|
||||||
| فهرس العدد | صفحة الدوريات |
|
التنمية الديمقراطية ـــ محمد راتب الحلاق ( تعزيز الوعي الديمقراطي من خلال حرية الرأي والديمقراطية الوطنية وثقافة الحوار) يدأب الخطاب السياسي والثقافي الذي تنتجه وسائل الإعلام المرتبطة عضوياً بالإدارة الأميركية على ترديد بعض الشعارات التي تداعب عواطف الشعوب، ويخاطبهم من حيث هم محرومون، بغض النظر عن مدى الصدق في هذا الخطاب... فبتنا نسمع بتواتر لم نعهده من قبل شعارات مثل: الديمقراطية...... والتعددية السياسية.... وتداول السلطة..... وحقوق الإنسان.... والمجتمع المدني.... وهي شعارات بعضها من بعض كما هو واضح. وغاية الإدارة الأميركية، في نهاية المطاف، خلق البيئة الثقافية والسياسية المستعدة لتقبل قيم السوق، وطمس الهويات الثقافية والسياسية والحضارية المناقضة، بعد تسفيهها، والحط من شأنها، بقصد تعميم القيم الأميركية، بعد رفعها إلى مستوى القيم الإنسانية العامة. وتعتمد الإدارة الأميركية في اختراق المجتمعات التي ما زالت تملك إرادة الممانعة وثقافة المقاومة، على أفراد تم تأهيلهم لتسويق السياسات الأميركية وبيعها للشعوب المستهدفة، مستغلين ما تعانيه هذه الشعوب من قهر واستبداد وفساد وظلم ذوي القربى... ومع أن هؤلاء الأفراد معزولون. ولا يمثلون قوة سياسية أو اجتماعية يعتد بها، إلا أن الواقع المتردي الذي يعاني منه المواطن، نتيجة سوء تصرف بعض من بيدهم القلم، يعطي لخطابهم بعض الوجاهة وبعض المصداقية. وإذا أخذنا شعار (الديمقراطية) الذي يحفل به خطاب هؤلاء فسنجد أنه كلام حق أريد به باطل، ذلك أن الديمقراطية ليست موضوعاً ميتافيزيقياً مفارقاً، تدور حوله سجالات النخبة من مفكري السلطة والمعارضة... وإنما هي موضوع عياني يمثل حاجة حقيقية للوطن وللمواطن، بل هي ضرورة بكل ما تعنيه كلمة ضرورة من معان، من أجل أن يتحمل كل مواطن كفلاً من المسؤولية في مواجهة أعباء وجوده كمواطن وكإنسان، ومواجهة ما يتعرض له الوطن والأمة من ضغوط هائلة هدفها تبديل القناعات وتبديل السلوك (على حد تعبير كونداليزا رايس حين كانت تقصد القطر العربي السوري تحديداً). ودون الديمقراطية يبقى المواطن كماً مهملاً، ومجرد رقم في سجلات النفوس، جرت العادة أن يتم الكلام باسمه والتصرف نيابة عنه.. وكأنه قاصر أو سفيه لا يؤتى من حقوقه شيئاً!.. ويوم يعطي هذا المواطن حقوقه، كمواطن، سيجد الأميركيون، وبعض الأفراد من مناضلي الفنادق الفخمة والفضائيات (إياها) أن نقبهم طلع على حجر كما يقولون، لأن الديمقراطية ليست من مصلحة أميركا، ويوم يحظى المواطنون العرب بالديمقراطية الحقيقية لن يكونوا إلا في الجهة المتناقضة مع السياسات الأميركية، وإلا في الجهة المقاومة لها، نظراً لصلفها وانحيازها وعدائها للعرب والمسلمين وقضاياهم. وأغرب ما في الأمر أن تأتي الدعوة إلى الديمقراطية ممن باتوا يعرفون بالليبراليين العرب الجدد، وأن يكون صوت هؤلاء من أكثر الأصوات ضجيجاً في المحافل التي أعدت لهم بعناية فائقة، ليرطنوا بما يتناقض مع تاريخهم، وما عرف عنهم من سلوك يوم كان قلم السلطة في أيديهم.. فمعظم هؤلاء جاؤوا من جذور غير ديمقراطية، بل من جذور كانت إلى وقت قريب تناصب الديمقراطية، ـ ولا سيما الديمقراطية السياسية ـ العداء المطلق، وتتهم من ينادي بها بالرجعية والبورجوازية العميلة وبمعاداة الجماهير.. لأن هؤلاء كانوا بالديمقراطية الاجتماعية، قبل أن يكتشفوا مؤخراً، بقدرة قادر، نعميات الديمقراطية السياسية، ويعدونها أصلاً لكل إصلاح... مع أن تحليل مفهوم الديمقراطية إلى ديمقراطية سياسية وديمقراطية اجتماعية، وإعطاء إحداهما الأولوية على الأخرى، تحليل زائف لشيء موحد لا يقبل التجزئة.... فالديمقراطية ذات وجهين: سياسي واجتماعي بطبيعتها، والوجهان يحضران معاً ويغيبان معاً، فلا ديمقراطية سياسية في مجتمع لا عدالة فيه ولا تكافؤ فرص ولا مساواة... ولا ديمقراطية اجتماعية في مجتمع يفتقد المؤسسات القادرة على الانتقاد والمساءلة والمحاسبة ومعاقبة السلطة الفاسدة بإسقاطها وتبديلها، ويفتقد الثقافة الديمقراطية التي تؤمن بالتعددية وبحق الآخرين في الاختلاف معنا، لأن الاختلاف من الأمور الطبيعية التي تتيح لنا إمكانية رؤية الأمور من جوانبها المختلفة، ومن الزوايا كافة، مما يؤدي إلى تكامل وجهات النظر، وكما قال (عبد الحميد الزهراوي): "لو كان الحق شيئاً محسوساً لما كان للأفراد ولا للأقوام مناص من الاختلاف في رؤيته، لتعدد المجالات التي يتجلى فيها، ولاختلاف درجات أبصارهم، وتباين مواقع أشخاصهم بالنسبة إلى مواقع ظهوره، فكيف والحق شيء غير محسوس، وإنما تدور حوله المدارك، مستعينة بالتجارب واستقراء النتائج.....". فلا ديمقراطية دون ديمقراطيين يؤمنون بالتعددية، وبنسبية الحقيقة، وبأنها ليست ملكاً لفرد أو جهة بعينها.... وهذا لن يحدث إلا في بيئة ثقافية ديمقراطية، يسلك كل فرد فيها سلوكاً ديمقراطياً بصورة عفوية، في البيت والشارع والمدرسة ومكان العمل..... وفي كل مكان يقتضي قيام علاقات اجتماعية، حيث يتمتع الفرد بحرية التعبير عن رأيه وفكره ومشاعره... وهو آمن على نفسه ومصالحه، مما يفسح في المجال واسعاً أمام المبادرات الخلاقة والمبدعة، ويحول دون تحكم قلة متنفذة في مصائر الوطن والمواطنين. وقبل أن أمضي في حديثي لا بد من الاتفاق على تعريف الديمقراطية، وهو ما كان علي أن أبدأ به ورقتي هذه...... والديمقراطية، فيما أزعم، ليست ما تعبر عنه تلك الجملة الإنشائية المنمقة ولكن غير ذات الدلالة التي تعلمناها في المدرسة والتي تقول: الديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب ولمصلحة الشعب، لأن السلطة، في أي مجتمع من المجتمعات، وبصرف النظر عن نمط الحكم فيه، تمارس من قبل نخبة (سياسية أو عسكرية أو اقتصادية أو تكنوقراطية....)، وعند النخبة الحاكمة دائماً الرغبة في التخفف من القيود التي تمارسها المؤسسات الرقابية المختلفة، مما يؤدي إلى ظهور سلطة مستبدة، وإن كان ذلك من خلف واجهات ديمقراطية غالباً، من أجل التمويه والتدليس.. بل إن بعض الثورات الشعبية، التي حملت بعض الأحزاب إلى السلطة بتأييد جماهيري كاسح ما لبثت، في كل مكان حدث فيه ذلك، أن تحولت إلى ديكتاتوريات مستبدة وقاهرة للجماهير التي حملتها إلى سدة السلطة، مما حول الآمال الثورية العريضة إلى كوابيس من الاضطهاد والاستبداد. والمفارقة التي ما زالت تبحث عن تسويغ معرفي وموضوعي لها أن السلطات التي حكمت باسم الثورات الشعبية قد تبادلت العداء المرير مع الديمقراطية، وحرمت الجماهير منها، حتى صار الذهن يذهب مباشرة إلى وضع الثورة في الجهة المناقضة للديمقراطية، بينما كان المتوقع أن تشد كل منهما أزر الأخرى، وأن تشق كل منهما الطريق للأخرى، وأن تكونا اسمين لمسمى واحد... أقول هذا وأنا أعلم أن أعتى النظم الاستبدادية قد حملت أسماء ديمقراطية ورفعت شعارات ديمقراطية ويا للعجب!!!. الديمقراطية ليست غاية في حد ذاتها، كما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، وإنما هي وسيلة لإقامة الحكم الرشيد أو الحكم الصالح، وهي جملة الإجراءات والضمانات الكفيلة بالحيلولة دون وصول جهة ما إلى الحكم، في مجتمع من المجتمعات، ضد رغبة الأغلبية، والحيلولة دون استمرار هذه الجهة في السلطة إن استطاعت أن تصل بوسيلة من الوسائل، مع الحرص الكامل على حقوق الإنسان بما هو إنسان وبما هو مواطن، ومراعاة حقوق الأقليات أياً كانت، وفسح في المجال أمام المرأة لتأخذ دورها كاملاً في العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي.... وفي صناعة القرار في المجتمع ككل وليس فيما يخصها فقط. وبعبارات أخرى أقول: إن الديمقراطية تعني العمل المؤسساتي الذي يحول دون تغّول بعض أجهزة الدولة على السلطة، والذي يسمح للمواطنين أن يتعايشوا معاً، في ظل قانون سيد، بالرغم من اختلافاتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأيديولوجية... في مجتمع واحد يسمح بالتنوع والتعدد، وبحرية التعبير عن هذا التنوع والتعدد... إذ دون وحدة المجتمع يتحول إلى قبائل وطوائف وإثنيات وكيانات تعيش في معازل متناحرة، ودون التنوع والتعدد يتوقف الحراك السياسي والثقافي والاقتصادي.. ويدخل المجتمع في سكونية بليدة هي أقرب إلى الموت منها إلى الحياة. وبناء على ما سبق يمكن القول: إنه لا يجوز التضحية بوحدة المجتمع باسم التعددية، كما لا يجوز قمع التعددية باسم ضمان وحدة المجتمع وتماسكه. ومفهوم الديمقراطية لا يعني حق الأغلبية في مصادرة قرار المجتمع لصالحها بقدر ما يعني حق الآخرين في الاختلاف، والاعتراف بأن لهم حقوقاً معتبرة من حيث هم بشر ومن حيث هم مواطنون. ولا أعرف إن كان عليّ أن أؤكد أنه لا ديمقراطية دون قيام المواطنين باختيار النخبة الحاكمة، ودون تعددية سياسية يعبر كل طرف فيها عن برنامجه ورؤيته بحرية تامة بحماية القانون، ولن يكون هذا الاختيار حقيقياً إذا وضع المواطن أمام خيارات محددة ومقررة سلفاً من جهات وصائية، أياً كان الاسم الذي تحمله. وبعد: فإنني أزعم بأن غاية الفكر السياسي، والنضال السياسي، في العصور كلها هي الوصول إلى الحكم الصالح أو الحكم الرشيد، ولن يتم ذلك، ولا يمكن أن يتم، دون الديمقراطية... والديمقراطية، كما أفهمهما، لا تختزل إلى حكم الأغلبية العددية، أو حكم الأكثرية التي تفرزها صناديق الانتخاب، كما يحاول بعضهم أن يفعل، في تبسيط ساذج لمفهوم الديمقراطية، لأن الديمقراطية الحقيقية تسمح، بل تعمل في سبيل إتاحة الفرصة أمام الأقلية، أياً كانت طبيعتها، للتعبير عن مصالحها وأفكارها ومشاريعها، والسماح لها بالمشاركة الفعالة في صنع القرار في المجتمع ككل، وليس فيما يتعلق بها فقط، وحماية ذلك كله بقوة القانون. لأن الزعم بحق الأغلبية العددية، التي ستحصل حتماً على الأكثرية البرلمانية، في تولي السلطة دون أن تخضع للمساءلة أمام مكونات المجتمع وأقلياته، يعني السماح لهذه الأغلبية بالتغوّل، بذريعة ما تخوله لها النصوص القانونية نتيجة حصولها على الأكثرية، وهي ذريعة صورية محضة، يستغلها المستغلون لهضم حقوق شرائح هامة في المجتمع، ولا سيما حين يكون مشروعها الانتخابي مدعوماً بضمانات طائفية أو إثنية (كما في حالة لبنان والعراق)، مما يحول هذه الأكثرية إلى وجه آخر من وجوه الاستبداد والديكتاتورية، بل إلى أمقت الديكتاتوريات، لأنها تلبس عباءة الديمقراطية، وإن كانت عباءة صفيقة وتبسيطية. وتظهر ديكتاتورية الأكثرية البرلمانية، أكثر ما تظهر، وأوضح ما تظهر، في المجتمعات التي تتكون من هويات صغرى متجاورة، لم تصل بعد إلى درجة التماهي التام في هوية كبرى للمجتمع، لأسباب داخلية حيناً، ولأسباب خارجية غالباً، إذ تحاول بعض الجهات إيقاظ النائم من الخلافات والاختلافات والتناقضات، وإبراز الخصوصيات الفئوية، والتركيز عليها، وتضخيمها… بعد أن كادت أن تدخل في نسيج الهوية العامة للمجتمع….. وهذه المجتمعات ليست مجرد مجموع حسابي لأفراد متشابهين في كل شيء، كل منهم مواطن، له ما للآخرين وعليه ما عليهم، حسب الصورة اليوتوبية للمواطن، التي يشتغل عليها علماء الاجتماع والباحثون في الفكر السياسي، هذه الصورة التي لم تتجسد في الواقع قط، والتي كان النضال من أجل تجسيدها، وما زال، وسيبقى هدفاً للعمل السياسي والاجتماعي في كل زمان ومكان. والمفارقة التي نراها من حولنا أن هذه الأكثرية البرلمانية، في مجتمع متعدد المشارب، تعجز عن ممارسة حقوق أكثريتها، وتعجز عن ممارسة الحكم بمفردها، رغم ما تملكه من قدرة على نيل الثقة وتمرير القوانين…؟!. ولحفظ حقوق المواطنين جميعاً لا بد من قانون انتخاب عادل يتم الاتفاق عليه مع الاستفادة القصوى من تجاربنا وتجارب الآخرين. وليست الديمقراطية، كنظام من الإجراءات التي تراقب عمل السلطة وتحاسبها وتضع تراتبيتها وآلية اتخاذ القرار فيها (السلطة)، شيئاً واحداً متجانساً يمكن فكه وتركيبه في أي زمان ومكان… بل إن هذه الإجراءات تنبع من ثقافة المجتمع، وتناسب مرحلة تقدمه ونموه… فالعبرة في النتائج وليست في الشكل والصورة، فديمقراطية فرنسا غير ديمقراطية بريطانيا، وكل من هاتين تختلف عن ديمقراطية الولايات المتحدة الأميركية، وجميعها تختلف عن ديمقراطية اليابان أو ديمقراطية الهند.. وطالما أن الأمر كذلك فمن حقنا، ومن حق أية أمة، أن تضع الأنظمة والإجراءات التي تحقق غاية الديمقراطية، شرط ألا يتخذ من ذلك ذريعة لتفصيل ديمقراطية على قياس بعض المتنفذين. |
|
| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |