على وجود شرطي في المنطقة تمثله إسرائيل.. إن العلاقة الإسرائيلية الأمريكية فريدة من نوعها في العلاقات الدولية، كما في التاريخ الإنساني كله.. إن إسرائيل موجودة في قلب الشبكات الإرهابية في العالم التي تستخدمها أمريكا لفرض نظامها العالمي الجديد، وهي تنفذ لأمريكا من مهاماً قذرة ما تعجز أمريكا نفسها عن القيام بها] (صحيفة الأهرام القاهرية الأحد 23/5/1993م) هذه هي حقيقة ما يجري في العالم وفي المشرق العربي على وجه الخصوص على أيدي صنَّاع [الحروب والأزمات]، من الفرنجة [المغول] الجُدد؟ و[المحافظين الجُدد].. ممَّا يتطلب منَّا الارتقاء من [الانفعال] إلى [الفعل العربي المشترك] وتثبيت الوحدة الوطنية داخل كل بلد عربي وعلى امتداد الوطن العربي، وسدِّ الثغرات التي يتسلل الخصومُ والأعداء من مساربها إلى أغراضهم الخبيثة ومآربهم. مصادر البحث: (1) و(2) كتاب [حرب الخليج.. أوهام النصر] لمؤلفه الباحث محمد حسنين هيكل ـ مؤسسة الأهرام القاهرة ص197 و198 العام 1992م. (3) انظر كتاب [إكليل الشوك الروسي.. التاريخ السرِّي للماسونية في روسيا] الفصل الثاني ـ لمؤلفه الروسي بلاتونوف لعام 2003م الترجمة العربية عن دار علاء الدين بدمشق لعام 2004م الصفحة 235. (4) انظر كتاب [الصليبيون في الشرق] بالروسية لمؤلفه المؤرخ د. ميخائيل زابوروف موسكو ـ دار التقدم 1986م ص15. (5) انظر كتاب [الإمبراطورية الأمريكية] لمؤلفه الصحافي الفرنسي كلود جوليان رئيس قسم الشؤون الدولية في صحيفة لوموند الفرنسية الطبعة العربية عن دار الحقيقة بيروت لعام 1970م ص 39 وما بعدها. (6) و(7) و(8) المصدر نفسه رقم (5). (9) مجلة استراتيجيا الليبية العدد نيسان لعام 1992م ص90. (10) و(11) جريدة الحياة اللبنانية الاثنين 28 شباط 2005 ص18. أيضاً جريدة البعث الأحد 27 شباط 2005م ص11 العدد 12541. (12) جريدة السفير اللبنانية الاثنين 16/2/2004م العدد 9722 ص19. أيضاً جريدة المستقبل اللبنانية ليوم 7 تشرين الثاني 2003م ص1. (13) وكالات أنباء، صحافة عربية منها البعث الأربعاء 22/3/2006 ص1 العدد 12863. (14) و(15) انظر جريدة [اللواء] اللبنانية الثلاثاء ا تشرين الثاني لعام 2005م العدد 11528 ص1، ص9، ص14 نص القرار 1636 عن مجلس الأمن وكلمات رؤساء الوفود في مجلس الأمن أيضاً انظر جريدة البعث ليوم الثلاثاء الأول من تشرين الثاني لعام 2005م العدد 12722 ص1، ص2. (16) انظر [اللواء] اللبنانية ليوم الخميس 20/4/2006م ص1 العدد 11663 موضوع [مناورات وسيناريوهات محتملة أمريكية على إيران. (17) جريدة [الديار] اللبنانية الخميس 13/4/2006م العدد 6242 ص18 حول [احتمالات وخطط الحرب تجاه إيران]. 1 انظر كتاب [مذكرات هنري كيسنجر في البيت الأبيض] ترجمة دار طلاس طبعة 1985م ـ الجزء الأول ـ ص 88 وص 89 ـ دمشق. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |